|

د. محي الدين عمر لبنية -
المدينة المنورة
الخالق والخلاق كلاهما من
أسماء الله عز جل ولا تجوز لغيره، ويقول كتاب لسان
العرب: في التنزيل العزيز {بلى وهو الخلاق العليم}
81ٍ- يس {إنّ ربك هو الخلاق العليم} 86-الحجر، وإنما
قدم أول وهلة لأنه من أسماء الله عز وجل.. الأزهري:
ومن صفات الله تعالى الخالق والخلاق ولا تجوز هذه
الصفة بالألف واللام لغير الله عز وجل، وهو الذي أوجد
الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وأصل الخلق
التقدير، فهو اعتبار تقدير ما منه وجودها وبالاعتبار
للإيجاد على وفق التقدير خالق، والخلق في كلام العرب:
ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه، وكل شيء خلقه
الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه (ألا له الخلق
والأمر تبارك الله أحسن الخالقــــــين) 54-الأعراف.
وقبل
أربعة عشر قرناً ونيف ذكر القرآن الكريم بدء خلق
الإنسان من تراب الأرض وبعض أشكاله كالطين والحمأ
والفخار والصلصال.. ثم اكتشف العلم الحديث بعد مرور
زمن طويل بواسطة طرق التحليل الكيماوي التشابه بين
العناصر المعدنية الموجودة في جسم الإنسان وتراب
الأرض.. فأظهر ذلك عظيم قدرة الله تعالى في خلق
الإنسان وإبداع صورته وجعلها آية إعجاز للناس.. ولم
تغفل الأحاديث الشريفة عن ذكر خلق آدم عليه السلام ثم
ذريته، وثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم
قوله "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار
وخلق آدم مما وصف لكم، " وجاءت قصة خلق آدم عليه
السلام في الكتاب العزيز كأحد الأدلة على القدرة
الربانية وآية عظيمة للخالق المبدع الذي جعل من تراب
الأرض إنساناً سوياً بشكله وحواسه ومشاعره، والتراب
جماد لاحس فيه ولا شعور.. ومن قدرة الله تعالى خلقه ما
يشاء وأن يقول للشيء إذا أراد كن فيكون، قال عز وجل
"ومن آياته أن خلقكم من تـرابٍ ثم إذا أنتم بشـــر
تنتشـــرون "20-الروم.. "إن مثل عيسى عند الله كمثل
آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون "59- آل عمران..
وأجاد الشاعر أبو العلاء المعري في وصف ما يؤول إليه
جسم الإنسان بعد الموت:
خفف الوطء ما أظن أديم
الأرض إلا من هذه الأجساد
فالله تعالى خلق الإنسان
من تراب الأرض ثم إليه يعود بعد الموت على شكل رفات
بعد تحلل المركبات العضوية الموجودة في جسمه داخل
التربة بفعل الأحياء الدقيقة وما صغر من دواب الأرض،
وسوف يتناول هذا المقال ما ذكره التنزيل العزيز حول
بدء خلق الإنسان من تراب الأرض وبعض أشكاله وقصة خلق
آدم عليه السلام قبل التعرف على تركيب الجسم البشري
وتشابه محتوياته من العناصر المعدنية مع أديم الأرض
من تراب الأرض:
التراب في اللغة: ما نَعُم
من أديم الأرض، وجاء ذكر خلق آدم عليه السلام-أبي
البشر- في أكثر من موضع في القرآن الكريم كقوله تعالى
(ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون)
20-الروم، وفي هذه الآية دليل واضح على قدرة الخالق جل
شأنه في جعل أصل آدم من تراب الأرض، وأضاف الله تعالى
الخلق إلى الناس (خلقكم) لأن أدم هو أصل الجنس البشري،
وأكد الله عز وجل قدرته على الخلق التي جعلها آية
إعجاز للناس بقوله (أكفرت بالذي خلقك من تراب) 37
الكهف، (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا
خلقناكم من تراب ثم من نطفة) 5-الحج (هو الذي خلقكم من
تراب ثم من نطفة ثم من علقة) 67- غافر، (خلقه من تراب
ثم قال له كن فيكون) 59- آل عمران، أي آدم وهو:
الإنسان.. كما وصفت الأحاديث النبوية خلق آدم من تراب
الأرض، فذكر أبو داود في سننه مرفوعاً (إن الله خلق
آدم من قبضة من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر
الأرض) فاختلفت ألوانهم نتيجة لتنوع المكونات
الكيماوية للأرض.
من طين:
الطين: التراب المختلط
بالماء وقد يسمى به وإن زال عنه أثر الماء، والقطعة
منه: طينة، والطين تركيبياً: هو مادة يكونها معدن
الميكا مخلوطاً بالمرو والفلسبار وبعض المركبات
العضوية ذات حبيبات دقيقة متماسكة- وجاء ذكر خلق آدم
عليه السلام من طين في عدة مواضع في الكتاب العزيز
كقوله تعالى (وبدأ خلق الإنسان من طين) 7- السجدة، أي
خلق آدم من طين، (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً)
2- الأنعام، (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين))
12- المؤمنون، (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من
طين) 71- ص، وجاء أيضاً قوله تعالى على لسان إبليس
(قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) 12-
الأعراف، كما وصف القرآن الكريم الطين الذي خلق منه
آدم عليه السلام بأنه لازب: أي من طين رخو لزج لا قوة
فيه، قال تعالى (إنا خلقناهم من طين لازب) 11-
الصافات، وقال الإمام الطبري في تفسيره: إنما وصفه
باللزوب لأنه تراب مخلوط بماء وكذلك خلق آدم من تراب
وماء ونار وهواء، والتراب إذا خلط بماء صار طيناً
لازباًز
من صلصال:
هناك آيات قرآنية أخرى
أشارت إلى خلق آدم عليه السلام من صلصال، كقوله تعالى
(خلق الإنسان من صلصال كالفخار) 14- الرحمن، قال ابن
عباس ومجاهد وقتادة المراد بالصلصال هنا: التراب
اليابس، وعن مجاهد أيضاً الصلصال: المنتن، قال أبو
عبيدة الصلصال: اليابس الذي لم تصبه نار فإذا نقرته صل
فسمعت له صلصلة، فإذا طبخ في النار فهو فخار، وكل شيء
له صوت فهو صلصال، قال الله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان
من صلصال من حمأ مسنون) 26- الحجر، (إني خالق بشراً من
صلصال من حمأ مسنون) 28-الحجر، وقال عز وجل على لسان
إبليس (قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ
مسنون) 23-الحجر، وروى ابن عباس أن المنتن: تفسيره
المسنون، والمسنون: المتغير، والحمأ جمع حمأة وهو
الطين المتغير، والصلصال: طين خلط برمل فصلصل كما
يصلصل الفخار ويقال منتن: يريدون به صل.
قصة خلق آدم:
جاء ذكر خلق آدم عليه
السلام من تراب الأرض آية إعجازية تؤكد عظيم قدرة الله
تعالى في مواضع عديدة في الكتاب العزيز، كقوله عز وجل
(إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا
سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد
الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من
الكافرين، قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت
بَيَديَّ أستكبرت أم كنت من العالين، قال أنا خير منه
خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاخرج منها فإنك
رجيم) 71-77 ص، قال الإمام القرطبي في كتابه "الجامع
لأحكام القرآن" عن سجود الملائكة لآدم بعد خلقه بأنه
سجود تحية لا سجود عبادة، وقد كرم الله تعالى الإنسان
بخلقه بيده وصوره فأحسن صورته، ثم نفخ فيه من روحه،
وأسجد له الملائكة تحية وإكراماً له، وأفاض على آدم
وذريته من أسرار قدرته، وبدائع حكمته، ما جعله أهلاً
بالاستخلاص في الأرض إلى يوم الحساب.
قال
المفسرون: ليس هناك تعارض بين الآيات القرآنية التي
ذكرت خلق أدم من تراب ومن طين ومن صلصال كالفخار ومن
حمأ مسنون ومن طين لازب لأن مادة تكوين جسم آدم عليه
السلام هو التراب، فعندما أراد الله تعالى خلق آدم أمر
ملائكته أن يجمعوا تراباً من أنحاء الأرض، ودليله
ماذكره أبو داود في سننه وأخرجه الترمذي (أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تبارك وتعالى خلق آدم
من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر
الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود بين ذلك السهل
والحزن-أي الصعب القاسي والخبيث والطيب)، ثم أخذ الله
عز وجل شأنه التراب الذي جمعه الملائكة فعجنه بالماء
فصار طيناً لازباً: أي يلتصق باليد ثم تركه حتى صار
حمأً مسنوناً: أي طيناً أسود مُنتناً، ثم صوره بالهيئة
التي ارتضاها كما تصور الأواني، ثم أيبسه حتى صار في
غاية الصلابة كالفخار، إذا نقر أحدث صوتاً، ثم نفخ فيه
الروح، ثم قال له: كن بشراً سوياً فكان آدم عليه
السلام.. وجاء أيضاً في الأحاديث الشريفة ذكر أشكال
تراب الأرض التي بدأ بها خلق الإنسان، فروى الترمذي
والنسائي عن أبي هريرة مرفوعاً (إن الله خلق آدم من
تراب فجعله طيناً ثم تركه حتى إذا كان حمأً مسنوناً
خلقه وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار، وكان
إبليس يمر به فيقول: لقد خُلِقْتَ لأمر عظيم، ثم نفخ
الله فيه من روحه).
خلق ذرية آدم:
من عظيم قدرات الله تعالى
خلق آدم عليه السلام من تراب الأرض وبعض أشكاله ثم جعل
ذريته تتناسل من تلقيح بيضة المرأة بنطفة الرجل قال
الله عز وجل (ثم جعل نَسْلَهُ من سُلالة من ماء مهين)
8-السجدة، (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) 2-
الإنسان، قال الفراء: الأمشاج: هي الأخلاط ماء الرجل
وماء المرأة والدم والعلقة، ويقال للشيء من هذا خلط
مشيج كقولك خليط
ممشوج والمشيج: اختلاط ماء الرجل والمرأة.
{ولقد
خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار
مكين} 12-13 المؤمنون، والإنسان هو أسم جنس يقع على
الواحد والجمع:ويعني ولد آدم، ومن سلالته، قال ابن
عباس السلالة: صفرة الماء، قال مجاهد: يعني من بني
آدم، قال عكرمة: هو الماء يسيل من الظهر والعرب تسمي
النطفة: سلالة والولد سليلا وسلالة لأنهما سلولان منه:
أي من طين آدم عليه السلام، والسلالة تولدت من طين خلق
آدم منه، وقيل المراد بالإنسان هو آدم عليه السلام: أي
سل من كل تربة، قال الكلبي: من نطفة سلت من الطين الذي
خلق منه آدم أبو البشر، قال الإمام القرطبي في تفسيره
(أخرج الله عز وجل من ظهور بني آدم بعضهم بعضا)، قال
الله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم،
وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا)
173-الأعراف، وقال الحافظ بن كثير في تفسير هذه
الآية:"استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على
أنفسهم أنه ربهم ومليكهم، وإنه لا إله إلا هو الله
تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه"، وذكرت آيات عديدة
في الكتاب العزيز بدء خلق الله تعالى الإنسان من تراب
ثم جعل نسله من نطفة لقحت البيضة داخل رحم الأم،فتكونت
العلقة، ثم تطورت إلى مضــــغة، ثم إلى جنين كامل
التكوين في نهاية فترة الحمــل بمشيئة الله تعالى، قال
الله عز وجل (فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطــفة ثم من
علقة ثم من مضغة مخلــقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في
الأرحـــام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ًثم
لتبلغوا أشدكم) 5-الحج، ومن قدرة الله تعالى أيضاً
تحديد جنـس الجنين داخل رحم الأم ذكراً كان أو أنثى،
قال عز وجــل (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة
إذا تمنى) 45-46 النجم، واختار الخالق جل شأنه رحم
الأم كقرار مكين يحمي داخله الجنين من المؤثرات
الخارجية خلال مراحل نموه، قال الله تعالى (ثم جعلناه
نطفة في قرار مكين) 13- المؤمنون.
تركيب جسم الإنسان:
جسم الإنسان عبارة عن منجم
صغير، وتؤكد التحاليل المخبرية احتواءه على حوالي 22
عنصراً، وتمثل العناصر المعدنية فيه نحو 6.1% من وزنه،
فيحتوي جسم الشخص البالغ الذي وزنه 65 كجم (أنظر إلى
الجدول رقم 1) على حوالي أربعة كيلو جرامات من العناصر
المعدنية تتبقى بعد تحلل المركبات العضوية منه على شكل
رماد، تمثل كلاً من الأيدروجين والأوكسجين الموجودين
على شكل جزيئات الماء بين 55-70% من وزنه.
أما العناصر الموجودة
بكميات كبيرة في الجسم فهي الأوكسجين 65%والفحم
18%والأيدروجين 10% والأزوت 3% أي يمثل فيها الكالسيوم
والفسفور وهي ثلاث أرباع العناصر المعدنية والباقي
معادن أخرى بنسب أقل (أنظرالجدول رقم 2) كالصوديوم
والبوتاسيوم والكلور والماغنسيوم واليود وغيرها، وتوجد
عناصر أخرى بمقادير صغيرة جداً كالحديد والمنجنيز
والنحاس واليود وغيرها.
وأثبتت التحاليل المخبرية
لمكونات الرماد المتخلف عن جسم الإنسان وتراب الأرض
وجود عناصر مشتركة بينهما، واكتشف العلماء حديثاً في
أكثر الأحياء البحرية بدائية في تطورها الدور الهام
لعنصر الحديد في عمليات الأكسدة والاختزال الحيوية
وأهمية عنصر الفسفور في تخزين الطاقة واستخدامه ودور
عنصر الكالسيوم في الإثارة، ويحتمل أن تكون أدوار هذه
العناصر قد تحددت في حياتها المبكرة جداً عندما كانت
موجودة في صخور قيعان البحار ودخلت في تركيب أجسامها،
وتحدث العمليات الحيوية الأساسية السابقة في جميع
أنسجة المخلوقات الحية المعروفة، ويعتقد أن التعديل
والتأقلم اللذين حدثا خلال فترة تطويرها لم يتغير بشكل
أساسي، وأن كلاً من عنصري الكالسيوم والفسفور من قيعان
البحار مع الماغنسيوم هي عناصر معدنية أساسية في بناء
الهيكل العظمي للحيوانات الدنيوية الأقل تطوراً، ويدخل
في تكوين الغضاريف وعظام الفقرات في عالم الحيوانات
الفقرية ومنها الإنسان، وقال الله تعالى (منها خلقناكم
وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) 5- طه أي من
تراب الأرض خلق الإنسان وإليه يعود بعد الموت رفاتاً،
ثم يخرج من الأرض مرة أخرى يوم البعث بأمر ملك السموات
والأرض وهي آيات عظيمة على قدرة الله تعالى على الخلق
ثم الموت ثم النشور
مراجع البحث
1-passmor,R.and
Eastwood,M.A(1991)
Human Nutrition and
Dietetics.p 8
Churchill livingstone
London,England
2-Robinson,C,H
(1970)
Normal and Therapeutic
Nutrition ps 29,40 (lndian edition)
Oxford&I B H publishing
Co ,New Delhi,lndia
3-Robinson,CH
and Lawler,M R (1982)
Normal and Therapeutic
Nutrition ps 9,132
The Macmillan C o
,Collier-Macmillan L td ,Iondon England
4-ابن
كثير، الحافظ عماد الدين أبو الفدا
تفسير القرآن الكريم، ج 2،
ص 550، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
5-ابن
منظور، جمال الدين محمد
لسان العرب ج 10، ص 85،
دار صادر، بيروت، لبنان.
6-البغدادي، موفق الدين
الطب من الكتاب والسنة ص
247، دار المعرفة، بيروت، لبنان
7-القرطبي، الإمام محمد بن أحمد الأنصاري
الجامع لأحكام القرآن ج
7،ص 199 وج 23،ص 28، دار الكتب العلمية، بيروت،لبنان
8-الصابوني، محمد علي
صفوة التفاسير ج 7، ص 7وج
14، ص 43 وج 17، ص 50، دار القرآن الكريم، بيروت،
لبنان البغدادي،موفق الدين
9-الصابوني، محمد علي
قبس من نور القرآن الكريم،
ج6، ص 57- 62 دار القلم، دمشق، سورية
10- مجمع
اللغة العربية
المعجم الوســــيط ج 1،ص
153، 195 و522 المكتــــبة العلــــمية طهــــران،
جمـــــهورية إيـــــران الإسلامية.
|