|
عبدالعزيز بن صالح العسكر
عضو
الجمعية العلمية السعودية للغة العربية - السعودية
يقع كثير
من الكتاب في أخطاء أسلوبية من حيث يشعرون أو لا
يشعرون وأكبر سبب لها التقليد وقلة الفقه اللغوي..
وذلك ما أوجد عندنا أزمة مصطلحات!!
فقد قرأت
في موضوعات كثيرة خلطاً عجيباً في تفسير المصطلحات
وإطلاقها على علاتها ومن تلك المصطلحات: (الإسلاموي)،
ووصف كاتب بأنه (إسلامي)، وآخر بأنه (رجل دين)
ومصطلحات أخرى.. والناظر في هذه الكلمات واستعمالها
لدى بعض الكتاب يحار في فهم المقصود بها.. فحينما نقرأ
عبارة (التيار أو النشاط الإسلاموي) لا نفهم لها
معنى!! ومثلها كاتب (إسلامي) أو (فنان إسلامي) ويندرج
في هذا السياق مصطلح (رجل دين) ولا نستطيع تحديد مدلول
كل ذلك إلا إذا كان المقصود بكل تلك المصطلحات:
الاشتغال بأمور الدين والمنشغل فيها يدعى (إسلامي)..
ولكن
اعتراضا قوياً يحول بيننا وبين هذا الفهم وهو: ماذا
يقال عن كل نشاط أو عمل في غير أمور الدين هل هو (غير
إسلامي)؟!! عليه يكون عندنا: كاتب إسلامي وكاتب غير
إسلامي وتيار إسلامي وتيار غير إسلامي وأخطر من ذلك
(رجل دين) وعكسه!!
وهل في
ديننا هذا التقسيم!؟ ومن الذي سيرضى أن يكون غير
إسلامي وماذا سيكون إذاً؟!! وهل عرف تاريخنا على مر
عصوره هذا التقسيم؟.. إننا بحاجة ماسة إلى مراجعة
استعمال هذه المصطلحات ومعانيها في اللغة والبحث في
مصادرها، وحينما ندقق البحث والنظر نجد أنها وُجدت
وعُرفت ونبتت عند غيرنا.. فعرف رجال الكنيسة بأنهم
(رجال الدين) وغيرهم ليسو رجال دين، وأصبح كل ما يتعلق
بـ(الطقوس الدينية) للنصرانية يعد من شئون الدين وما
سواه لا علاقة له بالدين. ولذلك وجد عندهم مصطلح (دع
ما لله لله وما لقيصر لقيصر)!!
أما نحن
فلا نعرف إلا هذه المصطلحات: علماء دعاة- فقهاء- عامة.
ولكلٍّ من أولئك واجبات ليست على غيره، وله حدود ينبغي
أن يقف عندها ويشترك كل أولئك في أن للدين أهمية
ودوراً كبيراً في شئون حياتهم كلها وليس هناك شيء عند
المسلمين ليس للدين علاقة به قال الله تعالى {قل إنَّ
صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له
وبذلك أمرت} سورة الأنعام 162-163
والمثير
للدهشة والعجب أن بعض من يوردون تلك المصطلحات لا
يعرفون معناها بدقة، ولا يدركون ما يترتب على
إطلاقها.. وهذا في نظري سبب رئيسيّ في حوارات ساخنة
تغطي صفحات الصحف وساحات الانترنت، ولو أننا استطعنا
الانتصار على ذواتنا وهزمنا شهوات نفوسنا وحددنا لكل
مصطلح معناه الصحيح واستعملناه فيه لو فعلنا ذلك حققنا
نجاحاً علمياً واجتماعياً ووطنياً باهرا، واختصرنا على
نفوسنا جهداً ووقتاً كنا نصرفه في جدل عقيم في معاني
تلك المصطلحات ولماذا قال فلان كذا وفلان كذا.
وأشير
هنا إلى كلمات ما كنا نسمعها وليس لها معنى لدينا في
البلاد الإسلامية منذ زمن ليس ببعيد ومن هذه الكلمات:
ليبرالي- ديموقراطي- تحرري- تكنوقراط، وغيرها مما صار
يكرر في وسائل الإعلام وبالذات الصحف ويوصف بتلك
الأوصاف أناس أبرياء لا يؤمنون بها ولا يرضون بأن تطلق
عليهم.
وإذا
انتقلنا إلى الجزء الثاني من عنوان هذا المقال نجد
الأخطاء اللغوية الكثيرة التي شاعت عند بعض حملة
الأقلام وفيها مخالفة صريحة لمعاجم اللغة ومن تلك
الأخطاء- وهي كثيرة:
1- عبارة (لا يجب أن تخالف أنظمة المرور) و(لا يجب أن
ندعم الإرهاب) وهكذا.
2- عبارة (ست مصانع) و(عشر لاعبين) و(سبعة مدن)
و(ثمانية مدارس) وهكذا.
3- عبارة (ركز على الموضوع) و(كلام مركز).
4- عبارة (التطرف والمتطرفين).
5- عبارة (في أحد المدارس) و(جاءت أحد المدرسات).
وأخطاء أخرى كثيرة.
وحينما
نعيد النظر في الأخطاء أعلاه نجد أن كلمة (يجب)
يستعملها بعض الكتاب
حسب الاستعمال الغربي
في غير لغتنا ومعناها عندهم (لا يقبل).. وحينما
نستعملها في لغتنا فإنها تعني أن هذا الأمر غير واجب
ولكنه جائز أو ممكن.. وعليه يجوز مخالفة أنظمة المرور
ويجوز دعم الإرهاب لكنه غير واجب والصحيح أن نقول: لا
يجوز أو لا يقبل أو مايرادفهما.. أما الأعداد فلها
أحكام في التذكير والتأنيث ومن ذلك أن الأعداد من
ثلاثة إلى تسعة تذكر مع المؤنث وتؤنث مع المذكر فنقول:
ستة مصانع وعشرة لاعبين وسبع مدن وثمان مدارس وهكذا
ثلاثة رجال وثلاث نساء.
أما
(التركيز) فقد استعير من الصناعة والكيمياء إلى وصف
الكلام؛ وهذا ما لم يعرفه العرب قديماً وحديثاً، فلم
نقرأ أو نسمع كلاماً مركزاً أو خطاباً مركزاً وإنما
يوصف الكلام بأوصاف منها: القوة- البلاغة- الصدق-
الإيجاز- الوضوح.. ومن الممكن لمن أراد أن يصف الخطاب
أو الحديث بـ(المركز) أن يستبدلها بـ(موجز/ قوي)، ومن
أراد أن يوضح بأن المتحدث خصص جزءاً كبيراً من كلامه
للموضوع الرئيس أن يقول: أكد الموضوع أو كرر التأكيد
أو تحدث فيه بعمق.
أما
(التطرف) فمعناه في اللغة الوقوف في الطرف.. وهو
مَظَنَّة السقوط والتردي وبخاصة حينما يكون (التطرف)
قريباً من حفرة عميقة أو شاطئ بحر أو نهر.. وحينما يصف
كاتب شخصاً أو مجموعة أشخاص بأنهم (متطرف أو متطرفون)
فإنه يعني: التمسك بالدين إلى حد غير مقبول أو التمسك
بآراء شاذة في شعائر الدين.. وقد يكون الكاتب محقاً أو
غير محق ولن نبحث ذلك هنا، ولكن الغريب في الأمر أن
الكاتب متطرف كذلك ولربما كان تطرفه أقبح أو أشد من
تطرف (المتدين)؛ ذلك لأن الكاتب يقف في الطرف المقابل
فصاحبه متطرف في تمسكه بتعاليم الدين والكاتب متطرف في
(تمرده على تعاليم الدين) وتفريطه في أداء الشعائر
والواجبات فكيف نصف بـ(التطرف) من نشترك معه في هذا
الوصف.. أو ليس الَأوْلَى أن نستبدل هذا الوصف
بالأوصاف الصحيحة الواردة في شريعتنا ومنها: الغالي
والغلو والمتجاوز الحد ويقابلها الجافي والجفاء
والمفرط والمقصر.. وأقول هنا: لا يجوز (وليس لا يجب)
أن نقلد الغربيين في أوصافهم للمتمسك بدينه المحافظ
عليه ويجب أن نعرف أن (التطرف) مرض صنعوه وغذوه وصدروه
إلينا ثم طلبوا منا أن نحاربه!!!
ونختم
بالخطأ الأخير وهو المتعلق بالتذكير والتأنيث مع كلمة
(أحد) ولقد وجدت هذا الخطأ في كثير من الصحف والمجلات
مع أن قاعدته تدرس في المراحل الابتدائية والمتوسطة.
والصحيح أن هذه الكلمة تذكر مع المذكر وتؤنث مع المؤنث
فنقول: إحدى المدارس وإحدى المدرسات وأحد المساجد وأحد
المصانع وأحد الأجهزة وهكذا.. ومما يعين على التعبير
الصحيح هنا أن نتأكد من تذكير اللفظ أو تأنيثه قبل
وصفه.
وختاماً
أقول إن أزمة المصطلحات والأخطاء اللغوية عقبات في
طريق تقدمنا، وسبب رئيس في زعزعة أمننا النفسي
والاجتماعي، فمتى نصل فيها إلى الحقيقة ونرضى بها
بديلاً آمنا؟!!
|