|
فقد ولد
رحمه الله سنة 1314 من الهجرة المباركة في بلدة ختن من
أعمال تركستان الشرقية في بيت علم ودين وصلاح وتقوى.
ونشأ نشأة صالحة مهذبة وحفظ القرآن الكريم كعادة
العلماء والنجباء والحفاظ على يد والده الشيخ سعدالله
الفضلي. وظهرت عليه آثار النجابة والنبوغ فتوسم أهله
فيه النباهة والفطانة فأولوه رعاية وعناية خاصة وشجعوه
على مواصلة طلب العلم وتلقيه. فواصل في تلقي علومه على
يد كبار العلماء ثم قرر السفر والترحال في طلب العلم
فوصل إلى مدينة بخارى بلد الإمام البخاري رضي الله
تعالى عنه صاحب الصحيح. واجتمع في طريقه إليها بعلماء
البلدان التي مر عليها ودرس على أيديهم وقرأ شرح
العقائد وحواشيه على يد الشيخ محمد يعقوب مع تلخيص
المفتاح وشرح العقائد النسفية. ثم وصل بخارى فالتقى
فيها بعدد من كبار علمائها ومنهم العلامة المفتي الشيخ
محمد إكرام عمدة المفتين والمدرسين بها.
والشيخ
البرهان المشهور بأسود مخدوم. والمفتي خال مراد.
والشيخ كليج بن فخر الدين البستاني. والشيخ محمد أمين
الخجندى. فجود بها القرآن الكريم وحفظ الشاطبية
والجزرية فأجازوه فيها بالتدريس والإقراء. واجتمع
بمدينة عشق آباد بالشيخ عبدالعزيز الأعظمى الطالقاني
وفي مدينة نمنكان بالشيخ محمد تابت وقرأ عليه بعضا من
كتب الحديث وأخذ عنه الإجازة بخط يده وفي مدينة طاشكند
قرأ على الشيخ العالم محمد سعيد العسلى الطرابلسى
الشامي صحيحي الإمامين البخاري ومسلم وتفسير القرآن
الكريم فأجازه في علوم شتى ومكث في تلكم النواحي
لسنوات عدة يجتهد فيها في طلب العلم والتحصيل مع ما
يتحمله من المشاق والكد والتعب في سبيل الله تعالى.
مما يجدر ذكره في هذا الباب أن والدي
السيد محمد بن مقبول عطار رحمه الله تعالى كان من أجل
أحباب الشيخ وكان الشيخ يحبه كثيراً ويوده كثيراً
ويجله لنسبه وشرفه ويصطحبه في كثير من مجالسه مع صغر
سنه.
ومما
حكاه له عن نفسه حسبما كان يحكيه لنا الوالد عنه: أنه
عندما رحل في طلب العلم ووصل إلى مدينة بخارى نزل مع
ثلاثة من طلاب العلم في مسكن واحد فكانوا يطلبون العلم
على حد سواء ولكنهم كانوا يتناوبون العمل والتكسب من
أجل المعيشة أيضاً. فكان الواحد من هؤلاء الثلاثة
يتفرغ يوما للعمل في سوق العمل ويتكسب ويشتري لهم
اللوازم ويطهو لهم الطعام وينتظر عودة الزميلين من
مدارسهم فيأكلون جميعاً، وفي اليوم الثاني يخرج الذي
عليه الدور وهكذا وكانوا يكدون في طلب العلم دون أن
ينتظروا مدداً من أحد أو يكونوا عالة على أحد. وبعد
ذلك قرر الشيخ الارتحال إلى البلاد الحرمية فقصد الحج
عام 1348 للهجرة فصادف وصوله بعد انقضاء موسم الحج في
ذلك العام فلم يدرك الحج فبقي بمكة شرفها الله حتى حج
من العام القابل. ثم انحدر إلى مدينة إمام الأنبياء
وسيد الأصفياء صلى الله عليه وسلم ليحظى بمجاورته صلى
الله عليه وسلم. فكانت هي المحطة الأخيرة له فسكن طابة
واجتمع بعلمائها وفقهائها ومنهم العلامة الشيخ محمد
عبدالباقي الأيوبي الأنصاري فتلقى عنه مجملا من العلوم
النقلية والعقلية فأجازه فيها الإجازة المطلقة كما درس
على العلامة الشيخ عبدالقادر شلبي فمنَّ عليه
بالإجازة. وزار خلال ذلك مصر المحروسة والشام والأردن
والعراق وتركيا واتصل بعلماء تلك الأمصار وارتبط بهم
ارتباطا وثيقا وروحيا ومعنويا فنالوا منه الفوائد ونال
منهم. وفي دمشق حل ضيفا على رئيس رابطة علماء الشام
الشيخ أبي الخير الميداني فأكرم وفادته وأنزله منزله
وعرف به وعرف إليه فتدفق علماء الشام إلى رحله
يتدارسون العلم ويتواصونه فيما بينهم، وكان في بعض
أسفاره يرافقه العالم الجليل الشيخ حسن بن إبراهيم
الشاعر شيخ المقارئ بالمدينة المنورة. ثم عمل رحمه
الله تعالى مدرسا في مدارس العلماء في طيبة الطيبة
كمدرسة العلوم الشرعية التي أسسها الشيخ السيد أحمد
الفيض آبادى وكانت من أكبر المدارس أو آحاد المدارس
بمدينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم عمل
مدرسا في المدرسة النظامية ثم انتقل إلى وظيفة حكومية
في مكتبات الحرم النبوي الشريف الزاخرة بالكتب القيمة
والفنون الجليلة والمخطوطات الإسلامية النادرة كمعرف
بهذه الكتب النادرة. وزاول التدريس في الحرم النبوي
الشريف وكان له درس يومي في المدرسة التورقلية في سوق
القفاصة ودروس أخرى في مكتبة الشيخ عبدالقادر شلبي في
ذروان ودروس في منزله لبعض الخواص ممن يحيطون به من
الطلاب. وكان مرجعاً عظيما في الفقه الحنفي وكان شغوفا
بمطالعة الكتب والتعليق عليها وقلما يوجد كتاب اطلع
عليه ولم يوجد عليه تعليق بخط يده. ولم يشتغل بكثير من
المصنفات نظرا لانشغاله بالتدريس والإفتاء والمطالعات
الضرورية ولكنه خلف ثروة هائلة من الكتب النادرة في
مكتبته العامرة الزاخرة التي احتوت على جملة عظيمة من
الكتب القيمة في العلوم الدينية والقراءات والسيرة
والتاريخ والتراجم التي قلما يوجد مثلها في مكتبات
أخرى. وفاق عددها إذا ما خاب الظن على خمسين ألفاً من
الكتب القيمة مما عمد ابنه الشيخ محمد يحيى إلى
توقيفها على مكتبة المدينة المنورة العامة فحازت على
جناح كامل لتحتوي على هذا الكم الكبير من الكتب. وكان
له نصيب أن يسمي ذلك الجناح باسم مكتبة الشيخ إبراهيم
الختنى رحمه الله تعالى.. وهو الآن في مكتبة الملك
عبدالعزيز في المدينة المنورة وبلغت مصنفاته كما ذكر
ابنه الشيخ محمد يحيى الختنى الفضلي في مؤلفه الذي
ترجم فيه لوالده أنها تفوق العشرين مصنفا بعدة لغات.
ومن مصنفاته باللغة العربية:
1- تنقيح النحو.
2- الفوائد المقتبسة على أوائل الفوائد الضبائية.
3- مجموع الفتاوى.
4- تحفة المستجيرين باسانيد المجيزين في الحديث
الشريف.
5- فتح الرؤوف ذى المنن في تراجم بعض علماء ختن.
6- وفاق الأئمة الأعلام في جواز تفريق من زوجت من غير
الكفء من الأنام.
7- الرسالة الفضليلة في ثبوت الطوافين بالأدلة
القطعية.
8- المسائل الشتى في المسائل المختلف عليها بين
الفقهاء.
9- ترجمة لشيخه العلامة عبدالباقي الأيوبي الأنصاري.
| |
|
 |
| |
ومن
شيوخه الذين أخذ عنهم مسندا إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم: الشيخ محمد إكرام عمدة المفتين ببخارى.
الشيخ عبدالباقي الأنصاري. الشيخ عمر حمدان المحرسي.
الشيخ الحافظ العلامة السيد عبدالحي الكتاني. العلامة
الأديب محمد بافضل الحضرمي. العلامة المحدث السيد
عبدالعزيز الطالقاني. العلامة الشيخ السيد ثابت
النمنكاني. شيخ الإسلام بفرغانة. العلامة الشيخ محمد
بن حميد العنيزي مفتي الحنابلة بمكة المكرمة. العلامة
السند السيد أحمد دحلان. العلامة المحقق السيد
عبدالقادر شلبي المدني. العلامة الشيخ محمد علي بن
حسين بن إبراهيم المالكي المكي. الشيخ الحبيب العيدروس
البار. الشيخ المؤرخ العلامة عبدالستار الصديقي المكي
الدهلوي صاحب تذييل شفاء الغرام. الشيخ العلامة المؤرخ
عبدالله غازي صاحب إفادة الأنام في تاريخ البلد
الحرام. العلامة المحدث السيد عبدالهادي الخوقندي.
العلامة المعمر قاضي القضاة الشيخ عبدالمحسن أفندي
العلامة الشيخ السيد محمد الكتاني مفتي المالكية بدمشق
وغيرهم كثير. ومن تلاميذه الذين تربعوا مجالس العلم من
بعده الآخذون عنه: العلامة عبدالله سراج الدين
الحسيني. العلامة الشيخ محمد ياسين الفاداني المدرس
بالحرم المكي الشريف. العلامة الشيخ عبدالفتاح أبو
غدة. العلامة الشيخ عبدالمجيد الجبرتي إمام وخطيب
المسجد النبوي الشريف عضو هيئة كبار العلماء. والشيخ
عمر فلاته المدرس بالحرم النبوي الشريف وآخرون. وقد
وضع نفسه في خدمة العلم الشريف حتى توفي إلى رحمة الله
عز وجل ظهر يوم الأربعاء الســــادس من شهر رجب الحرام
ســنة 1389 من الهجرة المباركة بعد مرض لازمه مدة ستة
أشـــهر لم ينقطع خلالها عن الوعي والعلم. ولكن انخفض
صوته الذي كان جهوريا قبل وفــــاته بأيام قلائل. فكفن
وجهز وصــــلى عليه بالمسجد النبوي الشريف بعد صلاة
المغرب وحضــر جنازته جمع غفير من المحبين والعلماء
وغيرهم من المسلمين منْ لا يحصون من كثرتهم ويفوق
تعدادهم الألوف من كثرة الحضور ودفن بالبقيــع إلى
جــــوار أمهات المؤمنــين رضوان الله تعالى عليهم
أجمعين. وقد خلف من الولد محمد يحيــى وعائشــــة وهم
بالمدينة المنورة.
attar@naseej.com
|