|
د. عدنان عبيد العلي - العراق -
يرى "أدلر"
أن غاية الحياة النفسية الفردية هي البحث عن طرائق
التوافق الاجتماعي. فدراسة الحياة الواقعية للفرد
تدفعنا إلى تقدير أهمية العنصر الاجتماعي فيها. إذ أن
الفرد لا يصير فرداً إلا في متن المجتمع(1) ذلك لأن
الاجتماع ميل فطري في النفس يوجد بين البشر، كما يوجد
في كافة الأجناس الحيوانية التي لا تستطيع العيش
متفرقة، لأن الإنسان لم يهيأ للكفاح في الحياة وحيداً
منفصلاً.
فلم
تشحذ أنيابه، أو يشد في عضده، او يبعث الأذى في
مخالبه، ولم تكن حركته خفيفة، وحسه رهيفاً، وَعُوِّضَ
عن ذلك بأن أُعد لتكوين الجماعات، كما هُيء - من قبل-
غيره من الحيوان، لتكوين القطعان، والأسراب، إذ لم يكن
للإنسان أو الحيوان سوى ذلك السبيل للكفاح في سبيل
البقاء(2) من هنا صارت الحاجة إلى التكيف (3) ضرورة
الحياة، والبقاء. غير ان الحياة الاجتماعية للكفيف
-بوجه عام- تواجه سوءً في التكيف، واضطراباً انفعالياً
- مرده - كما تقول التجارب والدراسات ـ إلى عوامل
اجتماعية أكثر منه إلى وجود إعاقة بصرية (4). إذ يفقد
الكفيف الشعور بالأمان، والثقة، بسبب الموقف السلبي أو
الإيجابي المفرط لأسرته، أو مجتمعه، فيمارس - لذلك-
انماطاً من السلوك غير الاجتماعي(5) ولعل أسوأ المواقف
الفردية تجاه المكفوفين هي مواقف أسرته، التي صنفها (سومرز)
في خمسة أنواع(6) وهي: القبول وإنكار وجود أثر للعاهة،
والتدليل، والحماية المسرفة، والإعراض المقنع، والنبذ
الظاهر. وحين يسلك الكفيف بسبب هذا- سلوكاً تعويضياً،
فيتحدى عجزه ويحاول الاندماج في عالم المبصرين فإنه
يواجه الاتجاهات العدوانية، أو يلجأ إلى الانعزال
منسحباً من عالمه المحدود، الذي تفرضه عليه آثار عجزه،
وآثار الاتجاهات العدوانية. وكل هذا يؤدي به إلى سوء
التكيف في البيئة التي يعيش فيها(7) إذ يمر بين
الجموع، وفي قلبه بغض للأشخاص، الذين تهز مشاعرهم
مأساته الأليمة.(8)
ففي
سيره بين المبصرين يوقظ - وهو يعلم - حافزاً من أقدم
الحوافز في الإنسان ألا وهو استعطاف الأقدار(9).
فالناس من حوله يسخرون منه، حين يشفقون عليه
إذ
يفرضون مساعدتهم - في الغالب- ويعدونها إشفاقاً
وتقرباً إلى الله تعالى، بل إنهم يشعرونه بهذا الإشفاق
تصريحاً، أو تلميحاً. فبيئة المكفوفين مشبعة بالرثاء
لهم، ولذا وجب أن نفهم طبيعة الرثاء، حتى نفهم بيئة
المكفوفين. فالرثاء الذي يوجهه المجموع إلى المكفوفين
يقف حائلاً بينهم وبين التكيف، إذ يكسوهم برداء
الكآبة، والسقم، ويعمل لعزلهم في الهيئة الاجتماعية
بتعزيز الخوف من الاتصال بهم. ومع ذلك فإن الأشخاص،
الذين تبدو عليهم الرغبة في الالتقاء بالمكفوفين هم
أنفسهم الذين يبدون الرثاء لهم. فالبعض من هؤلاء غرضهم
الشعوري أو دافعهم الغير شعوري التغلب على عامل الخوف
الذي يحسونه عند اللقاء بالمكفوفين والبعض الآخر
مدفوعون بالاستمتاع بلذة الإعراب عن الرثاء لحال
الغير، ولذلك فهم يفرضون هذا الرثاء فرضاً على
المكفوفين، حتى ولو قوبل بالرفض فالرثاء يجعل المرثى
له أقل شأناً. وهذا ما يهدف إليه البعض. لشعوره
بالحاجة الداخلية في وضع غيره مركزاً أقل منه. فيجد في
الرثاء وسيلة لتحقيق هذا السلوك السادي(01)، لأن النمط
الذي يقابله المكفوفون في الغالب هو النمط العاطفي،
الذي يفرط في إظهار الشفقة عليهم، فيسبب لهم متاعب
تجعل المكفوفين يحكمون على عالم المبصرين من خلال
أفعال هؤلاء(11).
ويظن
الكثير من الناس أن الكفيف أقل قدرة على التأثير
العاطفي لكونه غير مبصر ما حوله، ويزيد من رسوخ هذه
الفكرة- عندهم- أن المكفوفين كثيراً ما يضطرون إلى كظم
غيظهم، والتجمل بالصبر، بل يضطر بعضهم إلى الابتسام،
فيزيد المبصرين اعتقاداً أن الكفيف أقل منه ارهافاً
(21).
لقد
نظر المجتمع إلى المكفوفين - منذ عصوره البشرية
الأولى- وعاملـــهم بثــــلاثة طــــرق متــــباينة
فهم عبء ومســــؤولية، أو أنهــم قُصَّر تحت وصايته،
أو أعضاء فيه(31).
غير أن
العباقرة، والمتفوقين منهم قد تعرضوا لكثير من
الاضطهاد الاجتماعي، العفوي منه، أو المقصود فحين
يتعرض واحد منهم للاستهانة، والاستخفاف، فإن الجميع
يحزنون. وذلك يعود لسببين رئيسين: أولهما أن الاستخفاف
المقصود الموجه لكفيف أو أكثر يأخذ - أسلوبيا- طابع
التعميم والإطلاق وثانيهما أن المكفوفين أقلية، أو
طبقة وحدت العاهة الكبرى مشاعرهم وجعلت هجوا الواحد
منهم يعني هجوهم جميعاً. كقول أحدهم في هجاء كفيف:
ما للضرير وما للكبر والتيه
أليس يكفيه أن يشقى بما فيه
أليس يكفيه ألا يهتدي أبداً
إلا بعكازة أو من يُهَدِّيه (41)
وقول آخر:
كيف يرجو الحياء منه صديق
ومحل الحياء منه خرابُ(51)
وما
يبديه الغير من تعجب بقدرات الكفيف، واتزانه الاجتماعي
لا يحصل على ثقته ـ في الغالب- لذا فإن هذا التعجب
والإظهار التقديري لا يصلح- على الأرجح- علاجاً
للموقف. وبذلك تكون النتيجة المنطقية وجود رد فعل من
الكفيف مماثل لهذا الضغط الدائم من البيئة فالمخلوق
البشري يرفض نسبة النقص إليه. فإذا قبله في الظاهر فإن
داخلية نفسه تغلي رفضاً وامتعاضاً (61). والذين يسلمون
أنهم قادرون على التكيف فليس من السهل عليهم تجنب
الصراع الذي يبدو- في كثير من الأحيان- في رفضهم
العون، والاشفاق، اللذين يعدان استخفافاً وتهويناً.
"لذا
يحاول الكفيف أن يحرر نفسه من اتجاهات المجتمع نحوه،
وذلك بتحطيم مصدر مضايقاته بل ان لديه أوهاماً يقوم
فيها بمهمة البطل الذي يدمر ما يحيط به. وقد يدمر هذا
البطل نفسه فيمن يدمرهم" (71)
من هنا
صار التعامل مع الكفيف صعباً لأن التوازن المطلوب في
التعامل معه يحتاج إلى معرفة وخبرة لا تتحققان- غالباً
ـ في واقع المكفوفين الاجتماعي. فالذي لا شك فيه "ان
من الصعوبة بمكان تغيير البيئة الاجتماعية، لتلائم
المكفوفين، أو تغيير المكفوفين ليلائموا البيئة" (81)
ولكن الثابت ـ في علم النفس- أن التكيف يستند أساساً-
إلى عملية تعديل ذاتي أكثر مما يستند لمحاولة تعديل
العالم الخارجي. فعلى الفرد أن يتكيف مع الجماعة، وعلى
الأقلية أن تتكيف مع الأغلبية، لأن التكيف مهمة الفرد،
لا البيئة"(91)
ولكن
فقدان الصلاحية الاجتماعية عند المكفوفين، أو في حالة
أي جماعة من جماعات الأقلية (02) يمكن أن يتــــولد من
الفرد أو من المجتمع. وفي هذه الحالة، أو تلك يتصل
الأمر بالفرد، والمجتمع جميعاً (12).
(1)
علم النفس الفردي د. إسحاق رمزي ص201
(2)
المرجع السابق ص301
(3)
للتكيف بعدان: التكيف الشخصي، والتكيف الاجتماعي.
فالأول يعني أن يكون الفرد راضيا عن نفسه غير كاره لها
أو نافر منها، أو ساخط عليها، أو غير واثق منها، كما
تتسم حياته النفسية بالخلو من التوترات، والصراعات
النفسية التي تقترن بالقلق، والنقص والرثاء للذات، أما
التكيف الاجتماعي فهو قدرة الفرد على أن يعقد صلات
اجتماعية راضية مرضية مع من يعاشرونه، صلات لا يغشاها
التشكي، والشعور بالاضطهاد (الصحة النفسية مصطفى فهمي
43-53) أما التكيف ـ اصطلاحاً ـ فيعني القدرة على
تكوين العلاقات المرضية مع البيئة العامة (الطبيعية،
والاجتماعية) ثم مع الذات (الصحة النفسية 33-43).
(4)
الفكر التربوي ص262 وانظر تربية المعوقين ص451 وتكيف
الكفيف 622.
(5)
تربية المعوقين 741.
(6)
الفكر التربوي 352 وتربية المعوقين 551.
(7)
سيكلوجية الطفل الكفيف 23.
(8)
الفكر التربوي في رعاية الطفل الكفيف 661.
(9)
تكيف الكفيف 732-832.
(01)
تكيف الكفيف 412.
(11)
المرجع السابق 512 و022.
(21)
شخصية بشار للنويهي 64.
(31)
سيكلوجية المرض وذوي العاهات 711.
(41)
حماسة الظرفاء 2/251.
(51)
المرجع السابق 2/351.
(61)
تكيف الكفيف 042.
(71)
سيكلوجية الطفل الكفيف 42.
(81)
تربية المعوقين 651.
(91)
رعاية المكفوفين 4.
(02)
يعد المكفوفون أقلية وحدت العاهة سلوكهم وشعورهم،
وفكرهم إلى حد كبير.
(12)
رعاية المكفوفين 392.
1-
تربية المعوقين في الوطن العربي -د. لطفي بركات أحمد-
دار المريخ -ط1 -الرياض 1891م.
2-
تكفيف الكفيف- هكتور تشيفني وسيدل بريفرمان ترجمة د.
محمد عبدالمنعم نور- مطبعة البلاغ القاهرة 1691م.
3-
حماسة الظرفاء - ج2- العبد الكاني الزوزني- تحقيق محمد
جبار المعيبد- دار الحرية للطباعة نشر الدار الوطنية
وزارة الثقافة العراقية- بغداد- 8791م.
4-
رعاية المكفوفين (نفسياً واجتماعياً ومهنياً) توماس ج
كارول ترجمة د. صلاح مخيمر - ط لجنة التأليف والترجمة
والنشر- القاهرة- نشر عالم الكتب بالاشتراك مع مؤسسة
فرانكلين القاهرة ونيويورك 9691م.
5-
سيكولوجية المرض وذوي العاهات- د. مختار حمزة- دار
المعارف- مصر 6591م.
6-
شخصية بشار- د. النويهي- طبع ونشر مكتبة النهضة
المصرية-ط1- القاهرة 9591م.
7-
الصحة النفسية (دراسة سيكولوجية في التكيف) د. مصطفى
فهمي- المطبعة العربية الحديثة- نشر مكتبة الخانجي-
مصر 6791م.
8- علم
النفس الفردي ـ د. إسحاق رمزي- دار المعارف ـ مصر
6491م.
9-
الفكر التربوي في رعاية الطفل الكفيف- د. لطفي بركات
احمد ـ دار نافع للطباعة- نشر مكتبة الخانجي- القاهرة
8791م.
|