|
منذ السبعينيات من القرن
الماضي عقد على المستوى الإقليمي والقومي مجموعة من
الندوات والمؤتمرات واللقاءات، والمهرجانات، كلها بحث
قضية (الثقافة) في العالم العربي، باعتبارها المؤشر
المركزي لطبيعة التحولات الفكرية الداعمة لحركة
التنمية في محيط المجتمع العربي.
جمع لا حصر له من
المصنَّفين في دائرة (المثقفين والأدباء والمفكرين) في
عالمنا العربي ظل في حركة دائبة (ذهابا وجيئة) بين
عواصم العالم العربي، يقدمون أوراقهم ومعارفهم عن
الثقافة (حاضرا ومستقبلاً).. وأطروحات لا تبخل أبدا
بتقديم ما تظنه (الرؤية المستقبلية الأنموذج) لما
ينبغي أن تكون عليه محورية الثقافة في عالمنا اللاهث
هذا..
وكل تلك التجمعات- الرسمي
منها والشعبي- سجلت في دفاتر وقائعها ومحاضر جلساتها
كما هائلا من التوصيات والقرارات، تطوى صفحاتها ريثما
يلتقي القوم ثانية، في اجتماع تال ليوصوا بضرورة النظر
في التوصيات السابقة..
وهكذا.. (ضجيج رحى ولا
طحين)..
الثقافة.. ما هي؟.
هل تعني المخزون المعرفي..
للفرد؟ أم هي المعادل الموضوعي للحضارة؟ أم هي التوجه
القيمى للأمة؟ أم هي خليط من كل هذا..؟.
علامات (الاستفهام هذه) لا
أحسب أني اجعل منها طــوقا ألفُّ به خـــاصرة الثقافة،
بل هي مجرد علامات على الطـــــريق نستبين بها أمر ما
نحن فيه..
الثقافة في مرجعيتها
اللسانية واللغوية تعني (التقويم والتشذيب والتهذيب
والاعتدال) من (ثقفت الرمح) إذا قومت اعوجاجه وعدلته..
وتقويم عود أو عصا الرمح
ليصبح مستقيما غير معوج لا نتوء فيه يحتاج إلى كثير من
المهارة والجهد، حتى نصل به لما نبتغيه..
ومعلوم أن (المهارة) تقوم
على (المعرفة والتجربة) وهذان إذا ما أضيف إليهما
الجهد المبذول بصدق للوصول إلى الغاية فإن النتيجة
الحتمية هي إبداع وجمال وروعة..
وهذه هي الثقافة في أبسط
وأيسر معانيها..
وبهذا المفهوم المبسط
للثقافة أستطيع القول بأن (المثقف) هو ذلك الشخص الذي
تعتمل في نفسه كل معاني الخير والجمال، اللذين يفيض
بهما على من حوله (خيرا وجمالا) في سابقة سلوكية
وخلقية تنشر الاعتدال النبيل بين الناس..
في زماننا هذا، لقد بعد
الناس كثيراً عن المعنى الحقيـــقي للثقافة والمثقف..
لقد ظنوه ذلك الرجـــــل الطلعة صــاحب المخزون
المعـــــرفي الواسع فحسب..
ترى ما نفعل بجهاز
(كمبيوتر) يستوعب في ذاكرته ملايين المعلومات، ويحدثنا
في كل علم وفن. ولكنه لا يملك حساً، ولا يعرف شعوراً..
(المخزون
المعرفي) هو واحد من ثلاث ركائز في معادلة (الثقافة)
والمثقف)..
أما الركيزة الثانية وهي
ذات أهمية عالية، هو أن يجعل هذا المخزونُ المعرفيُّ
صاحِبَهُ (إنسانا)..
نعم- (إنساناً) يحمل كل
قيم الإنسانية الرفيعة النبيلة.. وهذه هي المعادل
الحقيقي للمرجعية اللغوية اللسانية لكلمة (ثقافة)
(ثقفت الرمح) أي قومته وأصلحت اعوجاجه..
ولا خير في معرفة لا تصلح
من اعوجاج صاحبها وحاملها..
أما الركيزة الثالثة
لـ(الثقافة) وهي أن يفيض على الآخرين، بما أفاض به على
نفسه تقويما وتعديلا وتهذيباً.. وهذه قناعتي بأمر
(الثقافة) و(المثقف)..
دعونا نضع علامات استفهام
تحتاج منا حقيقة إلى نظر مرفود ببصيرة، موفور بمنطقية
لا تحامل فيها..
من غير ذكر أسماء، حتى لا
ندخل في جدلية عريضة ليس هذا ميدانها.. في عالمنا
العربي اليوم من أصحاب الفكر والقلم والمعرفة الواسعة
من نشروا بين الناس فكرا وآراء هي أقرب إلى الضلالة
منها إلى الهداية (قصة- مسرح- شعر مؤلفات فكرية
وجدلية).. والساحة مليئة بمثل ما ذهبنا إليه، بل هي
الأكثر تداولاً، حسب ظني.. بل بعضهم شط به المدى ليسئ
لا قدس القُدُسَات..!!
ترى ما يفعل المجتمع
بمعرفة كهذه، وبفكر كهذا..؟!
وصاحب هذا الفكر أصبح في
عرف الكثيرين (المثقف) واسع الانتشار..!
دعونا نسأل في براءة
متناهية، هل هذا (الأديب والمثقف والمفكر) صاحب هذه
المنهجية التي ذكرنا، هل يصلح لوضع ما تُعُورِفَ عليه
في أوساط المفكرين والمثقفين بـ(المشروع الثقافي للأمة
العربية والإسلامية) أو ما عرف بـ(المشروع الحضاري
للأمة العربية)..؟.
إذن، دعونا نؤكد، أن العلم
بغير أخلاق دمار.. وان الثقافة (المضمون المتعارف عليه
اليوم) بدون أخلاق لا تبني أمة..
هل تراني ركزت على الجانب
المظلم من القضية؟!
إن كان الأمر كذلك، فإنه
من باب (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وهي قاعدة
فقهية قننها وعمل بها أعلام فقهاء وعلماء هذه الأمة..
أما أولئك الأخيار من
المثقفين والكتاب والشعراء والمفكرين فإنهم كثر في
عالمنا العربي والإسلامي ولله الحمد، وكم وددنا أن
يكون صوتهم هو الأعلى من غير تحجيم أو إسكات..
وإذا كانت الثقافة في
مضمونها العام تعني التقويم والتهذيب كما أسلفنا،
فإنها إذا ما أضيف إليها كلمة (الإسلامية) فأصبحت
(الثقافة الإسلامية) فإنها تضيف مضمونا أوسع وأرحب
تكتسب معنى (القيمة).. القيمة الإيمانية العليا،
السالكة بالنفس المؤمنة، والنفس الإنسانية بعامة مدارج
السمو في سلم الرقي إلى الانموذج الأمثل، تطهيرا للنفس
وتزكية، تطيب بها الحياة.. ونفس بهذا التركيب المتجانس
المتسامي، لاشك تغدو في كل مجالاتها عطاء خير وجمال
وإبداع..
(الثقافة
الإسلامية) حددت للمسلم معالم الطريق للحياتين الدنيا
والآخرة.. وربطت بينهما برباط وثيق..
وحددت للمسلم طبيعة
العلاقات الأزلية الأربع: (علاقته بنفسه) و(علاقته
بالله) و(علاقته بالناس) و(علاقته بالكون)..
الأولى: علاقة إصلاح للنفس
وصلاح لها، وصدق معها.
والثانية: علاقة صدق لله
في العبودية ومتعلقاتها.
والثالثة: علاقة خير
ومعروف واصلاح متبادل بينه وبين الناس.
أما العلاقة الرابعة: فهي
علاقة نفع وانتفاع بهذا الكون المسخر للإنسان في إطار
منهجية غاية التعبد، التي من أهم خصائصها أن الأمر كله
لله، حتى لا تطغى هذه النفس الإنسانية.. وطغيان النفس
الإنسانية كما لمسناه اليوم في واقعنا المعاصر.. إنه
دمار في دمار..
هذه هي منهجية الثقافة
الإسلامية في خطوطها العامة.
وهذه رؤيتي لها..!!..
|