|
من أعماله التي لم تنشر
هو غيلان
بن سلمة بن متعب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف
بن قسي أدرك الإسلام بعد فتح الطائف وهو من الشعراء
المقلين ينتمي إلى ثقيف وقد بدأ حياته بالاشتراك في
عدد من الحروب مع قومه وقد تزوج من عشر نساء في
الجاهلية فلما حضرته الوفاة جمع أبناءه وقال لهم: (يا
بني قد أحسنت خدمة أموالكم وأمجدت أمهاتكم فلن تزالوا
بخير ما غزوتم من كريم وغزا منكم.. فعليكم بيوتات
العرب فإنها معارج الكرم وعليكم بكل رمكاء مكينة ركينة
أو بيضاء رزينة في خدر بيت يُتَّبع أو جد يرتجى وإياكم
والقصيرة الرطلة فإنَّ أبغض الرجال إليَّ أن يقاتل عن
إبلى أو يناصل عن حسبى القصير الرطل).
الرمكاء:
ما كان في لونها حمرة مختلطة بسواد- الرطلة بفتح الراء
وكسرها: المرأة الحمقاء الضعيفة.
وقد بدأ
حياته يحب السفر فخرج مع ثلاثة منهم أبو سفيان الذي
قال: إنا من مسيرنا هذا لعلى خطر وما قدومنا على ملك
جبار لم يأذن لنا في القدوم عليه؟ وليست بلاده لنا
بمتجر ولكن أيكم يذهب بالعير فإن أصيب فنحن براءة من
دمه وإن غنم فله نصف الربح. فقال غيلان أنا لها.. ودخل
الوادى ثم خرج في العير وكان أبيض طويلا جعداً ضخماً
فلما دخل بلاد كسرى تطيب فلبس ثوبين أصفرين وجلس ببابه
حتى أذن له فدخل عليه وبينهما شباك من ذهب.. فقال له
الترجمان يقول لك الملك من أدخلك بلادى بغير إذني؟
فقال له قل له: لست من أهل عداوة لك ولا أتيتك جاسوسا
لضد من أضدادك وإنما جئت بتجارة تستمتع بها فإن أردتها
فهي لك وإن لم تردها وأذنت في بيعها لرعيتك بعتها وان
لم تأذن في ذلك رددتها.. وبينما هو يتكلم سمع صوت كسرى
فسجد.. فقال الترجمان يقول لك الملك لم سجدت؟ فقال:
سمعت صوتا عاليا حيث لا ينبغي لأحد أن يعلو صوته
إجلالا للملك فعلمت أنه لم يقدر على رفع الصوت غير
الملك فسجدت اعظاما له.. فاستحسن كسرى ما فعل وأمر له
بمتكأ يوضع تحته فلما رأى عليه صورة الملك وضعه على
رأسه فاستجهله كسرى واستحمقه، وقال للترجمان قل له:
إنما بعثنا إليك هذه لتجلس عليها. فرد: قد علمت ولكني
لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك فلم يكن حق صورته
على مثلي أن يجلس عليها ولكن كان حقها التعظيم فوضعتها
على رأسي لأنه أشرف أعضائي وأكرمها. فاستحسن فعله جداً
وقال له: ألك ولد قال: نعم قال: أيهم أحب إليك قال
الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يؤوب..
فقال كسرى: زه، ما ادخلك عليَّ ودلك على هذا القول
والفعل إلا حظك، فهذا فعل الحكماء وكلامهم، وأنت من
قوم جفاة لا حكمة فيهم، فما غذاؤك؟
قال: خبز
البر، قال هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر.. ثم
اشترى منه التجارة بأضعافها وكساه وبعث معه من الفُرْس
من بنى له قصرا بالطائف.
وقد أخذ
موقفاً في أول الأمر من الرسول عليه الصلاة والسلام
ويقال إنه كان من الذين قالوا كما يروي القرآن {لولا
أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ثم كان
دخوله الإسلام بعد ذلك.
ويقال إن
أولاده كانوا: عمارا وعامرا وبادية وحين هاجر عمار إلى
الرسول صلى الله عليه وسلم عمد خازن لغيلان إلى مالك
فسرقه ودفنه وشاع أنَّ ابنه هو الذي سرق فأحزن هذا قلب
والده وصمت عمار عن تبرئة نفسه فكان أن ذهبت أمه إلى
غيلان وأطلعته على حقيقة السرقة وبراءة ابنه وطلبت حين
يجد المال أن تبتاع وتعتق فلما وجد ماله أعتقها وحين
وصل الخبر إلى ابنه قال: والله لا يراني أبدا ولا ينظر
في وجهي.
ثم كانت
وفاة ابنه عامر الذي كان مع أخيه عمار في جيش خالد بن
الوليد وقد رثاه بقصيدة طويلة منها
عيني
تجود بدمعها الهتان
سحا
وتبكي فارس الفرسان
لو أستطيع جعلت منه عامرا
بين
الضلوع، فكل حي فان
ويقال:
ان ابنته بادية كانت فائقة الجمال وقد وصفها (هيث
المخنث) لعمر بن أم سلمة أم المؤمنين بقوله (إن فتح
الله عليكم الطائف فسل رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن يهب لك بادية بنت غيلان فانها كحلاء شموع، نجلاء،
خمصانة، هيفاء ان مشت تثنت وان تكلمت تغنت)_ الشموع:
المزاحة اللعوب، النجلاء: الواسعة العينين، الخمصانة:
الضامرة البطن، الهيفاء: الدقيقة الخصر.
وقد كسر
الحزن قلبه حين قتل أخوه نافع مع خالد بن الوليد في
دومة الجندل، وقال يرثيه:
ما بال
عيني لا تغمض ساعة
إلا
اعترتني عبرة تغشاني
فلو
استطعت جعلت مني نافعا
بين
اللهاة وبين عكد لساني
(اللهاة: قطعة من اللحم مشرفة على الحلق، العكد: وسط
الشيء)
وحين كثر
بكاؤه عليه، عُوتب في ذلك فقال: والله لا تسمح عيني
بمائها، فأضن به على نافع فلما تطاول العهد انقطع
بكاؤه، فقيل له في هذا فقال:
بَلِىَ
نافع، وبَلِـيَ الجزع، وفَنِـيَ وفنيت الدموع، واللحاق
به قريب
وقد كانت
له مواقف تتصف بالحلم على نحو ما نعرف من موقفه من أبي
عقيل بن مسعود فمع أن أبا عقيل ضرب راعي غيلان واستخف
به إلا أننا نرى في غيلان حلما أمام هذا الموقف فقد
قال فيما قال
ألا من
يرى رأي امرئ ذي قرابة
أبى صدره
بالضغن إلا تطلعا
فسلمك
أرجو لا العداوة إنما
أبوك أبى
وإنما صفقنا معا
وان ابن
عم المرء مثل سلاحه
يقيه إذا
لاقى الكمى المقنعا
(الصفق: الضرب، وهو أيضا ضرب الأيدي عند المبايعة).
وهناك
مواقف كثيرة مَنَّ فيها على أعدائه ولما أَسَنَّ وكثرت
أسفاره وملته زوجته وتجنت عليه وأنكر أخلاقها لم يملك
إلا أن قال فيها
يا رب
مثلك في النساء غريرة
بيضاء قد
صبحتها بطلاق
لم تدر
ما تحت الضلوع وغرها
مني تحمل
عشرتي وخلاقي
وتروى له
أبيات في العتاب يقول فيها
ألا بلغ
معاتبتي وقولي
بني عمي
فقد حسن العتاب
وسل هل
كان لي ذنب إليه
هم منه
فاعتبهم غضاب
كتبت
إليهم كتباً مراراً
فلم يرجع
إليَّ لها جواب
فما أدري
أغيرهم ثناء
وطول
العهد أم مالاً أصابوا
فعهدي
دائم لهم وودي
على حال
إذا شهدوا وغابوا
|