أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

 

الحوار هو الحل

ثقافة الاحباط والتفائل

شواهد ثقافية

بالعربي الفصيح

قراءات

بشرا سويا

شعر

حقائق وأكاذيب

أعلام خالدة

من شعراء التراث

كوارث طبيعية

أطياب

الفروق فى اللفة

رؤية

كلمات ومعان

وجهة نظر

رحلة فى المكتبة

شعر

معالجات

كنا هناك

الآثار ذاكرة الامة

حرية الكلمة

نحو مستقبل أفضل

شعر

نحو مجتمع قارئ

في خاطري شئ

أحماض أدبية

مناهج

قصة قصيرة

عبقرية اللغة

خطرات فكر

وفيات الأعيان

مسك الختام
 

 

 

أطيــــاب

 

 

ياسر حاج جنيد - سوريا

علم التغذية هو ذلك العلم الذي يبحث في العلاقة الحيوية القائمة بين جسم الإنسان وبين ما يتناوله من طعام وشراب، ولذلك فهو يعتبر أحد الفروع البارزة للكيمياء الحيوية الطبية، ذلك العلم الذي تطور في العصور الحديثة، وتبلور خلال النصف الأول من القرن الماضي جنباً إلى جنب مع توالي الاكتشافات المهمة للأنواع المتعددة من الفيتامينات

ولكي تبقي العلاقة بين الجسم وبين ما يدخل إليه من طعام نموذجية وضمن إطارها الصحيح، كان لا بد من تأسيس جملة من القواعد والشروط التي يفترض تحقيقها والتقيد بها للمحافظة على مثالية هذه العلاقة، فالخلل في تحقيق أي من هذه الشروط يؤدي إلى شذوذ العلاقة بين الجسم وبين ما يدخل إليه من غذاء لتظهر أعراض سلبية مختلفة نطلق عليها أمراض سوء التغذية.

 

إن من جملة هذه القواعد ما هو متعلق بتركيب الطعام ونوعيته، ومدى ما يحويه من عناصر غذائية أساسية ومساعدة، وكذلك الوظائف الحيوية التي تنجزها هذه العناصر على صعيد الأعمال الداخلية للجسم، ومنها ما هو متعلق بمصير هذا الطعام بعد تناوله، وما يتعرض له من هضم وامتصاص ونقل واستقلاب لمواده الأساسية، ومن هذه العوامل ما هو متعلق بالكميات الأساسية اللازمة خلال الأدوار الفيزيولوجية المختلفة التي يمر بها الجسم، وأخيراً ما يتعلق بكيفية تناول هذه المواد من حسنٍ للاختيار، وضبط للمواعيد، وأسلوب هذا التناول وشروطه وآدابه

إن المرء يتناول طعامه بكل بساطة وسهولة، وكثير منا لا يدرك مدى الدقة والضبط اللذين يتعامل بموجبهما الجسم مع هذا الطعام، ولذلك كان من الطبيعي أن الخطأ في التناول بشتى صوره سوف يضر بهذه الدقة وهذا الضبط، وقد لا يشعر المرء بهذا الضرر، لاسيما إذا كان الخطأ متباعد الفترة الزمنية ومتعدد الأشكال، إلا أن الخطأ المتكرر اليومي- وهو ما ندعوه بالعادات السيئة- وعلى مدى معين من شأنه أن يسيء إلى الصحة بشكل واضح، ونقصد بالعادات السيئة كل ممارسة خاطئة في اختيار كمية الطعام ونوعيته، إضافة إلى الأسلوب الخاطئ في تناوله.

ولترسيخ فهم جيد لموضوع التغذية، كان لا بد من توفر معرفة حول طبيعة الجسم وتركيبه، ذلك المسرح الذي تمثل فيه الأغذية أدوارها، فنحن لن نتوقع ممن يجهل كل شيء عن تركيب الجسم من الناحيتين الكيميائية والتشريحية أن يفهم كثيراً من المعلومات المتعلقة بالتغذية

 

تركيب الطعام من المواد الغذائية:

إن فهمنا الدقيق لتركيب الأطعمة المتعددة من المواد الغذائية يقودنا إلى اختيار موفق للوجبة في مختلف الظروف الفيزيولوجية المستقرة أو الطارئة وعناصر الغذاء الرئيسية هي ستة: الكربوهيدرات والبروتينات والمواد الدسمة والفيتامينات والعناصر المعدنية وأخيراً الماء، وهذه المواد يشترط توفرها في كل وجبة بنسب متوازنة وحسب ما هو مقرر حتى تصبح هذه الوجبة متوازنة تطابق الاحتياج الحقيقي للجسم.

مصير المواد الغذائية بعد التناول:

ولكن ماذا يحل بهذا الطعام الذي نتناوله في الجسم، وكيف يتم التعامل معه؟

 من المعروف أن طعامنا يتألف من عدد من العناصر الغذائية ذات تركيب كيميائي معقد لا يستطيع الجسم الاستفادة منها على حالها، بل يلجأ إلى تفكيكها إلى مواد بسيطة تمهيداً لامتصاصها في الأمعاء، هذه العملية تتم في الجهاز الهضمي وتدعى بعملية الهضم والامتصاص، أما الدم فينقل هذه المواد البسيطة إلى الكبد وإلى الخلايا والنسج المختلفة ليتم استعمالها والاستفادة منها، كل حسب وظيفتها، فمنها ما يدخر كدهون، ومنها ما يستهلك في انجاز الطاقة كالسكريات والدهون ومنها ما يركب مواد ضرورية لحيوية الجسم ومنها ما يبني الخلايا والأنسجة ويرممها كالبروتينات... الخ، وفي النهاية تطرح النواتج النهائية لاستعمال هذه المواد عن طريق مختلف أجهزة الاطراح وهي بصورة أساسية الماء (بول، عرق، زفير) وثاني أوكسيد الكربون (زفير) وبول ...الخ، ندعو مجمل هذه العمليات بالاستقلاب (الأيض أو التمثيل) Metabolism

 

الوظائف الحيوية التي تقوم بها المواد الغذائية:

إن كافة الوظائف الحيوية للجسم تحتاج إلى الغذاء، وهي تتوقف تماماً في غياب هذا الغذاء، فهو ضروري للقيام بجميع الأعمال الداخلية بما في ذلك عمل القلب والأوعية والتنفس والنشاط العصبي والعضلي وبناء العظام وانتاج الحرارة وعمل الجهاز البولي والهضمي وغيرها، هذا فضلاً على الأعمال الخارجية من نشاط وحركة وتفكير.

وعليه فإن نقص أيّة مادة غذائية في القوت سيؤدي إلى عرقلة إحدى هذه العمليات، مما يؤدي إلى ظهور أعراض مرضية مميزة لنقص كل مادة غذائية.

 

أمراض سوء التغذية :

يشمل مفهومنا لسوء التغذية كلاً من نقص التغذية وفرط التغذية، وهما حالتان مختلفتان في الأسباب والنتائج وسبل العلاج.

ففرط التغذية overnutrition يعبر عن الرفاهية الغذائية مع سوء للفهم الصحيح لموضوع التغذية، مما يؤدي إلى ظهور أمراض ذات صلة مباشرة بفرط التغذية على رأسها البدانة obesity، وهي مرض عضوي بكل معنى الكلمة لأنه يهيئ البيئة المناسبة لأشد الأمراض العصرية فتكاً بالإنسان ألا وهي تصلب الشرايين واحتشاء العضلة القلبية والداء السكري والروماتزم والنقرس الذي يمكن اعتباره مرض تغذية مباشر.

أما نقص التغذية undernutrition فإما أن يكون أساسي مثل أمراض نقص البروتين والطاقة الذي يعبر عن المجاعة الغذائية بكل صورها (سغل، ضوى) Marasmus الذي ينوء بكلكله على الأطفال والرضع، ونقص البروتين لوحده (كواشيوركور) ذلك المرض المأساوي الذي يصيب الأطفال سيئي التغذية، والنحافة والهزال التي تعرض لها الكبار بسبب النقص الشديد في التغذية.

وإما أن يكون نقص التغذية نوعي لواحد أو أكثر من الفيتامينات والعناصر المعدنية مثل فقر الدم متعدد الأشكال، وأمراض النقص الفيتاميني (جفاف الملتحمة وفرط التقرن الجريبي للجلد بسبب نقص فيتامين A والكساح لدى الأطفال ولين العظام عند الكبار بسبب نقص فيتامين D، والبري- بري بسبب نقص فيتامين B، والبيلاغرا بسبب نقص النياسين والحفر وهشاشة الشعيرات الدموية بسبب نقص فيتامين c)، وأمراض النقص المعدني مثل (تخلخل العظام بسبب نقص الكالسيوم والفسفور، وتسوس الأسنان بسبب نقص الفلور، والدراق المتوطن بسبب نقص اليود).

 

تقدير الاحتياجات للمواد الغذائية:

يختلف احتياج المواد الغذائية تبعاً لعدد من العوامل، مثل طبيعة الشخص، والجنس والسن والبنية والحالة الفيزيولوجية،وحتى الدخل والحالة الاجتماعية، ولذلك لا يمكن وضع الاحتياج ضمن إطار دقيق لفرد بذاته إلا بإجراء دراسة كاملة عن هذا الفرد، ولذلك نستعمل تقدير الاحتياجات كقيمة مقبولة عن حاجة أفراد متشابهين فيزيولوجياً كالبالغين (نساء ورجال) والأطفال والرضع والمراهقين والحوامل والمرضعات والمسنين.

تقدر احتياجات المواد الغذائية الأساسية بما فيها الكربوهيدرات والبروتينات والدسم بالغرام، بينما تقدر الحاجة من المواد الغذائية المساعدة كالفيتامينات والعناصر المعدنية بالميليغرام (جزء من ألف من الغرام)، بل إن بعض الفيتامينات يقدر احتياجها بالميكروغرامات (جزء من مليون من الغرام).

 

تقييم حالة التغذية للإنسان:

إن المظهر العام للفرد، وكذلك حالته الصحية العامة، تعطي في الواقع صورة حية عن حالته الغذائية، كون العـــــلاقة بين الصحة والغذاء هي علاقة تبادلية، وهناك مؤشــــــرات فيزيائية عديدة تؤخذ من مقاييس الجسم، مثل الوزن بالنســـبة للطول، ومحيط الرأس والصـــــدر والعضد بالنســبة للأطفــــال، وهذه المقاييـــــس جميــعها من شأنها أن تعطي فكرة أولية مقـــبولة عن الحـالة الغذائية للبالغ أو للطفل.

 العلاقة بين الغذاء والمرض- الحمية:

يقال إن المرض هو شكل من أشكال خطأ التغذية، ومهما كان سبب نشوء المرض فإنه يعني أن هناك تغيراً طارئاً على الحالة الفيزيولوجية الصحيحة للعضوية، ومن الطبيعي أن تتطلب هذه الحالة تغييراً في نمط التغذية بما يتناسب مع طبيعة الحالة من جميع النواحي، مثل كمية الطعام ونوعيته وأسلوب تناوله مع منع لبعض الأطعمة أو تقييد لبعضها في مقابل الحث على تناول أطعمة أخرى تتناسب مع طبيعة الحالة المرضية.

ففي البدانة تقيد الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون والطاقة، وفي الداء السكري تقيد الأطعمة الغنية بالسكريات وفي التصلب العصيدي تمنع الدهون المشبعة والأطعمة الغنية بالكولسترول وفي ضغط الدم المرتفع بقيد تناول الملح وفي النقرس يقيد تناول اللحوم والأسس البورتينية.. وهكذا.

*  *  *

إن جملة المبادئ الأساسية التي استعرضناها سابقاً والتي تعتمد على الحقيقة العلمية وعلى التجربة والملاحظة العلميتين، قد لا تفيد كثيرين في شيء عند التطبيق العملي، ومن المحتمل أن يضيع الفرد في متاهات التقييم والاستخراج وأخطاء الحساب، لذلك كان لابد من وجود نوع من الفن في استخدام هذه المبادئ على مستوى التطبيق العملي، كاختيار ضرب واسع من الأطعمة المناسبة وبما يحقق توازن الوجبة، إضافة إلى أسلوب تحضير هذه الأطعمة وإعدادها للتناول بحيث لا تفقد قيمتها الغذائية، فضلاً على تنظيم أوقات تناولها طبقاً لمواعيد منتظمة ووجبات محددة.

إن التطبيق العملي لمبادئ التغذية هو فن قائم بذاته يعتمد على الخبره والذوق السليم وحسن الاختيار والتقييم، لذلك فإن الثقافة الغذائية المبسطة يجب أن تكون ضمن أولويات تثقيف الأسرة ولاسيما ربات البيوت.

وفي الواقع لا نستطيع وضع قاعدة من شأنها حصر هذا الفن في إطار معين، لأن الفن لا يمكن تأطيره ووصفه ضمن قواعد ثابته، ويبقى الأمر من اختصاص الفرد والأسرة بما يلبي احتياجاتها وشهيتها من الطعام، والذي يمكن أن نقدمه في هذا المجال هو بعض النقاط الضرورية.

 

اختيار تركيب الوجبة- تكامل الوجبة وتوازنها:

إن المبدأ في اختيار الوجبة يكمن في ضرورة احتوائها على جميع المواد الغذائية بغض النظر عن مصدر الطعام أو مذاقه أو طريقة تحضيره، وبالطبع فإن ذلك لا يعد بالأمر الصعب، إذ أن احتواء الوجبة على طعامين أو أكثر غالباً ما يؤمن جميع المواد الغذائية، وفي رأينا أنه كلما تحقق تكامل الوجبة من عدد أقل من الأطعمة كان ذلك أفضل من ناحية سهولة تعامل جهاز الهضم معها والخلاصة فإنه يجب أن تكون الوجبة كاملة المحتوى من جميع المواد الغذائية، سهلة الهضم، وبأقل عدد ممكن من الأطعمة، ومتوازنة في نسب عناصرها الغذائية ومناسبة للحالة الفيزيولوجية الخاصة إن وجدت، وهكذا يعتبر تكامل الوجبة أمراً أساسياً في التغذية السليمة، وهذا التكامل يقودنا إلى توازن الوجبة بحيث يدخل في تركيبها جميع المواد الغذائية بنسب نموذجية كما هو مقرر، وكلما تحققت هذه النسب بأكبر قدر ممكن من التقريب كانت التغذية أقرب إلى المثالية في تحقيق الغرض، ولهذا كان لابد من معرفة كمية الطاقة التي يحتاجها كل فرد، ليبنى على أساسها تحديد نسب المواد الغذائية التي تؤمنها بما فيها الكربوهيدرات والبروتينات والمواد الدسمة.

 

الكربوهيدرات:

حتى لا يكون هناك إفراط في تناول الكربوهيدرات وبالتالي تراكمها بعد أن تستقلب في الجسم إلى دهون تدخر في الأنسجة الشحمية للجسم وتزيد وزنه، وحتى لا يكون هناك عوز لها يؤدي إلى تبذير البروتينات النسيجية، وحتى تتأمن الكمية الدنيا من الغلوكوز اللازمة لبعض النسج وخاصة الدماغية منها، كان لابد من تحديد كمية الكربوهيدرات القوتية على أنها تؤمن 60% من إجمالي احتياج الطاقة، مع السماح بشيء من الزيادة أو النقصان بمعدل +/- 5% لمراعاة الفروقات الفردية وأسلوب المعيشة العام لكل فئة، إذ قد تنخفض هذه النسبة لدى المجتمعات الغنية إلى 55% كحد أدنى يمكن قبوله، وترتفع لدى المجتمعات النامية إلى 65%كحد أعلى يمكن قبوله أيضاً

 

 الدسم:

تحدد كمية الدسم في الوجبة على أنها تؤمن 25% من حريراتها، مع السماح بشيء من الزيادة (+5%) كما هو الحال في المجتمعات الغنية، وبشــيء من النقصـــــــان (-5%) كما هو الحال في المجتمعات النامية، ومن المفضل أن تكون معظم هذه الدسم من مصادر نباتية (زيوت)، إلا أن التناول الفعلي للدسم خاصة من قبل المجتمعات الغنية يكون معظمه من مصادر حيوانية (دهون)، وهذا هو أكثر أخطاء التغذية شيوعاً في الغرب. إلا أنه يمكن القبول كحدٍ أدنى بدخل متساو من كلا المصدرين، إنما يبقى الأفضل تأمين ثلثي الاحتياج من المواد الدسمة من مصدر نباتي، والثلث الآخر من المصادر الحيوانية

إن حرصنا على تقييد الدهون الحيوانية ينبع من حقيقة كون هذه الدهون الدسمة هي المتهمه الأولى في ترسيب الكولسترول على جدران الأوعية والإصابة بالتصلب العصيدي، فضلاً على البدانه وتراكم مستقلباتها غير الكاملة والتهيؤ للإصابة بالحماض الكيتوني

 

البروتينات:

وهي المادة الغذائية المسؤولة عن بناء الخلايا وترميم ما تهدم منها، وتحدد كميتها في الوجبة على إنها تؤمن 12-15% من حريراتها، أو تقدر بأنها تعادل 80-1غ/كغ من الوزن المثالي للجسم، و2غ/كغ من وزن جسم الأطفال

 

تنويع الأطعمة بصورة يومية

مهما كانت الأطعمة المختارة في الوجبة مدروسة فلابد من حصول نقص لواحد أو أكثر من المواد الغذائية ولاسيما المساعدة منها لذلك يستحسن تنويع الأطعمة في الوجبات المتتالية، لتحاشي تراكم هذا النقص ولتأمين أكبر قدرٍ ممكن من التوازن الغذائي، حتى أن النفس البشرية تتطلب ذلك في فطرتها، فما يتناول في وجبة الإفطار يفضل ألا يتناول في وجبة الغذاء، وما يتناول في وجبة غذاء اليوم يفضل ألا يتناول في وجبة غذاء اليوم التالي وهكذا، إلا أنه لا توجد قاعدة تقضي بتناول أطعمة محددة في كل وجبة، لأن الأمر يبقى في الدرجة الأولى متعلقاً بما تشتهيه النفس  مع كبح  لهذه الشهية عند جموحها- وكذلك بالناحية المادية ومدى الوعي بصورة أساسية.

 

 

التقيد بوجبة الإفطار:

كثير منا يلغي وجبة الإفطار من برنامجه الغذائي، وهذا خطأ فادح يرتكب بحق الصحة، ويتجلى ذلك من خلال حقيقتين: أولاهما أن العمل والنشاط والحركة التي يقوم بها الإنسان خلال عمله في النهار تتطلب مزيداً من الطاقة والحرارة التي يستمدها من الغذاء، وفي غيابه يلجأ الجسم إلى أنسجته الشحميه أولاً والبروتينية أولاً وثانياً لتأمين الطاقة التي يتطلبها العمل. ولهذا الأمر محاذير لا تخفى

وثانيتهما أن المعدة تكون خاوية صباحاً، وهي بتقلصاتها وافرازها للعصارة الهاضمة التي تحوي كميات كبيرة من الأنزيمات وحمض كلور الماء. يؤدي إلى ظهور مشاكل في الجهاز الهضمي وأهمها التهاب المعدة والقرحة الهضمية.

ونجد أن أولئك المخطئون لا يكتفون بإلغاء وجبة الإفطار، بل يتناولون مزيداً من المنبهات كالقهوة والشاي والدخان مما يزيد التأثير سوءاً وخطورة.

والخلاصة لا غنى عن وجبة الإفطار، بل يجب أن تكون مغذية ومتوازنة وغنية بحيث تؤمن 30% من الحاجة اليومية للطاقة، أما وجبة الغذاء فتؤمن 50% منها، ووجبة العشاء 20%

 

حذف الأغذية المسيئة

بالرغم من أن بعض الأطعمة غنية بمحتواها من المواد الغذائية ولاسيما الدسم والسكريات إلا أنها تسيء إلى البدن وتؤثر على صحته، بسبب صعوبة هضمها وتأثيرها الضار على جهاز الهضم بشكل رئيسي ووظائف البدن الأخرى بشكل عام، لذلك تفرض قيود صارمة على هذه الأطعمة، وتمنع منعاً نهائياً في كثير من الأمراض.

يمكن أن نذكر من هذه الأطعمة الحلويات الدسمة (العربية) والسكاكر المركزة ومنتجاتها، اللحوم القاسية، الدهون والشحوم الحيوانية، الكولسترول، لحم الخنزير، البهارات والتوابل بكميات كبيرة، المشروبات الكحولية، ملح الطعام بإفراط والمنبهات بإفراط.

 

تناول نسب متوازنة من المنتجات النباتية والحيوانية:

إن الإفراط في تناول مصدر طعامي على حساب المصدر الأخر، له من الآثار السلبية ما يكفي لتقييد نسبة كل مصدر، فاللحوم بما تحويه من بروتينات ودهون، وبالرغم من أهميتها الكبيرة في التغذية، إلا أن تناولها بإفراط على حساب المنتجات النباتية كالخبز والحبوب والبقول والخضار والفاكهة، يترك شيئاً من هذه الآثار التي تتجلى بزيادة تراكم مستقلبات بروتينات هذه اللحوم في الدم والتي هي سامة تؤدي إلى إرهاق الكلى أو تلفها وتعب القلب، والإصابة بالنقرس، ومن شأن الدهون التي تحويها اللحوم أن تعزز من ترسيب الكولسترول في الأوعية لتهئ للإصابة بتصلب الشرايين، إضافة إلى تراكم مستقلباتها السامة في الدم وهي أجسام كيتونية يؤدي ارتفاع نسبتها إلى الإصابة بالحامض الكيتوني والسبات، هذا فضلاً على أن الدهون الفائضة تدخر وتسبب البدانة

أما الإكثار من الأطعمة النباتية على حساب الحيوانية منها فيؤخذ عليه عدم كفاية البروتينات النباتية، كونها تحوي نقصاً لواحد أو أكثر من الحموض الأمينية الأساسية فالليزين مثلاً والذي يوجد في جميع الأطعمة الحيوانية تفتقر إليه بروتينات الحبوب،

وفيتامين 12B لا يوجد إلا في الكبد وبعض المصادر الحيوانية الأخرى، إلا أنه يصنع جزء منه داخلياً في الأمعاء بواسطة الجراثيم النافعة فيها، وعليه فإن الاقتصار على النبات في التغذية، على ما لذلك من آثار غير مرغوبة، يجب أن يترافق مع تناول أنواع مختلفة من هذه الأطعمة، بحيث يتحقق التأثير التكميلي للبروتينات، فالحبوب يتم تناولها جنباً إلى جنب مع البقول والمكسرات.. وهكذا.

وفضلاًً على أن الفطرة الإنسانية تشتهي جميع الأطعمة، فإنه من الصعب على شخص طبيعي أن يستغني عن الأطعمة الحيوانية (كاللحوم مثلاً)، وطبيعي أنه من المستحيل الاستغناء عن الأطعمة النباتية.

وهكذا وحتى تكتمل الصورة المثلى للتغذية، لا بد من تناول نصف احتياج البروتين من مصادر حيوانية والنصف الآخر من المصادر النباتية، وكذلك يقال عن المواد الدسمة، أما الكربوهيدرات فهي تؤمن بكاملها من المصادر النباتية كونها المصدر الوحيد للكربوهيدرات (عدا كمية قليلة يحويها الحليب).

وبإجراء حساب بسيط على ما تقدم نجد أن التغذية تكون في أفضل حالاتها عندما تؤمن الطاقة من 80% مصادر نباتية و20% من مصادر حيوانية.

 

أسلوب تناول الطعام

ولكي تكون عملية التغذية مكتملة من جميع جوانبها، ثمة جملة من النصائح التي يفترض التقيد بها، فمن الضروري مضغ الطعام بشكل جيد والتأني في تناوله، فيكون أكلاً وليس التهاماً وازدراداً، والإقلال من شرب الماء أثناء الطعام وبعده ما أمكن، وتناول الطعام على وجبات محددة العدد والتوقيت وعدم إدخال الطعام على الطعام، ويحذر من ممارسة أنشطة عضلية عنيفة بعد الطعام، إلا أن رياضة المشي مفيدة بعد الطعام، أما كمية الطعام المتناولة فهي بكل بساطة الكمية التي تحقق الكفاية قبيل الشعور بالشبع، وانتقاء الأطعمة السهلة الهضم، وبأكبر قدر ممكن من التنويع، مع حذف للأغذية السيئة، وتطبيق حمية خاصة عندما تقتضي الضرورة ذلك

وفيما يأتي نبين جملة النصائح التي توصي بها الهيئات الأمريكية المختصة لمواطنيها:

تنويع الأطعمة من جميع الأنواع الطعامية، بما في ذلك الخضار والفواكه والحبوب والبقول ومشتقاتهما (خبز،رز،معكرونة...) واللحوم بأنواعها والبيض والحليب.

المحافظة على وزن مثالي قياساً إلى الطول، لأن البدانة تهيء للداء السكري وفرط شحوم الدم والهجمات القلبية والدورانية

الإقلال من الدسم المشبعة (الدهون الحيوانية) والأطعمة الحاوية على الكولسترول (بيض، أعضاء حيوانية، زبدة، دهون)واستبدالها بزيوت نباتية غير مشبعة مثل زيت الزيتون وزيت الذرة

تناول كميات كافية من النشويات (خبز كامل، حبوب، بطاطا، بقول ومكسرات)

تجنب الإفراط في تناول السكريات المركزة مثل السكر العادي ومنتجاته (مربيات حلويات دسمة وغير دسمة، شوكولا، كرميل...) إذ أن السكر له علاقة مباشرة بتسوس الأسنان ومشاكل الجهاز الهضمي والبدانة

الإقلال من تناول ملح الطعام ما أمكن، والأطعمة المملحة ( المخللات، المكسرات، اللحوم المملحة، البسكويت المملح شيبس...)، هذا مع ملاحظة أن حاجة الجسم الفعلية للملح تتأمن من الأطعمة لوحدها، دون الحاجة إلى ملح المائدة

تجنب المشروبات الكحـــــولية إذ أن للكحول قيمة حرارية عالية تبلغ 7 حريرة / 1 غ دون احتوائه على أي قيمة غذائية، إضافة إلى تأثيراته السمية الشديدة التي تتجلى بتشمع الكبد الكحولي وسرطان المريء، واضطرابات عصبية وعقلية الإقلال من تنـاول المنبهات كالقهوة والتوابل والبهارات.

وبعد 

ألم يسبق الإسلام علماء التغذية بأكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان في وضع أهم أركان التغذية التي ألزم الله تعالى بها المؤمنين حين أمرهم بالاعتدال في تناول الطعام والشراب ونهاهم عن الاسراف فيهما:

كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه  طه 81

وأباح لهم الطيبات من الطعام والشراب وحرم الخبيث منهما:

يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون- البقرة 172

وحرم عليهم كل ما يؤذي أبدانهم من خمر ودم وميتة ولحم خنزير!

وأمــــرهــــــــم بتنظيم أوقات طعامهم.. على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم

نحن قوم لا نأكل حتى نجوع.. وإذا أكلنا لا نشبع

كما أكد العرف العربي على ضرورة تطبيق حمية خاصة بالمرض المعدة بيت الداء والحمية أصل كـــــل دواء، وخص الله تعالى المسلمين رمضان للصيام والعبادة، ذلك من شأنه إراحة الجسم المرهق بأعباء الطعام والشراب طيلة العام لتجدد حيويته وتشتد فاعلية أعضائه.

وقبل كل هذا أمر بجملة من الآداب التي اعتبرها من مستلزمات عملية تناول الطعام بما في ذلك النظافة بغسل اليدين قبل الطعام وبعده، وتناول الطعام والشراب باليد اليمنى جلوساً وحمد الله تعالى بعد الطعام وجميعها من الآداب الإسلامية الرائعة في الطعام والتي من شأنها أن تميز المسلم من غيره من الناس، على اعتبار أن تناول الطعام سلوك اجتماعي فطري وحتمي حري به أن يضبط ضمن قواعد وآداب محددة.

 

          

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب