أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

اليوبيل الماسي

دراسات قرآنية

شعر

الدولة الأنموذج

شعر

القدس وجدان

الشعر ديوان العرب

القصيد رسول خير

حقائق وأكاذيب

قراءاة وتعقيب

دراسات في الاستشراق

في التكوين البشري

الحقيقة بأقلامهم

أعلام خالدة

رحلة في الذاكرة

شعر

اعلام وأعمال

طب

علوم وطب

أمنا النخلة

أحماض أدبية

شعر

شكوي .. وبيان

استطلاع مصور

الفروق في اللغة

خطرات فكر

مسك الختام

الشعر ديوان العرب

 

عبد اللطيف بن صالح الوحيمد 

 = السعودية =

 

من يتابع الحركة الشعرية المعاصرة من خلال وسائل النشر يصاب بالإحباط ويشعر بالاستياء والامتعاض والتشاؤم لما تتمثله من ظواهر شائنة شوَّهت صورة الشعر وأفقدته أخص خصائصه الكفيلة بتحقيق غاياته الأساسية (المنفعية والامتاعية)..   وعن مفهوم المنفعية وكونها وظيفة شعرية مستقرة في الذهن العربي سنستضيء بعبارة (الشعر ديوان العرب) وهي عبارة متوارثة ومتواترة تعني في إحدى دلالاتها تصوير الشعر للحياة ومافي هذه الحياة من قيم وأخلاق وعادات وتقاليد وأنه خزانة حكمتها وثقافتها ومستنبط آدابها وفلسفتها ومستودع علومها وأخبارها وصورة وجدانها وفكرها.. (1)

 حيث كان العرب قديماً ينظرون إلى الشعر على أنه في بعض جوانبه أشبه بكتاب تربوي يحوي من القواعد السلوكية ما يجعلهم يحفظونه ويرددونه ويستشهدون به.. وهذه الاستضاءة بعبارة (الشعر ديوان العرب) وكونه وثيقة مهمة حتى عند المؤرخين ترينا أن من بين توجهاتهم بالشعر التوجه المعرفي.. وأن المعرفة كانت من ضمن الوظائف التي يُطلب من الشاعر النهوض بها، فهو نافع كما يقول الفارابي (من حيث إسهامه في الارتقاء بالإنسان عن طريق التأثير في سلوكه) لأنه يقوم بنشر الفضائل والأخلاق الحميدة ويهدف إلى الخير ويساعد على تكوين النشء وبناء المفاهيم التربوية القويمة.. كما أنه من خلال غناه العاطفي يسمو بالعاطفة ويهذِّب المشاعر ويعلي الغرائز بتحويلها إلى عواطف نبيلة إلى جانب مفعوله السحري في تهدئة الأعصاب وترويض النفس وجلب الراحة والبهجة إليها حيث يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(الشعر يسكن به الغيظ وتطفأ به الثائرة).  

أما ما نراه الآن ولكي لا أكون متطرفاً في موقفي منه فإن أغلبه قد فقد الكثير من تلك القيم التي ألمحنا لبعضٍ منها حيث بدا فيه التسطح الفكري فلا حكمة ولا نظرة ثاقبة ولا عمق في المعنى ولا قيمة تربوية بل أخذ يتحلل من خاصية من أهم خاصياته الوجدانية في مجال الغزل وهي (الرقة) إذ أخذ ينزع إلى العنف والقسوة عند التخاطب بين الجنسين فبدلاً من أن يرقق المشاعر الغليظة ويلينها أصبح يزيدها غلظة وقسوة ويحرضها على الاستحجار بدعوى عزة النفس والشكيمة.(٢)

أما بالنسبة للجانب الإمتاعي فالمعروف تاريخياً وعلمياً أن نشأة الشعر غنائية.. فقد اهتدى الإنسان القديم إلى الشعر بحكم إحساسه الفطري بالرغبة في التعبير عن عواطفه الجياشة وأحاسيسه المشبوبة، والتقت الرغبة في التعبير عن ذات الإنسان وعواطفه بميله الفطري إلى الغناء والحداء وخاصة في أثناء العمل منذ ارتبط بجماعة بشرية متآلفة فكان الإنسان القديم يشدو بكلام له إيقاع موسيقي متناسق يعبر فيه عن آلامه وآماله وانفعالاته ويصف مظاهر الطبيعة من حوله وهو يسعى وراء قطيعه، أو ليهوِّن على نفسه مشقة السفر أو ليحمِّس نفسه على قتال عدوه.. وقد يشترك مع جماعته في الغناء للتعبير عن أفراح الجماعة وأحزانها أو لقطع الوقت في أثناء أداء الأعمال الشاقة المشتركة.. ومـن الطبيعي أن تكون القدرة على التعبير عن عواطف الإنسان ومشاعره من نصيب فرد دون آخر ومن يملك هذه القدرة يصبح لسان الجماعة والمعبر عنها في أعيادها ومناسباتها المختلفة فالشاعر كما يتغنى بأحاسيسه وعواطفه الفردية يتغنى بأحاسيس قبيلته وعواطفها ولهذا كانت القبائل العربية فيما يروى تحتفل بنبوغ شاعر فيها ليتغنى بأمجادها في حربها وسلمها ولأنه ارتبط بالموسيقى والغناء كانت تسميته بالشعر الغنائي .

         وارتباطه بهذه الطبيعة يعني ارتباطه بالإطراب لذا كثيراً ما تتكرر كلمة (الطرب) عند الحديث عن الشعر كقول الجرجاني : (ويستخفك الطرب إذا سمعته) ويقصد الشعر .. فالشاعر مطلوب منه أن يطرب مستمعه ولكن ذلك لا يتحقق ما لم يكن الشعر متمثلاً قواعده الفنية وهي:(الوزن أو الموسيقى) ولا أحد ينكر تأثيرها في النفس إذ تخاطب فكر المتلقي وشعوره معاً بطريقةٍ مباشرة فتنفذ إلى مراكز إحساسه وتجد طريقها إلى جهازه العصبي ومن ثمَّ تؤثر على العمليات الفسيولوجية الرئيسية كحركة القلب والتنفس ومستوى توتر العضلات والأعصاب أو ارتخائها فضلاً عما تحدثه في النفس من هزة سرور وإعجاب وارتياح ونشوة.. فهي أي الموسيقى الوسيلة الطبيعية للتعبير عن تجربة الشاعر الإنفعالية وبدونها يكون الكلام نثراً لا محالة ومن تلك القواعد (القافية الموحَّدة) وهي جزء من موسيقى الشعر لها جمالها وروعتها وتأثيرها في النفس حيث يعمد إليها الشاعر لأنها من ضرورات الشعر ودواعيه .

فالكتابات التي نقرؤها هنا وهناك تحت ما يسمى بالشعر المنثور أو قصيدة النثر تخلو من تلك الخصائص بالإضافة إلى عنصر مهم أيضاً وهو (البلاغة) فكيف يتحقق الإطراب والإمتاع الذي ينشده المتلقي من قراءة أو سماع الشعر؟  

ومما أفقد الشعر الإمتاع الفني أيضاً بل وقطع الرابطة الشعورية التي يجب أن تمتد بين الشاعر والمتلقي (٣) لتذوق العمل الشعري والتفاعل معه واكتشاف ما فيه من جماليات شيء أخر يعد شراً مستطيراً في هذا الزمن وهو أصل موضوعنا هذا ومحوره الأساسي وكل ما تقدم ما هو إلا توطئة له وهذا الموضوع الذي استفز النقاد والكتَّاب والشعراء المحافظين وأثار قضية جدلية كبيرة لم تخمد جذوتها حتى الآن ولن تخمد ما بقي شعر وشاعر وناقد ومتلقٍ ألا وهو (الغموض) الذي استشرى في القصيدة الحديثة فعطل وظائفها الفكرية والعاطفية والبيانية فأصبحت هيكلاً مجوّفاً لا نفع فيه لأنه لايحقق الغاية من كتابة القصيدة وهي الرابطة الشعورية بين الشاعر والمتلقي.. لأن العمل الشعري لاينتهي بمجرد كتابته بل يظل محتاجاً إلى ركن مهم جداً ركن لابد منه ليشعر الكاتب أنه حقق الغاية من كتابته هذا الركن هو (القارئ).. إذ لابد للعمل الأدبي شعراً كان أم نثراً من مُسْتَقْبِلٍ حتى لو كان هذا المستقبل شخصاً واحداً ذلك بأن الكاتب لايستعيد توازنه النفسي بمجرد تسجيل تجربته على الورق بل لابد له من أن يحس أثرها في إنسان آخر حتى يشعر أن هذه التجربة التي تشغله وتحيره ليست شذوذاً ولا انحرافاً عن الطبيعة السوية بل هي على العكس - جسر بينه وبين إخوته - من بني الإنسان.. فليس الأدب مجرد وسيلة يستعين بها الكاتب على استعادة توازنه النفسي ولكنه أيضاً وهذا هو الأهم تيار وجداني يمتد في نفوس كثيرة ويحقق درجة من وحدة الشعور بينها.. فهذه هي الغاية النهائية للأدب شعراً أم نثراً فمهمة الأدب كما ذكرنا وخاصة الشعر هي الإثارة والتأثير (٤) وهذا لا يحصل إلا بالإبانة والوضوح بالطرق الفنية البعيدة طبعاً عن الإبتذال والسذاجة والمباشرة النثرية.. وما نرفضه من الغموض ذلك النوع الذي يستهلك المعنى ويبليه ويفضي به إلى درجة من الإبهام الذي يخفيه تماماً ويعمّيه أو لايصل إليه المتلقي إلا بعد كدٍ ذهني عسير وجهد جهيد وبعد تعرُّق الجبين.. ثم لايكون ماتوصَّل إليه جديراً بما بُذل من أجله من معاناة ومكابدة وتعب فكري بل يخرج بعد هذا الجهد كله بالندم لتعبه فيه دون جدوى أو طائل.. لا ذلك الغموض الفني الشفاف الذي يناله المتلقي ولو كان هذا النيل لايتم إلا بإعمال فكر ولكنه في النهاية يشعر بأن هذا الطلب الكادح للمعنى أوصله إلى شيءِ أهلاً إلى هذا الجهد فيعيضه عن ذلك بسرورِ وفرح وأنسِ بالوقوف عليه.. أما إذا كان القارئ معه أي مع المعنى كالغائص في البحر يحتمل المشقة العظيمة ويخاطر بالروح ثم يخرج بالخرز فالأمر هنا بالضد.. ولذلك كان أحق أصناف التعقيد بالذم ما يتعبك ثم لا يجديك نفعا، ويؤرقك.. ثم لا يروق لك فهذا ما نحن ضده وهو الغموض الذي يقصد لذاته لا لضرورة كاستخدامه للتعبير عن التجربة التي يصعب الوضوح فيها فيضطر الشاعر إلى التعبير عنها بالرمز والإيحاء أو كفن مقصود لنفسه كالألغاز لأن ماجاء على هذا الوجه قد قصد قائله من إغماض المعنى وإخفائه اختبار أذهان الناس وأفهامهم وقدراتهم البديهية.. ولأن الألغاز لون فني مستقل ومقصود في نفسه ولايُحتاج إليه أصلاً للتعبير عن الأغراض العامـة وإفهام المعانـي لذلك جاز فيه الإغماض والإخفاء أو كان هذا من طبيعته وكما نستثني الألغاز نستثني كذلك أسلوب (الكناية التعريضية) المستخدمة في الموضع الذي لايحسن فيه التصريح.. والكناية التعريضية هي : أن يُطلق الكلام ويشار به إلى معنى آخر يفهم من السياق كأن ترى رجلاً يؤذي الناس فتقول: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فتكنِّي بهذه الجملة عن نفي صفة الإسلام عن المؤذي وقد برع العرب في هذا النوع من الكناية التي يتاح بها للإنسان أن يشفي غلَّته وينال من خصمه دون أن يكون عليه مأخذ صريح . 

ولكن الغموض الذي يمارسه مستشعرونا ولا أقول شعراءنا لامبرر أو دواعي له إطلاقا إذ يكتبون قصائد غير مفهومة لا للقارئ ولا للناقد ولا هم أنفسهم بقادرين على فك طلاسمها فقد لاحظت من خلال قراءاتي لهذا النوع من الغموض أن أصحابه يبحثون عن التركيبة اللغوية البراقة اللافتة للانتباه دون الاكتراث بمؤداها التعبيري وسلامة تركيبها في محاولة عمياء لإكساب أساليبهم الشعرية جاذبية بغير اقتدار أو حذاقة في فن الصياغة فتظهر مشوهة بالغموض المستغلق على الأفهام (٥) لأن الصياغة السيئة المضطربة كما بينا سالفاً أو الصياغة المتكلفة المعقدة تتوِّه المعنى وتشرذمه في ثناياها فتتقطع أوصاله مع تقطُّع لهاث التكلف أو الاضطراب الأسلوبي فلا يكاد المتلقي يعثر له على أثر.. وهذا النوع الأخير المسمى بالمعاظلة وهي تداخل الكلام بعضه في بعض وتراكبه دون نظام أو كما يفسرها البعض بسوء النظم والتعقيد، هي مما يفضي إلى استغلاق المعاني وإبهامها.. ومن أجل هذا عابها النقاد والبلاغيون وعلماء الأدب فقد ذكر الآمدي أن سوء التأليف يفسد المعنى ويعمّيه حتى يحوج مستمعه إلى طول تأمل ويتفق معه  في هذا أبو هلال العسكري حين يقول:(ومع سوء التأليف ورداءة الرصف والتركيب اللغوي شعبة من التعمية) وقد ينشأ سوء التركيب والتأليف من ضعف في موهبة الشاعر أو عدم اكتمال أدواته الفنية ولكنه في بعض مناحيه مظهر من مظاهر التكلف والانحراف الحاد عن الاسترسال مع  الطبع الفني المألوف عند أغلبية الشعراء.. ويقول:حازم القرطاجني:إن هذا الإخلال يقع للشاعر بأن يذهل عن بعض أركان المعنى.. وفي هذا إدراك لشيئين كما يقول الأستاذ/ عبدالرحمن القعود: لهما خطرهما وأهميتهما أما أحدهما فهو إدراكه ووعيه طبيعة الحالة النفسية المتوترة للشاعر لحظة الإبداع والتي يكون فيها الشاعر في عالم قريب من عدم الوعي والذهول عن بعض الجزئيات وأما الآخر فهو عدم اكتمال الرؤية الفنية لدى هذا الشاعر بسبب عدم نضج الفكرة وتبلورها في مخيلته أو نقص أصيل في تجربته وثقافته.. ووجود مثل هذه الأشياء قد يلقي ظلاً من الإبهام أو الغموض على قصيدة الشاعر على أن ماجاء بسبب الذهول والتوتر النفسي لحظة الإبداع قد يكون من نوع الغموض الفني المستفز للطاقات الفكرية والتأملية والتخيلية للمتلقي بعكس ماجاء بسبب عدم اكتمال الرؤية الفنية أو نقص في أصالة التجربة وفي الثقافة فهو غموض ردئ جاء من عجز.. وهناك إدراك ثالث يقع بسببه الإخلال في بعض أركان المعنى وهو طاقة البيت المكانية والموسيقية أو بأن يتركه (أحد أركان المعنى) من غير ذهول منه لكن لاضطرار الشعر له بانضمامه إلى القافية أو لأن الوزن غيــــــر مساعد له .(٦)

ومن هنا يبدو واضحاً أن ما نرفضه هو الإبهام أو الغموض الناتج عن التعقيد بسبب سوء النظم أو عدم ترتيب اللفظ الترتيب الذي بمثله تحصل الدلالة على الغرض، أما إذا كانت العبارة واضحة والصياغة سليمة بريئة من التعقيد والمعاظلة باجتهاد الشاعر في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بالدلالة وعاق دون الإبانة إذا كان الأمر كذلك وبقي المعنى مع هذا غامضاً فإننا نرفع اللوم عن الشاعر لأنه أدى دوره وبقي دور المتلقي في كشف هذا الغموض الذي يكمن في المعنى بسبب دقته أو عمقه أو لطفه. (٧)

ومن أسباب أو وجوه إغماض الشعر في رأي حازم القرطاجني ما يرجع إلى المعاني أنفسها ومنها ما يرجع إلى الألفاظ والعبارات المدلول بها على المعنى ومنها ما يرجع إلى الألفاظ والمعاني معاً وهو ما قاله ابن سنان الخفاجي بعبارة مختلفة قليلاً ثم أخذ يُفصّل في كل قسم على حده فذكر مما يرجع إلى المعاني أنفسها أن يكون المعنى في نفسه دقيقاً ويكون الغور فيه بعيداً أو يكون المعنى مبنياً على مقدمة في الكلام قد صرف الفهم عن التفاتها بُعْدُ حيزها عن حيز ما بني عليها أو تشاغله بمستأنف الكلام عن فارطه.. وقد قال بهذا أيضاً سلفه ابن سنان.. ونريد أن نقف عند السبب الثاني مما يرجع إلى المعاني وهو مايمكن أن يُعبَّر عنه بتباعد المترابطات في سياق التعبير الشعري.. وما نريده بهذه الوقفة هو القول بأن مطالبة بعض النقاد بوحدة البيت الصارمة حتى ليظهر مستقلاً وحده صرفتهم عن الرؤية الشاملة المتكاملة إلى النفس الشعري فبدلاً أن ينظروا إلى القصيدة كلاً متكاملاً صاروا ينظرون إلى البيت ومعناه مستقلين مع أن معنى هذا البيت أو ذاك قد لايتضح إلا بما قبله أو بما بعده من أبيات ونحن لانقصد التضمين وإنما العلاقات والروابط التي يقيمها الشاعر وكذا وحدته العاطفية في سياق قصيدته.. ولكن حازماً ومن قبله ابن سنان لم يستغلاًّ إيجابية هذا الخيط الدقيق الذي ينتظم القصيدة بقدر ما عدَّا امتداده أو الإشارة إليه من بعيد سبباً من أسباب الغموض ونحن معهما فعلاً في أن بعض الأبيات تبدو غامضة في ذاتها ولكنها قد تتضح إذا نظر إليها مع غيرها وفي ضوء روابطها المعنوية قريبة أم بعيدة.. ومما يرجع في الغموض إلى الألفاظ والعبارات هو كون اللفظ حوشياً غريباً وفي رأينا أن غموض الألفاظ ذاتها ليس جوهراً في قضية الغموض الشعري حسب مفهومه الفني لأن غموض الألفاظ غموض سطحي لايقترب من أعماق القصيدة ودهاليز معماريتها هو بعبارة أخرى صعوبة وقساوة في القشرة واللحاء الخارجي ما أسرع وأسهل أن نزيله بنظرات إلى المعاجم والقواميس اللغوية. (٨)

ومن أسباب الغموض (التقديم أو التأخير وفرط الإيجاز وسوء التركيب) وعلى هذا كله نستطيع القول بأن رأي حازم يتلخص في أن أسباب الغموض أو وجوهه تكمن في الألفاظ وتراكيبها وفي طبيعة المعنى ذاته وما هو عليه من الدقة أو اللطف الذي يحتاج معهما إلى تأمل وتفهم وتفكير.. ولهذا وانتصاراً منه للوضوح فهو يدعو الشاعر إلى أن يتحفظ من وقوع وجه من هذه الوجوه في شعره.. ومما يبدو أن مبدأ الوضوح الانتصار له على الغموض يؤرق ذوق حازم ولهذا فهو لايكتفي بالدعوة إلى تجنب أسباب الغموض والاجتهاد في رفعه وإنما يعمد إلى التعبير ببعض الطرق أو وجوه الحيل التي يماط بها مايقع من غموض سواءً بسبب المعاني أنفسها أو بسبب عباراتها.. ومن هذه الطرق أن يعتاض عن الشيء الذي وقع به الإغماض والإشكال أو أن يقرن به مايزيل الغموض والإشكال والاعتياض عنده يلحق المعاني والألفاظ معاً ويوضح هذا قوله : فالاعتياض في المعاني يكون بأخذ مماثلاتها مما يكون في معناه أوضح منها والاعتياض في الألفاظ يكون بما يماثلها من وجه الدلالة.. أما عن الحيلة الأخرى في إزالة الغموض فهي حيلة (القران) فقد قال عنها : فقران الشيء بما يزيل الغموض أو الإشكال الواقع فيه يكون بأن يتبع الشيء بما يكون شرحاً له وتفسيراً من جهة ما يكون في معناه أو دلالته أو من جهة ما يناسبه ويشابهه ويكون بأشياء خارجة عن معنى الشيء إلا أن فيها دلالات على إبانة ما انبهم في الأشياء المقترنة بها.(٩)

ويرى في علاج المعنى إذا كان دقيقاً لإزالة الغموض عنه أن يجتهد الشاعر في إيضاح العبارة بتسهيلها وتبسيطها غاية مايستطيع وبعدها لا لوم عليه إن ظل المعنى رغم هذا خافياً إذ لايمكن أن يصير في نفسه جلياً لأن الخفاء طبيعة كامنة فيه.. وثانياً: أن يصحب معناه الدقيق ما يناسبه من معانٍ جلية تسهم في إيضاحه إذ قد يستدل على المعنى بما يجاوره من المعاني وينبه بعضها على بعض.. ولولا أنَّ حازماً عد البعد مابين المعاني من روابط وعلاقات معنوية سبباً من أسباب الغموض لقلنا أنه بعبارته الأخيرة يضيء إضاءة نقدية جيدة ترى أن مضمون القصيدة لايفهم مجزَّأ في شكل أبيات منفردة بنفسها عن غيرها وإنما يُدرك بالعلاقات والروابط المعنوية وبجو القصيدة العام وعلى كلٍّ فعبارته المشار إليها تؤكد إيمانه على دور ما للعلاقات والروابط والجو العام للقصيدة في كشف المعنى ولكن دون أن تكون هذه العلاقات متباعدة ومن المؤيدين للوضوح ابن رشيق القيرواني فوضوح المعنى عنده من آداب الشاعر وهو ماجرت عليه الطريقة العربية ولهذا فَشَرُّ الشعر في رأيه ماسئل عن معناه. (١٠)

ومن المؤيدين للوضوح ابن الأثير وعنده أن المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى ولهذا فهو يرى أن الفصاحة هي الظهور والبيان لا الغموض والخفاء وسواءً كان ذلك في الشعر أم في النثر إذ الأحسن في الإثنين معاً على حد قوله إنما هو الوضوح والبيان . 

وإذا تناولنا ابن سنان وجدناه من المؤيدين بقوة لوضوح الشعر بتفضيله ودعوته إلى المعنى الواضح الذي لايحتاج في استخراجه وفهمه إلى إعمال فكر وتأمل بل إنه يعتبر ذلك شرطاً من شروط الفصاحة والبلاغة سواءاً كان ذلك الكلام الذي لايحتاج إلى إعمال فكر منظوماً أو منثوراً.(١١)  

ويقول بشر بن المعتمر يجب أن يكون المعنى سواءاً في الشعر أو النثر مكشوفاً ومعروفاً فإن أمكنك ببيان لسانك وبلاغة قلمك ولطف مداخلك واقتدارك على نفسك أن تُفهم العامة معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ الواسعة التي لاتلطف على الدهماء ولا تجفو عن الأكفاء فأنت البليغ التام.(١٢)

ومن ثلة المؤيدين لذلك الجاحظ فقد أورد في أماكن متفرقة من كتابه (البيان والتبيين) أقوالاً له ولغيره تؤيد الوضوح وتدعو إليه وتعده من البيان ومن المنتصرين أيضاً للوضوح أبو هلال العسكري وعنده أن الكلام الذي لاينغلق معناه ولايستبهم مغزاه والذي يفهمه السامع من غير فكر فيه وتدبر له هو الكلام الجيد.. غير أن للعسكري مفهوماً جيداً للوضوح إذ يفرّق بين الوضوح الردئ والوضوح الفني الذي يتسم بالجودة وحسن المعنى وسلامته وجزالة اللفظ واستقامته وسلامة التركيب وحسن التأليف بين الكلمات حيث يقول عن الشعر الجيد من هذا النوع أنه هو الذي تعرفه العامة إذا سمعته ولاتستعمله في محاوراتها ونظن أكبر الظن بأنه يقصد من أنها لا تستعمله في محاوراتها لأنها لاتستطيعه فيكون المقياس هو السهل الممتنع ولكنه السهل الممتنع على العامة . (١٣)

واتخاذ ذوق العامة وقدراتهم مقياساً في الشعر فيه كثير من التسامح وشيء من الإمتهان لمكانة الشعر إننا نعجب بمطالبة أبي هلال في الوضوح الفني ولكن إعجابنا يخف عندما يعد فهم العامة معياراً لفنية هذا الوضوح ولهذا فلسنا معه إذا طالب الشاعر بالنزول بشعره ومعانيه إلى مستوى أفهام العامة وأذواقها فهذه قضية نقدية حسمت عند كثير من النقاد العرب القدامى بأن على الشاعر أن يحافظ على المستوى الفني الرفيع لشعره دون مراعاة لأذواق العامة وأفهامها إذ المراعاة للفهم الثاقب. (١٤).

وقد كانت التقاليد الفنية عند العرب تتخذ من الصورة التعبيرية مظهراً للوضوح وطريقة من طرقه وكان الشعراء بشعرهم والنقاد في نقدهم يسعون إلى توظيف الصورة من أجل كشف المعنى وإبانته.. ويتضح لنا أن الربط القوي لدى علماء البلاغة بين البلاغة والوضوح في الأدب كان يستهدف غايات الإثارة والتأثير والاقتدار على التذوق الفني وإدراك الجمال في النصوص الأدبية وكل هذه غايات إنسانية فنية جمالية لانتصور الاقتراب منها دون وضوح فني في الشعر أو في دلالته الموحية والتاريخ يحدثنا أن العرب أهل لسن وبيان يعيبون العَيِّي ويسخرون منه وإذا لم يفصح الواحد منهم عن مراده ويعبر عنه بوضوح وعجز عن توصيل مالديه من مشاعر وأفكار إلى سامعه بطريقة تضمن الإفهام والفهم فإنه قد قصر عن حد البلاغة وكشف عن فساد حسه الفني قبل أن يسئ إلى الإحساس الـفني عنـد سامعـه.. وربطهـم بيـن البلاغة وخاصة الوضوح في القول دليل على أن هذه الخاصية لازمت شعرهم كما لازمت بيئتهم.. فهم قد نظروا في أساليب تعبيرهم وفي مأثوراتهم الأدبية فألفوها تتضح بالمعنى المنكشف وطليقة من كل تعقيد أو إبهام يعي الخواطر والأفهام.. وإلى جانب هذا كانت تنبعث منها رائحة فنية جمالية ساحرة حتى اعتقدوا أن روائح الفن وجماليته إنما هي في الوضوح.. ولهذا نعتقد أن ملاحظتهم الوضوح في مأثورهم الأدبي إلى جانب جماليته ومتعته الفنية هي بعض ما دفعهم إلى الاعتقاد بأن الوضوح ركن من أركان البيان وشرط من شروط البلاغة ومقياس من مقاييسها.. فالجاحظ يروي لنا عن أحد العرب قوله: (لايكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يُسابق معناه لفظه ولفظه معناه فلايكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك) وإذا كان هذا التلازم والتواكب بين القصيدة العربية والوضوح قد دفع الشعراء والنقاد إلى أن يصبح هذا الوضوح مطلباً فنياً عند أولئك ومقياساً نقدياً عند هؤلاء فإن البلاغة على اختلاط بينها وبين النقد القديم كانت تعد وضوح التعبير وانكشاف المعنى وحسن الإفهام من مقوماتها حتى إن بعض البلاغيين والنقاد وعلماء الأدب يعد البلاغة هي الوضوح نفسه . (١٥)

ولابد أن نشير هنا إلى حقيقة مهمة وهي أن الغموض موجود في الشعر العربي وحتى قبل العصر العباسي ولكنه وجود عارض غير سائد مقارنة بالوضوح الغالب على هذا الشعر.. ولن تعوزنا النصوص الشعرية التي نستدل بها على اتضاح شعر العرب في صوره ومعانيه وقربه من الأفهام فذلك حقيقة يدركها من يقرؤه كما أدركها قرَّاؤه ونقَّاده الأقدمون.. ووقوف لفظ غريب أو نحوه دون فهم هذا الشعر لا يقف دون هذه الحقيقة ولا يكفي لأن يتسرب الشك إلى واقعيتها فمثل هذه الغرابة إنما هي لبعد ما بيننا وبين بيئته التي قيل فيها إذ بمجرد أن نؤنِّس هذه الألفاظ ونمسح غرابتها وصعوبتها المعجمية نهتدي إلى معنى البيت واتجاه القصيدة.. ثم إن الألفاظ إذا كانت صعبة وغريبة علينا فهي سهلة واضحة لدى أهلها ولدى متلقيها المعاصر لها ولم يكن ذلك الشعر محتاجاً إلى معاناة ومكابدة في الوصول إلى معناه بل ربما سابق معناه لفظه.. ومن هنا تيسر فهمه وصار لايحتاج إلى تحفظ وتدارس.. صحيح أنه قد يظهر البيت أو الأبيات التي يتساءلون عن معانيها ولكنها أشبه بالاستثناء من القاعدة أما مجمل شعرهم فمكشوف المعنى وبارز غير محوج إلى كدٍّ ذهني متعب في استخراجه ولا إلى إعمال فكري يجلب الدوار في التوصل إليه.(١٦)

كما نحب أن نوضح حقيقة أخرى وهي أن الغموض الذي ظهر في القصيدة القديمة وتحديداً في العصر العباسي كان يبدو في أبيات قليلة جداً من القصيدة وليس في القصيدة كلها أو فكرتها كما لوحظ على بعض أبيات أبي تمام والمتنبي وأبي العلاء المعري وهو فارق جوهري بين غموض القديم وغموض الحديث الذي تتصارع حوله أقلام النقد هذه الأيام والذي تأثر بمذهب الغرب الفلسفي المسمى بالرمزية حيث يعتقد هذا المذهب المنحرف أن مجال الأدب الحقيقي بشعره ونثره هو المشاعر الغامضة التي لا يمكن التعبير عنها إلا بطريق الرمز أيَّة كانت طبيعة التجربة التي يعبر عنها الأديب حتى أصبح الشعر كما يقول د/ يوسف عز الدين كلمات تكتب باللغة العربية ولكن غير مفهوم معناها في السياق، فاختفى الشعراء وراء دعوة الغموض والرمز وفاتهم أن الغموض مقبول والرمز محبب في الشعر ولكن تقليد شعراء الرمز الغربيين أمثال (بودلير) وغيره دون فهم للخلفية الفكرية والفنية والإجتماعية للأدب الغربي أضاع عليهم الرشد فلم يقدروا حتى هم أنفسهم على فهم اشعارهم وقد ضعف شعر الشباب وهزل أسلوبهم لجهلهم بالأسلوب الفني الرمزي لـمّا أعياهم السير فأرادوا أن يجددوا دون أن يفهموا الأسس الفلسفية للرمزية وكل ما أراده بعضهم أن يسمى مجدداً، فساروا في أثر الغرب يقلدونه دون وعي أو إدراك سليم بأن المذاهب الفكرية إذا ما ظهرت في مجتمع فإنها تظهر لحاجة اجتماعية أو نفسية لذلك المجتمع.. وتأتي نتيجة لعوامل نفسية واقتصادية وسياسية أثرت فيه فوجد فـي المـذاهب الجديـدة إرضـاء لحاجتـه الفرديـة أو تعبيراً عـن مـظهر إنساني أو قومي أو وطني.. وقد وصلتنا هذه التيارات أو المذاهب من الغرب تعكس اهتزاز قيمه ومثله في المجتمع والاقتصاد والسياسة، وبعد أن ظهرت طبيعة البشر الرعناء على حقيقتها من جراء الحروب الوحشية الطاحنة التي دمرت الإنسانية وأضاعت الهدوء النفسي والاطمئنان الروحي وهدمت المثل العليا والقيم الحضارية السامية التي قدسها الإنسان ولم تقدر أن ترد عنه وحشية أخيه الإنسان الذي لجأ إلى شريعة الغاب في الفتك والجشع وحب الذات والسيطرة الحربية، واهتمت جماعة مفكرة بدراسة هذه الظاهرة الجديدة ووضع القواعد العامة للأدب معتمدة على المعنى والأسلوب.. فوجدت في الأدب شيئاً لا يمكن فهمه أو وضع قواعد واضحة له فسمته (فوق الواقع) لأنه لا يعتمد على العقل الواعي وإنما يترك النفس على سجيتها تنتج وتكتب وترسم قضاياها بين الحلم واليقظة ولا تحتاج إلى إكمال العمل الفني أو إتقانه في تناسق جميل أياً كان نوع هذا العمل شعراً أم نثراً وشعاره (اترك نفسك تتداعى على سجيتها واترك اللاوعي يعمل حسب الدفقات الروحية ليكون الإنتاج بين الوعي والجنون معتمداً على اللاشعور). (١٧)

 ومن أولئك من ركن إلى الفوضى اللغوية والعبث الأدبي ليريح فكره التعب وروحه الظمىء ونفسه المأزومة والمعقدة فكان شعره غريباً في لفظه وأسلوبه لأنه لم يكن قادراً على الإفصاح والتعبير الصريح دون أن يدرك أن العبث باللغة العربية هو عبث بالمجتمع والفكر العربي وتخريب لكل المقومات الكريمة.. وخير من ضياع الوقت في قول لايفهم، بناء الأمة فكرياً وروحياً وبعث الهمة نحو الوحدة الفكرية وبناء الشخصية الحديثة التي تقاوم الغزو الفكري الذي يهددنا في عقر دارنا.. ولاشك أن الشعراء من خيرة أبنـاء الأمة وبخاصة الشباب ولكنهم بحاجة إلى توجيه وصدق في القول.. فها هو أحد الشباب يقول: 

قبيل الغروب جمعت ثيابي وطفت بدور صحابي.. وودعتهم بخشوع رهيب وعدت.. وكانت دماء الشفق تغطي الأفق.. فحواني طريق الضياع الطويل وجاء المساء.. وأبصرت أشباحه الواجمة تحملق فيَّ.

 إلى أن يقول : وضج بأذني عويل الرياح.. وأمطرني من وراء الكهوف عواء الذئاب.. وخلف انحناء الدروب رأيت عيون الوحوش.. وكدت أعود، ولكنَّ سداً أطل يسد عليَّ طريق الرجوع . (١٨)

فما جدوى هذا القول وما فائدته للقارئ الذي يئن من مشكلات وقضايا عديدة يتمنى مايريح نفسه التعبة منها بما يحقق له راحة وسكينة وهدوءاً وأملاً ورجاءاً في إطار أدب مفهوم وبنَّاء.. إن هذه التعمية والغموض انعكاس لما في نفس ذلك الكاتب من تسكع وحيرة واضطراب وخواء جنَّبه التفاعل مع قضايا أمته بوضوح فني يربطه بالقارئ برابطة شعورية قوية وجسر فكري يحقق الإثارة والتأثر.. فكم أعجب من شاعر يعاني مشكلات قومه وآلام أمته ويضيع وقته في عبارات لاتفهم وألفاظ معقدة.. أما كان حرياً به أن يصب هذه الطاقة الكبيرة في استنهاض أمته للذود عن حماها وانقاذها من محنتها المعاصرة بإحياء روح الإيمان فيها ودعوتها للعودة إلى منهجها الديني لاعادة بنائها الداخلي ؟! والأعجب من ذلك أن الصحافة تنشر مثل هذا الهراء ونحن في معركة مصيرية ضارية وفي مآزق ومآسٍ نتلمس في خضمِّها سناً من الرشاد والهداية والنور للخروج من محنتنا التي تهدد حياتنا بالفناء .. فماذا يقول التاريخ عنا لو درس هذه الفترة من حياتنا، وشعراءها التائهين في ضباب الغرب بأشعارهم المنفصمة عن حياة أمتهم وواقعها ؟(١٩)

ومتى خدم الأديب أمته وبصَّـرها بما يحيق بها من مظالم وشرور وأيقظها من سبات الغفلة وساهم في الوعي الفكري فقد وجه أدبه نحو هدف سامٍ وغاية كريمة.. إن جميع حركات الفكر والنهضات يقودها الأدب ويحرك مسيرتها الأديب نحو كل التطورات الحديثة والتغيرات الحضارية بخلقه الجو المناسب للمجتمع والسخط على الظالمين والانتصار للمظلومين .. لأن الأدب قادر على إنشاء الحضارة التي تطور حياة الشعوب وتزويد البشرية بزاد روحي لاينضب وإدخال المشاعر السامية والإمتاع الفني إلى النفس.. فإذا قرأ القارئ شعراً جميلاً في موسيقاه الحالمة ورنين ألفاظـه العذبة وسمو معانيه فسوف يحس هـذا القارئ المتذوق بسعادة نفسية ومتعة روحية ولذة فكرية، وأثر هذا الإحساس يكون رقة في الطبع ورهافة في الذوق.. فالشعر الرقيق كالموسيقى الرائعة تحرك الوجدان وتوقظ سبحات الخيال والشاعر المبدع قادر على بناء حضارة جديدة مثل كاتب القصة والرواية والموسيقار والفنان لأن المعالجة المبدعة تكون ثمرة حضارة قابلة للتطور الفكري والروحي في حياة الأمم عندما تبني الوجدان البشري وتعمِّق إحساسه بالفن وتوجهه نحو الفكر الإنساني الصادق والواعي والمخلص أملاً في الخير والسعادة. (٢٠)

وقد تختلف أساليب الشاعر وتتنوع وسائله في التعبير والمعالجة كما تختلف طرز التجديد واتجاهات التطور تبعاً لاتجاهات الشاعر وتكوينه الفكري والروحي وأسس ثقافته وعمق إحساسه بالمشكلة وأسلوبه الأدبي واتساع أفقه لأن الشعر ليس تعبيراً لفظياً وتنميقاً للعبارات إنما هو فكر عميق وإيمان برسالة ورأي حضاري وتطور ذهني للأمم فالقصيدة الشعرية ارتباط ذهني وصلة روحية تربط المنتج بالقارئ وليست قدرة فنية على التركيب اللغوي والإتقان اللفظي دون أن تحوي مضموناً أو هدفاً اجتماعياً والشاعر أكثر المفكرين حاجة للارتباط الذهني بالجماهير وعلى سعة أفقه الثقافي ورحابة العلوم التي أتقنها يكون مؤثراً وقادراً على التعبير والإيضاح عما يحتمل القلم من أفكار وآراء وعواطف وأحاسيس ولن يخلد الشعر إلا إذا عني بالعواطف الإنسانية وأصبح شعراً عالمياً ولن يكون شعراً عالمياً مالم يكن مفهوماً عند الشعوب المختلفة ويحس بنبضاته القراء بكل اللغات. (٢١)

والشعر الأصيل صورة المجتمع.. فيه كل حاجاته النفسية والفكرية والإقتصادية فهو البناء الداخلي للنفس الإنسانية وهو اللحن الخالد لهمساته وخلجاته ، فقد كان الشعر في أوائل النهضة عند شوقي وحافظ ومطران والرصافي والزهاوي ُمَمِثلاً صادقاً لحاجات المجتمع ويكاد يكون سجلاً لتاريخ المسيرة الحضارية وهو واضح البناء والصورة الفنية ولكن الجيل المعاصر وقف موقفاً سلبياً مـن قضـاياه الفكـرية والإنسـانية والمصيريـة فـأضـاع الإبداع الفني في ترهات لفظية ولست أريد حـصر الشـعر بـأسلوب أراه أو خط أفرضه إنما أريد أن أقول أن الأبعاد الفكرية وعناصر الإبداع الذاتي ضاعا في تيّار الإغراب والغموض كما أني لست ضد التجديد والتطور لأن الأحمق هو الذي يظن الحياة ثابتة ولاتتحول فكل جمود يؤدي إلى الضجر والملل بل إلى الموت ولكن ليس كل عمل شعري هو التجديد الناجح فقد يجدد الإنسان بأمور لاتعود عليه بالفائدة الفنية والتطور الحضاري فإذا وجدت عمارة سامقة وهدمتها فقد جددت عندما كوَّمت الحجارة بعضها على بعض وأشبعت الذات في هذا العمل ولكن ما الفائدة الفنية أو الحضارية لمثل هذا الهدم إلا أن يكون الإنسان مجنوناً أولا يعرف معنى الجمال إننا نريد التجديد والتطور ولكن على أن يقوم على أسس قويمة من الثقافة العربية والحضارة الإسلامية ودون أن يكون الشاعر مسخاً لآراء الغرب وتياراته التي لم يفهمها شعراؤنا الشباب فأضاعوا تراثهم ولم يقدروا على مواكبة الفن الأجنبي. (٢٢)

أما من لا يكفيه هذا بل أراد أن يهدم ويبني دون أن يفكر في نتائج عمله التي تجئ على خلاف طبائع الأشياء فذلك الذي لا يكتفي بالمسحة الجديدة الخفيفة بل ينبري معتذراً بروح العصر ومحتجاً بذوق أبناء العصر.. وياليت مبدأه لم يأتِ منه العبث بحق اللغة وقواعدها وبيانها إذ لم يعرف لها حرمة ولم يحفظ معها وداً ولا عهداً مورداً غوامض التشبيهات والمجازات التي لايفهمها إنس ولاجن لأنها أشبه الأشياء بهذيان محموم وخلط مجنون ويصيح بنا رافعاً رأسه عجباً وتيهاً (خذوه من يدي خيالاً راقياً بل نعمى سابغة تزين أدبكم وتنير أذهانكم ولم يتمتع بمثلها أجدادكم) فيستقبله أنصاره وهم أجهل منه بتصفيق الاستحسان وهتاف الإعجاب ثم يعرض على عيوننا وأسماعنا عبارات مفككة الأوصال متناكرة في مفرداتها وجملها وقد قلبت للنحو والصرف ظهر المجن وسخرت بأوضاع اللغة فيهز حزب الركاكة رأسه عجباً ويصيح بملء شدقيه (هكذا وإلا فلا ! لتكن النهضة الأدبية الحقيقية والجراءة العصرية في التخلص من قيود اللغة الثقيلة وبيانها القديم البالي !).(٢٣)

ولو يعلم هؤلاء الجهلة كم تحول من رموزالمهاجمين للشعر القديم إلى صفوف المدافعين عنه بعد هدوء الطيش والتهور ونمو الوعي الفكري لما قالوا بذلك فها هو (ورد زورث) أحد كبار دعاة التجديد الغربيين الذي دعا إلى أبعد حدود التجديد عاد في شيخوخته إلى الكلاسيكية وغدا أكثر تمسكاً والتصاقاً بها حتى قال عنه (ايفور ايفانس) : وقليلون من الشعراء باستثناء شكسبير يتحفون القارئ في القرن العشرين بأكثر مما فعله (ورد زورث) لأنه عاد أشد الناس محافظة وثورة على الثورة أما (ادوارد مرقس) فيرى أن التجديد الصحيح في الشعر والأدب بوجه عام هو ذلك الذي يحتفظ بصالح القديم ويضيف عليه مايلبسه ثوباً جديداً لايطمس معالمه القديمة ولايشـوًّه رسومه المأثورة وإنما يدخل إلى التجديد من أبوابه ليعيد إلى الأدب نشاطه وشبابه فيستأنف رسالته في الحياة)..


الهوامش:

1 - الوضوح والغموض في الشعر العربي القديم : عبدالرحمن  بن محمد القعود..

2 - البلاغة والنقد منهج مقرر على طالبات الصف الثالث ثانوي عام 1413هـ .

3 البلاغة والنقد المقرر على طالبات الصف الثالث ثانوي عام 1413هـ.

4 - الوضوح والغموض في الشعر العربي القديم : عبدالرحمن محمد القعود . 

5 الوضوح والغموض في الشعر العربي القديم . تأليف /عبد الرحمن محمد القعود

6 - الوضوح والغموض في الشعر العربي القديم : عبدالرحمن محمد القعود .

7 - المصدر السابق . 

8 - المصدر السابق . 

 9 - المصدر السابق .

10 - المصدر السابق .

11 - المصدر السابق .

12 - المصدر السابق .

13 - المصدر السابق .

14 - المصدر السابق .

15 - المصدر السابق .

16 - المصدر السابق .

17 - قول في النقد وحداثة في الأدب : د/ يوسف عز الدين . 

18 - المصدر السابق .

19 - فصول في الأدب الحديث والنقد : د/ يوسف عز الدين . 

20 - المصدر السابق .

21 - المصدر السابق .

22 - الشعر الحديث بين المحافظة والتجديد : د/ محمد بن سعد بن حسين . 

23 - قول في النقد وحداثة في الأدب : د/ يوسف عز الدين . 

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب