أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

اليوبيل الماسي

دراسات قرآنية

شعر

الدولة الأنموذج

شعر

القدس وجدان

الشعر ديوان العرب

القصيد رسول خير

حقائق وأكاذيب

قراءاة وتعقيب

دراسات في الاستشراق

في التكوين البشري

الحقيقة بأقلامهم

أعلام خالدة

رحلة في الذاكرة

شعر

اعلام وأعمال

طب

علوم وطب

أمنا النخلة

أحماض أدبية

شعر

شكوي .. وبيان

استطلاع مصور

الفروق في اللغة

خطرات فكر

مسك الختام

دراسات قرآنية

 

د. الضاوي خوالدية - تونس

إن النص «الأجود ما تلاحمت أجزاؤه وسهلت مخارجه وسبك سبكا واحدا.. فجرى على اللسان كما يجري الدهان»(1) أو هو «كالكلمة الواحدة في اشتباه أولها بآخرها نسجا وحسنا وفصاحة وجزالة ألفاظ»(2)  أو هو «كخلق الإنسان في اتصال بعض أجزائه ببعض فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب.. عفيت معالم جماله»(3) 

إن مما يجعل النص الأدبي عامة مبنيا هذا البناء المعماري الفني المبدع هو أدوات الاتساق التي أهمها الوسائل الإحالية وهي الضمائر (موضوع الدراسة) وأسماء الإشارة وأدوات المقارنة التي تنسج علاقات دلالية بين العناصر المكونة للنص سواء كانت قبلية أو بعدية والمحيل والمحال إليه من العناصر يكون مقاسا أو نصيا كما يوضحه الرسم التالي:


 

الذي يفسره واضعه بأن الإحالة المقامية تساهم في خلق النص لأنها تربط اللغة بسياق المقام لكنها لا تساهم في اتساقه بشكل مباشر بينما تقوم الإحالة النصية بدور فعال في اتساق النص. (4) 

فالإحالة الضمائرية «خارج النص» لها طرفان هما الباث والمتقبِّل اللذان لا يكونان غير ضمائر المتكلم والمخاطب التي، وإن نعتت «بخارج النص» أي مقامية، تؤدي دورا في اتساقه وانسجامه لأنها تنشئ النص وتضبط حدوده من دوال ومدلولات فأفكار مترابطة... والإحالة الضمائرية داخل النص/ الرسالة تؤديها ضمائر الغيبة التي تربط بين أجزاء النص وتشـــد أقسامه. (5)

إن كان للضمائر هذا الدور في اتساق النص الأدبي وتلاحمه وشد أقسامه إلى بعض فكيف تعمل هذه الضمائر في الآي القرآني؟ لعل ما يمكن تأكيده أن دارسي القرآن بلاغة وإعجازاً وتفسيرا لم يولوا هذه الظاهرة أهمية تذكر، على دورها العظيم في الكشف عن بنية السورة وكيفية تلاحم أطراف هذه البنية ببعضها البعض والعلاقة بين ما تقدم وما تأخر من الجمل والمركبات والمفردات مما يزيل الغموض عن المعاني القرآنية فتبدو مجلوة واضحة أخاذة، وقد يكون الأجدر بالإشارة بدءاً أن كل سور القرآن الطويلة والمتوسطة (الطول) تقوم على بنية ضمائرية واحدة رغم اختلاف مواضيعها وأسباب نزولها.. من ذلك أن كل المطالع تحكمها ضمائر: المتكلم: نحن/ الله (وأنا الله)، والمخاطب: أنت/ الرسول، وأنتم/ المؤمنون، أهل الكتاب، الناس (بعضها أو كلها)، وكل المتون تحكمها ضمائر مختلفة أهمها ضمائر الغيبة وكل الخواتيم تحكمها ضمائر المتكلم والخطاب (كالمطالع بالضبط) لعل ما يمكن تأكيده أن المخالطة بين ضمائر الإحالة المقامية في القرآن وضمائر الإحالة النصية لمحكمة بطريقة معجزة حقاً أقل ما تشبه به هو سدى الثوب (ضمائر المتكلم والمخاطب) ولحمته (ضمائر الغيبة) اللذان يصنعان معاً الثوب/ الآية/ السورة.

إن الغرض من العود على البدء أو ردّ الأعجاز على الصدور تنبيه السامع والقارئ وشدهما إلى الرسالة وجعلها (الرسالة، السورة) ناضحة حياة دوماً ومرسلها/ الله والمرسل إليه/ الرسول حاضرين «غيابا» دوما وكل شيء عائد إليهما فيزداد المؤمن إيمانا ويرتج المعاند فيفحم ثم قد يؤمن. إن بنية السورة الدائرية ضمائريا ودلاليا... يؤكدها كذلك معنى السورة ذاته فالسورة مشتقة من جذر (س و ر) الذي منه السور وهو الحائط المحيط بالمدينة: قال جرير من بحر الكامل:

لما أتى خبر الزبير تواضعت

ســـــــــــور المدينـــة والجبال الخشع


والسورة: المنزلة، وهي كذلك كل منزلة من البناء، ومنه سور القرآن لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى لكنها درجة إلى غيرها. إذن كل منزلة رفيعة فهي سورة مأخوذة من سورة البناء، قال النابغة من بحر الطويل:

ألم تر أن الله أعطاك سورة

ترى كل ملك دونها يتذبذب(6)

 

والسورة في اللغة العبرية الحديثة «شورا» التي تعني السلسلة أو الترتيب. (7) إن ما يمكن استنتاجه أن لمعنى لفظة «سورة» ثلاث دلالات على الأقل:

-الدائرية وهذا تشي به كل سورة طويلة أو متوسطة الطول(8) إذ هي حلقة في سلسلة.

-الاستقلالية (الكمال- التمام) إذ هي المنزلة من البناء أو الدرجة (أو الحلقة في سلسلة).

-الترابط بين الأخريات/ السور الأخرى باعتبارها منزلة من البناء/ درجة إلى غيرها (تكون معها السور الأخرى) الدائرة الكبرى، وهي (القرآن بأكمله).. نكتفي بمثال على ذلك وهو مناسبة سورة الدخان لسورة الزخرف فالله ختم الزخرف بالوعيد والتهديد: ‭{‬وقيله ياربِّ إنَّ هؤلاء قومٌ لا يؤمنون‭}‬ (الزخرف ٨٨) وافتتح الدخان بالإنذار الشديد: ‭{‬إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين‭}‬ (الدخان ٣) وكذلك آيتا ‭{‬فارتقب يوم تأتي السماء بدُخان مبين ‭}‬ ‭{‬يغشى الناس هذا عذاب أليم‭}‬ (١٠-١١) مناسبا أيضاً. بين ما حكاه عن الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (آية ٨٨) السابقة والموالية لها: ‭{‬فاصفحْ عنهم وقل سلامٌ فسوف يعلمون‭}‬ الزخرف ٨٩ وما حكاه عن موسى في سورة الدخان: ‭{‬فدعا رَبَّهُ أنَّ هؤلاء قومٌ مجرمون‭}‬ ٢٢، ‭{‬وإنِّي عُذْتُ بربي ورَبِّكِم أنْ تَرْجُمون‭}‬ (الدخان ٢٠)، محيلين من أراد أن يطلع متعمقاً على مبحث: التناسب بين السور إلى: جلال الدين السيوطي: تناسق الدرر في تناسب السور، تحقيق عبدالقادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، ١٩٨٦، ص٧٣ و٦٥ خاصة الذي خصص مؤلفه كما هو باد من عنوانه للعلاقة بين السورة والسورة الموالية لها تناسبا وإجمالاً وتفصيلاً، من ذلك ذكراً لا حصرا مناسبة سورة البقرة لسورة آل عمران فالبقرة افتتحت بذكر المتقين المفلحين وآل عمران ختمت بـ: ‭{‬واتقوا الله لعلكم تفلحون‭}‬، والإجمال في الفاتحة (الحمد لله) مفصل في البقرة: ١٨٦-٢٨٦ ١٥٢ والإجمال في الفاتحة الرحمن الرحيم مفصلة في البقرة: ٥٤، ١٦٣، ٢٨٦، والإجمال في البقرة (لا ريب فيه) مفصلة في آل عمران: ٣، والإجمال في البقرة (القتال): ١٩٠، ٢٤٤، ٢١٦ مفصلة في آل عمران (قصة أحد): ١٥٢- ١٥٨

إن ألمحنا سابقا إلى ضمائر المتكلم: نحن وأنا، والخطاب: أنت... التي تشد طرفي السورة القرآنية فإن من الضروري توضيح المسألة بقدر كاف فضمير «نحن» الذي يحيله «الله» إلى نفسه لا يعني لا التثنية ولا الجمع وإنما يعني الوحدانية المعظمة والدليل على ذلك أن «نحن» الإلهية تسبق دوما أو تلحق (أو تسبق وتلحق معا) في القرآن بما يفيد أن «نحن» تدل على الواحد الصمد (سورة الحديد آيتا ٢١ ٢٢ والعنكبوت ٨ ولقمان ١٤-١٥ والمزمل والقيامة والمرسلات والدخان... إلخ) كما أن مقام ورودها وسياقها يلتزمان «نحن» لا «أنا»، ونحن ضميرا منفصلاً مرفوعاً تواترت في القرآن محالة إلى الله ٣٢ مرة في سياق تأكيد غالبا وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه مرة واحدة وهذه أمثلة لتواترها: يس ٢١ والإنسان ٢٣ والحجر ٢٣.٩ ويوسف 3 والقصص٥٨ ومريم ٧٠ والتوبة ٥٢ (الرسول وصحبه) وأنا «الله» ضميراً منفصلا مرفوعا وردت في القرآن ١٦ مرة محالة إلى الله في مقام تأكيد ألوهيته تعالى وعظمته ووحدانيته و٢٠ مرة محالة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمثلة على ذلك: الأنبياء ٢٥، ٩٢ والقلم ٤٤-٤٥ والبقرة ١٦٠ والحجر ٤٩ والنحل ٢ والكهف ١١٠ (الرسول صلى الله عليه وسلم) ويونس ٤١ والأعراف ١٨٨ وفصلت ٦ ... وأنت/ الله ضميرا منفصلاً وردت ٢٤ مرة في مقام الدعاء: غافر ٨ والممتحنة ٥، والبقرة ٢٨٦، وإياي ضميراً منفصلاً منصوبا تواترها أقل: البقرة ٤٠-٤١ والنحل ٥١ والعنكبوت ٥٦ وطه ١٤، أما أغلب نحن/ الله وأنا/ الله فيرد ضميراً متصلاً منه ذكرا لا حصرا:

نحن: المرسلات ٣٨ والأحقاف ١٦ والأعراف ٣٧ والنمل ١٣ والقيامة ١٦ والبقرة ٣ وفاطر ٣٢ وطه ١١٥ والليل ٧ .

أنا: إبراهيم ٣١، ١٤ والذاريات ٥٦ والنور ٥٥ وطه ١٤، ٣٩ والأعراف ١٥٦ وص ٧٨ والأنفال ١٢ والمائدة ١١١ .

أما أنت/ الرسول صلى الله عليه وسلم فورودها منفصلاً مرفوعاً تكرر في القرآن ٢٨ مرة يونس ٤٢ وعبس ٨ وق ٤٥ والزخرف ٤٠ وسياقها غالبا استفهام إنكاري (لوم) موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرها ضميراً متصلاً كثير: البقرة ١٤٥ وآل عمران ٦١ والمائد ٤٨ والأنعام ٥٤ ويونس ٩٤ والممتحنة ١٢ والتوبة ٨٤ .

أما أنتم/ المؤمنون، الناس، أهل الكتاب... فورودها ضميراً منفصلاً مرفوعا ليس كثيراً: آل عمران ١٣٩، ٦٦، ١١٩ ومحمد ٣٥، ٣٨ وترد بكثرة ضميرا متصلاً: الممتحنة ١ والنحل ١٩ والمائدة ١٨ والنساء ٩١، ١٠٩ وكل الآيات المبدوءة بـ‭{‬يا أيها الذين آمنوا‭}‬ (عددها ٩٠) ويا أيها الناس (عددها ١٦) ويا أهل الكتاب (عددها ١٧) ويا أيها الضالون (عددها ١) واللافت أن الله لا يخاطب «الكافرين» مباشرة ‭{‬قل يا أيها الكافرون) أما الذين كفروا المخاطبون في سورة التحريم آية ٧ ‭{‬يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم‭}‬ فهم من أسلم ثم ارتد أو نافق ثم أظهر الكفر والدليل: «كفروا» التي يفيد انقضاء الحدث (أو الاتصاف بصفة جديدة).

إن الدائرية البادية في السور لا تعود إلى نظام الضمائر فقط وإنما إلى الزمن أيضا إذ كل سورة طويلة أو متوسطة تنطلق من الحاضر الآني داعية إلى التوحيد ثم تجعل الماضي/ الزماني عبرة (القصص، الأقوام الماضون وعلاقتهم بالرسل والتوحيد... ثم تعود إلى الحاضر لذا تصبح كل سورة بل كل القرآن مشهدا حيا لصراع زمني بين الكفر والإيمان طرفاه الرسل والمؤمنون من ناحية والكفار وأئمتهم من ناحية أخرى ولعل هذا ما حدا بمحمد الغزالي إلى القول إن تالي القرآن بتأن وفهـــــم يرى «الرسل خطباء في حفل واحد، اجتمعوا في أمســــية موعودة أو ليلة مشهودة وليسوا رجالا توزعتهم أكناف القرون المتطاولة (٩) ومما يؤكــــد أيضاً أن حــــركة التاريخ في الإسلام ليست أفقية امتــــدادية تسير في خط طويل لا نهائي بل إنها حركــــة دائرية تربط فيها الأسباب بالمسببات والمقدمات بالنتائج فالأحداث تتكرر والأوضاع تتشابه، وما يقع بالأمـــس يمكن أن يقع مثله غدا إن وجدت الظروف المتماثلة في موضـــوعها وجوهرها وإن اختلفت الأشكال والصور»(١٠) وإلى مضمون الســـورة أو السور عامة الذي يبدأ بإصلاح الاعتقاد وتعليم العقيدة الصــحيحة ويثني بتهذيب الأخلاق ويثلث بالتشريع (الأحكام الخاصة والعامة) وبربع بسياسة الأمة ويخمس بالقصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي ويسدس بالتعليم ويسبع بالمواعظ والإنذار والتحذير والتبشير... وينتهي بإصلاح الاعتقاد وبذلك يتأكد التناسب بين مطلع كل سورة وخاتمتها وكلّها معانٍ(١١) تؤكدها ضمائر وأساليب... وإلى القـــــرآن الذي هو حـــلقة أخرى من سلسلة الكتب السماوية.

 

سورة الدخان نموذجا تطبيقيا:

إن دراسة ما اتفقت فيه السور القرآنية من بنيات ضمائرية مطردة بينها  اقتضت اتخاذ إحدى السور عينة تطبيقية لتكون شاهدا على ما زعمنا اكتشافه فكانت سورة الدخان «المختارة عشوائياً» التي قامت على البنيات التالية:

البنية المعنوية: من آية ١ إلى الآية ٩: إعلاء شأن القرآن وتعظيم منزله والتأكيد أنه مرسل من الله ذي الأسماء الحسنى إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم رحمة وهداية للناس واللافت في هذه الآيات المفتتحة بالقسم تعدد أساليب التــــــأكيد: القســــم، إنا، إنه، هو (السميع)، من ربك (الضــــمير كـ)، رحـــمة (تنكير تفخـــيم)، أمراً (تنـــكير تفخــــيم)، رب، الحصـــــر (لا إله إلا هو)... غير أن المخاطبين (الكفار) كفروا بالله وقرآنه ورسوله بله استهزأوا بهم.

من آية ١٠ إلى آية ٥٧: الوعيد بالانتقام من المعرضين الجاحدين المشركين (وإن استغاثوا وادعوا الإيمان) والتمثيل بالأقوام المعرضين في الماضي كقوم فرعون وما فعلوه بالرسول موسى الذي دعا ربه فاستجاب له وأغرق فرعون... وأهلك قوم تبع ثم خلص إلى أن خلق السماوات والأرض ليــــس عبثا وأن الجميع محاسب يوم القــــيامة وأن الجحــيم مأوى المشركين والجنة مأوى المتقين.

والآيتان ٥٨-٥٩: رد العجز على الصدر (التناسب بين مطلع السورة وخاتمتها) أي الرجوع إلى ما افتتح به وهو القرآن الذي أنزله على الرسول الأعظم وتأييده وتهديد المعاندين.

البنية الزمنية:

أ- الحاضر: القسم (والكتاب المبين)... والأمر (فارتقب يوم...)

ب- الماضي: جاحدو الألوهية والرسل السابقين (ولقد فتنا...)

ج- الحاضر: الأمر (فارتقب إنهم مرتقبون...)

البنية الضمائرية:

أ- المطلع: نحن/ الله وأنت/ الرسول وأنتم/ المؤمنون والمعرضون، واللافت أن الله كلما عنى نفسه بنحن التعظيمية أكد في الجمل السابقة أو اللاحقة أنه واحد (من ربك... إنه هو...).

ب- المتن: هم مع ضمائر أخرى: الأقوام السابقون وعلاقتهم برسلهم وتأييد الله الرسل.

ج- الخاتمة: نحن/ الله وأنت/ الرسول (يسرناه بلسانك.. فارتقب...).

البنية الكلامية:

أ- المطلع: الإنشاء (القسم) والأمر: فارتقب

ب- المتن: الخبر (ولقد فتنا قبلهم...)

ج- الخاتمة: الإنشاء: الأمر: (فارتقب...)

البنية السردية:

آية ١٦: تخلص لقصة فرعون وقومه مع موسى التي تماثل بدورها قصة محمد مع كفار قريش، وهذه القصة تمتد من الآية ١٧ إلى الآية ٣٣ وتقوم على:

سرد (آية ١٧) وحوار غير مباشر (الآيات ١٨-٢٤) وسرد (الآيات ٢٥-٣٣) وبهذا تكون القصة بنية مغلقة دائرية.

لقد استوفى السرد المقومات الأساسية من شخصيات وزمن وأحداث ومكان أما الحوار فكان غير مباشر أطرافه: قوم فرعون، موسى، الله، وموضوعه دعوة موسى قوم فرعون إلى اتباعه وكان الغالب على الحوار الحذف إذ القصة ذكرت في أكثر من سورة لذلك يكتفي الله في السورة بما يفي بالحاجة (فموسى خاطب قوم فرعون في أربع آيات: ١٨-٢١ وخاطب الله في آية ٢٢ فرد عليه الله في الآيتين ٢٣-٢٤ ثم يأتي التعليق الإلهي الردعي التربوي في الآيات ٢٥- ٣٣).

لقد تبين لنا أن سورة الدخان كما السور الطويلة والمتوسطة الطول الأخرى حلقة في سلسلة حلقات مترابطة لكن كل حلقة (أي سورة) تكونت من حلقات أصغر يصعب تحديد عددها ولا يمل من «السعي» فيها و»الطواف» في فلكها لما تمد به الساعي والطائف من حلاوة معان وطلاوة مبان ولعل لهذا السبب قال الوليد بن المغيرة الذي سمع القرآن رافضا الإسلام: «والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى... ما هو إلا سحر يؤثر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه» (١٢) وقال الباقلاني:

«فالقرآن أعلى منازل البيان، وأعلى مراتبه ما جمع وجوه الحسن وأسبابه، وطرقه وأبوابه، من تعديل النظم وسلامته، وحسنه وبهجته، وحسن موقعه في السمع وسهولته على اللسان، ووقوعه في النفس موقع القبول، وتصوره تصور المشاهد وتشكله على جهته، حتى يحل محل البرهان، ودلالة التأليف مما لا ينحصر حسنا وبهجة وسناء ورفعة... وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب، والتمكن في النفوس، ما يذهب ويبهج، ويقلق ويؤنس، ويطمع ويؤيس، ويضحك ويبكي، ويحزن ويفرح، ويسكن ويزعج، ويشجي ويطرب، ويهز الأعطاف، ويستميل نحوه الأسماع، ويورث الأريحية والعزة، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا، ويرمي السمع من وراء رأيه مرمى بعيدا، وله مسالك في النفوس لطيفة، ومداخل إلى القلوب دقيقة، وبحسب ما يترتب في نظمه، ويتنزل في موقعه، ويجري على سمت مطلعه ومقطعه، يكون عجيب تأثيراته، وبديع مقتضياته، وكذلك على حسب مصادره، يتصور وجوه موارده». (١٣)

الهوامش

1- الجاحظ: البيان والتبيين، شرح حسن السندوبي، دار الفكر بيروت لبنان. ج١ ص٨٩ (بتصرف)

2- ابن طباطبا: عيار الشعر، دار الكتب العملية، بيروت ص١٣١

3- نقلا عن «بناء القصيدة في النقد العربي»: يوسف بكار، مجلة فصول ١٩٨٣ ص٢٩٧

4- محمد خطابي: لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب ص١٧ نقلا عن هايلداي ورقية حسنــ coheosion in English 37 et 33 P 1976   

5- المرجع نفسه ص٥١

6- انظر لسان العرب: جذر: س. و. ر

7- دائرة المعارف الإسلامية ج١٩ ط ١، ١٤١٨-١٩٩٨، مركز الشارقة للإبداع الفكري ص ٥٩٨٤

8- السور القصار (أدناها ٣ آيات: سورة الكوثر) هي دعامة القرآن: لمحات دالة تنضح مجازا واستعارة وكناية وتعريضاً وأمثالاً وموسيقى... فاضت فيها المعاني القرآنية على اللغة، والسور القصار لا تخضع للبناء الضمائري الدائري لأن السورة القصيرة وحدة واحدة/ لمحة دالة فيها تكثيف لو فصلت لأصبحت سورة، وهذا جدول فيها:

9- محمد الغزالي: نظرات في القرآن (القاهرة ١٩٦١) ص١١٥

10- محمد البهي: الدين والدولة، من توجيه القرآن الكريم، بيروت ١٩٧١ ص٢٩

11- أنظر على سبيل الذكر لا الحصر: سور: غافر، فصلت، القصص، العنكبوت، الأنعام، الحشر...

12- سيد قطب: التصوير الفني في القرآن: دار الشروق ط١٨ ، ١٤٢٧-٢٠٠٦ ص٢٥

13- الباقلاني: إعجاز القرآن، شرح وتعليق د. محمد عبدالمنعم خفاجي، دار الجيل بيروت، ط١، ١٤١١-١٩٩١ ص٣٠٢-٣٠٣

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب