|
أ.د. محمد فتحي فرج - مصر
للشيخ محمد الغزالى
(1335-1416هـ/1917-1996م)-رحمه الله- تاريخ حافل في
الجهاد في سبيل الدعوة الإسلامية، تذرع فيه بالعلم
والحلم والإخلاص، والعمل المتواصل الدءوب في كل مجال،
يرى أنه يستطيع فيه أن يبلى بلاء حسنا. ورحلة الرجل مع
القرآن الكريم بعيدة وطويلة، بدأها مبكرا واستغرقت عدة
كتب من أفضل ما قدم للمكتبة العربية في هذا المجال.
من مكتبة الشيخ الغزالى:
وقد استثمر الشيخ الغزالى
حياته أحسن استثمار في طلب العلم، ونشره تارة بالخطب،
وتارة أخرى بتأليف الكتب، حتى أن له مكتبة إسلامية
عامرة، لا يستغنى عنها بيت مسلم، ومن هذه المكتبة
الغزيرة الإنتاج ما يلي:
الإسلام والأوضاع
الاقتصادية- الإسلام والمناهج الاشتراكية- الإسلام
والاستبداد السياسي-الإسلام المفترى عليه بين
الشيوعيين والرأسماليين- من هنا نعلم- تأملات في الدين
والحياة- خُلق المسلم- عقيدة المسلم- التعصب والتسامح-
فقه السيرة- في موكب الدعوة- ظلام من الغرب- جدد
حياتك- ليس من الإسلام- من معالم الحق- كيف نفهم
الإسلام- الاستعمار أحقاد وأطماع- نظرات في القرآن- مع
الله- معركة المصحف- كفاح دين- الإسلام والطاقات
المعطلة- حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان
الأمم المتحدة- هذا ديننا- حقيقة القومية العربية
وأسطورة البعث العربي- الجانب العاطفي من الإسلام-
دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين- ركائز
الإيمان بين العقل والقلب- حصاد الغرور- الإسلام في
وجه الزحف الأحمر- قذائف الحق- الدعوة الإسلامية
تستقبل القرن الخامس عشر- فن الذكر والدعاء عند خاتم
الأنبياء- دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين- واقع
العالم الإسلامي في مطلع القرن الخامس عشر- مشكلات في
طريق الحياة الإسلامية- هموم داعية- مائة سؤال في
الإسلام- علل وأدوية- مستقبل الإسلام خارج أرضه وكيف
نفكر فيه- قصة حياة- سر تأخر العرب والمسلمين- الطريق
من هنا- جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج- الحق
المر- من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث- الغزو
الثقافي يمتد في فراغنا- المحاور الخمسة للقرآن
الكريم- السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث-
قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة- تراثنا
الفكرى في ميزان الشرع والعقل- كيف نتعامل مع القرآن
الكريم- صيحة تحذير من دعاة التنصير- نحو تفسير موضوعى
لسور القرآن الكريم- كنوز من السنة.
هذا عدا مئات المقالات في
مختلف المجلات والصحف والدوريات في مصر والعالم
العربي، ومئات الخطب المنبرية والمحاضرات العلمية،
أيام الجمع، وفي المناسبات الدينية المختلفة شرقا
وغربا.
وقد نال الرجل من التكريم
والتقدير في حياته الكثير كفاء ما قدم لدينه ولأمته
الإسلامية من
جهود مشكورة في سبيل
العلم والدعوة الإسلامية، من دول كثيرة كالجزائر
والمملكة العربية السعودية ومن الباكستان وأخيراً من
بلده مصر عام 1991م. ونظرا لجهوده المشكورة تلك، ودوره
الذي لم يغن عنه سواه، فقد ابتعث ممثلا للأزهر الشريف
ليخطب في احتفال العالم بالعيد الذهبي للأمم المتحدة
في نيويورك عام 1996 ، ليمضى بين مسلمى أمريكا ثلاثة
أسابيع، وبعدها بقليل يسافر إلى المملكة العربية
السعودية مشاركا في مهرجانها الوطنى الجنادرية، حيث
لبى نداء ربه، فصعدت روحه إلى بارئها، في قاعة الملك
فيصل، مساء الجمعة الموافق 17 من شوال 1416هـ ليدفن
بالبقيع بالمدينة المنورة، طبقاً لوصيته- رحمه الله.
تواضع العلماء:
التواضع سمة العلماء
الحقيقيين، وكلما ازدادوا تواضعاً، ازدادوا رفعة
ومكانة.. وهذا مما يجعلهم أهلا للتقدير والإعجاب
والتأسى. ومن قبل فاجأنا الشيخ محمد متولى الشعراوى-
رحمه الله، على هذه السنة الكريمة من تواضع العلماء،
فأسمى تفسيره ز س سيد قطب- رحمه الله- يسمى
تفسيره أيضاً: في ظلال القرآنس.
وعلى هذا الدرب سار شيخنا
الجليل- طيب الله ثراه، فبوحى من تواضعه، أمام جلال
القرآن نراه أولا: يسمي كتابه، الذي نعرض له، نحو
تفسير موضوعى لسور القرآن الكريم(1)، فلم يدَّع أنه
تفسير موضوعى..، بل يريد أن يقول إن كتابه هذا ما هو
إلا محاولة للاقتراب من هذا الموضوع الخطير، أو هو
مجرد خطوة نحوه. وثانيا: نراه يشفع هذا التوجه، بما
ذكره في صدر مقدمته للكتاب، على النحو التالي: هذه
دراسة جديدة للقرآن الكريم، سبق أن قدمت نماذج منها في
بعض ما كتبت. وقد لازمنى شعور بالقصور وأنا أمضى فيها،
فشأن القرآن أكبر من أن يتعرض له مثلى، ولكنى حرصت على
أن أزداد فقها في القرآن وتدبرا لمعانيه. ثم يستطرد
الشيخ فيقول: قد أرتاد طريقا لم أسبق إليه، أفتتح به
بابا من أبواب الخير، والقرآن لا تنقضي عجائبه، ولن
نبلغ مهما بذلنا- مداه (ص5)!
والكتاب
يقع في ثلاثة أجزاء، تناول كل جزء منها عشرة أجزاء من
القرآن الكريم.
مقاصد التفسير الموضوعى:
ويشرح الشيخ مقصده من هذا
التفسير، الذي يختلف عن التفسير الموضعى، فيقول:
التفسير الموضعى يتناول الآية أو الطائفة من الآيات
فيشرح الألفاظ والتراكيب والأحكام، أما التفسير
الموضوعى فهو يتناول السورة كلها، يحاول رسم صورة
شمسية لها تتناول أولها وآخرها، ونتعرف على الروابط
الخفية، التي تشدها كلها، وتجعل أولها تمهيدا لآخرها،
وآخرها تصديقا لأولها، وهو وإن كان لا يغني عن التفسير
الموضعي فإنه يكمله، وجهد ينضم إلى جهوده (ص6).
ولذلك فقد عنى الشيخ عناية
شديدة بوحدة الموضوع في السورة، وإن كثرت قضاياها، ثم
يفصح لنا أنه، في ذلك، قد تأسى بالشيخ محمد عبدالله
دراز، حينما تناول سورة البقرة، فجعل منها طاقة واحدة
ملونة منضدة، في كتابه النبأ العظيم. على أن الثابت
تاريخيا أن كلا من الدكتور دراز والشيخ محمود شلتوت
(2)- رحمهما الله- والدكتور محمد البهي، كلهم قد تأثر
بمنهج الشيخ محمد عبده في هذا الاتجاه من حيث اعتبار
السورة وحدة متناسقة ومن حيث عموم القرآن وشموله،
وأمور أخرى لا مجال هنا لبسطها (3). ثم يوضح الشيخ أن
ثمة نوعا آخر من التفسير الموضوعي، لم يتعرض له، وهو
تتبع المعنى الواحد في طول القرآن وعرضه وحشده في سياق
قريب، ومعالجة كثير من القضايا على هذا الأساس، وأعتقد
أن هذا كان نهج الدكتور أحمد إبراهيم مهنا (4)، في
كثير من كتبه من هذا الشأن. ولا ينسى شيخنا في هذا
المقام أن يرد الفضل أولا وآخرا إلى الله تعالى، الذي
يؤتي العلماء نِعْمَةَ فَهْم كتابه العظيم.
والكتاب بعد ذلك يقع في
ثلاثة أجزاء كما قلنا، صدر الجزء الأول في أغسطس عام
1992، وبعد شهرين تنفد هذه الطبعة وتظهر الطبعة
الثانية من الكتاب، أما الجزء الثاني فقد صدرت طبعته
الأولى عام 1993، والجزء الثالث صدرت طبعته الأولى عام
1995.
الجزء الأول من الكتاب:
يقع الجزء الأول من الكتاب
في 155 صفحة من القطع الكبير ويتناول عشرة الأجزاء
الأولى من القرآن الكريم بدءا من فاتحة الكتاب حتى
سورة التوبة، وكنموذج لهذا النوع من التفسير نحاول أن
نستعرض ما قام به فضيلته في سورة الفاتحة.
التفسير الموضوعي للفاتحة:
استفتح الشيخ بالتسمية، ثم
وصف السورة بأنها من قصار السور، إلا أنها أم الكتاب
وأعظم سوره، فقد تضمنت خلاصة عقائد الإسلام، وعهدا بين
الناس وربهم يحقق رسالتهم في الوجود، ورجاء فيه أن
يهديهم الطريق، ويمنح التوفيق والرضا... ثم نظر في
{الحمد لله رب العلمين} فقال:الحمد فيه ثناء يكشف عن
أمجاد الذات العليا من جلال وجمال وكمال، وهو مديح على
العطاء والنعماء، وهو شكر يقابل الخير النازل والفضل
المسدي .
و"رب
العالمين"سيد العوالم كلها من العرش إلي الفرش ، من
السماء
إلى الأرض، من الحيوان إلى النبات، من الملائكة إلى
البشر. والعالم كل ماعدا الله من الخلق، وكل ماعدا
الله مربوب له فقير إليه.
{الرحمن
الرحيم} أي نحن في رحمته نعيش، والرحمة والعلم يسعان
كل شيء ولولا أن الله غفور رحيم لفتكت بنا معاصينا
وقضى علينا جحودنا وطغياننا.
{مالك
يوم الدين}، المقصود بالدين الجزاء، وهو بداية العالم
الآخر، وهو مقابل العالم المعاصر. والحضارة المادية
المسيطرة على الحياة الآن قلما تذكره بل لعلها ترى من
الهزل ذكره. وهي تتعمد نسيانه في ميادين التربية
والتشريع والسياسة الدولية والمحلية مع أنه الحقيقة
العظمى الأجدر بالرعاية والحساب.
{إياك
نعبد وإياك نستعين} أي نعبدك وحدك يا الله، ونستعين بك
لا بغيرك فكل غَيْرٍ محتاج إليك، كما جاء في السنة إذا
سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله
{اهدنا
الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم..} .يقول
المؤلف: الخط المستقيم أقصر طريق بين نقطتين، ولذلك لا
يتعدد، ومن استقام اهتدى {إن ربي على صراط مستقيم}.
ودين الله واحد على اختلاف الأعصار والأمصار، أساسه
إله واحد، له الولاء، وله الثناء، يفتقر إليه أهل
الأرض وأهل السماء. ولعل هذه النقطة هي مثار الخلاف
بين أتباع الأديان المعاصرة. فالمسلمون يوقنون بأن ما
عدا الله عبد له خاضع لحكمه عانٍ لأمره في الدنيا
والآخرة. ويستحيل أن يتجاوز هذه الحقيقة بشر أو ملك،
فمن لزمها نجا ومن زاغ عنها هلك.
{غير
المغضوب عليهم ولا الضالين} على الإنسان أن يكون صائب
الفكر، صادق النظر، فإذا اهتدى إلى الحق يلتزمه، ويرفق
بعباده ويتواضع لربه.
ثم يعلق المؤلف قائلاً:
وهذه السورة فرض الله قراءتها في جميع الصلوات، لتكون
منجاة متجددة مقبولة بين الناس ورب الناس، فهي حقائق
علمية وهي في الوقت نفسه ضراعة عبد ينشد مولاه. ثم ذكر
حديث: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي "، ثم يعقب : ونحن
نكرر الدعاء لأنفسنا، كما نكرر غسل أعضائنا
لأن أسباب هذا التكرار قائمة، فالجسم الإنساني لا يكفي
في تطهيره أن يُغْسل مرة أو مرتين، لابد من تكرار
الغسل مدى الحياة! وكذلك الطبع البشري لا تصقله دعوة
أو دعوتان، فلا بد من تكرار الوقوف بين يدي الله، لأن رعونات النفس، ووساوس الشيطان لا تنتهي، فلا بد من
تكرار الدعاء واستدامة التضرع {إن الصلاة كانت على
المؤمنين كتابا موقوتاً}.
وهكذا في سطور قلائل تم
تصوير العلاقة الوحيدة الممكنة بين الناس ورب الناس:
الاعتراف به، والثناء عليه، والاستعداد للقائه،
والتعهد بعبوديته، ثم الرجاء إليه أن يجعلنا كما يحب.
الجزء الثاني:
ويقع هذا الجزء في 160
صفحة من القطع الكبير ويتناول عشرة الأجزاء الثانية من
القرآن الكريم، بدءا من سورة العنكبوت. ونختار منه
سورة الفرقان؛ لنتعرف أكثر على منهج الشيخ من خلال
تفسيره لها.
تفسير سورة الفرقان:
يبدأ المؤلف تفسيره للسورة
بقوله: من حق الله أن نعرفه ولو لم يبعث لنا رسلا! إذ
أن آثاره تدل عليه، وفطرتنا تتجه إليه، ومع ذلك فقد
شاء- رحمة منه وفضلا- أن يبعث إلينا من أنفسنا رسلا
نتعلم منهم. وقد ختم جماعتهم بسيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم الذي جمع ما أرسل به زبدة تعاليمهم، وقدر له
أن يصحب الحياة في مسيرتها الباقية حتى يرث الله الأرض
ومن عليها، فيقول الله تعالى: {تبارك الذي نَزَّل
الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} (الفرقان:1).
ومحمد إنسان مثلنا، ولكن أمجاد البشرية التقت في
كيانه، وانعقد لواء الإمامة له وحده! ورشد العالم
ارتبط برسالته الخالدة، فما يصد عنها إلا محروم. وحين
أرسله، وصف الله نفسه بما هو أهل له فقال: {الذي له
ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في
الملك وخلق كل شيء فَقَدَّرَه تقديراً} (الفرقان: 2).
وهي صفات مارى فيها الجاهلون بالله، ولكن الرسول
الخاتم صنع أمة تؤمن بها، وتقاتل دونها. وفي هذه
السورة إحصاء لشبهات وأقوال أعدائه يسردها الشيخ كما
وردت، مع دحض ما يحتاج منه إلى دحض:
(1)
{وقال الذين كفروا إنْ هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه
قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزُورَا} الفرقان:4 . فتكذيب
الرسل خلق شاع في الناس من قديم، فلا غرابة أن كُذِّبَ
محمد، وهم إنما كذبوا دعوته إلى التوحيد، وضاقوا من
نفيه أن يكون لله أولاد! ومن هم الذين أعانوه ولم
يدّعوا الرسالة لأنفسهم؟
(2)
{وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة
وأصيلا} الفرقان: 5 . والمملون في زعم هؤلاء من أهل
الكتاب الأولين، نرى هل أعانه النصارى على نفي
التثليث؟ أو أعانه اليهود على فضح مثالبهم وهدم
دولتهم؟ إن هذا مجون من القول!
(3)
{وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق
لولا أُنْزِل إليه مَلَك فيكون معه نذيراً} الفرقان: 7
. لا يعيب بشرا- رسولا كان أو غير رسول- أن يأكل
الطعام فهذه طبيعة البشر! وما دور الملك هنا، أينوب
عنه في البلاغ؟ فلماذا اختاره الله وهو عاجز عن تبليغ
رسالته؟ أيؤيده عند التكذيب؟ فالله وحده القادر على
ذلك؟
(4)
{وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا. أنظر كيف
ضربوا لك الأمثال فَضَــلّوا فلا يستطيعون سبيلا.
تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجرى من
تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً} الفرقان: 8-10 . ومضت
السورة تحصي أقوال الكافرين واعتراضاتهم:
(5)
{وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة
أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعَتَوْا عُتُوا
كبيراً. يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين
ويقولون حِجْراً محجورا} الفرقان: 21-22 . أي: تقول
الملائكة حينما تلقى المشركين يوم الحساب: لا بشرى
لكم، فهي حرام محرم عليكم، ثم لا قيمة لما قدمتم من
أعمال لقد جعلها
الله هباء! ويلاحظ تشابه المشركين في
كل الأزمان في طلب نزول الملائكة ورفضهم الانقياد
لبشر، أنفة أن يتبعوا واحدا منهم، وهذا الكبر أرداهم،
ثم جاء اعتراض آخر:
(6)
{وقال الذين كفروا لولا نُزِّل عليه القرآن جملة
واحدة....} الفرقان: من الآية 32 . ويكون الجواب
القرآني: {...وكذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}
الفرقان: من الآية 32 . ولكل حادث حديث، ولكل تساؤل
يَجَدّ جواب جديد!
(7)
{وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هُزُوا أَهَذا الذي بعث
الله رسولا. إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا
عليها..} الفرقان: 41-42 . وهذا القول اعتراف بأن
القرآن زلزل معتقداتهم، وأبان لهم زيفها، والمشركون مع
صدمة الدليل ينكشف لهم باطلهم ويكادون يعترفون بالحق!
كما وقع لقوم إبراهيم حين رأوا أصنامهم التي يعبدون
قطعا مبعثرة، ولقد كادوا يؤمنون بالله: {فرجعوا إلى
أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون} الأنبياء: 64 . ثم
عندوا، فنكثوا رؤوسهم وبقوا على باطلهم. كذلك تراجع
كفار مكة عن الحق بعدما استبان لهم، وأخذوا يستهزئون
بصاحب الرسالة: {وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل
سبيلا} الفرقان: 42 . وهذا التحقير مسوغ ومقبول إنصافا
للحقيقة. ولا شك أن شريفا يلبس الأسمال خير من وضيع
يخب في الحرير! و لا يبعد أن نجد أمثلة كثيرة لذلك في
زماننا!
(8)
{وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد
لما تأمرنا وزادهم نفوراً} الفرقان: 60 . والرحمن من
الأسماء الحسنى، ولا يوصف به إلا الله سبحانه كاسم
الذات: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيَّاً ما
تدعوا} الإسراء:110 . وقد عز على المشركين أن يدعوا ما
يألفون من أوثانهم، ويسجدوا لله الرحمن الواحد الأحد،
فقالوا للرسول: ما نطع أمرك! وانصرفوا عنه نافرين!
وفي هذه السورة عومل
الكفار بأسلوبين، أولهما: تخويفهم مما أصاب الأمم
الأولى أن يحيق بهم، فحكى لهم مصير الفراعنة، ومصير
عاد وثمود، وأصحاب الرس- وهم قوم كانوا يفلحون الأرض
حول بئر لهم ثم ذكرهم بهلاك قوم لوط: {ولقد أتوا على
القرية التي أمطرت مطر السَّوْءِ، أفلم يكونوا يرونها
بل كانوا لا يرجون نشورا} الفرقان: 40 . ولهذا التخويف
أثره أحيانا، ولكن الأسلوب الآخر أوقع وأخلد، وقد
استخدمه القرآن كثيرا: وهو إثارة العقل حتى يرعوي، وهو
ما سوف يتحدث عنه المؤلف.
في سورة الفرقان آيات تهيب
بالعقل أن يفكر في ملكوت السموات والأرض، بدأت بالحديث
عن الظل: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله
ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} الفرقان: 46 . يقول
المؤلف: إنني أرى ظلي أحيانا ضعف قامتي، ثم بعد حين
يتقلص حتى يقع تحت قدمي! كيف يمتد وينكمش؟ وقد ذكرت أن
ظل الطائرة يسابقها وهي تهبط على الأرض، وأن للكواكب
ظلالا ينشأ عنها الخسوف والكسوف، ولأن كل شيء له ظل
يتبعه: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها
وظلالهم بالغدو والآصال} الرعد: 15 . ونحن عندما تنسخ
الشمس ظلا نتحول إلى مكان آخر كما قال الشاعر:
وإن صريح الرأي والعقل
لامرئ
إذا بلغته الشمس أن
يتحولا...!
هل فكر أين ذهب الظل ؟
وبأي سرعة يسير على وجه الأرض أوفي جو السماء؟ هل فكر
في لطافة القدرة الإلهية التي تصنع ذلك دون جهد ولا
تكلف؟ وندع الظل إلى حركتي الليل والنهار، ومنامنا
عندما يضمنا الليل في أستاره! عندما آوي إلى فراشي
أحسبني سأهمد وأستريح..! ولكن سرعان ما أقول: قد أغمض
عيني، لكن قلبي باق يدق، وصدري يعلو ويهبط، وحركات
الجهاز الهضمي في شغل موصول في اعتصار ما بها.
إن عمل الله في جسمي لا
ينتهي إلا بالموت المجهز! ومع ذلك فقلما نذكر الله،
ونحن ما نخرج من بين أصابع القدرة!! ما أطول كنودنا..
ونحن سكان وادي النيل قلما نرقب المطر، لأن النهر
القريب منا نغترف منه ما نشاء لكن من أين أتى النهر؟
لقد ظلت السحب تقبل من المحيط الهندي حاملة الغيث تهمى
به آناء الليل وأطراف النهار، ثم تنحدر المياه إلينا
في نهر ميمون الغدوات والروحات تؤمن حاجاتنا من الماء
الطهور وحاجات أرضنا إلى الري والخصب طول العام!
أليس يتناولنا قول الله
تعالى: {وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته
وأنزلنا من السماء ماءاً طهورا. لنحيي به بلدة ميتا
ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسِيَّ كثيرا} الفرقان: 48
-49 . وفي مدننا وقرانا نفتح الصنابير فيسيل الماء دون
كد، إننا أسعد ممن ينقلون في الجرار أو على ظهورهـم!!:
{ولقد صرَّفناه بينهم ليذَّكَّروا فأبى أكثر الناس إلا
كفورا} الفرقان: 50 . إن الإيمان قريب المصادر، إنه
تحت العين لمن يبصر، ومع ذلك فما أكثر الملاحدة..!
بعد سرد لمظاهر القدرة،
وآيات الله في الآفاق يقول سبحانه: {تبــــــــــارك
الذي جعــــل في السـماء بروجا وجعل فيها
سراجا وقمرا منيرا} الفرقان: 61 . تنامت رحمته وعمت
بركته، والآية بهذه القراءة تشير إلى الشمس وأسرتها
المعروفة وهناك قراءة تقول: {وجعل فيها سراجا} وهي
تشير إلى عوالم أخرى، قد أثبت العلم أن عالمنا واحد من
عوالم تحصى بالألوف، وأننا في حساب الكون الكبير شيء
تافه، وأننا خلقنا لنواجه اختبارا دقيقاً جداً: ترى هل
سنذكر أم ننسى، هل سنكفر أم نشكر، وبعضنا مختبر بالبعض
الآخر كما جاء في هذه السورة: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة
أتصبرون وكان ربك بصــــــيرا} الفرقان: من الآية 20 .
ترى من ينجح في هذا
الاختبار ومن يفشل؟ ينجح فيه عباد الرحمن، ويفشل عباد
الشيطان! وقد شرعت الصورة في سرد وصايا عشر هي خصائص
عباد الرحمن، وهذه الوصايا تنضم لأمثالها في سور أخرى
لتتكون من جملتها صورة السلوك الإسلامي الوضئ، قال
تعالى: {وعباد الرحمن الذين يَمْشُون على الأرض هونا
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} الفرقان: 63 .
والمشي الهون لا يعني البطء أو التماوت، إنما يعني
الاعتدال وعدم التكلف.. ومخاطبة الجاهلين للناس تنطوي
على الشراسة، فلنلق الخصام بالوئام، فالأمر كما قيل:
لو كل كلب عوى ألقمته حجرا
لأصبح الصخر مثقالا
بدينار..!
{والذين
يبيتون لربهم سجدا وقياما} الفرقان: 64 . لابد من نوم
يُجِمّ الجسد ويعين على العمل! والمهم ألا ننام عن
صلاة العشاء في جماعة وأن نستيقظ قبيل نداء الفجر
نستفتح النهار بخير، فإذا صلى المرء العشاء في جماعة
والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله.. {والذين
يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما}
الفرقان: 65 . إنها غرامة مهلكة يصحبها الخزي والبلاء
المقيم، وينبغي لكل مؤمن أن يزحزح نفسه عن ذلك
المستقبل الأسود، وليقاوم تيارات الجاهلية الحديثة
التي تعلقه بالدنايا، وتذهله عن الواجبات.
{والذين
إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}
الفرقان: 67 . إن البخل خسّه، والإسراف سفه، ثم ذكر
قول المتنبي الذي ذكر فيه ثلاث حكم في بيت واحد:
ذكر الفتى عمره الثاني،
وحاجته
ما قاته، وفضول العيش
أشغال..!
{والذين
لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم
الله إلا بالحق ولا يزنون} الفرقان: 65 . فهذه جرائم
ثلاث تنتشر بين الناس على تفاوت، قد يكون أولها الزنا،
ثم عبادة النفس والهوى مع الله أو من دون الله، ثم قتل
النفس... {ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب
يوم القيامة ويخلد فيه مهانا..} الفرقان: 68- 69 . ومن
أساء يستطيع الاحسان، ومن أسف يستطيع التوبة، والتوبة
معروضة على الناس كلهم ما بقوا أحياء، وعندما يغيرون
أنفسهم يتغير ما بهم..
{والذين
لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مَرُّوا كراما}
الفرقان: 72 . المشغول بالجد والمربوط بالحق لا يشهد
زورا ولا يقول لغوا..!
{والذين
يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين
واجعلنا للمتقين إماما} الفرقان: 74 ، أي قدوة، فليست
الآية طلبا للرياسة، واستقرار العين على الزوجة أساس
العفاف والطهر، واستقرارها على الذرية أساس الرضا،
وحصانة من الحسد.
{أولئك
يُجْزَون الغرفة بما صبروا} الفرقان: 74، أي المنزلة
الرفيعة في الجنة، جعلنا الله من أهلها بتجاوزه
ومغفرته (ص 134).
الجزء الثالث:
وهو أطـــــول أجزاء
الكتاب، إذ يقع هذا الجزء في 252 صــــفحة من القطع
الكبير، ويتناول عشرة الأجزاء الأخيـــــــرة من
القرآن الكريم، بدءا من سورة الروم وحتى سورة الناس.
ونختار منه سورة الإخلاص؛ لنتعرف أكثر على منهج الشيخ
من خلال تفسيره لها.
تفسير سورة الإخلاص:
يقول المؤلف: رب العالمين
واحد، لا ثاني له ولا ثالث، لا صاحبة ولا ولد. والصفات
التي أسندها لذاته العليا، تجعل ما عداه صفراً، وتجعل
القول به عبثا {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما
هو إله واحد فإياي فارهبون} النحل: 51 . {..ولا تقولوا
ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن
يكون له ولد} النساء: 171
والتوحيد روح الإسلام
ولباب القرآن. وما نسبه الله إلى نفسه من صفات يجعل ما
عداه عبداً عاجزاً لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا
نفعاً، فأين هو؟ ولماذا لم يقبل التحدي؟
ثم يقول المؤلف: وننبه إلى
ما سقناه من قبل من أدلة عقلية على التوحيد {ما اتخذ
الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما
خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون. عالم
الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون} المؤمنون: 91- 92
وفي موضع آخر يقول: {لو
كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش
عما يصــــــفون. لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون}.
الأنبياء: 22- 23
والقائلون بالتثليث يرون
أن الآلهة ثلاثة، وإن كانوا في الحقيقة إلها واحدا؛
فهم أب وابن وروح قدس، ولا يتصور بينهم خلاف! فما
يقولون في قضية الصلب؟ إذا كان الثلاثة واحداً، فإن
المصلوب هم الجميع، وفقد العالم ربه حينا من الدهر.
وإن كان المصلوب الابن وحده، فليس بإله يقينا! ثم يقول
المؤلف - رحمه الله - ولمن شاء أن يعتنق ما شاء. ما
نحجر على إيمان أحد، ولكننا فقط ننصف كتابنا وعقيدتنا،
فنحن نتلقى التهم من كل جهة..!!
وسورة الإخلاص سطر واحد:
{قل هو الله أحد الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن
له كفواً أحد}. الإخلاص: 1-4 . وهي تعدل ثلث القرآن
لأنها لخصت أصل الاعتقاد عندنا. فالله ليس كمثله شيء،
ولم يكن له كفء، ويستحيل أن يكون أبا أو ابنا. وهو
الصمد أي السيد الذي يقصده كل من في السموات والأرض.
ماذا يملك غيره؟
إن النظام العالمي الساري
في الملكوت لا يتحمل تعدد الآلهة، ومن السخف أن تحسب
للشمس إلها، وللأرض إلها أو أن للحيوان إلها وللنبات
إلها، أو أن لأفريقية إلها
ولأوروبا إلها. إن النظام الكوني واحد تضبطه إرادة
واحدة وتصوغه قدرة واحدة. والذي يشرف على إفرازات
الهضم في أمعاء الأحياء هو الذي يشرف على مسارات
الأفلاك في أقاصي الآفاق. وفالق الحب والنوى في الحقول
والحدائق هو فالق الإصباح في عالمنا، وفالق الشروق
والغروب في المجرات التي لا نراها! إننا بعد إعمال
الفكر وإدمان النظر، لا نملك إلا أن نقول: لا إله إلا
الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد. وهو على كل
شيء قدير.
وبعد: فالكتاب محاولة
موفقة جديرة بالدراسة والإطلاع المرة بعد المرة،
ويذكرنا في تركيزه وقصره بتفسير الإمام النسفى، إلا
أنه يختلف عنه في المنهج والأسلوب.
وإذا كان الكمال لله وحده،
فإن هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة تقل فيه نسبة الأخطاء
التي قد لا تعزى للمؤلف بقدر ما تعزى إلى بعض أعضاء
فريق العمل الذي يعمل على إخراج الكتاب في النهاية
للقارئ، من المنضدين والمراجعين والطابعين وغيرهم؛ إذ
أن ثمة أخطاء، لا تغض مطلقا من قيمة الكتاب بأي حال،
بل ويمكن تداركها في الطبعات المقبلة للكتاب، ومنها
على سبيل المثال: عدم توافق أرقام النص مع أرقام
الهوامش (245 الجزء الثالث). ومنها أيضاً سقوط الأداة
أن- عند التنضيد- في جملة: ز س : (ص246 من
الجزء الثالث)، وغيرها مما يشبه ذلك.
وفي الختام فإننا لا نملك
أمام هذه المحاولة الجادة من أستاذنا الكبير- المغفور
له- الشيخ محمد الغزالي إلا أن نغبطه عليها، وندعو
الله أن يكون هذا الكتاب في ميزان حسناته، إنه سميع
مجيب.
الهوامش والتعليقات:
(1)
الشيخ محمد الغزالي (1992). نحو تفسير موضوعي لسور
القرآن الكريم. الطبعة الأولى. دار الشروق بالقاهرة.
(2) د.
محمد فتحي فرج بيومي (2005). رمضان في الفكر الديني
المعاصر. العدد 123 من سلسلة دراسات إسلامية. المجلس
الأعلى للشؤون الإسلامية. القاهرة. ص96
(3) د.
عبدالله محمود شحاته (2000). الإمام محمد عبده بين
المنهج الديني والمنهج الاجتماعي. سلسلة تاريخ
المصريين، العدد رقم 193 ، الهيئة المصرية العامة
للكتاب. ص59
(4) انظر
في ذلك: د. أحمد إبراهيم مهنا (1971). من التفسير
الموضوعي: الإنسان في القرآن الكريم. من مطبوعات مجمع
البحوث الإسلامية بالقاهرة.
|