أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

اليوبيل الماسي

دراسات قرآنية

شعر

الدولة الأنموذج

شعر

القدس وجدان

الشعر ديوان العرب

القصيد رسول خير

حقائق وأكاذيب

قراءاة وتعقيب

دراسات في الاستشراق

في التكوين البشري

الحقيقة بأقلامهم

أعلام خالدة

رحلة في الذاكرة

شعر

اعلام وأعمال

طب

علوم وطب

أمنا النخلة

أحماض أدبية

شعر

شكوي .. وبيان

استطلاع مصور

الفروق في اللغة

خطرات فكر

مسك الختام

القدس وجدان

 

د. عبيد خيري

ــــــ المدينة المنورة ـــــ

منذ أن تفجرت القضية الفلسطينية منذ منتصف القرن الماضي، انشغل الشعر السوداني والشعراء السودانيون بهذه القضية، لأنها تمثل فيهم قضية شعب ووطن، وقضية وجدان ديني عميق.. حيث الأقصى مسرى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين..

لكل هذه المعاني السامية الرفيعة كان تفاعل شعراء السودان مع قضية فلسطين وشعب فلسطين، كان تفاعلاً دفاقاً متواصلاً..

وفي هذه الأوراق نسجل بعضاً مما قاله شعراء السودان، وهي قطع من وجدانهم ومشاعرهم ومسئوليتهم الدينية والقومية والأدبية نحو هذا الشعب الذي اقتلع اقتلاعاً من أرضه ووطنه، ومن بقي منهم هناك لا يزال على العهد يجاهد ويجالد وما ضاع حق وراءه مطالب..

ونبدأ بما قاله شاعرنا الكبير الشيخ عبدالله البنا، وفي قصيدته المطولة (تحية مهرجان الشعر) اتجه فيها نحو القضية الفلسطينية وتحدث عن مكايد المستعمر للأمة العربية وزرعه لإسرائيل شوكة في جنب الأمة العربية، وقد وجدت أمة العرب مفككة اعتراها الوهن بسبب الخلافات التي كانت سائدة بينها، فها هي ذي سيناء والقدس وقد وجدتهما إسرائيل لقمتين سائغتين، أما الجولان فقد أصبحت نهباً لهم لأن حماتها وأسودها قُلِّمت أظافرها وأصبحت تحت الخداع الاستعماري الصهيوني، أما الأردن فقد انشطرت جزئين شرقاً وغرباً. وفي هذا الجو سرحت إسرائيل ومرحت. وفي هذا نظم شاعرنا هذه الأبيات العذبة التي جاء فيها قوله:(1)

تداعى العدا يبغون كيدا لشعبنا

وقد غرهم من خُلَّب البرق كاذبه

وأوحوا لإسرائيل أن زعزعي الحمى

وصولي وخير الصول ما اشتد غاضبه

ولولا انحلال في الوداد، وكثرة الـ

خلاف، وجيش واهن العقد خائبه

لما انتهكت سينا ولا القدس رُوِّعتْ

ولا اقتحمت شعب السويس مصائبه

ولا كانت الجولان قفراً مروعاً

تصول على غلب الأسود ثعالبه

 ولا انشطر الأردن شرقاً ومغرباً

ولا جاس في حُرِّ الديار أجانبه!

لقد أجدبت فلسطين بعد ازدهار وإعمار وأمن واطمئنان، فأضحت قفراً يباباً موحشاً وقد تداعت مبانيها ودكت مضاربها وهي كالقضنفر الذي كان مفترساً مهاباً ولقد أصبح الآن بلا أنياب ولا مخالب يبطش بها، وقد شقيت العواتك والفتـــــيات وتعست عيشة اليتــــامى وأصــبح الشر محيــــطاً بهم وهو لا ينفــــــك عنهم كضرب لازب عليهم، فصــاغ كل ذلك في أسلوب يزخر بالمجاز والتشبيهات الرائعة بلا معاظلة ولا تمحل، فقال في نفس القصيدة:

فلسطين قفر موحش ومروَّع

تداعت مبانيه، ودُكَّتْ مضاربه

فلسطين ليث فلَّل الغلّ بطشه

أصيبت ثناياه، وقُصَّت مخالبه

فلسطين ما أشقى الأيامى، وأتعس ال

يتامى، يعاديهم من الشر لازبه!

ثم يتساءل شاعرنا في أسى وحزن وأسلوب سهل مباشر عن موعد استعادة القدس والصلاة فيه، ويتحسر على القادة العرب الأوائل ويذكر بهم وهم الذين حموا الذمار وذادوا عن أسلافهم ووطنهم بأموالهم وأنفسهم، وتحدوا الأعداء وطلبوا نزالهم، فهل من قائد بطل آخر يعيد إلى هذه الأمة مجدها التالد ويمحو العار والشنار الذي ألم بها وهي التي شهد لها التاريخ بكل ما هو مجيد وتليد. ومن هذا قوله في نفس القصيدة:

فلسطين، كيف القدس؟ كيف صلاته؟

توالت رزاياه وعمت نوائبه

فلسطين أين العرب؟ أين مغارهم؟

وأين فتى يدعو عدواً يضاربه؟

أخو القدس حاميها الذي قال إنها

حمى الله، والإسلام قد عز جانبه

ويرى الشاعر أن إسرائيل لن تهنأ بهذه البقاع التي اغتصبتها في لحظة ضعف من العرب إلى الأبد، بل لابد من يوم يهب فيه العرب على أعدائهم في جيوش لجبة تصليهم ناراً وتسترد حقها السليب وسيولون الدبر بمشيئة الله، هذا ويدعو الشاعر إلى دحر الأعداء من الصهاينة في قوة وبأس شديد حتى كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين هؤلاء المقاتلين يدعو لهم بالنصر المؤزر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبــر، والويل والعذاب لأركان الصهيونية أمثال موشى ديان وجولدا مائير وغيرهما من رؤوس الكفر والإلحاد وعليهم ستدور الدوائر. وفي هذا المعنى أنشد شاعرنا قوله في نفس القصيدة:

ألا إن إسرائيل ضلَّت، وساقها

عدو خبيث الكيد سودٌ مثالبه

لقد ربحت أرضاً، وأحيت عداوة

سَيُعْقِبُها ذلا إلى الموت دائبه

ستصلى بنار الحرب من فتية الحمى

تضرمها أنجابه، ونجائبه

صواعق من جو السماء يعينها

حريق من الغبراء يسْودُّ لاهبه

ألم تر يوم النصر إذ طار حصنها

هباء وجيش الخزي قد جد هاربه؟

ألم تر جيش العرب كيف تساندت

قواه وعين الله فرحى تراقبه؟

ألم ترهم إذ كبروا وتكبروا

عليها وساموها أذى لا تجانبه؟

وساروا كأن المصطفى في صفوفهم

بخيبر، يدعو والسماء تجاوبه!

ألم تر «دياناً» و»مائير»، إذ هوى

سلاحهما للعرب، واشتد ناهبه؟

ألا تلك أولى النائبات، فشمري

لأخرى، سيصلى شرها من يصاقبه

ومن ذاف مرَّ السُّم غدراً لجاره

فلابد أن يُسقى به، وهو شاربه

وهكذا فإن من جرع السم لجاره غدراً ســـــيشرب لا محالة من نفــس الكأس المترعة بالسم الزعاف والجزاء من جنس العمل.

وها هو ذا شاعرنا الدكتور عبدالله الطيب يتحدث عن فلسطين، وقد تشتت أهلوها شرقاً وغرباً، وقد أصابهم الزمان بصروفه المحزنة الأليمة، فتقلمت أظافرهم وكلت أنيابهم، فأصبحوا لا يلوون على شيء، وقد تشردوا في بقاع الأرض وفقدوا الأمل في العودة إلى أوطانهم، وقد أضحت ديارهم لقمة سائغة لإسرائيل، كما تركوا أموالهم وديارهم غنيمة وأسلاباً للصهاينة، فهم متعلقون بحبال واهية، ومواعيد عرقوب لم ولن يوفى بها، فهي كذب صراح ومين واضح.. فقال: (٢)

في الشرق والغرب إخوان ألم بهم

صرف الزمان فأنحى الظُّفْرَ والنابا

مشردين بآفاق رجاؤهم

داج ألاح جبين الشمس أم غابا

الدور صارت لإسرائيل خالصة

والمال غودر أنفالاً وأسلابا

دهاهم ما دهانا من مواعد لا

يُوفى بها جُعِلَتْ مَيْناً وكِذَّابا

وتجدر الإشارة هنا إلى تأثر الشاعر بالقرآن الكـريم فــي قــوله «كِذَّابا»، والكلمة قد وردت في الـقـــــرآن الكريم بمعنى الكذب، منها قوله تعالى في محـــكم تنزيله: 

‭{‬لا يســــمعون فيها لغواً ولا كذَّابا‭}‬،(3) كما نلاحظ أيضاً في هذا البيت الأخير الإشارة إلى سطوة الاستعمار البريطـــــاني في السودان وكذبه في وعوده التي لا يفي بها في إعطـــــاء السودان اســــتقلاله، ولاشك أن التصريح بأمثال هذه الأشياء مما لا يجرؤ عليه إلا المخلصون من أبناء الوطن.

ثم يأتي الدكتور بابكر البدوي دشين ويوجه قـوله إلى خادم الحرمين الشــــريفين متحدثاً عن روعة وجـــمال هذا المسمى الرائع خـادم الحرمين الشريفين.

يا خادم الحرمين بلغت المنى

وغدوت باللقب الجديد مزينا

لقب هززت به البسيطة كلها

لما صدعت به بطيبة معلنا

متواضعاً لله تشكر فضله

حتى تكون به القوي المؤمنا

لقب حباك به الإله مفخم

تعلو به الألقاب فينا والكنى

لقب به فت الملوك وقنيةٌ

في خدمة الحرمين نعم المقتنى

ثم ينتقل شاعرنا فيقول في نفس القصيدة:

لقب خدمت المسجدين فنلته

والثالث الأقصى لمقدمكم رنا

 يا شوق نفسي يوم تلمع عنده

بيض السيوف ويوم تشتجر القنا

حتى نقيم صلاتنا في مسجد

أسرى النبي له وصلى موقنا

صلى عليه الله ربي كلما

نادى المنادي للصلاة مؤذنا

وفي هذه القصيدة يخاطب شاعرنا خادم الحرمين الشريفين بقوله:

يا خادم الحرمين هذا فجرنا

قد لاح والنصر المبين لنا دنا

دكت حجارتنا الحصون وزلزلت

أبطالنا جيش العدو الأرعنا

 يا خادم الحرمين تلك أمانة

ونراك أنت بها الأمين الأقمنا

إذ كنت أصلب مكسراً وأعزنا

وطنا وأشرف بالعقيدة معدنا(4)

وفي هذه الأبيات تمجيد لانتفاضة أبطال الحجارة وطمأنة لهم بأن أمر رعايتهم في أيد أمينة وحصن مكين.

وفي قصيدة للشاعر محمد عبدالقادر (كرف) تحت عنوان «بيدي حجر» يقول:

شعب المقاومة اقتدر

وأبى الدنية وابتدر

من بعد ما أصلوه ناراً

آض كالذهب انصهر

 وبدا كما انبلج الضحى

بهجا كما اتسق القمر

ثم ينتقل الشاعر إلى وصف معاناة الشعب الفلسطيني مصوراً هذه المعاناة تصويراً دقيقاً رائعاً في قوله:

مضغ الأسى حيناً عهيداً واستنام على حذر

تَخِزُ الهوام الساربات جنوبه وخز الإبر

فهو الدفين على العراير وفي غيابات الحفر

نلاحظ هنا أن الشاعر استخدم الاستعارة المكنية في قوله «مضغ الأسى»، ثم التشبيه البليغ في قوله «تخز الهوام الساربات جنوبه وخز الإبر» ونلاحظ هنا أن الشاعر اقتبس كلمة «الساربات» من قوله جل وعلا: ‭{‬سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار‭}‬(5)، كما نلاحظ أيضاً تأثره بالقرآن الكريم في قوله «غيابات الحفر» حيث نظر الشاعر إلى قوله تعالى في محكم تنزيله: ‭{‬قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف والقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين‭}‬(6)

ويمضي الشاعر في وصف الانتفاضة ويشبه الشعب الفلسطيني بالريح الشديدة التي لا تأتي على شيء إلا وتجعله كالرميم فهي لا تبقى ولا تذر، ويشبه كذلك الحجارة التي يستخدمها الفلسطينيون بالحجارة التي رميت بها جيوش أبرهة حين رام هدم الكعبة المشرفة، وذلك في قوله:

وإذا به كالريح ينقضُّ ليس يبقي أو يذر

لا تجزعوا إني هنا ما في يدي إلا حجر

هشٌّ ولكن كلما ناص رقابـكم انفجر

ولعل سرا بُثَّ فيها فهي بالغة الأثر

صكت فيالق جيش أبرهة المدجج فانكسر

ليس السلاح طريق تجار الحروب إلى الظفر

هذا هو الشعب الفلسطيني بالحجر انتصر

ولا يخفى عليك أيها القارئ الكريم تأثر الشاعر بلغة القرآن المجيد وذلك في قوله «ليس يبقي أويذر»، فقد اقتبــس الآية الكريمة في قوله جل وعلا: ‭{‬لا تبقي ولا تذر‭}‬(7) وكذلك الآية الكريمة: ‭{‬فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم‭}‬(8)

ثم يختتم شاعرنا قصيدته بقوله:

قل لليهودي القبيح الوجه حاق بك الخطر

أنا من يحررها وينفي عن طهارتها القذر

أنا ذو اللسان اليعربي وحامل السيف الذكر 

وورائي الغر الأوائل من ربيعة أو مضر

بيدي كتاب كل حرف فيه ينبض كالوتر

ذخر لقومي في الزمان وزاد نفسي المدخر

يخاطب الشاعر في هذه الأبيات اليهود ويعدهم بأن الخطر سيحيق بهم لا محالة، ثم يدعو إلى تحرير أرض فلسطين المغتصبة من أيديهم، كما يظهر تأثره بالتراث وتمسكه بكتاب الله المحكم المبين الذي هو ذخر لقومه وزاد مدخر لنفسه، وإنه لخير الزاد.

ويطالعنا الشاعر محمد المهدي المجذوب بقصيدة بعنوان «فلسطين» يفتتحها بقوله:(9)

جاش منها الدم الجديد كما جاش البراكين باللهيب العتيد

شفق ماد في البطاح كما ماد غروب على عباب شرود

في فلسطين دولة لليهود..!، أو عاد بن مريم للوجود

إن يكونوا هم الألي خَتَلوا عيسى وحيداً على جلال وحيد

ثم أعلوا صليبه ذا جناحين كَرُخِّ محلق بوليد

فهم راوغوا شريعة يس وهموا بصلبها من جديد

يتعجب الشاعر من إقامة دولة لليهود في فلسطين، ويذكر العالم بقبائحهم حيث زعموا أنهم قتلوا المسيح عيسى عليه السلام ‭{‬وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم‭}‬(10)، وتظهر روعة التشبيه والصورة الفنية في قول الشاعر:

ثم أعلوا صليبه ذا جناحين كرخ محلق بوليد

حيث شبه الصليب الذي يتخذونه رمزاً لأكاذيبهم وافتراءآتهم بطائر يطير بجناحيه محلقاً في جو السماء.

ويمضي الشاعر إلى ذكر غدر اليهود ومكرهم مشيراً إلى قوله جل ثناؤه: ‭{‬ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين‭}‬(11) وذلك حيث يقول:

شعب إسرائيل كنتم النفر الخالص لله من ذنوب العبيد

فعدوتم وما انتظرتم على السبت فصرتم أذلة كالقرود

ثم يذكرهم بأن النيل الذي أغــــرق الله فيه آل فرعون وهم ينظرون، عاد له ســــره القــــديم ولم ينــس تلك العهود، وأن الفجر قد طلع منــذراً بصبح الوعيد والصبح قريب:

ويلكم ويلكم لقد طلع الفجر ولكنه صباح الوعيد

رعش النيل من منابعه الزرق إلى البحر جارفاً للسدود

عاده سره القديم ولم ينس عهود العلا وثأر الجدود

عربي يُضَمِّر الخيل في الله ويحدو غبارها بالبنود

ويخاطب الشاعر بني العرب ويشير إلى ما اعتاده أعداؤهم من خلف الوعود ونقض العهود، فلا هم يستجيبون ولا هم يسمعون نداء الضمير العالمي لأنهم كالأموات، ويسدي الشاعر نصحه للوفود التي تطلب رد الحق لأهله بأن يحذروا مكر عدوهم الحقود. ويذكرهم بأخيهم قصير الذي استطاع الخلاص من الزباء- إحدى ملكات العرب الشهيرات- بخدعة ذكية إذ أخفى الرجال في حاويات قدمها هدية لها فلما أدخلتهم قصـــــرها انقضوا عليها وقتلوها شر قتلة. ويربأ الشاعر بهم أن يســــاموا خســفاً ويجرعوا كأسا مترعاً بالمرارة تغص به حلوقهم، ثم يقطع الشـــــاعر بأنهم لن يرضــــوا بالذل والقـــهر والهوان، فقال:

يا بني العرب قد عرفتم وجربتم مِطال العدى ونُصح البعيد

أتصيحون في اللحود، وهل تسمع هذا النداء صم اللحود؟

عَرِّضوا بالوفود وليكن السيف خبيئاً لدى ثياب الوفود

وقصير أخوكم وهب الزبَّاء موتا على بعير وئيد

حاش لله أن تبيتوا على الخسف وتستمرئوا نقيع الهبيد

ثم يلتفت الشاعر في أسى عميق إلى الأراضي المقدسة ويشكو مما أصاب فلسطين من العذاب المهين، ويظهر تأثر الشاعر بالتراث حيث تخيل لنفسه صاحبين له يدعوهما ليعيناه على أداء حقوق نام قاضيها:

يا خليلي عاوناني فللشجو حقوق على فؤادي العميد

نبئا قبة بيثرب ما نال فلسطين من عذاب شديد

وارمقا مكة على أمنها الطهر ومُسَّا ترابها بالخدود

والْمسَا البيت راهباً حفه الناس وحيداً على غلائل سود

ويمضي الشاعر إلى وفود الرحمن يدعوهم للتضرع والدعاء ويذكرهم بمهد عيسى عليه السلام وثالث الحرمين الشريفين:

وإذا ما الحجيج أمعن في الذكرى وأضحى على خشوع مديد

فادعوا كل مسلم عَبَدَاللهَ وألقى جبينه للسجود:

أفلسطين قبلة المسلم الأولى في لهفة الغبين الحريد!

مهد عيسى أمانة من يد الله وسطر من الكتاب المجيد

ثم يأتي الشاعر والسياسي محمد أحمد محجوب فيشكو الفراق والوله وقد برح به الشوق إلى وطنه وهو غريب في أسبانيا عندما ذهب إليها ممثلاً لبلاده في مؤتمر برلماني عقد فيها عام ١٩٦٧م. كان شاعرنا يتوق إلى الخمائل والنخيل الباسق الذي رواه المطر الخفيف، وقد افتقد المآذن وأصوات الأذان الشجي الذي يملأ الجوانح رهبة ويحلق بها في جو روحاني لم يجده الشاعر في أسبانيا، فقال في قصيدته «الفردوس المفقود»(١٢)

نزلت شطَّك بعد البين ولهانا

فذقت فيه من التبريح ألوانا

وسرت فيك غريباً ضل سامره

داراً وشوقاً وأحباباً وإخوانا

فلا اللسان لسان العرب نعرفه

ولا الزمان كما كنا وما كانا

ولا الخمائل تشجينا بلابلها

ولا النخيل سقاه الطل يلقانا

ولا المساجد يسعى في مآذنها

مع العشيات صوت الله يرعانا

 ثم استجلى الشــــاعر واستعرض أمجاد العرب الذين سادوا هذه البــــلاد وتركوا بصماتهم واضحة فيها، فشــــادوا أمجـــــاداً تليدة وأذعن لهم هذا الجزء من أوروبا، فنظــــموا الشعر الرصــين، وخشـــعوا للواحــــد القهار، ولم يبق في هذه المآثر إلا أطلال تؤرقـــــها، ثم انتقـــل شــاعرنا إلى فلسطين وقد بلغه وهو هنا اندحار الجيوش العــربيــــة في نكسة عام ١٩٦٧م، فبكى فلسطين وهي أندلــــس أخرى، وهـــذا نـــتاج طبيــــعي للفــــرقة والتشتت والتحزب، فلو اتـحدنا لما اســـتطاع كائن من كان أن يســومنا الذل والهــــوان، وهذا يعــــيد إلى أذهـــــاننا قول الشــــاعر:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا

وإذا افترقن تكسرت آحادا

ويعاهد شاعرنا أبا الوليد- الشاعر والوزير الأندلسي (ابن زيدون)- بأنهم سيأخذون بثأرهم، وقد وحدهم الجرح النازف وسينتصرون لا محالة، فالقدس لطخت بالدماء ولكننا نفديها بأرواحنا ومهجنا وأجسادنا، وذلك في قوله:

كم فارس فيك أوفى المجد شرعته

وأورد الخيل وديانا وشطآنا

وشاد للعرب أمجاداً مؤثلة

دانت بسطوته الدنيا وما دانا

وهلهل الشعر زفزافا مقاطعه

وفجر الروض أطيافا وألحانا

يسعى إلى الله في محرابه ورعاً

وللجمال يمد الروح قربانا

لم يبق منك سوى ذكرى تؤرقنا

وغير دار هوى أصغت لنجوانا

هذي فلسطين كادت والوغى دول

تكون أندلسا أخرى وأحزانا

نغدو على الذل أحزابا مفرقة

ونحن كنا لحزب الله فرسانا

رماحنا في جبين الدهر مشرعة

والأرض كانت لخيل العرب ميدانا

أبا الوليد عقدنا العزم أن لنا

في غمرة الثأر ميعاداً وبرهانا

الجرح وحدنا والثأر جمعنا

للنصر فيه إرادات ووجدانا

لهفي على القدس في البأساء دامية

نفديك يا قدس أرواحاً وأبداناً

 

وهكذا حظيت القدس كما حظيت العروبة باهتمام الشعراء السودانيين اهتماما كبيراً، فصاغوا في ذلك شعراً اتسم - كما رأيت أيها القارئ الكريم برصانة اللفظ وعمق المعنى وعذوبة الموسيقى وحسن السبك وحرارة العاطفة وصدق الشعور.

 

الهوامش:

1- ديوان النيل: قصائد مختارة من الشعر المصري والسوداني، إعداد لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بمصر والمجلس القومي لرعاية الآداب والفنون بالسودان (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٠م) ص ١٧٦-١٧٧

2- الدكتور عبدالله الطيب: أصداء النيل (دار المعارف بمصر، ١٩٦٠م) ص١٨٥-١٨٦

3- سورة النبأ: الآية ٣٥

4- «ملحق التراث» بجريدة المدينة المنورة، الخميس ٢٣ جمادى الأولى ١٤١٠هـ -٢١ ديسمبر ١٩٨٩م، العدد ٨٢٥٩

5- سورة الرعد: الآية ١٠

6-  سورة يوسف: الآية ١٠

7- سورة المدثر: الآية ٢٨

8- سورة الذاريات: الآية ٢٩

9- محمد المهدي المجذوب: نار المجاذيب (بيروت، دار الجيل، ١٤٠٢هـ- ١٩٨٢م) ص٥٦

10- سورة النساء: الآية ١٥٧

11- سورة البقرة: الآية ٦٥

د. علي أحمد محمد أحمد العريني: الأدب العربي بين الحداثة والمعاصرة: دراسات جديدة في الأدب الحديث (الرياض، مكتبة الخريجي، د.ت) ص١٨٧-١٨٨

جامعة الملك عبدالعزيز

كلية التربية بالمدينة المنورة

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب