|
رمضان .. شهر التصفية الروحية
◙
ان المسلمين في جميع بقاع الأرض يحتفلون بقدوم رمضان ويعلنون ابتهاجهم
بهذا الشهر العظيم وجدير بهم أن يحتفلوا ويبتهجوا، لأنه شهر حافل بالخيرات،
معمور بالبركات، فهو ركن من أركان الاسلام الخمسة، ودعامة من دعائم الدين
التى يقوم عليها وإنَّ الله جلت قدرته لا يفرض فرضاً ولا يقدر امرا إلا وله
حكمة سامية وسر عجيب يدركه العقل الرشيد، ويقدره من سمت مداركه ورسخ ايمانه،
واستنار عقله، وها هو الصوم وسره، وشهر رمضان وفضله..
فالصوم كف النفس عن شهوتى البطن والفرج، واذا ما كف الانسان نفسه عن هاتين
الشهوتين كان ملكا طاهرا وعبدا لله مخلصا واستحق شرف العبودية التى يعنيها
الله في قوله {ان عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا}1
والله سبحانه وتعالى، يغار على عبده هذه الغيرة وينزل عليه نعمه المتتالية
ظاهرها وباطنها.. {وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها}2
.
ومن هذه النعم فرضه الفرائض التى يعود نفعها على العباد فحسب، فمن جد فيها
واجتهد واخلص لمولاه حق الاخلاص كانت له الحسنى والزيادة والتمتع بالجنة
ونعيمها التى فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. احفظ
الله يحفظك.
وها هو الصوم قد أحاطه الله بأسراره البالغة، ونفع هذه الاسرار يعود على
العباد خاصة، فالصوم من طبعه يحول بين المرء وبين امتلاء المعدة التى هى
علة العلل، وقد أجمع الاطباء على أن المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل
دواء، وقال بعض الحكماء "الدواء الذى لا داء معه الا تأكل الطعام حتى
تشتهيه وان ترفع يدك وانت تشتهيه "، ومن غير شك ان حفظ الجسوم يُعَدّ حفظا
لكيان الأمة والشعوب.
وهناك فائدة أخرى تنجم عن الجوع، وهى المحبة والوئام بين الناس بل وبين
العبد وربه، فإن الانسان عندما يشعر بالجوع وشدة الظمأ يحصل له الذلة
والانكسار وعندئذ يشعر بحاجته لمولاه، ليتواضع لبارئه الذى خلقه وسوَّاه،
ويطرح رداء الكبر والعظمة فإنها من صفات الله جل جلاله حيث يقول محدثا عن
نفسه جل وعلا "الكبرياء ردائى والعظمة ازارى فمن نازعنى فيهما قصمته ولا
ابالى "3
واذا ما ترك العبد هذا لمولاه نجده يعطف على الناس ويتودد إليهم،
وإذا أحس من الجوع ولوعته أحسَّ بحاجة الفقير الى الطعام، وكان الناس وقتئذ
اخوانا متحابين وكانوا كما قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم}: "ترى
المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى
4.
قيل ليوسف الصديق لم تجوع وأنت على خزائن الأرض حفيظ؟ قال أخاف ان أشبع
فأنسى الجائع، فالجوع يدفع صاحبه الى البر والاحسان، ورمضان هو الموسم لمن
أراد الربح العظيم، فقد صح ان رسول الله {صلى الله عليه وسلم} كان اجود
الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه
كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي {صلى الله عليه وسلم} القرآن
فاذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود الناس بالخير من الريح المرسلة..
رواه البخارى عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
ص151 |
أم القــرى
نور على (البطحاء) لماح الذرى
يهدى الفروق ضياءه والاعصرا
لمعت على الوادى المقدس شعلة
تركت دجى الدنيا نهارا مسفرا
مست شرارتها الحياة فاشعلت
(مثلا) اشف سنا واكرم جوهرا
هزمت اشعتها الظلام وزلزلت
(كسرى) وراء الخافقين و(قيصرا)
طلعت على التاريخ وهو سخافة
كبرى تخط بها الخرافة اسطرا
(العنصرية) تستبيح كيانه
وشوائب التمييز تخدمه برى
وشريعة الغابات تنتظم الدنا
والحق مطلول الدماء مهدرا
فاذا (ابن عبد الله) يرفع صوته
ويدك ما شاء الضلال وسورا
في (دعوة) كالشمس ساطعة السنا
تهدى الضليل وترشد المتحيرا
الفضل للاعمال في دستورها
لا للمناصب والمناسب والثرا
واذا البرية تحت ظل لوائها
اسلامها القربى وتقواها العرى
أمم تؤلفها (العقيدة) نسبة
ومن العقيدة ما يفوق العنصرا
أرض التجرد والتعبد والهوى
والفيض والنغمات في دنيا الورى
هتفت بأعماقى الهواتف والصدى
عذب من الانغام قدسى السرى
(الله اكبر) موجة من زاخر
عبرت غواربها المحيط الاكبرا
(الله اكبر) صيحة من ظافر
ملأ اليقين فؤاده وتفجرا
(الله اكبر) لفتة من حائر
لاح الطريق له فشمر وانبرا
(الله اكبر) لفظة فتحت بها
والمسلمون يد مغاليق الذري
أعلت سواعدها الفتوح بظلها
علم يوحدها قوى وتجمهرا
ص155 |
ســيِّدُ الشُّهُور

{
شهر رمضان الذي أنزل فيه
القرآن هـدى للناس وبينـات مــن الهدى والفـرقـان
}.
ها هو ذا سيد شهور السنة، قد
أطل علينا من كوة الزمن بوجهه السمح الوقور، في اشراقة باسمة متهللة كأنها
فلق الصبح، ويفيض روحانية وتتجلى فيه تقوى الايمان العميق، يمنا وخيرا
وطمأنينة وأمنا.
ففى أيامه الغر الحسان،
ولياليه المتعاطفة المتألقة.. تجتمع المشاعر على الحب اخاءا، وتتعانق
القلوب على الود وفاءا، وتجرى الصدقات على الايدى احتسابا..
وفيها تبرز المشاركة
الوجدانية بمعانيها الوجدانية وبمعانيها الانسانية السامية السخية.. تفقدا
ورعاية، وحدبا، ورفدا.. حين تنسى الاحقاد، وتنام الضغائن.. ويقبل بعض الناس
على بعض ـ باخلاص ـ فرحين ومهنئين.
فبخ بخ له من شهر عظيم
.. تستيقظ فيه الضمائر الغافية، وتتفتح القلوب المغلقة، وتتهيأ النفوس
للايثار بعد أثره، وتلهج الألسن بالشكران على كل نعمة.. وتستغفر الله
ابتغاءا لمرضاته.
فالجوع فيه، رياضة تعرب
في صمت عن لذعاته، والكف عن الاذى باليد واللسان من أبرز ميزاته.. واجتناب
المحارم ظاهرها وخفيها، من أخص واجباته.. ومحاسبة النفس على ما اجترحت
وقارفت بعض سماته.. وعطف الغنى على الفقير والبائس والمعتر، من حسناته..
واستشعار الندم على التفريط من لمساته.. والاقبال على صيامه وقيامه، من أجل
وأسمى صفاته، انه لشهر كريم مبارك.. يطالعنا مرة واحدة في كل عام، ننفض ـ
خلاله ـ غبار المتاعب عن كواهلنا المرهقة، ونريح أعصابنا المشدودة الى
العمل الدائب.. لنتجه بكل ما نملك من قدرة، ومن طاقة.. الى زاد ندخره
لأخرانا حين ينصب الميزان، ويتجلى الديان.. يوم لا ينفع مال ولا بنون الا
من أتى الله بقلب سليم.
إنه شهر امتحان.. للإيمان
وللصبر والاخلاق.. للايمان خشية وتقوى، ثباتا وقوة، وللصبر الصابر في ذروته
أزاء كل مكروه كارب.. والاخلاق في سموها وترفعها عن كل ما يشين.
وبعد، فكل ما نرجوه،
ونطمح فيه، ونرنوا اليه، هو: أن نجتاز فترة الامتحان الصعب بتفوق.. لنستقبل
ـ من بعده ـ العيد، بفرحة غامرة، وسرور بالغ.. يوحيان بالثقة التى احتجبت
زمنا طال به الامد.. بفعل الظروف ـ وكم لها من مدهشات، جاءت بقسوتها
العاتية وشدتها العارمة.. لتقول: هأنذا قد عدت مؤكدة لوجودى بينكم.. فلا
تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون.
اذن، فنحن بما نبديه من
صادق المشاعر، تعاطفا وحبا وايثارا، إزاء الأشقاء.. قد برهنا على خلاص
معدننا من الشوائب والرواسب، واننا ـ معهم ـ بكل حواسنا تفكيرا واتجاها
وبما في حوزتنا من امكانات وقدرة.. قوة روحية ومادية.. على أساس من العقيدة
الراسخة، فهما عميقا، وادراكا ذاكيا، لجوانب الحق والعدل، وكافة ما يعتور
الموقف المدلهم من النتائج.
ص156 |
من الاجترار .. إلى الابتكار

د. طاهر تونسي
- جدة -
◙ يذهب أبناؤنا الطلاب إلى
مدارسهم يوميا فيجلسون إلى مقاعد الدراسة ويدخل عليهم المدرسون، فإذا كانوا
في مقاعد الدراسة الابتدائية طلب منهم مدرسهم حفظ هذا النشيد أو ذاك، ويطلب
الآخر حفظ معانى الكلمات ويطلب ثالث حفظ درس التاريخ والجغرافيا وهكذا
دواليك.
لست هنا بصدد مناقشة درس
القراءة والأناشيد والتاريخ والجغرافيا وغيرها، ولكن الخلاف يكمن في
الطريقة التى نستعملها لتدريس هذه المواد التى هى في الأساس وضعت لزيادة
مقدرة الطفل على التفكير والخيال والابتكار ، اننا نطلب من هذا الطفل
الصغير حفظ هذا الكم الهائل والمعلومات لينساها بعد ذلك بعد اجتيازه
للامتحان، ويبدأ في العام المقبل في حفظ مواد جديدة لتتكرر عملية النتح.
ان هذا النهج التلقينى في
الابتدائية والمتوسطة والثانوية يؤثر في تصورى سلبيا على طريقة الطالب
وتفكيره.
يجلس إليَّ بعض الشباب
فيسألنى أحدهم عن حكم الشريعة في مسألة من المسائل، فأسأله: ماذا لو لم تجد
من تسأله؟ كيف ستصل الى الحكم عن طريق مكتبة الجامعة؟ ما هو منهجك في البحث
عن حكم فقهى؟ أتتوقع ان توجد كل الأحكام في مقررك المدرسى؟.
يجب أن نحث طلبتنا على البحث
والابتكار وديننا الاسلامى يحثنا على تصحيح مسيرتنا التعليمية التلقينية
لتصبح ابتكارية تجديدية.
قال تعالى : {كذلك يُبين الله
لكم الآيات لعلكم تتفكرون}.
إن حفظ المعلومة عن ظهر قلب
ليس هدفا في ذاته ولكن التفكير من أجل استكشاف آفاق جديدة هو الهدف الحقيقى،
وتراثنا العربى الإسلامى عامر بالشواهد الكثيرة التى تحث على الابتكار
وتهاجم التقليد لما له من تعطيل للملكات والمواهب، فالفارابى المفكر العظيم
يرى أن الفهم أفضل من الحفظ وذلك أن الحفظ ـ كما يرى ـ يكون معقوله في
مستوى الألفاظ.
ويقول الفارابي ما نصه:
"إذا
كان معقول الإنسان فيما يحتوى ويعرض له من جزئيات فإنه لا يأمن الغلط
والضلال ولعل الذى يعرض له في حياته لا يكون من جنس ما حفظه "، أي أن
الفارابى بمعنى آخر يرى أن الذى يعتمد على مجرد الحفظ سيواجه أمورا ومشاكل
ليست من التى حفظها عن ظهر قلب ولكن الذى يتدرب على ايجاد الحلول يكون أقرب
إلى أن يجد الحلول المنطقية والحجج والبراهين المقنعة.
وقد انتقد ابن خلدون في
مقدمته الشهيرة الطلاب الذين يجلسون في الدرس صامتين دون أن تكون لهم أدنى
مشاركة، سائلين أو مخالفين أو مستزيدين.
وليت شعرى لو جاء ابن خلدون
الى مدارسنا حيث يمارس كثير من المدرسين هوايتهم الشهيرة في قمع كل محاولة
للطالب أن يعبر عن رأيه.. بمنتهى القسوة متعذرين بسياسة ضبط الأمور ولئلا
يلقى الحبل على الغارب، كما يزعمون.
ص158 |