أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

الحوار هو الحل

ثقافة الاحباط والتفائل

شواهد ثقافية

بالعربي الفصيح

قراءات

بشرا سويا

شعر

حقائق وأكاذيب

أعلام خالدة

من شعراء التراث

كوارث طبيعية

أطياب

الفروق فى اللفة

رؤية

كلمات ومعان

وجهة نظر

رحلة فى المكتبة

شعر

معالجات

كنا هناك

الآثار ذاكرة الامة

حرية الكلمة

نحو مستقبل أفضل

شعر

نحو مجتمع قارئ

في خاطري شئ

أحماض أدبية

مناهج

قصة قصيرة

عبقرية اللغة

خطرات فكر

وفيات الأعيان

مسك الختام
 

 

عبقـرية اللغـة:

 

 

أ.د/ محمد عبدالحكم عبدالباقي

كلية التربية للبنات- أبها

لقد نالت اللغات- باعتبارها رمزا لأصالة الأمم وعراقتها- اهتماماً كبيراً لدى كافة الشعوب، لذا سعت بعض الأمم إلى جعل لغتها لغة عالمية، وتيسير نشرها وذيوعها في العالم بأسره دون النظر إلى جملة التكاليف وقيمة الانفاق، وهي لم تفعل ذلك اعتباطاً وعبثاً ورغبة في إهدار المال العام وإنما فعلت ذلك من أجل فرض الهيمنة والنفوذ المادي والمعنوي على الشعوب النامية ذات اللغة الضعيفة.

وتعددت تبعا لذلك- صور المواجهة اللغوية بين أمم العالم قويها وضعيفها، ساهم في ظهورها تفتت لغات بعض الأمم إلى عدة لهجات متصارعة كما رأينا في الهند أو صعوبة هذه اللغات القومية مما يصعب على المتلقي إجادتها واستخدامها كلغة حياة كما رأينا في اللغتين الصينية واليابانية أو تدخل عوامل أخرى مثل العوامل الاقتصادية والسياسية والحضارية والاجتماعية في تحديد اللغة المستخدمة أو فرضها عنوة على بعض الشعوب.

 

 

وقد تعرضت اللغة العربية لمجموعة من التحديات قديما وحديثا حاولت النيل منها بطرق مختلفة وصور متعددة ولكن لكون اللغة العربية مرتبطة بعقيدتنا الدينية وعاطفتنا القومية وقيمنا الحضارية كان عليها أن تصمد أمام هذه التحديات حتى قال عنها المستشرق "جروبنام" في مقدمة كتاب "تراث الإسلام": "إن اللغة العربية هي محور التراث العربي، وهي لغة عبقرية لا تدانيها لغة في مرونتها واستقامتها، وهذه العبقرية في المرونة والاشتقاق اللذين ينبعان من ذات اللغة جعلتها تتسع لجميع مصطلحات الحضارة القديمة بما فيها من علوم وفنون وآداب، وأتاحت لها القدرة على وضع المصطلحات الحديثة لجميع فروع المعرفة".

ولكن رغم الإقرار بهذه الحقيقة والتسليم بصحتها فإن إحساسنا بلغتنا الجميلة يقف بنا أمام عدة مشكلات تبحث عن حلول نعزي أكثرها إلى المتحدثين بهذه اللغة والمتعاملين بها لا إلى اللغة ذاتها لما توافر لها من مقومات وظواهر تدفعها إلى استيعاب كل المفردات المعاصرة التي واكبت ظهور هذه التقنيات الحديثة.

وليس هذا الموقف بجديد على لغتنا العربية، بل لقد واجه أجدادنا العرب القدماء موقفا مماثلا لذلك يوم انفتحوا على لغات الرومان والفرس فنتج عن ذلك ما يمكن تسميته بالمواجهة اللغوية التي أثرت مفردات اللغة العربية نتيجة لحركتي التعريب والترجمة اللتين حدثنا في العصر العباسي فتضخم- آنذاك- معجم اللغة العربية تضخماً كبيراً.

ومع وجود هذا التشابه الواضح بين الموقفين رغم التفاوت الزمني فإنه لا تغيب عنا نقاط الاختلاف لأن العرب في المرة الأولى واجهوا هذه اللغات واللغة العربية حينذاك تمثل لغة الحياة اليومية يتصرفون فيها تصرف المالك فيما يملك أما اليوم فنحن نواجه الآخر بالتعليم لا بالسليقة وقد عبر الأستاذ أحمد أمين عن ذلك تعبيراً رائعاً حين قال: "لقد واجه العرب المدنية إذ ذلك وهم غزاة فاتحون، ونحن واجهناها اليوم ونحن مغزوون مفتوحون، والشعور الأول يدعو إلى العزة والعزة تدعو إلى الجرأة، والشعور الثاني يدعو إلى الضعف والضعف يدعو إلى التردد فضلاً عن أن المدنية المعاصرة أكثر تعقيداً وأشد تركيب"(1)

ولم تمنع المواجهة سلبا أو إيجابا من ظهور الصراع بين لغة عربية حافظت على ارستقراطيتها رغم تغلغل الوافد وبين لغة أخرى تفرعت من اللغة الأم ولكنها تحررت من صور الإعراب وصعوبته.

لقد تمخضت المواجهة الأولى عن وجود عدة ظواهر لغوية ساهم في خلقها اختلاف هؤلاء الأعاجم وفقا لاختلاف مجتمعاتهم التي نزحوا منها ولنا في كتب الجاحظ "البخلاء، والحيوان، والبيان والتبيين" نماذج وأمثلة تدل على كثير منها.

وربما كان من بينها ما أسماه العالم اللغوي "فندريس" باللغات الخاصة ويعني بها "كل لغة لا تستعملها إلا جماعات من الأفراد وجدوا في ظروف خاصة"، ومن هذا النوع ما اتفق بعض اللغويين على تسميته باللغات العامة الخاصة مثل لغة الصناع ولغة الأشقياء(2) وهي لغة متحررة من القواعد النحوية واللغوية وتلجأ إلى استخدام المستهجن من الألفاظ الفصحى ومعانيها، وفي ذلك يقول الجاحظ: "إن العامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا، وتدع ما هو أظهر وأكثر ولذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار ولم يسر ما هو أجود منه وكذلك المثل السائر(3)

وعلى الرغم من شيوع صور اللحن والتحرر من قيود الإعراب وظهور مثل هذه اللغات الخاصة العامة فإن تأثير ذلك لم يكن كبيراً في العصور الإسلامية الأولى وذلك لما تميزت به اللغة العربية الفصحى من خصائص جعلتها تفرض نفسها في شتى المحافل الثقافية والفكرية التي انتشرت في أجزاء كثيرة من المجتمع العباسي فضلا عن تشجيع خلفاء بني العباس لها واعتبار إجادتها مسوغا من مسوغات التوظيف أما اليوم فقد صارت العامية لغة الحياة اليومية واستطاعت أن تستوعب صور التكنولوجيا الحديثة دون انتظار لتقنين أهل الفكر والعلم والأدب، ومن ثم اكتسبت- بفضل تداولها وذيوعها- الحيوية والقوة والمرونة والتجدد لأن للفظ- كما يقول الأستاذ أحمد أمين- هالة غير المعاني الجامدة التي تنص عليها المعاجم، وهذه الهالات تتغير بما يحدث للفظ من تنادر من أخذ ورد ومن أحداث اجتماعية وسياسية. وهكذا، فإذا انحصرت الكلمات في الكتب لم تتجدد حياتها هذا التجدد".(4)

ولعل خير مثل لذلك ما نلاحظه من انتشار الأدب الفكاهي والنكات والطرائف في مجتمعاتنا العربية، وهو أمر يمكن إرجاعه إلى ارتباط مثل هذه الألوان الشعبية باللغة العامية المتداولة أكثر من ارتباطها باللغة الفصحى غير المتداولة.

ولا يعني إقرارنا بهذه الحقيقة أننا نشجع اللغة العامية وإنما نحاول أن نضع أمام المتلقي الصورة الحقيقية والتي دفعت البعض ومنهم توفيق الحكيم ويحيى حقي، وأحمد أمين وغيرهم _إلى البحث عن لغة توفيقية ثالثة تجمع بين الفصحى السهلة وبين الكلمات العامية التي حرفت عن اللغة الفصحى ومع ذلك بقيت المشكلة قائمة لأن الوضع اللغوي قد استقر على بقاء العامية كلغة حياة وانحسار الفصحى في قاعات الدرس والمؤتمرات والكتابة.

ويستمر الآخر في غزوه لنا مرتديا أقنعة مختلفة عبر العصور حيث ظهر في ثوب المماليك والعثمانيين والفرنسيين والإنجليز، وقد رأينا تراجع اللغة العربية الفصحى وتفشي العامية والأمية في المجتمعات العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة حتى كانت العقود الأولى من القرن العشرين وقد قويت فيها شوكة المحافظين المرتبطين بالتراث وعاد للغة العربية الفصحى أرستقراطيتها وبقيت العامية تتسرب إلينا من خلال لغة الحوار القصصي والمسرحي والشعر العامي.

أما العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين فقد شهدت تطورات تكنولوجية هائلة، وغزا الحاسوب عالمنا العربي وامتد تأثيره على الدارسين الذين شغفوا بكل ما هو مسموع ومرئي في حين قلَّت العناية بالكتابة فكثرت الأخطاء الإملائية والنحوية وساء الخط العربي بشكل ملحوظ.

ومع إقرارنا الكامل بقتامة الصورة إلا أن السبيل لمعالجة هذا الضعف المستشري في أوصال الباحث والقارئ العربي ينحصر - من وجهة نظرى  في عدة نقاط:

أولاً:

تنمية الذوق العربي وتكوين الملكة اللغوية الخاصة لأطفالنا منذ نعومة أظفارهم، وهذا لا يتأتى إلا بالتمرس على قراءة وحفظ القرآن الكريم والشعر العربي والحديث النبوي، والخروج من حيز القاعدة النحوية الجافة إلى إطار التوظيف الجيد لها من خلال النصوص الأدبية المضبوطة، ومن ثم فإن الحافظ للقرآن الكريم والشعر العربي الفصيح تستوقفه الحركة التي تجئ في غير موضعها لأنها تأتي مقلقة لأذنه الموسيقية التي اعتادت سماع اللغة الصحيحة والجرس الإيقاعي المرتبط بصحتها.

ثانياً:

محاولة الربط بين فروع مادة اللغة العربية في الدرس التعليمي وتكريس الاهتمام ببعض المقررات المهملة في تدريس اللغة العربية رغم أهميتها الشديدة مثل التعبير الإنشائي، والإملاء والخط العربي، والقراءة، وتوجيه المعلمين إلى الطريقة المثلى من خلال تدريب عملي- لتدريس مثل هذه المقررات

ثالثاً:

التركيز في مرحلة الطفولة باعتبارها أهم المراحل المشكِّلة لعقلية الطفل العربي- علي القصائد والأناشيد السهلة بغية تنمية مهارة التذوق والحس اللغوي لدى الطفل.. وهذا يتطلب بطبيعة الحال الإعداد الجيد لمدرسي اللغة العربية والسعي إلى تطوير أدائهم من خلال المتابعة الأمينة والجادة.

رابعاً:

الاهتمام بالإذاعة المدرسية ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية من أجـــل الارتقاء بالنطق العربي الصحيح وتكوين جماعة الخــــطابة في المدرسة يوكل إليها مهمة الإعداد اللغـــــوي الجيد للكلمة الملقاة والسعي إلى تطعيمها من القرآن الكريم والشعر العربي والحديث النبوي.

خامساً:

الإفادة من الأجهزة التكنولوجية الحديثة ولاسيما برنامج الحاسوب لتنمية ملكة السماع لروائع الشعر المغنَّى والارتقاء بلغة الكتابة.

سادساً:

مواصلة الاهتمام باللغة العربية في جميع المراحل الدراسية بما فيها المرحلة الجامعية التي تستلزم جعلها مطلباً جامعياً كمحاولة لمواجــــهة التحديات الناتجة عن العولمة وتمييع الهوية الثقافية، والمساهمة في تخريج بعض الكوادر العارفة بقواعد لغتها الفصحى حتى تتـــكامل جهود المحافظة على جماليات الصورة المشرقة للغتنا الجميلة بين معلمي اللغة العربية من ناحية ومعلـــمي التخصصات العلمية الأخرى من ناحية ثانية بحيث يأتي معلم الرياضيات وقد رفع الفاعل ونصب المفعول قراءة وكتابة وكذلك غيره من المعلمين.

سابعاً:

تقييد انتشار شرائط المغنيين الشبان وخضوعها للرقابة اللغوية حرصاً على منع استمرارية الأخطاء المعيبة فضلا عن تنقية الأسماع من الانجراف وراء سماع المبتذل من الألفاظ والأساليب.

ثامنا:

الإكثار من البرامج الثقـــــافية في المذياع والتلفاز مع ضـــــرورة إعـــــداد التخطيط الجيد لهذه البرامج واختيار أكفأ العناصر للتقديم والمحاورة وكذا اختيار أكثر الضــــــيوف إفادة في شتى المجـــــــالات الفكرية إما ببحثهم الدؤوب في التراث وتعميق الارتباط به أو بالربط بينه وبــــــين المعاصرة، وهذا أمر في غـــاية الأهمــــــية وذلك لأن تجاهل التراث وإهماله لا يعني سوى الوقوف ضد اللغة العربية باعتبارها هدفاً قومياً ودينيا.

 

الهوامـــــــــــــــــش

1- أحمد أمين- فيض الخاطر صـ7 ص246

2- فندريس: اللغة- الترجمة العربية ص314 وما بعدها

3- الجاحظ البيان والتبيين ج1 ص20

4- أحمد أمين مصدر سابق ص251

 

 

 

          

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب