|

إعداد: السماني كمال الدين -
المنهل
كلمة معالي وزير الثقافة
والإعلام في حفل افتتاح ملتقى العقيق الثقافي
بسم الله الرحمن الرحيم..
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين..
أساتذتي الأفاضل.. وأصحاب
الفضيلة والمعالي.. والإخوة والأخوات..
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته..
أما وقد حَلَّق بنا أستاذي
الدكتور محمد العيد الخطراوي.. أعتذر أنني سأعيدكم مرة أخرى إلى الأرض
وتضاريسها ونتوءاتها..
وأود في البداية أن أقدم الشكر
للأخ العزيز الدكتور عبد الله العسيلان رئيس نادي المدينة المنورة الأدبي
الثقافي على أن أتاح لي هذه الفرصة..
أولاً: لزيارة مسجد الرسول عليه
الصلاة والسلام..
وثانياً: لأن أمثل أمام هذه
النخبة من مفكري ومثقفي هذه البلدة الطيبة وكذلك أن أقف أمام أستاذي الأستاذ
محمد حميدة وأقبل جبينه وهو الأستاذ الذي رَبَّى أجيالا وأجيالا من شباب ورجال
هذه المدينة المنورة..
وهي تربية لم تخل من خيزرانة أو
اثنتين.. في شتاء المدينة القارس.. لمن تأخر دقيقة أو حتى دقيقتين عن الحضور في
الموعد المحدد للناصرية.
وقد طلبت من الدكتور عبد الله
العسيلان أن نؤجل تاريخ هذه الاحتفالية حتى أتأكد من مناسبة حضوري لها.. ولكنه
أصر.. فقلت: لعل أن يكون ختامها مسك..
الإخوة والأخوات ..
حينما نستعيد طرفا من ذاكرة
الثقافة في المملكة العربية السعودية فإننا ندرك كم أنفق جيل الرواد من جهد
وتعب وكم عانوا من مشقة حتى يُسمِعُوا الآخرين صوت الأرض التي اختارها الله
سبحانه وتعالى لتكون مهبط وحيه ومستقر رسالته الخاتمة.
وليعيدوا إليها من جديد بعض
أمجادها.. ويكشفوا عن تراثها وآدابها ودروبها وآثارها..
في طريق محفوف بالعثرات.. لكن
رائدهم في ذلك ـ بعد التوكل على الله تعالى ـ ما وهبهم الله من علم ومعرفة. وما
حباهم من قدرة على الإبداع، وما تحلوا به من صبر وإصرار ومثابرة وإرادة..
ويأتي رائدنا الكبير.. الشيخ
عبدالقدوس الأنصاري رحمه الله في مقدمة تلك الكوكبة من روادنا..
فعبدالقدوس الأنصاري اجتمع فيه
في وقت واحد المربي والراوي والشاعر والصحفي والناقد والمؤرخ والآثاري واللغوي،
وكان بحق علامة مهمة في ثقافتنا ومسيرتنا الفكرية..
ولم يقف تميزه عند هذا الحد..
بل إنه كان من أصحاب الأوليات.. فهو صاحب أول رواية في تاريخ هذه البلاد.. وهو
صاحب أول مجلة أدبية في بلادنا.. وهي مجلة المنهل التي كانت منذ تأسيسها منبراً
للثقافة العربية وراعية لأجيال من المثقفين في الوطن العربي الكبير..
واستطاعت بدأب عبدالقدوس
الأنصاري وصبره أن تفتح الباب مشرعاً أمام ألوان جديدة من الأدب كالقصة القصيرة
والمسرحية والمقالة وأن تصبح سجلا لتاريخ المملكة لما تضمنته أعدادها من
معلومات ثرية ومهمة في كافة جوانب تاريخ البلاد.
أما في مناحي المعرفة الأخرى
فقد كان عبدالقدوس الأنصاري رحمه الله من العلماء الأفذاذ بما أسداه إلى
الثقافة العربية المعاصرة فكان من أوائل المشتغلين بعلم الآثار في بلادنا..
إضافة إلى كتبه الرائدة في التاريخ وبحوثه ومقالاته في اللغة والتراجم.. مما
يجعلنا أمام عالم كبير يعيد إلينا جانباً من جوانب العلم في الحرمين الشريفين
ويضفي بمزيد من الضوء على خصوبة الحركة العلمية والأدبية في المدينة المنورة
آنذاك..
وأستعيد هنا كلمات عبدالقدوس
الأنصاري رحمه الله وهو يسترجع تلك الفترة التي عاشها مع إخوانه وأنداده في
المدينة المنورة.. وهم يسلكون طرقا جديدة ويطرقون أبوابا ظلت ساكنة ومغلقة..
ويحاولون تفكيك مفاهيم استعصى عليها إدراك أن الحياة مسيرة لا تتوقف إلى أن يرث
الله الأرض ومن عليها..
يقول رائدنا الكبير:
كانت البيئة بيئة يسودها
الاستئناس إلى الدعة والراحة والبقاء على الحالة المألوفة.. بدون أن يكون هناك
مجال للتعديل أو التبديل.. كانت معيشة الناس وطرائق حياتهم ومناهج تفكيرهم
محدودة مرسومة الخطى.. بيئة لا تنشد التطور ولا تبغي عن تقاليدها الموروثة
تبديلا.. بيئة هذا شأنها عجيبة أن تنبت تربتها شخصية لامعة أو فكراً يحاول قلب
الأوضاع ويسعى لتبديل الحال إلى حال أحسن..
وكان الناس يعيبون على هؤلاء
الناشئة التي تبدو منهم بوادر مريبة من أفكار تُسائل بعض ما تواطأ عليه الناس،
وينحون بالشعر والأدب نحوا كان ملتويا في أنظارهم وغير ذي موضوع في نظر آخرين..
ويفضي في نظر بعضهم إلى نتائج لا تقرها الأوضاع التقليدية المألوفة..
وكانت سحب النقد المر حينا
واللين حينا تظللهم ليقلعوا عن هذه البدع الجديدة التي ملكت عليهم لبهم..
وليهجروا هذا الاتجاه المريب الذي يسلكونه..
ويأتي عبدالقدوس الأنصاري على
ذكر حلقات الدروس في المسجد النبوي الشريف والذي كان يدرسه فيها الأستاذ محمد
الطيب بن إسحاق الأنصاري رحمه الله، وما اتسمت به دروسها من طابع التحرير في
التفكير والنزوح عن الجمود والدعوة الصارخة لاستعمال العقل في مسائل العلم
والحياة والتقدم والنمو، والتشجيع على حرية البحث والاستنتاج وتحري الحق
والحقيقة أينما كانت..
ومضى ذلك الجيل في طريقه ـ كما
يقول الأنصاري ـ غير مبال بقوارص الكلام.. ولا بقوارع التبكيت.. ولا بعقارب
الحقد التي تدب من كل جانب..
أيها الإخوة والأخوات..
إن وزارة الثقافة والإعلام تجعل
في مقدمة أهدافها الاحتفاء برموز الأدب والثقافة والفكر في بلادنا.. وتدرك أن
من حق الأجيال الجديدة معرفة أولئك الرواد الكبار.. وأن هذا الملتقى وأمثاله
مما تقوم به الأندية الأدبية الثقافية يساهم في رؤية جديدة للثقافة وتراث
المملكة.. ويدفع إلى معرفة علمية عميقة في قيم النهضة والتقدم والاستنارة في
بلادنا.. ويلغي القطيعة بين الأجيال.. ويجعل ما بين أيدينا من أدب وفكر امتدادا
طبيعيا للحراك الثقافي الذي عاشته بلادنا..
الإخوة والأخوات..
أتمنى لهذا الملتقى التوفيق
والنجاح بإذن الله.. وأرجو أن يسهم في مزيد من فهم واقعنا الثقافي والأدبي..
ولا يفوتني وأنا أقف أمامكم أن
أتوجه بالشكر إلى زملائي الكرام أعضاء مجلس الإدارة السابق على جهودهم الجليلة
التي تذكر فتشكر.. كذلك أتمنى لأعضاء المجلس الجديد التوفيق والنجاح..
وأشكركم جميعا على مشاركتكم
وحضوركم..
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته..
كلمة رئيس تحرير مجلة المنهل في
حفل افتتاح ملتقى العقيق الثقافي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
معالي الأستاذ إياد بن أمين
مدني
وزير الثقافة والإعلام - حفظه
الله
سعادة رئيس نادي المدينة
المنورة الأدبي الثقافي
السادة أعضاء اللجنة التحضيرية
للملتقى
السادة ضيوف الملتقى
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته..
بدءاً أوجه شكري العميق لمعالي
وزير الثقافة والإعلام على رعايته لهذا الملتقى كما أتقدم بشكري العميق لنادي
المدينة المنورة الأدبي ممثلاً في رئيسه الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن عبدالرحمن
العسيلان وأعضائه الأكارم على هذه اللفتة البارعة التي تمثلت في إقامة (ملتقى
العقيق) في دورته الأولى المخصصة لتكريم الوالد الرائد (عبدالقدوس الأنصاري)
رحمه الله.
- والشكر موصول لأعضاء اللجنة
التحضرية لهذه الدورة.. وكذلك لكل الأساتذة والأستاذات المشاركين والمشاركات في
فعاليات هذه الدورة.
- الأستاذ الرائد عبدالقدوس
الأنصاري يعرفه الجميع من خلال لقاءاته ومحاضراته.. يعرفه الجميع عالماً محققاً
لغوياً.. ويعرفونه أديباً رائداً ويعرفونه مؤرخاً وباحث آثار.. بل يعرفونه
رائداً من رواد الصحافة الأدبية في بلادنا.
- أما الأنصاري في جانبه
الإنساني وعمقه وأبعاده فهذا لا يعرفه إلا المقربون إليه أسرة أو عملا أو
صداقة.
- الأستاذ الوالد عبدالقدوس
الأنصاري في جانبه الآخر (الإنساني)، كان أباً عظيماً ومربياً عطوفاً يفيض
حناناً دافقاً ومحبة خالصة، وإنسانية تسع الأقربين والأبعدين.
- الأنصاري في أسرته وبين
أبنائه وأحفاده، كان قريباً منهم.. يحوطهم بدافق أبوته ويسعدونه ببنوة تفيض
حباً واحتراماً.. تقديراً وإكباراً.. يداعب الصغير، ويلاعبه ويلاطفه.. يصادق
الكبير، ويقربه إليه، ويحادثه ويوجهه بل ويستشيره.
- في داخل البيت كان بسيطاً
غاية البساطة، يشارك في كل ما يمكن أن يشارك فيه رب الأسرة.
- كان (رحمه الله) يحب المداعبة
والطرفة، منبسط الجبين، ناعم النفس، هادئ الطبع، لا تغادره الابتسامة.. ما كان
يكلف أحداً فوق طاقته.. بل كان يساعد من يكلفه بأداء عمل ما.. كان يغرس فينا
أسلوب الدقة في أداء العمل، ما كان يقبل من أحدنا أنصاف الحلول، ولا يرضى ذلك
لأحد، أسلوبه في التربية كان عملياً وواقعياً.
- ونحن في مقتبل عمرنا كان
يصطحبنا معه في بعض رحلاته وسفرياته الداخلية والخارجية.. هذا الأسلوب في
التربية اتخذه الأنصاري قصداً لتفتيح أذهاننا، وإزالة الدهشة من كل جديد.
وأذكر هنا أنه اصطحبني وأنا
بعمر (العاشرة) في رحلة برية شاقة على طفل في مثل عمري.. اصطحبني إلي قرية
الكامل ببني سليم، وذلك إبان قيامه بتأليف كتابه (بنو سليم) في العام (ألف
وثلاثمئة وتسعين من الهجرة النبوية الشريفة) وقد عانيت كثيراً من المشقة والتعب
خلال هذه الرحلة.. ولكنه كان يحثني على التحمل والصبر وكان يقول لي (اصبر أيها
الرحالة الصغير).
كان (رحمه الله) مع الموظفين
ومن يعملون عنده ومعه في مجلته المنهل يرسخ في أذهان الجميع أن العمل في هذه
المجلة قيمة مشتركة، هذا مع الاحتفاظ لكل واحد بطبيعة عمله، وتخصصه في مجاله،
تجويداً وإبداعاً.. وقد كان منهجه الإداري في العمل.. أن جعل كل العاملين معه
اخوة متحابين تجمع بينهم جودة الأداء والمسؤولية النابعة من الذات مع فتح الباب
للجميع للإبداع والتألق بل واتخاذ القرارات المناسبة.
وأذكر أننا عند تصدير الأعداد
المتتالية من المنهل كانت يده معنا ومع العاملين في المنهل حتى في النواحي
التشغيلية بل إنه كان لا يأنف أن يصنع لنا الشاي ويقدمه بيده.
- كان صاحب ذاكرة حافظة حاضرة
لا تسقط كلمة على أذنيه أو تتناهى إلى سمعه إلا وكان له نصيب في حفظ طرف منها..
تدخل عليه تجده يدندن بكلمات أناشيد سمعها مع تنغيمها بل أحياناً يردد كلمات
إعلان تجاري سمعه في الإذاعة أو التلفاز.. لقد كان حقاً يشيع البسمة.. كان أخاً
وصديقاً وأباً للكل يتحسس بودية حانية ظروف العاملين معه، وغيرهم ويساعد في حل
المشكلات.. وكان شهماً سخياً في هذا الجانب.
- كل هذا أكسبه محبة بالغة عند
كل من عرفه عن قرب وعن بعد.
- الوالد المربي عبدالقدوس
الأنصاري (رحمه الله) علمنا (الاعتدال والتوازن والوسطية) في كل حياتنا.. هذا
مبدؤه الذي لم يحد عنه في حياته الشخصية مع أسرته وأبنائه وأحفاده، وأصدقائه
ومريديه.
وفي كتاباته ومحادثاته وحتى
معاركه الأدبية والفكرية.. كان لا يعتدي على أحد، تنفر نفسه من هذا العمل
المشين.. وإذا اعتدى عليه أحد بإساءة أو كلمة خارجة كان يتحمل ويصبر حتى وإن
غلى المرجل، لا يلجأ إلى مساءة شخصية هو يعلمها عن هذا أو ذاك.. يلتزم
(الاعتدال والتوازن والوسطية) بالغة ما بلغت الخصومة.. مع احتفاظه بصرامته في
ردوده العلمية والنقدية ودقة ما يقول.
- الأنصاري فتح صفحات مجلة
المنهل لجيل الشباب الصاعد، وكان حريصاً كل الحرص على أقلامهم ونتاجهم وكان من
يرسل إليه بكلمة.. ينشرها مسبوقة بكلمة تقديم منه، وكان يرسل العدد المعنى لهذا
الشاب مع كلمة شكر وإطراء ودعوة للتواصل.
وكان رحمه الله يقيم علاقات
طيبة مع الأدباء والكتاب في الداخل والخارج يناقشهم.. يحاورهم.. يزورهم في
أماكنهم ويقيم ندواته وجلساته العلمية معهم وينشرها في منهله.. مما كان عاملاً
مؤثراً في إثراء وتنشيط الحركة الأدبية والثقافية في ذلك الوقت.. هذا بالإضافة
إلى محاضراته المتنوعة والتواصل الدائم مع الجامعات والأندية الأدبية في
المملكة وخارجها.
مربيه وشيخه وأستاذه الشيخ محمد
الطيب الأنصاري، وصديقه الحبيب إلى نفسه السيد عبيد مدني وأستاذه صاحب مدرسة
العلوم الشرعية السيد أحمد الفيض آبادي، هؤلاء كانت لهم مكانة خاصة في نفسه ما
كان يقدم على شيء ذي بال إلا باستشارتهم.. عندما رغب إليه رئيس ديوان إمارة
المدينة المنورة الأستاذ إسماعيل حفظي ليكون موظفاً في الديوان لكفاءته
وجدارته، لم يقطع رأياً إلا بعد استشارة خاله الشيخ محمد الطيب الأنصاري..
وكذلك فعل لما رغب إليه استاذه أحمد الفيض آبادي أن يكون استاذاً للأدب العربي
في المدرسة استشار شيخه أيضاً
وعندما رأى أن يقدم طلبه الخاص
لديوان الإمارة بإنشاء مجلته المنهل، قبل أن يخطو خطوة واحدة، استشار كل هؤلاء
المتقدمة أسماؤهم.
هكذا كان الأنصاري.. وهكذا كان
أولئك الرواد
وهكذا حياتهم كلها.. حياة تبعث
لنا برسائل نتمنى أن نحسن قراءتها.. بل نعيد قراءتها مرات ومرات.
والشكر موصول دائماً لمعالي
وزير الثقافة والإعلام لرعايته الدائمة لمثل هذه الفعاليات الثقافية والفكرية
وكذلك لنادي المدينة المنورة الأدبي الثقافي والعاملين فيه.
رحم الله استاذي و"جدي"
عبدالقدوس الأنصاري وأثابه عنّا خير الثواب.. رحم الله الجميع..
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته،،
ملتقى العقــيق الثقـافي
|