|
مؤلف هذا الكتاب هو
الدكتور ميشال الحايك (1928-2005م).. وهو كاثوليكي
مارونى لبناني.. درس بالجامعة اليسوعية والجامعة
الكاثوليكية.. وحصل على الدكتوراه.. في أصول الدين من
جامعة السوربون- بباريس.. وعمل أستاذا للدراسات
الإسلامية بالجامعة الكاثوليكية ببيروت.
ولقد صدرت الطبعة الأولى
من هذا الكتاب سنة 1960م، بعنوان: (المسيح إمام
المسلمين).. ثم صدرت طبعة ثانية سنة 1961م، بعنوان:
(المسيح في الإسلام).. وهذه الطبعة الثالثة- التي بين
أيدينا-قد صدرت سنة 2004م.. وهي كما يقول ناشرها: دار
النهار للنشر-ببيروت- مطابقة للطبعة الثانية..
يزعم صاحب هذا الكتاب "ميشال الحايك".. أن القرآن المكي كان متعاطفاً مع
عقائد النصارى، ورفيقا بها.. وأن الأحداث التاريخية
التي حدثت بالمدينة وخاصة غزوتي مؤتة سنة 8هـ سنة
629م وتبوك سنة 9هـ سنة 630م- قد قلبت "النعومة" إلى
"وطأة شديدة ترفض رفضا قاطعا ألوهية المسيح"..
في الرد على هذا الافتراء،
هناك العديد من الحقائق والثوابت التاريخية
والاعتقادية الإسلامية، التي تقول:
(1) إن
الآية القرآنية التي ساقها "المؤلف" للتدليل على نعومة
موقف الإسلام مع النصارى-(آية المائدة: 22) لم تنزل في
النصارى الذين يؤلهون المسيح.. وإنما نزلت في النجاشي
ملك الحبشة، الذي كان موحدا، والذي حمى المهاجرين
المسلمين الموحدين، والقساوسة من قومه هم الذين فاضت
أعينهم من الدمع عندما سمعوا القرآن- في سورة مريم-
الذي يؤكد على أن عيسى ابن مريم هو عبدالله ورسوله،
وليس إلها أو ابن إله!.. ولم تنزل هذه الآية لتتخذ
موقفا "ناعم" من المسيحيين الذين اتخذوا المسيح إلها
من دون الله!..
(2) إن
غزوتي مؤتة وتبوك لم تكونا ضد النصرانية ولا ضد
القبائل العربية النصرانية- كما زعم "المؤلف" وإنما
كانتا ضد الروم البيزنطيين الذين استعمروا الشام،
وفرضوا القهر الديني والسياسي والحضاري على القبائل
العربية، فلا مجال للقول بأن هاتين الغزوتين قد مثلتا
فشلا إسلاميا في التعامل مع النصرانية، أدى إلى تغيير
موقف القرآن والإسلام من عقائد النصارى في ألوهية
المسيح!.. وإذا كانت غزوة تبوك لم يقع فيها قتال،
لتخلف الروم عن الحضور إلى مكانها، ولوقوف الرسول صلى
الله عليه وسلم- عند تبوك- فإن هذه الغزوة قد مثلت
نجاحاً إسلامياً في التعامل مع القبائل العربية
النصرانية في الشام- ولم تمثل "فشل"- ففيها صالح رسول
الله صلى الله عليه وسلم- أهل "أيلة" وأهل "جرباء"
وأهل "أذرع" وأهل "ميناء".. وتبادل مع زعمائهم
الهدايا، وظلوا على نصرانيتهم(2).
(3) وليس
صحيحا ما ذكره "المؤلف" حول ما صنعه الرسول صلى الله
عليه وسلم- بيهود المدينة- من القتل والسبي والإجلاء-
ذلك أن سياق وقائع التاريخ تقول: إن الرسول قد أدخل
يهود المدينة- العرب وحلفاءهم العبرانيين- في رعية
الدول الإسلامية، ونص دستورها- (الصحيفة... والكتاب)-
الذي وضعه الرسول سنة 1هـ على أن "يهود أمة مع
المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.. وأن لهم
النصر والأسوة مع البر المحض.. غير مظلومين ولا متناصر
عليهم.. وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة،
وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم..".
لكن اليهود هم الذين نقضوا
هذا العهد وهذه الموادعة.. فسعوا إلى مشركي قريش
يؤلبونهم على حرب الرسول والمسلمين، ويعدونهم
بالمؤازرة، قائلين لهم: "إنا سنكون معكم حتى
نستأصله"!!..
ثم سعوا إلى عرب "غطفان"
ليدخلوهم في الحلف المحارب للإسلام.. وبلغوا في هذا
الطريق الحد الذي جعلهم وهم أهل التوحيد- يفضلون
الوثنية الجاهلية على الإسلام!!.. فعندما سألهم مشركو
قريش: "يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم
بما أصبحنا
نختلف فيه نحن ومحمد،
أفديننا خير أم دينه؟"
كانت إجابة اليهود:
-
"بل
دينكم خير من دينه، فأنتم أولى بالحق"!!
وفي هذه الخيانة للتوحيد-
الذي يـَدَّعون- فضلا عن الخيانة للعهد والموادعة نزل
قول الله، سبحانه وتعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا
نصيبا من الكتاب يؤمنون بالِجبْت والطاغوت ويقولون
للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً}-
النساء: 51
حتى لقد عاب عليهم المؤرخ
اليهودي "إسرائيل ولغنسون" هذه الخيانة، فقال: "ما كان
يجوز لهم أن يصرحوا أمام زعماء الشرك بأن عبادة
الأصنام أفضل من التوحيد الإسلامي، ولو أدى بهم الأمر
إلى عدم إجابة مطالبهم.. وكان من واجبهم أن يضحوا
بحياتهم وكل عزيز لديهم في سبيل أن يخذلوا المشركين"
(4).
ثم جاءت خيانة يهود بني
قريظة إبان الغزوة التي حاصرت المسلمين بالمدينة غزوة
الخندق سنة4هـ سنة 626م. وهي الغزوة التي وصف القرآن
فيها حال المسلمين فقال: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل
منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون
بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا
شديدا} الأحزاب: 10 ، 11-
(4) فما
صنعه الإسلام باليهود العبرانيين حول المدينة- إنما
كان جزاء الخيانات المركبة التي اقترفوها، وأغلب من
قتل منهم- في بني قريظة- إنما قتل بحكم التحكيم الذي
ارتضوه واختاروا أهله، جزاء الخيانة إبان الحرب.. وليس
كما صور "المؤلف"- الذي تعاطف مع الخونة ضد الإسلام
الذي فتح لهم باب المساواة الكاملة في الحقوق
والواجبات!..
وفيما يتعلق بزعم "المؤلف"
تغير موقف القرآن من عقيدة النصارى في ألوهية المسيح،
بسبب الأحداث التاريخية.. فإن أي عارف بعقائد الإسلام
يدرك أن هذا الدين إنما بدأ وتمحور حول عقيدة التوحيد،
التي جسدتها شهادة "أن لا إله إلا الله".. وهذه
العقيدة الرافضة رفضاً قاطعاً وجذريا وعميقا كل عقائد
النصارى
في ألوهية المسيح
وبنوته لله، كانت وظلت ثابتة ونقية وشاملة وجامعة منذ
بدأ الإسلام.. وحتى هذه اللحظات.. وإلى أن يرث الله
الأرض ومن عليها.. ولم يقل كاتب- عبر تاريخ الإسلام-
قبل "مؤلف" هذا الكتاب- إن موقف الإسلام والقرآن من
عقائد النصارى في المسيح قد تغير في المرحلة المدنية
عنه في المرحلة المكية!..
(5) ثم..
ألا يعلم "المؤلف" أن قمة التوحيد في الاعتقاد
الإسلامي الرافض لكل عقائد النصارى في ألوهية
المسيح.. وبنوته.. وللحلول والاتحاد والتجسد والتشبيه-
قد أوجزته سورة الإخلاص المكية: {قل هو الله أحد الله
الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد}- الإخلاص:
1-4
(6) وألم
يعلم "المؤلف" وهو الحاصل على الدكتوراه في أصول
الدين.. والأستاذ في الدراسات الإسلامية!. أن قمة
التنزيه الإسلامي للذات الإلهية، الذي بلغ أعلى درجات
التجريد، قد قرره وأكده القرآن المكي في سورة الشورى-
المكية- بقول الله سبحانه وتعالى:-{فاطر السموات
والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}- الشورى:
11
وأن علماء الإسلام قد
ظلوا- على تاريخه- أوفياء لهذا التوحيد والتنزيه-
الرافض لكل عقائد النصارى في الألوهية حتى لقد صاغوا
في التعبير عن هذا التنزيه والتجريد عبارتهم الشهيرة:
" كل ما خطر على بالك فالله ليس كذلك".
فعندما لم تستطع اللغة
البشرية- التعبير عن كنه هذا التنزيه والتجريد، كان
التعبير عنه بالنفي لأي مماثلة أو مشابهة أو حلول أو
اتحاد أو تجسيد- وهو عين ما سقطت فيه عقائد النصارى في
تأليه المسيح!-
(7)
وإذا كان التوحيد، الذي بدأ به الإسلام منذ اللحظة
الأولى لظهوره.. والذي ترسخ في الصراع مع الشرك في
المرحلة المكية، قد أصبح عنوانا على الإسلام.. فهل
يجوز لعاقل أن يزعم "حنان" هذا التوحيد على عقائد
النصارى في
المسيح، وهي التي
فاقت في الشرك شرك الوثنية الجاهلية؟!.
إن مشركي الوثنية
الجاهلية من عبدة الأصنام- كانوا يؤمنون بأن الله
الواحد هو خالق العالم وأن أصنامهم مجرد وسائل يتوسلون
بها إلى الله الواحد الخالق: { ولئن سألتهم من خلق
السموات والأرض ليقولون الله}- الزمر: 38-.. {آلا له
الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم
إلا ليقربونا إلى الله زلفى} الزمر الأية:3 ومع ذلك،
فإن موقف القرآن والإسلام معروف وشهير من هؤلاء
المشركين.. فهل يعقل أن يكون القرآن "ناعم" مع
الانحراف النصراني الذي تجاوز وتفوق على هذا الشرك
الجاهلي عندما قال أصحابه: "إن المسيح هو الله.. وهو
في ذاته هو الله.. وهو ذات الله.. وأنه خالق كل شيء،
وبدونه لم يكن شيء.. وأنه خالق كل الأشياء ومالكه"!!
..هل
يعقل أن يتساهل الإسلام- في مكة أو المدينة.. أو في أي
مكان أو عصر مع هذا الشرك الذي أحال أهله "الآب" إلى
الاستيداع؟!.
فأين هي إذن- "حكاية"
التغيرات والانقلابات التي أحدثتها وقائع التاريخ
المدني بسبب غزوتي مؤتة وتبوك- إزاء هذا الثابت الراسخ
الدائم من ثوابت الاعتقاد في الإسلام؟!.
|