أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

اليوبيل الماسي

دراسات قرآنية

شعر

الدولة الأنموذج

شعر

القدس وجدان

الشعر ديوان العرب

القصيد رسول خير

حقائق وأكاذيب

قراءاة وتعقيب

دراسات في الاستشراق

في التكوين البشري

الحقيقة بأقلامهم

أعلام خالدة

رحلة في الذاكرة

شعر

اعلام وأعمال

طب

علوم وطب

أمنا النخلة

أحماض أدبية

شعر

شكوي .. وبيان

استطلاع مصور

الفروق في اللغة

خطرات فكر

مسك الختام

قراءة وتعقيب..

 

الرأي، والرأي الآخر، إثراء للعلم، وإفادة للقارئ، وكثير من معطيات العلم تسمح بتعدد القراءات فيها..

وتظل كل الآراء لها احترامها وتقديرها ما دامت ملتزمة بالمنهج العلمي، أخذاً وعطاء، من غير شطط ولا تفرد بالرأي..

بهذه المنهجية ظلت مجلة المنهل منذ نشأتها وحتى يومنا هذا تسعد بالرأي الآخر، بل تسعد بتعدد الآراء ما كانت على ما أسلفنا..

وهذا المقال (قراءة وتعقيب) ننشره على هذه الشاكلة..

والرأي متاح للجميع..

 

خالد بن مأمون آل محسوبي

-  السعودية - 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد اطلعت في العدد (612) من مجلة: (المنهل) رجب/ شعبان 1429هـ، على المقال الموسوم بـ(إسرائيل: هدنة، أم سلام؟) للأستاذ الدكتور/ محمد عمارة- وفَّقه الله- ورأيت- من خلال قراءة المقال- آراء تحتاج لوقفات، خاصة وأنها جاءت في مطبوعة سيارة من جهة، ومن جهة أخرى، جاءت من شخص له ثقله في دنيا: (الفكر الإسلامي) وهو الأستاذ محمد عمارة.. كما أنها جاءت- قبل ذلك- في حدود علمي ومعرفتي من شخص- أيضاً- له ثقله الفكري والعلمي، وهو الأستاذ الدكتور/ يوسف القرضاوي- وفقه الله-، وعلى رأس هذه الآراء، الزعم بأن: (صراع المسلمين ضد اليهود، ليس صراع: (إسلام ويهودية) بل صراع حقوق مغتصبة) هكذا؛ وبكل صراحة ووضوح.

أما كون الصراع صراعاً دينياً، فهذا لا وجود له، مع أن الأصل في الصراع، هو: (المعتقد)، لا (الأرض المغتصبة)، أو (الحقوق المغتصبة)! 

وعليه، فسوف أناقش كاتب المقال في هذا الأمر، ليتبين، أن المسألة معكوسة: عقلاً وشرعاً، والله الموفق.

أما عقلاً، فلا يعقل أن الجندي الإسرائيلي، الذي يدخل الحرب مع المسلمين، وهو يحمل (الثوراة) بيد، والمدفع بيد أخرى يقاتل من أجل أرض، يمكن أن يستعيض عنها بأي أرض أخرى، بعيداً عن كل هذه المشاكل والمتاعب، والتي قد يكون من ورائها إنهاء حياته! 

وأما شرعاً، فلأن أساس الخلاف بين المسلمين وغيرهم من كل طوائف الكفر، هو (الدين) لا غير، وقد قال الله تعالى-: ...، ‭{‬وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدينُ لله‭}‬ (1) وقال: ‭{‬وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله‭}‬ (2)، وسيأتي من كلام القرطبي ما يؤكد هذا، ويؤيده بالبرهان القاطع، والدليل الساطع، والله الموفق.

هذا ما أردت أن أقدم به لهذا المقال، أما التناقض في كلام أ. د. محمد عمارة، فهو ما سأنقله من مقاله نفسه، ثم أعقب- بعد ذلك- بكلام للإمام القرطبي، يوضح فيه حقيقة المسألة، أهي: مسألة دين، أم مسألة حقوق مغتصبة، هي الأصل في صراعنا مع اليهود؟!

أما التناقض في كلامه، فيوضحه قوله:

(إن الموقف الإسلامي من دولة إسرائيل- في جوهره وحقيقته- ليس موقف: (إسلام) من: (يهودية) ولا موقف (مسلمين) من (يهود) أي: ليس صراعاً دينيا خالصاً (كذا) !).

كذا قال، وهو مُعَارَضٌ بقول الله تعالى-: ‭{‬ومن يبتغ غير الإسلام ديناً، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين‭}‬(3) وبقوله - تعالى- في نفس السورة- وهو قبل هذه الآية: ‭{‬إن الدين عند الله الإسلام...‭}‬، وقوله: ‭{‬ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه‭}‬ وملة إبراهيم- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- هي: الإسلام، أما من سفه نفسه، فهم- كما جاء عن قتادة-: اليهود والنصارى، رغبوا عن ملة إبراهيم، واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى-، كما نقله عنه القرطبي- رحمه الله- في تفسيره(4).

كما أنه مُعَارضٌ بعدد من الأحاديث صريحة الدلالة في إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ومن عدم مساكنتهم؛ لاختلاف الدين، وليس لأي حقوق مغتصبة، فإنه ليس أعظم من الشرك الذي في ديانتهم، والذي يقاتلوا المسلمين من أجله؛ بل هم لن يرضوا عنا، حتى نتبع ملتهم، وهيهات!!

أما ما يعارض هذا الكلام من كلام الدكتور/ محمد عمارة- وفَّقه الله- نفسه، فقوله عقب كلامه السابق: (فعلى الرغم من اعتبار القرآن اليهود هم- والمشركين- الأشد عداوة للمؤمنين ‭{‬لتجدنَّ أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا...‭}‬(5) وهي حقيقة قرآنية، صدق عليها الواقع التاريخي في علاقة اليهود بالإسلام والمسلمين انتهى كلامه بحروفه. 

قلت: والناظر في كلامه- لأول وهلة- يرى هذا التناقض البين، بين عدم الصراع من أجل العقيدة، وكون اليهود- وهم مقدمون في سياق الآية التي أوردها الدكتور/ عمارة- على المشركين، لا يحاربوا من أجل يهوديتهم وشركهم، وإنما من أجل الحقوق المغتصبة منهم لبعض ديار المسلمين!

أما قول الدكتور/ عمارة- في نفس المقال-: (بل إن موقف الإسلام من هذه القضية- يقصد: اغتصاب الأرض، والإخراج من الديار، كما صرح بها قبل كلامه هذا بقليل- ليتأكد ويزداد حسماً ووضوحاً، عندما نعلم أن المسلمين الأوائل تحت قيادة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يحاربوا مشركي قريش لمجرد شركهم ورفضهم التدين بالإسلام) انتهى كلامه بحروفه.

والعجيب أنه أورد قبل كلامه هذا قول الله- تعالى-: ‭{‬لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم‭}‬ فعلة القتال من أجل الدين مقدمة- في سياق الآية- على علة الإخراج من الديار؛ بل إن دافع الإخراج من الديار في المقام الأول هو الدين؛ لأنه لا ترآى نارهما، كما صح بذلك الخبر عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكيف تُنْفَى هذه العلة- التي هي الأصل- ويجعل بدلاً عنها: الإخراج من الديار، أو اغتصاب الحقوق؟!

بل إن فساد هذا الأول يلاحظ من أول وهلة، ومع تدبر آي القرآن، تظهر هذه الحقيقة أكثر وأكثر، والله الموفق.

وأما قول الدكتور/ عمارة- وفَّقه الله- بعد ذلك: (وإذا كان مشركو قريش قد أضافوا إلى ذلك- يقصد: إخراج الرسول والذين آمنوا معه من مكة-: بفتنتهم المسلمين عن دينهم...) إلى آخر كلامه، فهو كلام ينقضه ما سبق، حيث جعل علة الفتنة في الدين تابعة لعلة الإخراج من الديار، واغتصاب الحقوق، وهو كلام- كما سبق- مرفوض عقلاً وشرعاً؛ بل معارض بالنصوص الشرعية، الصريحة، التي تؤكد أن علة العلل في الخلاف والإخراج من الديار، هي: الدين، وليس: اغتصاب الحقوق.

وأما قول الدكتور/ عمارة- وفقه الله-: (ومن ثم فإن الموقف الإسلامي من هذه الدولة، هو: الجهاد، كفرض عين على كل مسلم ومسلمة، حتى تحرير الأرض... خصوصاً وأنها ليست أي أرض! وإنما هي: الأقصى المقدس، أولى القبلتين، الذي بارك الله حوله) انتهى كلامه. 

فأقول: إن الجهاد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا- ومنهم: اليهود- السفلى، وليكون الدين كله لله، وليكون الدين عند الله، هو الإسلام، ولغيره من الاعتبارات التي تدور حول مناط تحقيق الدين، وتحقيق العبودية الخالصة لله وحده، لا شريك له، هو: الأصل.

أما اغتصاب الحقوق، فهو سيرد لأهله، إذا قام أهله بحق الله أولاً، من تحقيق الدينونة له في كل شأن من شئون حياتهم؛ لأن هذا تابع لإقامة الدين في الأرض، الذي يتبعه بعد ذلك- رد كل الحقوق لأهلها بكل عدل وإنصاف، أما أن يكون الأمر مع العكس، فلا!!

هذا، وقد أكد الدكتور/ عمارة- وفقه الله- على هذا المعنى، الذي هو: اغتصاب الحقوق، أساس الصراع بين المسلمين واليهود في أكثر من مكان من مقاله، ومن ذلك قوله آخر مقاله-: (...، فللقضية (خصوصية) تؤكد الموقف الإسلامي العام من اغتصاب الأرض، والإخراج من الديار، والقتال في الدين، والفتنة في الاعتقاد) انتهى كلامه.

وقوله أيضاً- آخر مقاله-: (...، فهذا لا يجوز، لأن فيه تكريساً لاغتصاب الأرض، والإخراج من الديار، والفتنة في الدين) انتهى كلامه بحروفه

فهو- وفقه الله- دائماً ما يجعل الفتنة في الدين آخر ما يتعلق بحقيقة الصراع بين المسلمين واليهود!

أما آخر ما أختم به هذا المقال، فهو كلام نفيس للإمام القرطبي- رحمه الله- قاله عند تفسيره لقول الله- تعالى- في سورة البقرة، آية:193: ‭{‬وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله...‭}‬ قال فيه: (فيه مسألتان: الأولى: قوله- تعالى-: ‭{‬وقاتلوهم‭}‬ أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة، قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: ‭{‬فإن قاتلوكم‭}‬ والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق، لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك: -قوله تعالى-: ‭{‬ويكون الدين لله‭}‬ وقال- عليه السلام-: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) فدَّلت الآية والحديث على أن سبب القتال، هو: الكفر، لأنه قال: ‭{‬حتى لا تكون فتنة‭}‬ أي: كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر. قال ابن عباس، وقتادة، والربيع، والسدي وغيرهم الفتنة هنا الشرك وما تابعه من أذى للمؤمنين.

الثانية: قوله تعالى-: ‭{‬فإن انتهوا) أي: عن الكفر، إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل- أو: بأداء الجزية في حق أهل الكتاب،...، وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم)(6).

وبمثل ما قرر القرطبي تستقيم الأمور في حقيقة الصراع بيننا وبين كل الكفار عموماً، واليهود خصوصاً، خاصة حول قضية من أخص قضايا هذا الدين، وهي العقيدة التي حارب من أجلها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أهله وقومه، وأخرجوه من دياره (مكة) بسببها! 

وأخيراً... أحب أن أقول: إن مقال الدكتور/ عمارة- وفقه الله- يحتاج في بعض المواطن منه- إلى مناقشة، لكني اكتفيت بما يوحى ببقية فقراته، واقتصرت على أهمها.

بقي أن أقول: إن إشاعة هذه المفاهيم بهذه الصورة، التي عرضها الدكتور عمارة- وفقه الله- يوحي بعدم خطورة الموقف بين المسلمين واليهود، مما يضعف روح الجهاد ضد هؤلاء؛ وما ذلك إلا لأن ما بيننا وبينهم حروب على اغتصاب حقوق، لا على عقيدة ودين!

وأنا أجزم لو أن إخواننا الفلسطينيين قاتلوا اليهود انطلاقاً من هذا المفهوم، لما واصلوا في جهادهم يوماً واحداً. أما والحرب بينهم لتحقيق التوحيد، وعبودية الله الحقة قبل استرداد الأرض، والحقوق المستلبة، فإنها ستظل سجالا بينهم وبين اليهود، حتى يأذن الله للشجر والحجر، ليقولا: يا مسلم! يا عبدالله! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، والله الموفق لما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


١-البقرة، آية: 193

٢-الأنفال، آية: 39

٣-آل عمران، آية: 85

٤-المجلد الأول، الجزء الثاني، ص. 9، ط. دار الكتب العلمية- بيروت، لبنان، طبعة أولى 1420هـ، توزيع: دار الباز بمكة المكرمة

٥-المائدة، آية: 82

٦-تفسير القرطبي، مرجع سابق، جـ2/ 236

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب