|
علي
خضران القرني - الطائف
في مدينة
القنفذة الساحلية التي تمتد على شاطئ البحر الأحمر من
جهته الشرقية.. وتستمتع من خلال هذا الموقع الجميل
بمزايا ورؤى جميلة آسرة.. وعلى وقع أمواجه وتمايلها في
أنغام ملهمة آسرة.. تداعب الشطآن ومن عليها في رقصات
بديعة أخاذة..
في هذه
المدينة العريقة تأريخاً وموقعاً- تعيش كغيرها من مدن
المملكة الشاسعة الواسعة.. في نهضة تنموية مطردة في
شتى مجالات الحياة.. بفضل جهود واهتمام ودعم الدولة-
أيدها الله- وبمتابعة وتوجيه الأمير خالد الفيصل بن
عبدالعزيز أمير منطقة مكة المكرمة والتي نراها مقبلة
على نهضة غير عادية على كافة الأصعدة.
تزخر هذه
المدينة الواعدة بأدباء وشعراء ونقاد ومؤرخين لهم
تاريخهم الحافل بالأدوار البارزة على مستوى الساحة
الأدبية.. ولهم مشاركات ولقاءات أدبية وثقافية
وإصدارات متنوعة.. لا تخفى على متابعي الحركة الثقافية
والأدبية ببلادنا.. منهم على سبيل المثال لا الحصر:
العالم المؤرخ الأستاذ: حسن إبراهيم الفقيه..
والبروفيسور: أحمد عمر زيلعي.. وشهرتهما التأريخيه
والآثارية وبحوثهم واكتشافاتهم الاثارية والتأريخيه
تغني عن تعريفهما.. وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم.
ومن
شعراء هذه المدينة الناهضة: المشهود لهم بالإبداع
والتميز ممن ذاع صيتهم وشاع ذكرهم وبرزت نشاطاتهم
وتعددت مشاركاتهم ليس على المستوى المحلي فحسب.. بل
على المستوى الخارجي.. (د. حمزة أحمد الشريف) وقد صار
له حتى الآن ثلاث مجموعات شعرية.. وقصص للكبار.. وخمس
قصص للأطفال.. ودراسات في الشعر النبطي.. إضافة إلى
(37) سنة قضاها في التربية والتعليم (في مجال تقنيات
التعليم والإعلام التربوي) ومن دواوينه الجديدة (عبق
الأمسيات) المعنى في هذه القراءة الوجيزة.. وهو من
إصدارات النادي الأدبي الثقافي بالطائف في (150) صفحة
من القطع المتوسط لعام 1429هـ - 2008م
ينتمي
الشاعر في تجربته الشعرية لمدرسة الخليل بن أحمد التي
تحافظ على عراقة الشعر الأصيل وزنا وقافية.. والإنتماء
إلى ديوان العرب.. وإذا كانت له تجربة في شعر
التفعيلة.. فهي من قبيل العلم بالشيء ولا الجهل به..
مع مواكبة ثقافة العصر وما تفرزه من رؤى ثقافية عالمية
يستحسن التعامل معها وفق معطيات العصر وظروف المرحلة..
شريطة ألاَّ يمس ذلك روح أصالتنا ورعاية مقومات تراثنا
الخالد وماضينا التليد.. ولغتنا الجميلة.. لغة الضاد..
لغة القرآن الكريم.. والحرص عليها مما قد يشوبها من
آفات العصر وانعكاساته..
يلمس
القارئ في شعر شعراء المدن والقرى الساحلية المجاورة
(للبحر) والتي تتخذ من رؤاه وشطآنه مُتَّكأً للإلهام
والإبداع كالقنفذة وجزر فرسان وجازان وبعض قرى ومدن
المملكة المطلة على البحر.. يلمس القارئ
عدم خلو أشعارهم من
همسات البحر وشجونه وطيوفه المفعمة بالأحاسيس المرهفة
والعواطف الفياضه.. والتغني بما يضفيه عليهم من رؤى
حالمة ومناظر خلابة وذكريات حبيبة تلهب المشاعر وتوقد
القرائح وتطرب المسامع؟
وللبحر
في شعر د. حمزة الشريف.. نداءات وجدانية وأصداء
لذكريات سالفة نراها في معظم شعره.. ولا غرابة فالشاعر
ابن بيئته وموطنه.. وله مع البحر في مده وجزره حكايات
وذكريات.. ربما كانت من دوافع صقل الموهبة وسر الإلهام
والنبوغ والإبداع.. ففي قصيدة (قادم) ص(27) وقفت مع
نسائم البحر ونداءاته الحانية وما يدور في كوامنه من
لواعج وحنين وأماسي ومواسم تظل منقوشة في سويداء القلب
شوقا ووفاءاً وصدقاً:
ناداني
البحر والصوت الشجي هتفا
فقلت جئت
وكلي لهفة ووفا
أتيت
أحمل قاف الشعر أسكبه
إن
القوافي حنين الأمس قد كشفا
إن
القوافي شغاف القلب قادمة
إليك يا
من وهبت القلب منعطفا
حملته من
سبات مطبق وضنى
إلى الذي
فيه قلبي ينهل الشغفا
سكبت
لحنك وجدا رائعاً غردا
حتى تطلع
حسي للمنى وصفا
تلك الأماسي مازالت مجنحة
تزورني
فأراها الواله الكلفا
تلك
المواسم يامن جئت أسمعها
أنت
الربيع وما يأتي الشذا صدفا
وتتزاحم
العواطف والوجدانيات لدى الشاعر وهو يعبر بشراعه
الشواطئ متنقلاً عبرها.. يناجي عالمها الحالم ويستلهم
أصداءها الشجيه علَّ رفيقه ومؤنسه (البحر) يداوي أساه
بالبسمات الحانية والألحان الشجية كما في قصيدة
(الشاطئ القادم) ص(49)
وقفت على
الشاطئ الحالم
وقفت
أفكر في عالمي
وأرنو إلى الماء علَّ الثواني
تسافر
للزمن القادم
لكم طال
بي شوق تلك السنين
وعدت على
أمل واهم
ولما
تحجر دمعي وأفضى
بي الأمس
للموقف الحاسم
سمعت
صداك يرد النشيد
وقد رد
روح الشجي الهائم
مع البحر وهو رفيق القلوب
يداوي
الأسى بالندى الباسم
لك الوقت
والعمر والنبضات
وكل
الوفا القادم القادم
وللعيون
سحرها وبريقها وسهامها الصائبة وهمس الجفون الآسرة..
وللشاعر مع العيون ترانيم وأغنيات يرى أنها مدخل الحسن
للقلوب كما في قصيدة (تحديق ولمح) ص(101)
أحببت
عينك إن المدخل العين
في بحرها
يكمن التحنان والبين
فكم تغنت
بسحر العين قافية
من أعصر
الشعر فيها للمها دين
والليل
مواله للعين يسكبه
لولا
السواد لأعيا الوزن تلحين
وللجفون وللأهداب أغنية
ترنمت
بهواها الخُرَّد العِين
يا مدخل
الحسن خذ قلبي إلى فلك
فيه
انبلاج المنى والهمس تلقين
يا عين
يا مدخل الإحساس إن جوى
بين
الضلوع وللأهداب تمكين
إن من
يقرأ قصائد ديوان (عبق الأمسيات) للشاعر د. حمزة
الشريف لأول مرة.. يظنه أسير العواطف والوجدانيات
والغزل فقط؟.. دون أن يكون له تجربة فيما سوى ذلك من
جوانب الشعر الأخرى: كالوطنيات والطبيعة والأخوانيات
والرثائيات.. لكن من يعود لمجموعاته الشعرية السابقة..
يجد أنه تغنى بحب الوطن وأمجاده وتراثه وخاض غمار تلك
الجوانب الشعرية بنجاح.. كغيره من الشعراء المبدعين
أمثال الشاعر إبراهيم مفتاح وحسين سهيل وإبراهيم صعابي
ومحمد إبراهيم يعقوب وغيرهم من شعراء المنطقة الجنوبية
الساحلية.
خاتمـــــــة:
في
الديوان قصائد عديدة جديرة بالقراءة.. لا تقل جودة
ومعنى عن القصائد المقروءة.. لا يتسع المجال لإلقاء
الضوء عليها.. وحسبي أن تجربة الشاعر الرائد (د. حمزة
أحمد الشريف) قد مكنته من الإلمام بخصائص الشعر وفنونه
ومقوماته الأصيلة.. بعيدا عن التقليد والإيغال في
الرمزية والغموض في المعنى.. فقد تجلى شعره بالوضوح
وسهولة الأسلوب وسلاسته وسمو الأفكار.. وتناسق الأوزان
والقوافي. واحترام مشاعر الآخرين.
|