|
أ.د.
محمد
عمارة:
- مصر-
يدرك
أيّ
قارئ
للقرآن-
حتى
ولو
لم
يكن
متخصصاً
في
أصول
الدين
أو
أستاذا
للدراسات
الإسلامية-
أنه
لا
فارق
في
الموقف
القرآني-
إزاء
عقائد
النصارى
في
المسيح-
بين
القرآن
المكي
والقرآن
المدني؟..
وعلى
سبيل
المثال،
لا
الحصر:
ففي
سورة
التوبة
-المدنية-
نقرأ:
{وقالت
اليهودُ
عزيرٌ
ابنُ
اللهِ
وقالتِ
النَّصارى
المسيحُ
ابنُ
اللهِ
ذلك
قولُهُم
بأفْواههم
يضاهئون
قول
الذين
كفروا
من
قبلُ
قاتلهُمُ
اللهُ
أنى
يُؤفكون}-
التوبة:
30
وهو ما نجده في
سورة مريم- المكية- بقوله تعالى: {ذلك عيسى ابنُ
مريَم قولَ الحقِّ الذي فيهِ يمترون
ما كان لله أن يتَّخذَ من ولدٍ سبحانه إذا قضى
أمراً فإنما يقولُ له كن فيكونُ
وإنَّ اللهَ ربِّي وربُّكم فاعبدوه هذا صراطٌ
مستقيم}- مريم:34-36-..
وما نجده في سورة
المائدة –المدنية-
من قول الله سبحانه وتعالى: {لقد كَفَرَ الذين قالوا
إنَّ اللهَ هو المسيحُ ابنُ مريمَ وقال المسيحُ يا بني
إسرائيلَ اعبدوا الله ربيِّ ورَبَّكُم إنَّه منْ يُشركْ
باللهِ فقد حَرَّم اللهُ عليه الجنة ومأواه النارُ وما
للظالمين من أنصار}- المائدة:
72-
{لقد كَفَرَ الذين قالوا إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثة وما
مِنْ إلهٍ إلا إلهٌ واحدٌ وإن لَّم ينتهوا عما يقولون
لَيَمَسَّنَّ الذين كفروا منهم عذابٌ أليم}- المائدة:
73-
{ما المسيحُ ابنُ مريمَ إلا رسولٌ قد خلتْ من قبله
الرسلُ وأمُّهُ صديقةٌ كانا يأكلان الطعامَ انظُرْ كيف
نبّيّنُ لهمُ الآياتِ ثم انظُرْ أنىَّ يؤفكون}-
المائدة: 75-
{وإذْ قال اللهُ يا عيسى ابنَ مريمَ أأنت قلتَ للناسِ
اتَّخِذوني وأمِّيَ إلهينِ من دون اللهِ قال سبحانَكَ
ما يكونُ لي أن أقولَ ما ليس لِي بحقٍ إنْ كنتُ قلْتُهُ
فقد عِلمْتَهُ تعلمُ ما في نفسي ولا أعلمُ ما في نفسِك
إنك أنتَ علاَّم الغيوب
ما قلتُ لهم إلاَّ ما أمرتني بهِ أنِ اعبُدُوا
اللهَ ربِّي ورَبَّكُم وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ
فيهم فلمَّا تَوفيتني كنتَ أنَت الرقيبَ عليهم وأنتَ
على كلِّ شيء شهيد. إنْ تُعذِّبْهُم فإنَّهم عبادكَ
وإنْ تغْفِر لهم فإنَّك أنت العزيزُ الحكيمُ}-
المائدة: 116-118-..
هذا الذي نطالعه
في القرآن المدني، هو ما وجدناه في القرآن المكي-
بسورة الإخلاص- وبسورة الشورى- على نحو ما سبق ذكره-..
وهو ذات ما نجده في سورة الزخرف- المكية- بقول الله
–
سبحانه وتعالى-: {ولما جاء عيسى بالبينات قال قد
جئتُكُم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه
فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربي وربُّكُم فاعبدوه
هذا صراطٌ مستقيم}- الزخرف:
63،64-..
8- ثم.. أين انقلاب
القرآن المدني على المسيح- من الحنان إلى الوطأة
الشديدة- كما زعم «المؤلف» لهذا الكتاب- وفي ذات
السورة المدنية- سورة المائدة- التي أوردنا منها النقد
والنقض والتفنيد والإبطال لعقائد النصارى في المسيح-
نقرأ في ذات السورة المدح لعيسى وللحواريين، والحديث
عن نعم الله عليهم: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم
اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذا أيدتُكَ بروحِ
القُدُسِ
تكلمُ الناسَ في المهدِ وكهلاً وإذ علَّمتُكُ الكتابَ
والحكمة والتوراةَ والإنجيلَ وإذ تَخْلُقُ من الطينِ
كهيئةِ الطيرِ بإذني فتنفخُ فيها فتكون طيراً بإذني
وإذ تُبرئُ الأكمَهَ والأبرصَ بإذني وإذ تُخرجُ
الموتَى بإذني وإذ كففتُ بني إسرائيلَ عنك إذ جئتهم
بالبيناتِ فقال الذين كفروا منهم إنْ هذا إلا سحرٌ
مبين. وإذ أوحيتُ إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسوليِ
قالوا آمنا واشْهدْ بأننا مسلمون. إذ قال الحواريّون
يا عيسى ابن مريمَ هل يستطيع رَبُّكَ أن يُنزِّل علينا
مائدةً من السماء قال اتقوا الله إنْ كنتم مؤمنين.
قالوا نريدُ أن نأكل منها وتطمئنَّ قلوبُنَا ونعلمَ
أنْ قدْ صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين. قال عيسى ابن
مريم اللهم أنزل علينا مائدةً من السماء تكونُ لنا
عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خيرُ
الرازقين. قال الله إني مُنَزِّلهُا عليكم فمن يكفُرْ
بعدُ منكم فإني أعذِّبهُ عذابا لا أعذِّبهُ أحداً من
العالمين}- المائدة:
115-116
فأين هي المتغيرات
والانقلابات التي أحدثتها غزوات مؤتة سنة
8هـ
سنة 629م
وتبوك سنة 9هـ
سنة 630م
في القرآن وعقائد الإسلام إزاء عقائد النصارى في
المسيح –عليه
السلام-؟!..
9- ثم.. إن آيات سورة
المائدة- المدنية- التي ذكرناها- وهي قاطعة في نفي
ألوهية المسيح، وفي التشنيع على عقائد النصارى فيه..
قد نزلت-كما يقول القرطبي (671هـ
1273م)
في (الجامع لأحكام القرآن)- نزلت «منصرف الرسول- صلى
الله عليه وسلم- من الحديبية»(١) سنة
6هـ..
أي قبل عامين من غزوة مؤتة سنة
8هـ..
وقبل ثلاثة أعوام من غزوة تبوك سنة
9هـ..
ومن ثم فلا علاقة لهذا الموقف القرآني- الثابت
والراسخ- بالأحداث التاريخية في مؤتة وتبوك..
10- ثم.. أين تغير موقف
القرآن المدني من النصارى، وقد جاء في سورة الحديد-
المدنية-: الموقف العادل والمتوازن من النصارى: الثناء
على عيسى، كرسول من رسل الله.. والمدح للإنجيل الذي
جاء به.. والثناء على الذين اتبعوا رسالته الحقة.. وفي
ذات الوقت الذم للذين ابتدعوا في النصرانية ما ليس
فيها: {ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيمَ وجعلنا في
ذريَّتِهِما النبوةَ والكتابَ فمنهم مهتدٍ وكثيرٌ منهم
فاسقون. ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابنِ
مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه
رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا
ابتغاء رضوانِ اللهِ فما رعوها حق رعايتها فآتينا
الذين آمنوا منهم أجرَهُم وكثيرٌ منهم فاسقون}-
الحديد: 26،
27-..
11- ثم.. من قال- غير
«مؤلف» هذا الكتاب- إن المباهلة بين رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، وبين نصارى نجران سنة
10هـ
سنة 631م
قد أحدثت تغيرا في موقف الإسلام من النصارى.. وها هو
عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى نصارى نجران-
الذي أعطاه لهم بعد المباهلة- ينص على حقوق وامتيازات
غير مسبوقة ولا ملحوقة لهم في ظل أي دين آخر أو دولة
أخرى أو حضارة من الحضارات.. فلقد جاء في هذا العهد:
«لنجران وحاشيتها، وسائر من ينتحل دين النصرانية في
أقطار الأرض، جوار الله وذمة محمد رسول الله، على
أموالهم، وأنفسهم، وملتهم، وغائبهم، وشاهدهم،
وعشيرتهم، وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو
كثير.. أن أحمى جانبهم، وأذب عنهم، وعن كنائسهم وبيعهم
وبيوت صلواتهم، ومواضع الرهبان ومواطن السياح.. وأن
أحرس دينهم وملتهم أين كانوا بما أحفظ به نفسي وخاصتي
وأهل الإسلام من ملتي.. ولا يجبر أحد ممن كان على ملة
النصرانية كرها على الإسلام.. ويخفض لهم جناح الرحمة،
ويكف عنهم أذى المكروه حيث كانوا وأين كانوا من
البلاد.. لأني أعطيتهم عهد الله أن لهم ما للمسلمين
وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم.. حتى
يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم..»(٢)
12- ثم.. إننا نقرأ في
القرآن المدني قياس خلق عيسى عليه السلام على خلق آدم
عليه السلام: {إنَّ مَثلَ عيسى عند الله كمثل آدم
خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}- آل عمران:
59-
.. وهو ما نجده في المرحلة المكية، برسالة رسول الله
–صلى
الله عليه وسلم- إلى النجاشي- ملك الحبشة- التي يثبتها
«مؤلف» هذا الكتاب ص84-
ونصها:
«بسم الله الرحمن
الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشي الأضخم، ملك
الحبشة، سلام أنت. فإني أحمد إليك الله الملك القدوس،
السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح
الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة
فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم
بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له»
ففي
هذه
الرسالة
–المكية-:
- التوحيد الإسلامي
النقي والخالص لله وحده لا شريك له..
- وأن عيسى عبدالله
ومخلوق له، خلقه كما خلق آدم..
وما في هذه
الرسالة –المكية-
من أن عيسى هو كلمة الله ألقاها إلى مريم.. نجده في
آية سورة النساء- المدنية-: {يا أهلَ الكتاب لا تغلو
في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحقَّ إنَّما
المسيح عيسى ابنُ مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى
مريم وروحٌ منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثةٌ
انتهوا خيراً لكم إنما اللهُ إلهٌ واحدٌ سبحانه أن
يكون له ولد له ما في السمواتِ وما في الأرضِ وكفى
باللهِ وكيلا}- النساء:١٧١-..
وهذه هي العقيدة الموحدة
والمنزهة التي كانت عليها النصرانية الأولى- نصرانية
النجاشي-.. والتي شهد النجاشي أنها مثل ما هو عليه
وقومه..
13- ويشهد على ثبات
الموقف القرآني من عقائد النصارى.. ونفى تغير موقف
القرآن المدني من هذه العقائد عن موقف القرآن المكي
منها، مطالعة الآيات القرآنية النافية لزعم النصارى
اتخاذ الله ولدا.. ففي السور المدنية نقرأ: {وقالوا
اتخذ الله ولدا سبحانه}- البقرة:
116-..
أي تنزه سبحانه عن اتخاذ الولد.. {وقالت اليهودُ
عُزيرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيحُ ابنُ الله ذلك
قولهم بأفواهِهِم يضاهئون قولَ الذين كفروا من قبلُ
قاتلهم الله أنَّى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم
أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلا
ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما
يشركون}- التوبة:
30،
31-..
وهو ذات الموقف في
القرآن المكي، الذي نقرأ فيه: {قالوا اتخذ الله
ولداً سبحانه هو الغنيُّ له ما في السموات وما في
الأرض إنْ عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا
تعلمون. قل إنَّ الذين يفترون على الله الكذب لا
يفلحون. متاعٌ في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقُهُمُ
العذاب الشديد بما كانوا يكْفُرُون}- يونس:
68-70-
{وقالوا اتخذ الرحمن ولداً. لقد جئتم شيئا إدَّا.
تكادُ السمواتُ يتفطَّرنَ منه وتنشقُّ الأرض وتخر
الجبال هدَّا. أنْ دَعَوْا للرحمن ولدا. إنْ كلُّ مَنْ
في السموات والأرضِ إلاَّ آتي الرحمن عبدا. لقد أحصاهم
وعدهم عدَّا. وكلُّهم آتيه يومَ القيامة فردا}-مريم:
88-95-
{وقالوا اتخذ الرحمنُ ولدا سبحانَه بل عبادٌ مكرمون.
لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين
أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من
خشيته مشفقون. ومن يقُلْ منهم إني إله من دونه فذلك
نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين}-الأنبياء:
26-29-
{قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا}-
مريم: 30-
{ذلك عيسى ابنُ مريم قول الحق الذي فيه يمترون. ما
كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما
يقول له كن فيكون. وإن الله ربي وربَّكم فاعبدوه هذا
صراطٌ مستقيم. فاختلف الأحزاب من بينهم فويلٌ للذين
كفروا من مشهد يومٍ عظيم}- مريم:
34-37-
كذلك، نقرأ في
سورة الزخرف- المكية-: {ولـمَّا ضُـرِبَ ابن مريَم
مثلا إذا قومك منه يصدون. وقالوا ءآلهتنا خير أم هو ما
ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خَصِمُون. إن هو إلا عبدٌ
أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل}- الزخرف:
57-59-
{إنَّ اللهَ هو ربِّي وربُّكم فاعبدوه هذا صراطٌ
مستقيم. فاختلف الأحزاب من بينهم فويلٌ للذين ظلموا من
عذاب يومٍ أليم}- الزخرف:
64،
65-
ففي هذا القرآن
المكي نقرأ النقد والنقض والتفنيد لعقائد النصارى في
المسيح.. والوعد والوعيد لهم بالويل الشديد على هذا
الاعتقاد.. ذلك أن الاعتقاد القرآني الثابت والراسخ
والدائم في عيسى
–عليه
السلام- أنه عبدالله ورسوله، مثله في ذلك كمثل الخالين
من الأنبياء والمرسلين، ويستوى في ذلك الاعتقاد ويتفق
القرآن المكي والمدني على حد سواء..
ففي سورة
الشورى-المكية- نقرأ: {شرع لكم من الدين ما وصَّى به
نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى
وعيسى أنْ أقيموا الدينَ ولا تتفرقوا فيه}- الشورى:
13-
وهو نفس ما نقرأه في سورة البقرة- المدنية-: {قولوا
آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم
وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى
وعيــــسى وما أوتي النبيــــون من ربهم لا نفرق بين
أحد منــهم ونحن له مسلمون}- البقرة:
136-
لا فرق في ذلك الاعتقاد
الإسلامي بين مكي ومدني في القرآن الكريم.
14- ثم.. لقد زعم «مؤلف»
هذا الكتاب زعما يقدح في أمانته العلمية ومصداقيته
كباحث يحترم المنهج العلمي في البحث، أثناء تعامله مع
النص القرآني، وذلك عندما ادعى-ص
12،
13-
أن القرآن الكريم قد وقف من بنوة عيسى لله عند مجرد
التساؤل، ولم يقدم على هذا التساؤل جواباً!!.. ونص
عبارته في هذا الإدعاء الشاذ والغريب: «إن الإسلام لم
يطرح يوما واحدا على نفسه مشكلة العقيدة المسيحية
الصرف. لقد جازها قبل أن يعرض لها، وحلها قبل أن تشكل
عليه. فبقيت آية القرآن على شرطها فلم يُعطِ عنها
جواباً علمياً: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول
العابدين}- الزخرف:
81-..
لقد افتقر
«المؤلف» بهذا الزعم، لشروط الأمانة العلمية في
التعامل مع النص القرآني.. ولو كان أمينا حقا لذكر
الآية التالية لهذه الآية، وهي التي تنزه الذات
الإلهية- بلفظ التنزيه (سبحان) عن هذه الدعوى وهذه
الأوصاف- دعوى اتخاذ الولد- فتقول الآية: {سبحان
ربِّ السموات والأرض ربِّ العرش عما يصفون}- الزخرف:
82-..
ثم تأتي الآية التالية لها لتتوعد هؤلاء الذين زعموا
أن لله ولدا فتقول: {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى
يلاقوا يومهم الذي يوعدون}- الزخرف:
83-..
فأين هو زعم «المؤلف»
وقوف القرآن الكريم عند مجرد التساؤل في دعوى اتخاذ
الله ولداً؟!.. ولماذا لم يقرأ هذه الآيات مع ما جاء
في القرآن من الآيات الكثيرة التي تؤكد على التوحيد
والوحدانية للذات الإلهية في الألوهية.. وفي الذات..
والصفات.. والأفعال.. وهي القاطعة في النقد والنقض
والإبطال لعقائد النصارى في اتخاذ الله ولدا.. وفي
الربوبية والألوهية التي زعموها للمسيح- عليه
السلام-؟!..
بل إنه لو قرأ
الآيات 57-
59،
63-65
من ذات السورة- وهي التي تؤكد على عبودية عيسى لله
الواحد، ونفي الألوهية عن غير الله الواحد الأحد..
ورأى أن هذه الآيات قد جاءت في سياق الآية
45
من ذات السورة- التي تنفي الألوهية عن غير الله،
المتفرد سبحانه بالوحدانية والعبودية عبر كل النبوات
والرسالات.. لوضع «المؤلف» ذلك- مجرد القراءة لهذه
الآيات في سياقها لما اقترف هذا الذي قال!.. فهذه
الآيات- من سورة الزخرف المكية- تقول: {ولـما ضُـرِبَ
ابنُ مريم مثلا إذا قومك منه يصدون. وقالوا
ءآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم
خصمون. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني
إسرائيل} الزخرف:
57-59
{ولما جاء عيسى
بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي
تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربي
وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم. فاختلف الأحزاب من
بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم}- الزخرف:
63-65
ولقد جاءت هذه
الآيات الواضحة، والفاصلة في القضية، بعد الآية
45-
من ذات السورة
–والتي
تقول: {واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون
الرحمن آلهة يعبدون}.. وكلها تقرر وتقطع بنفي الولد
عن الله الواحد الأحد.. وبأن عيسى هو عبدالله ورسوله..
مثله كمثل الخالين من الرسل، عليهم الصلاة والسلام..
15- لو كان صحيحاً زعم
«المؤلف» وقوف القرآن الكريم من اعتقاد المسيحيين
ألوهية المسيح عند مجرد التساؤل، لما كان هناك مبرر
لاعتراف «المؤلف» ذاته- ص14-
بأن «بين الإسلام والمسيحية عقبات عقائدية كأداء لا
يمكن أن يذللها التفاهم مهما تجرد الداعون إليه.. لأن
الفوارق بين الديانتين تغور حتى الجذور العميقة!
وهو الاعتراف الذي
كررته وأكدته «مقررات» مؤتمر التنصير الأمريكي الذي
عقد في «كولورادو»- في مايو سنة
1978م-
عندما قالت هذه المقررات: «إن الإسلام هو الدين الوحيد
الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية.. والنظام
الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعيا
وسياسيا.. ولذلك، فإننا بحاجة إلى مئات المراكز، لفهم
الإسلام، ولاختراقه في صدق ودهاء!!(٣)
فهل هذا الإسلام،
المستعصى على الوفاق مع عقائد النصارى في المسيح، هو
الذي وقف قرآنه من هذه العقائد عند مجرد السؤال، الذي
لم يقدم عليه جوابا؟!!..
16 - ويشهد على انتفاء
تغير الموقف القرآني من أهل الكتاب بالمدينة عنه بمكة،
أن الآيات المدنية تحل الأكل من طعامهم والتزوج
بالمحصنات من نسائهم: {اليومَ أُحِلَّ لكم الطيباتُ
وطعامُ الذين أوتوا الكتاب حل لكم. وطعامكم حلٌّ لهم
والمحصناتُ من المؤمنات والمحصنَاتُ من الذين أوتوا
الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غيرَ
مُسافحين ولا مُتَّخذي أخدانٍ ومن يكفر بالإيمان فقد
حَبِطَ عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}- المائدة:
5-..
كما كان حال القرآن المكي، الذي جاء فيه: {ادع إلى
سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي
أحسن}- النحل:
125- {ولا
تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا
منهم وقولوا آمنا بالذي أُنْزل إلينا وأُنزِلَ إليكم
وإلهنا وإلهكم واحدٌ ونحن له مسلمون}- العنكبوت:
46-..
فلا فرق بين مكي ومدني
في الموقف من أهل الكتاب: الرفض لما يخالف التوحيد
والتنزيه.. والأمر بحسن التعامل مع المخالفين في
الاعتقاد..
ففي سورة المائدة-
المدنية- نجد هذا الموقف المتوازن من النصارى.. الحكم
بكفر من ألَّه المسيح..: {لقــــــد كفر الذين
قـــــالوا إن الله هو المسيحُ ابنُ مريم قل فمن يملك
من الله شــــيئاً إن أراد أن يهلك المسيحَ ابنَ مريم
وأمَّهُ ومن في الأرض جميعا ولله ملكُ السمواتِ والأرضِ
وما بينـــهما يخلق ما يشــاء والله على كل شيء قدير}-
المائدة: 17-..
وفي ذات السوره-
المدنية- نقرأ مدح الإنجيل الذي جاء به عيسى: {وقفينا
على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من
التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين
يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين}- المائدة:
46-..
فالله سبحانه
وتعالى- واحد أحد فرد صمد.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن
له كفوا أحد.. تنزه سبحانه
– عن
الصاحبة والولد.. وعن الحلول أو الاتحاد أو التجسد أو
المشابهة لأي من المخلوقات.. سبحانه ليس كمثله شيء..
وكل ما خطر على بالك فالله ليس كذلك..
لا فرق في هذه العقائد
الثوابت والمحورية في القرآن الكريم بين المكي منه
والمدني.. ولا علاقة للأحداث التاريخية بهذه العقائد
الدينية، التي هي محور الاعتقاد في دين الله الواحد
عبر النبوات والرسالات..
- للدراسة
صلة
-
الهوامش
(١) (الجامع
لأحكام القرآن) جـ6
ص30
(٢) (مجموعة
الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة) ص111
وما بعدها..
(٣) (التنصير: خطة
لغزو العالم الإسلامي)- الترجمة العربية لوثائق مؤتمر
كولورادو- ص452-
طبعة مركز دراسات العالم الإسلامي- مالطا سنة
1991م.
|