|

إنه يكره هذا الاحساس الغامض بالألم.. ويود لو يتخلص
من هذه الرغبة الملحة بالبكاء..
الدنيا كلها تضيق به.. هذه الربطة التي تطوق عنقه تكاد
تخنقه.. وهذا القميص المشدود الأزرار إلى صدره.. يكاد
يحطم ضلوعه!
فتح الجزء الآخر المغلق من النافذة.. صلب وجهه أمام قضبانها الحديدية المتشابكة..
ضغط بقبضتيه عليها بشدة وضرب رأسه بجلمودها فأحس بشيء
من الألم..
لم
يعد الألم يهمه.. كل ما يهمه الآن هو أن يجد نسمة نقية
تبعث في نفسه لذة الاسترخاء والغرق في اللاشيء.. يود
لو يطرد كل الأفكار والحوادث والرؤى من باله ويغدو
كزجاجة فارغة إلا من بعض الهواء أو الماء الذي يأخذ
شكل ولون تلك الزجاجة..
النافذة المشرعة لم تفلح باستقطاب النسمات التي
يريد.. مشى ببطء كأنه يزحف بلا قوائم تحمله..
استلقى على سريره وأغمض عينيه..
"لن
تنجح في حياتك أبدا يا سعيد ما دام تفكيرك لا يتعدى
حدود..؟ ما بك تبني لنفسك فقط وفي اللحظة التي يقبل
فيها عليك الآخرون تهدم ما بنيت وتلعن زمن الرياء
والخداع..؟ من الملعون يا سعيد ومن المخادع؟ لم لا تبحث عن نفسك في
الأشياء التي ما لبثت تكيل لها اللعنات.. لم لا...."
ضغط عينيه ونهض كالملسوع..
صفق الباب خلفه وراحت قدماه تنهبان الشارع..
وما هي إلا لحظات حتى كان جسده
يغرق بين عشرات الأجساد الرائحة والغادية على الرصيف
الضيق..
إنهم لا يتوقفون عن الحركة..
"وعمَّان"
بأثوابها المزركشة تختال __زاهية.. تتأمل ناسها
وتتضاحك زاهية.. آه كم يحب عمَّان في الليل.. حيث يجلس
على رصيف الشارع.. يسند ظهره إلى عمود يحمل الشارات
الضوئية ويروح يبحث عن وجه
"عمان"..
يخيل إليه أنها ستظهر له ذات ليلة بوجه يوسفي الحسن
كوجه أنثى حسناء.. لكنه اليوم لا يفطن لشيء.. يجوب
الشوارع ويتنقل من رصيف إلى آخر دونما هدف جلي الملامح في نفسه. شيء ما شد طرف كمه..
التفت إلى جانبه..
خفض رأسه ليرى الوجه بوضوح..
- "الله
يوفقك يا خوي"..
تأمل اليد الممدودة إليه..
يد بيضاء كأنما لم يلوثها سؤال الطريق.. نقل بصره إلى
وجهها، وجه دقيق الملامح يانع.. وعينان صغيرتان
جميلتان في زاويتيهما آثار لشيء من تعب كأنه تعب سفر..
- "الله
يخليك.."
اليد لا زالت ممتدة وهو
يتأملها كرجل حالم ينظر إلى السحاب.. انها تبدو في
السادسة عشرة من عمرها أو أقل بقليل. اصطنع ابتسامة
فرشها على امتداد شدقيه وانحنى قليلاً
ليواجه وجهها الدقيق..
٭
ما اسمك يا حلوة..؟
ابتسمت الفتاة وطأطأت رأسها قليلاً.. فتابع حديثه إليها قبل أن ترد على سؤاله..
٭
اسمعي.. ما رأيك تزوجيني وارتاحي من هذا الشقاء؟
تصاعد الدم حتى غمر الوجه الصغير.. وارتجفت اليد
الممدودة ثم ارتمت على صدرها بهلع.
تبدو كأنها تقف أمام وحش
يستجمع قواه لالتهامها..
"فلتعترف
الآن بساديتك أيها الرجل الوحيد في
العالم الذي رسمته لنفسك وليس فيه غير نساء جميلات..
يزددن بعدا عنك كلما اقتربن منك"
قبل أن تدير وجهها هاربة تناول من جيبه بضعة قروش
فرشها على راحة يده ومدها إليها..
عيناها تنتقلان ما بين يده والقروش وعينيه الوحشيتين..
حزمت أمرها أخيراً فاختطفت القروش من يده وولت مسرعة.
واصل سيره العشوائي في الشارع.
توقف فجأة كمن عثر على شيء ما وسط الطريق..
هذه الفتاة مع شيء مما
يجود به تصلح لتكون موضوع قصة جديدة يكتبها.. أحس بشيء
يحكم تطويق عنقه وآخر ينغرس في صدره..
"سناء
أيضاً تصلح وبدون أي تدخل من خيالك لتكون قصة.. وناديه
أيضاً يمكن وحدها أن تكون موضوعاً لرواية..".
"كفى
كذباً وتمزيقاً لأحشاء الآخرين.. وابحث عن نفسك فقد
تكون أنت القصة الأولى.. قد تكون أنت القشة التي تقصم
ظهر البعير. ماذا ستكتب عن سناء؟ هل ستكذب أيضاً وتقول
بأنها خدعتك بطلاء وجهها وتزييف عمرها، فلم يكن أمامك
من خيار سوى أبغض الحلال..؟ هل ستلعن زمن الزيف ومدن
التزييف ونساء التزييف وتمعن في وصف تحولات المرأة..
وتقول بأنها تحولت بعد اكتشافك لها إلى امرأة ليس
يهمها سوى الفراغ؟ ثم تصف محاولاتها المستميتة
لاستعادتك إلى دفء صدرها لكنك بشهامة صممت على
الانفصال انتقاماً لكرامة الرجل الشرقي.. أم ستختلق
روايات أخرى لتداري بها عجزك أنت.. وتحافظ على كيان
الرجل
"الدونجوان"
أمام الآخرين..؟"
آه لو يتخلص من هذه الرغبة الملحة في البكاء.. أسند
جسده إلى جدار محاذٍ للشارع.. هذا الجسد الذي تضيق به
ساحات المدينة وشوارعها..
نادية فقط هي التي استطاعت عبور هذا الجسد ووضعه على
مشرحة الحقيقة..
لم يخطر له عندما راح يحدثها عما يعاني أنه يجلس أمام
امرأة تتقن الغوص إلى أعماق النفس ولا تتوانى عن تقديم
العلاج لها حتى ولو كان بالكدمات الكهربائية..
لم تنطل عليها تلك المفارق التي عبرها أمامها ليقنعها بأنه رجل
غريب الأطوار يتعاطى كؤوس الحياة عبر قلمه المصلوب على
أبواب الصحف تارة وعبر منشورات يظن بأنها سرية تارة
أخرى وهي- الصحف- تمعن في تحديها لنبوغه. ليقنعها بأنه
فيلسوف زاهد في أمور الدنيا.. حتى لقد ظنت بأنه آخر
الرجال المخلصين. قال لها:
●
أحبك من دون نساء الأرض.
●
وأي الحب تعني؟ سألته.
●
حب أولئك الضائعين في متاهات هذا الزمن حيث المدن
قاحلة غريبة والوجوه شاحبة مقيتة. رفعت حاجبيها دهشة
وقالت:
٭
لكن الحب استقرار؟
●
ليس لمثلنا استقرار. أجابت بثقة مصطنعة..
ركزت عيني المرأة في عينيه تسأله مزيداً من الإفصاح..
فقد كادت تصدق أنه رجل غريب الأطوار حقا.. لعله شعر
بما تريد فأضاف:
●
أفضل أن تبقى المرأة بعيدة عن دنياي.. يكفيها الحب فقط.
لم تكن حالته الأولى من نوعها التي تصطدم بها.. لكنها الحالة التي
تخصها.. حالة بعيدة عن عيادتها النفسية..
ولذا تجاوزت حدود مهنتها لتكشف له حقيقة ذاته التي
يداريها عن الآخرين ببراعة..
شهد لها بالذكاء- ولم ينس: من دون نساء الأرض- لكن ذلك
لم يكن كافياً للاحتفاظ بها وهي المرأة الباحثة عن
الاستقرار..
"ناديه
يمكن أن تكون نموذجاً لإحدى قصصك.. ما لك تهرب من هذا
الخاطر؟.. سيكون البطل مهزوما هذه المرة؟ لا بأس لتكتب
مرة واحدة عن امرأة حقيقية..
وعن رجل مهزوم..؟"
رفع رأسه يتتبع تتالي الطوابق في العمارة التي
تقابله.. عيناه ارتكزتا على آخر دور فيها.. أطبق جفنيه
فتراءى له الجسد ذو القامة الطويلة والبشرة البيضاء
والعينين العميقتين اللتين أحبتهما نادية.. تراءى له
ذاك الجسد عصفوراً يلاحق نزيف جرحه المتساقط من آخر
دور في العمارة الشاهقة الارتفاع.. فيهوى جثة تسكنها
طلقة صياد حاذق..
"إيه
يا ناديه لقد أصابت الطلقة الصميم.."
تراءت له جثة العصفور على مشرحة وبعض الرجال بثيابهم
البيض ينقبون في ثنايا اللحم عن سر
_سبب
الموت..
لولا أنه سيكون إذ ذاك في
عالم آخر لقال لهم بأنه موت وكفى.. ولقال لهم: اسألوا نادية.. هي فقط ستقول لكم مات العصفور
مرتين ونام على هذه المشرحة مرتين..
هي فقط ستقول لكم.. دعوه يموت كما يشاء فهذا الرجل لا
يساوي شيئا.. ليس من امرأة تقبل رجلا لا يساوي شيئاً..
لا يساوي..." صفارة رجل ينظم مرور المركبات في الشارع
.. انشق الجفنان عن دمعة عانقت أول خيوط الليل التي
بدأت تزيح الضوء عن وجه عمَّان فارتدت مبكرة ثوب السمر
المرصع بالزخارف الملونة البراقة..
نادية فقط قالت له أن يبحث في ذاته قبل البحث في وجوه
النساء..
احساسه بالاختناق يمتد إلى عمق ذاته.. يقفز من على
الرصيف..
خطواته الواسعة تنقله إلى رصيف آخر.. ظل يطوي أرض المدينة شارعاً
بعد شارع إلى أن وصل قلب المدينة..
هناك.. حيث زحمة الطريق تشهد تضاد الأجساد وتباين
النفوس لينسى حلمه بوجه عمان الذي يراه ولا يراه..
وينسى وجه امرأة قالت له يوما بأنه لا يساوي شيئاً..
|