|
حدثنا أبو الوفاء
المهندس(1) قال:
سمعت بأذنيَّ هاتين من
تلامذة العلامة القدير الرياضي الشهير أبي عبدالله
الخوارزمي(2) حكاية طريفة كانت الباعث الحثيث على فتح
علمي رائد، ومأثرة عالميــــــــة فائقـــة،
فقــــــــد أخبرني تلميذه شـــــــجاع الحاسب(3) قال:
بينما كان أستاذي
الخوارزمي غارقا في الرصد والتصنيف ألمَّ به غم
وإعياء، وانتابه أرق وعناء، فبات يعروه الهم، فنبذ ما
بيده، وصعد سطح بيته، وراح يذرعه جيئة وذهاباً
كالملتاع الذي يرعى النجوم، أو الملدوغ المحموم، فبصرت
به في طريقي إلى صلاة الفجر فصحت:
أستاذي قد ثوَّب
المؤذن،(4) فما يحبسك عن قرآن الفجر؟(5) فنزل وتوضأ،
وانطلقنا إلى المسجد، وصلينا خلف الشيخ الواقدي(6)
قاضي الخليفة المأمون.
ولما قضيت الصلاة، واستروح
أستاذي بالنسيم الناعش، قلت: يا شيخي، يا خوارزمي،
والله
ما أخرجك البارحة إلى
السطح على تلك الحال إلا أمر ذو بال؟
قال: هو ما تقول. شعور
غريب شلَّ أوصالي، وأذهب رقادي، وأدمى فؤادي!
قلت: وما ذاك، سلمك الله
وعافاك، وخطَّأ عنك السوء، وأنت صاحب الخليفة والمنزلة
العالية في مرصده الفلكي، وعطاؤك في الشهر خمسمائة
دينار، أَوَ تخشى الفقر، وأنت أسعد البشر؟! أم:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر
ما الهوى
فكن حجراً من يابس الصخر
جلمدا!(7)
قال: بل هَمٌّ علمي لا صلة
له بالفقر والأرزاق ولا بمصارع العشاق. فقد تذكرت ما
وقع لعالمين جليلين هما الكسائي الذي أنفد خمس عشرة
قنينة حبر في جمع اللغة سوى ما حفظ، والقاضي محمد بن
الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وكان الخليفة هارون
الرشيد يجلسهما على كرسيين متميزين بحضرته، وما زالا
على هذه الكرامة حتى خرج الرشيد إلى مدينة الري وهما
في صحبته، فماتا في يوم واحد فبكاهما، وقال: ((دفنت
اليوم الفقه والعربية بالري!))
وتذكرت العالم الزاهد
الخليل الفراهيدي، وهو يحاول ابتداع آلة تسهل على
الناس الحساب، فاصطدم بدعامة المسجد فارتج منها دماغه!
وتذكرت عالمنا الموسوعي
الأصمعي، وخلفا الأحمر، وأبا عمرو بن العلاء، وحمادا
الراوية وغيرهم الذين تجشموا المصاعب في الارتحال إلى
مضارب القبائل لجمع اللغة والشعر.
وتفكرت وتساءلت: هل من
طريقة علمية بآلة تستوعب معارف الآباء والأجداد، وتحفظ
علومهم وفنونهم، وتبقى لهم ديوان شعرهم الذي هو
مفخرتهم، ولا تعيد إلى الأذهان كلمة الرشيد: دفنت
اليوم الفقه والعربية؟!
قال شجاع الحاسب: فانقطع
الخوارزمي عن حلقات درسه، واعتكف في مكتبة بيت الحكمة،
ولزم مرصده، وقد حشد جهده وطاقته، وأنا وتلميذه حبشي
الحاسب(8) نعاونه في رسم التصاميم والمخططات، وتجهيز
الأسلاك والأدوات، حتى مرت الأيام مر السحاب
الجهام،(9) وافتقده الخليفة وتفقده، ووضع المال
والرجال في تصرفه، وأمر بأن يدفع له وزن ما يؤلف أو
يترجم أو يخترع ذهباً خالصاً، وأمر لبقية العلماء
بالرواتب المجزية من الأوقاف الثابتة ليتفرغوا للبحث
العلمي. وهجر أستاذي المنام، وعاف الشراب والطعام،
وازور عن فضول الكلام،(10) فنشط واجتهد، وقد وصل الليل
بالنهار.
فلما حل عيد الأضحى زرته
مهنئاً فرأيته في حلة من الفرح والمرح، فقلت: ما عهدي
بك يا شيخي، إلا واجما مطرقاً، أو مفكراً مصعداً!
قال: كان ذلك قبل تحقيق
الأمنية الحلوة، وحلول أعظم بشرى! لقد اخترعته وصنعته،
وبلغت به السماك الأعزل،(11) وكدت بأخمصي أطأ الثريا،
وأتيت بما لم تستطعه الأوائل، وبززت الطبيب جالينوس،
والرياضي بطليموس، وتفوقت على إقليدس وأرخميدس!(12)
قلت: لعل هذه الفرحة
الغامرة لعلم الجبر والمقابلة، أو لزيج المراقبة، أو
لقياس محيط الأرض، أو لجداول الجيوب والظلال!
قال: إنما تذكر بعض أعمالي
المتواضعة قبل سنين خالية. أما هذا الاختراع فعظيم
القدر بالغ الأثر، وسيعرفه الناس في احتفال كبير بين
يدي الخليفة. فهيا انطلق وأخبرهم الخبر.
قال شجاع الحاسب: فلما
أخبرت الخليفة المأمون عن أعجوبة الخوارزمي الخفية أعد
مجلسا عظيما ضم الحاشية والأعيان والعلماء والأدباء،
وجيء بجهاز الخوارزمي مغطى يحمله حبشي الحاسب وبنو
موسى بن شاكر(13) كهودج البعير، فوضع بين يدي المأمون،
فكشف الخوارزمي غطاءه، ودس حبله في الجدار، وشرع يشرح
للجمهور، فعجب الحضور، وانتابهم الذهول، ثم أعلن
قائلاً: هذا يا مولاي هو جهاز الحاسوب! فضج الناس،
واختلط التكبير بالتصفيق! وتعالت الأصوات من وراء
الستر: إنما العلم في الحياة سلاح!(14)
فقال المأمون: ليهنك يا
خوارزمي، هذا المجد الشامخ، وإنك لأجدر بقول القائل:
نفس عصام سودت عصاما..
وصــــــيرته ملكاً هماما
وعلمته الكر
والإقداما!(15)
فقام أحد الظرفاء فقال:
أنا والله لا أعرف إلا العمليات الحسابية الأربع:
الطرح على الأرض بعد أكل يملأ الطول والعرض، والضرب في
الحرب بسيف من خشب، والجمع في الصلاة إذا نزل المطر،
والقسمة: أن يقسم مولاي جائزة الحاسوب بيني وبين
الخوارزمي الموهوب! فضحك المأمون، وقال موبخاً: بل أنت
وأمثالك من أهل عربسات بمعزل عن الاختراع، قد شغلتم
بمزاد أرقام السيارات، وملاحقة "الموديلات"، والتهام
الطعام، والنوم مع النيام!
قال شجاع الحاسب فقلت:
أيأذن مولاي بأن يحدثنا أستاذنا الخوارزمي عن تركيب
هذا الجهاز، وما فيه من بديع الصنع والإعجاز؟ فأومأ
إليه المأمون أن يتحدث بإيجاز فقال:
هذا الحاسوب يا مولاي،
يشتمل على مجموعة أجهزة وبرمجيات تعمل بنظام وتناسق،
وتعاضُد وتساعُد، وفي أحشائه تكمن وحدات الإدخال،
والمعالجة المركزية، والذاكرة المساعدة، ووحدات
الإخراج ولكل وحدة مكونات ورتاج،(16) يعملن دائماً من
غير هياج، ودون ملل أو تسلط مزاج! له شاشة فضية لامعة،
ولوحة مفاتيح للرموز جامعة، وفأرة كالفأرة لكنها مطيعة
سامعة، وخلفه أسلاك وأزرار، ومقابس وأسرار، وعن شماله
طابعة، وعن يمينه سماعة ناصعة!
وفي الحاسوب يا مولاي،
نوافذ وأيقونات، وملفات ومجلدات، وأشرطة أدوات، وقوائم
منسدلات، وجداول وحدود، وقواعد بيانات، ورسوم وخطوط،
وبرامج باهرات!
قال الخليفة المأمون:
رائع! رائع! فما نفعه لدولة بني العباس وللقاطنين في
أطرافها من الناس؟
قال: نفع عظيم جليل يا
أمير المؤمنين، فلديه القدرة على حساب الخراج وقناطير
الزكاة، وحساب ما في بيت المال بدقة لا نظير لها ولا
مثال، وحساب أعطيات الجند وتنظيم الدواوين، وضبط أعداد
العاملين، والاحتفاظ بملف لكل ذمي، ومحو أمية كل أمي!
ويفيد الناشئة في التعلم
والتعليم. ويعين الشاهبندر(17) والتجار على الإحصاء
التفصيلي، ويبز كل حصيف وذكي؛ فهو أسرع منهم بعشرة
آلاف ألف مرة!
وله يامولاي قدرة فائقة
على تخزين البيانات واسترجاعها وقت الحاجة بواسطة
الأشرطة والأقراص الصلبة الممغنطة، وبه سنحفظ جهود
الرواة، وعصارة فكر العلماء، ودواوين الشعراء!
قال شجاع الحاسب: فصفق
المأمون، وقبل بين عيني الخوارزمي، ثم أمر له بجائزة
سنية، ومنحه براءة اختراع عالمية، وأمر بتصنيع آلاف
الحواسيب، وإدخالها في عمل الوزارات والدواوين!
قال أبو الوفاء المهندس
راوي هذه الحكاية فقلت لشجاع الحاسب: يا شجاع، صف لي
حال الأدباء لما علموا بالحاسوب الذي اخترعه أستاذك
الخوارزمي؟
قال: ما أصف من دهشتهم
وعجبهم؟! فقد راقهم حتى عدوه عين هذا الزمان الناظرة،
وزهرته الناضرة، وقوته الظاهرة، ونزهته الحاضرة،
وقرظوا مخترعه الفنان وأشادوا بجهازه الفتان،
وذكروا بعض مزاياه
وخفاياه، فقال البحتري:
تفننت في الصناعة حتى عطل
الناس فن عبدالحميد
في نظام من الرياضة ما شك
امرؤ أنه نظام فريد
وجهاز كأنه الزهر الضاحك
في رونق الربيع الجديد
معجز في جوانب السمع ما
يَخْلِقُهُ عَوْدُهُ على المستفيد
ما أعيرت منه بطون
القراطيس وما حملت ظهور البريد
حجج تُخْرسُ الألدَّ
بألفاظ فرادى كالجوهر المعدود
ومعان لو فَصلتها القوافي
هجنت شعر جرول ولبيد!(18)
أما جمهرة الحانقين على
الخوارزمي فصوبوا إليه سهام غضبهم ونقدهم ونقمتهم،
وادعوا أنه سلب من العرب ملكة الحفظ، وقطع أرزاق
الشعراء المتكسبين، وحرم النساخ والوراقين من الدوانيق
والدراهم والدنانير، وصرف عشاق الأدب من صبيان الشعراء
والولدان الأدباء عن سوق المربد!؟(19) إذ استأثر
الحاسوب بجمع آلاف الكتب والمجلدات ودواوين الشعر في
قرص واحد يقال له برطانة العجم "سي دي
C D" لا يزيد حجمه على راحة
الكف، ولكنه عظيم السعة! وقد تزعم هؤلاء الصاحب بن
عباد، فتحامل على أستاذنا وتجنى عليه، وتمثل بالآية
الكريمة لما وصل الجهاز إليه: "هذه بضاعتنا ردت
إلين"، وصنف كتاباً في كشف عيوبه سماه:"الصبح
المنبئ"(20) زعم فيه أن أول من اهتدى إليه هم
الصينيون، وسموه "أباكوس" أي الإطار الحاسب، واستعملوه
للعد والحساب، وأن أهل الأندلس نقلوا عنهم الفكرة،
وتلقفتها جماعة من العجم على رأسهم: شارلز باباج،
وجورج بوول، وجون فون نيومان، وموشلي وايكيرت،(21)
فأحكموا الصنعة، واتقنوا المهنة، وأنتجوا هذا الجهاز
وسموه "الكمبيوتر" فكان له من القلوب قبول، وإلى
الأفهام وصول!
قلت: يا شجاع، أحقاً يسمى
في الأندلس "الكمبيوتر"، ومجامع العربية عن أيمانهم
وشمائلهم؟!
قال: اطمئن، بل يسمى
الحاسوب في جميع أمصار العروبة على وزن "فاعول" وجمعه
حواسيب، وله مساقات تدرس في الجامعات، وتحضر أطاريح
ودراسات، قال الشاعر:
خير ما ورَّث الرجال بنيهم
هو خير من
"الحواسيب"
أدب صالح وحسن ثناء
والأوراق في يوم شدة ورخاء!(22)
قلت: ما أجمل العربية!
فلفظ حاسوب أحلى من
لفظ "كمبيوتر" ألف مرة!
قال: ولفظ ابدأ أحلى من
"ستارت"، ونوافذ أندى من " وندوز"، وسطح المكتب ألطف
من "دسك توب"، ومعالج النصوص أعذب من "مايكروسوفت
وورد"، والعروض التقديمية أهيف من "باوربوينت"! وكل
أسمائه العربية ألذ في السمع من نظيراتها الأعجمية!
قلت: حسناً، فمن ساعد الخوارزمي على برمجة حاسوبه؟
قال: جم غفير من علماء
الجبر والهندسة، والفقه والسيرة، واللغة والفلسفة، وقد
تسموا باسمٍ أدبي خفي هو إخوان الصفا وخلان الوفا(23)
خشية الظهور والرياء!
قال أبو الوفاء المهندس
راوي هذه الحكاية:
فلما تثاءب شجاع الحاسب
تبينت أن الليل قد تلفح بأثوابه، وأطبق بحندسه،(24)
فاعتذرت إليه، ورجوته أن يسامحني على كثرة أسئلتي،
فوافق مشترطاً أن أرد على المتحاملين على أستاذه
الخوارزمي(25) فاستخرجت دقائق فكري وزبدة علمي،
فجعلتها في قرص مدمج، وجعلت عنوانه: (الذكاء الموهوب
في جهاز الحاسوب)!
هوامش
1- أبو
الوفاء المهندس: محمد بن محمد البوزجاني ولد في
بوزجان، أحد المشاهير في الفلك والهندسة والحساب، له
كتاب "ما يحتاج إليه الصناع من أعمال الهندسة" /ت
387هـ .
2-
الخوارزمي: أبو عبدالله، محمد بن موسى، رياضي فلكي
جغرافي، مؤسس علم الجبر، عرف علم الحساب باسم
اللغورتمي نسبة إليه، وله جداول فلكية، ومشاركة في
قياس محيط الأرض /ت 230هـ .
3- شجاع
الحاسب: أبو كامل، شجاع المصري، رياضي كمل أعمال
الخوارزمي في الجبر /ت 240هـ .
4-
ثَوَّب المؤذن: دعا إلى إقامة الصلاة .
5- قرآن
الفجر: أي صلاة الفجر، لأنه يطلب إطالة القراءة فيها.
6-
الواقــــــدي: محمد بن عمر، مؤرخ، ولي القضــــــــاء
للرشيد والمأمـــــون، وله مكتبة ضخــــمة، من كتبه
"التــــــاريخ والمغــــــازي" /ت 211هـ .
7- البيت
لعمر بن أبي ربيعة ت 93هـ/711م .
8- حبشي
الحاسب: تلميذ الخوارزمي، فلكي عربي، عاش في عصر
المأمون والمعتصم /ت 263هـ تقريباً .
9-
الجهام: السحاب لا ماء فيه .
10-
ازورَّ: يقال: ازور عنه: مال وانحرف .
11-
السماك الأعزل: نجم نير يرى في الجنوب
12-
هؤلاء أشهر علماء ألإغريق في الطب والرياضيات والفلك
13- بنو
موسى بن شاكر: هم ثلاثة إخوة اشتهروا بعلم الحساب
والهيئة والآلات من عهد المأمون إلى عهد الخليفة
المتوكل
14- شطر
من بيت للشاعر السعودي سعد إبراهيم أبو معطي، وتتمة
البيت:
إنما العلم في الحياة سلاح
وهو للروح بلسم أي بلسم!
(15)القائل هو النابغة الذبياني (ت 18ق هـ /605م)
(16)
رتاج(ج) رُتُج وهو الباب العظيم أو الباب مطلقاً أو
المغلاق
(17)شاهبندر: أي رئيس التجار، كلمة فارسية
لا يخفى التغيير في كلمات
القصيدة!
18- جرول
هو الحطيئة: جرول بن أوس شاعر مخضرم هجاء (ت
45هـ/665م)
لبيد: أحد شعراء المعلقات،
وأسمه لبيد بن ربيعة، شاعر فارس، من الأشراف، ويعد من
الصحابة سكن الكوفة، وعاش عمراً طويلاً (ت 41هـ/661م)
(19)المربد: سوق بالبصرة كان الشعراء يجتمعون فيه،
وكان سوقاً للإبل
(20)تمثل
الصاحب بن عباد بالآية: "هذه بضاعتنا ردت إلين" لما
وصله كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي وقد ألف
كتاباً تحامل فيه على "المتنبي" سماه: "الكشف المنبئ
عن مساوئ المتنبي" /ت 375هـ
(21)هؤلاء من أشهر العلماء الذين أسهموا في اختراع
جهاز الحاسوب وتطويره منذ 1816م_1945م
(22)البيتان لخلف الأحمر الذي كان راوية للشعر والأدب
/ت 180هـ أصل البيت الثاني:
هو خير من الدنانير والأو
راق في يوم شدة ورخاء!
(23)
إخوان الصفا: جماعة سرية باطنية، جمعوا معارف عصرهم
العلمية والفلسفية والدينية في رسائل تزيد على
الخمسين، ولا يخفى على الحصيف انحرافهم وقد عاشوا في
النصف الثاني من القرن الرابع الهجري .
(24)
الِحنْدِس: الليل شديد الظلمة
(25)
يرمز بالخوارزمي هنا إلى العقلية العلمية المسلمة التي
تتعرض للطعن والتشكيك والتثبيط
|