أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

اليوبيل الماسي

دراسات قرآنية

شعر

الدولة الأنموذج

شعر

القدس وجدان

الشعر ديوان العرب

القصيد رسول خير

حقائق وأكاذيب

قراءاة وتعقيب

دراسات في الاستشراق

في التكوين البشري

الحقيقة بأقلامهم

أعلام خالدة

رحلة في الذاكرة

شعر

اعلام وأعمال

طب

علوم وطب

أمنا النخلة

أحماض أدبية

شعر

شكوي .. وبيان

استطلاع مصور

الفروق في اللغة

خطرات فكر

مسك الختام

أعلام ..  وأعمال..

 

د. محمد سعيد صمدي

مركز تكوين المعلمين والمعلمات- طنجة

الأستاذ الدكتور العلامة إبراهيم السامرائي - رحمه الله تعالى وأحسن إليه - من علماء اللغة المعدودين في عالمنا العربي والإسلامي، ومرجعية لغوية كبيرة شهدت له مجامع اللغة العربية وكبار العلماء.. الدكتور السامرائي جعل اللغة العربية همّه وشاغله، دراسة، وبحثاً، وتدقيقاً، وتحقيقاً، وتعليقاً وتعقيباً. وتصحيحاً..

العلامة إبراهيم السامرائي له مع العلامة اللغوي عبدالقدوس الأنصاري صاحب ورئيس تحرير مجلة المنهل، وله معه صداقة شخصية لعلّ الدرس اللغوي كان الجامع بينهما - عليهما جميعاً رحمة  الله ورضوانه- . وقد نشر في مجلة المنهل مجموعة من مقالاته ودراساته وأشعاره .. ولا تزال خزائن المنهل تحتفظ ببعض كتاباته التي لم تنشر بعد.. 

 المحــــــــــــرر 

من القضايا التي تشكل تحديات كبرى ومصيرية أمام الأمة القضية اللغوية، ذلك أن حيوية الحراك المجتمعي وتنامي الصراع الداخلي جعل من اللسان، الذي كان يمثل في أحقاب متوالية ميثاق الوحدة ومكون التواصل والتعبير والإبداع، مبعث شق لحمة هذه الوحدة في سباق حثيث نحو مزاحمة اللغة الجامعة، لغة الدين والوطن ومواكبة التقانة وأصالة الإبداع. 

وفي زحمة هذا التجاسر على اللسان العربي من بعض ذويه، وأمام إفساح المجال واسعاً في المناهج التعليمية ووسائل الإعلام العمومية للغات الأجنبية واللهجات المحلية، وإحلالها المكانة التي أصبحت لا تنافس فقط اللغة الوطنية، بل تشعرها بالغربة والغرابة وضيق الحياة داخل رحابة الساحة العربية، في هذا الخضم المتموج صارع ونافح رجال عن حمى وشرف هذه اللغة، صراع حياة وبقاء ترعاه العناية الربانية التي صانت هذه اللغة بصون وحفظ تنزيله الحكيم. ويصعب على الدارس عد أولئك الرجال الذين أفرغوا أنظارهم وبحوثهم وتدقيقاتهم للدرس اللغوي العربي تحقيقا وتأليفا لكثرتهم واختلاف أزمانهم ومواطنهم.

وسأحاول في هذه العجالة أن أتذكر بالذكر الحسن أحد رواد الفكر اللغوي العربي وتراثه والقضية اللغوية عموماً، وليس من الغريب أن يكون هذا العــــالم اللغــوي الفذ من أرض العـــــراق الشــــقيق، أرض المدرستين الكوفة والبصرة اللغويتين، الدكتور إبراهيم السامرائي رحمه الله.

وتتوافق هذه الكتابة في شهر صفر الخير مع الذكرى السابقة لرحيله إلى الدار الآخرة ونروم من خلال هذا التذكر والإحياء إثارة الانتباه إلى ما خلفه الرجل من تحابير وتحقيقات جديرة بالتناول والاهتمام والدراسة، وقد كان رحمه الله واعياً بما يلحق المبيضات من التأليف من الضياع أو الاحتكار إذا بقيت مخطوطة، فعمل جاهداً على طباعتها ونشرها، بل إنه أدرك أيضاً ما يلحق البحوث المنشورة في المجلات من تناثر وتفرق فجمع أشتاتها في مجاميع مطبوعة سهلت على الباحثين ضنك البحث والتنقير «هذه أشتات ضممت بعضها إلى بعض لما جعلت بينها من وشائج أصلية، وإني لأوثر ألا تبقى أشتاتاً متباعدة هنا وهناك. ولا أرى أن القارئ بعيداً عني وهو يستطلع هذا الجمع اللفيف» (1).


 

نبذة من ترجمته:

ولد الأستاذ اللغوي المعجمي إبراهيم السامرائي سنة 1923م بالعمارة جنوب العراق، وتابع جميع أسلاك الدراسة إلى آخر شهادة تمنح وقتئذ ببلاده وهي شهادة الماجستير، ثم انتقل بعد ذلك إلى باريس حيث أنهى دراسته العليا بجامعة السوربون سنة 1956م، وحصل على شهادة دكتوراه الدولة في موضوع «الجموع وأسماء الجموع في القرآن: العربية واللغات السامية» وهي دراسة «تبنت فكرة المقارنة في اللغة والنصوص القديمة باللغات السامية، وهو منهج لم يكن معروفاً ولكن العلامة السامرائي خاضه بثقة ودأب وصبر» (2).

بدأ مسيرته المنهجية معلماً سنة 1945، وبعدها أستاذاً بالتعليم الثانوي، ثم توقف عن التدريس ليُختار ضمن بعثة علمية لمتابعة الدراسة بالسوربون سنة 1948، ليعود بعد ثماني سنوات إلى بلاده، حيث عين مدرساً لفقه اللغة بكلية الآداب ببغداد، وعمل بعد ذلك أستاذاً بأهم الجامعات العربية: تونس ولبنان والكويت والأردن واليمن، وعين عضوا في مجامع اللغة العربية في الوطن العربي والهند وفرنسا، وخلف في مجال التأليف عدة كتب ومقالات وتعقيبات مدققة تهم تاريخ العربية ونحوها وصرفها، والدرس النقدي والتراثي، وبرز في مجال المقارنة بين لغته العربية وسائر اللغات السامية. كما اعتنى بأصول العاميات العربية، وحقق الكثير من أمهات مصادر اللغة والأدب. كان لإتقانه اللغتين الفرنسية والإنجليزية دوراً بارزاً في تعميق نظره في الاشتغال اللغوي ومقارنة اللغات.

لقد دفعته غيرته على العربية إلى تتبع الكثير من المصادر والمظان المحققة بالتصحيح والتصويب الدقيقين، ورغم ما قد يظهر في تلك الكتابات من صرامة علمية نادرة، فإن الهاجس العلمي والغيرة على لغته والاحتفاء بالمصدر المحقق والثناء على مجهود المحقق كان كل ذلك محركا بريئا وسلوكا شافعا في اتباعه هذا المنهج الصارم في تقويم الاصدارات اللغوية ومحاسبة أصحابها. إنه في نهاية المطاف كان يتوخى الذود عن حمى هذه اللغة في زمن كانت التحديات والانتكاسات ومعاول الهدم تصوب من طرف بعض المستلبين من أبنائها، خاصة في العقود الأخيرة من الألفية المنتهية بدءاً من الستينيات وإلى الآن.

خلف المرحوم مكتبة لغوية فريدة في بابها، تمكنت من استجماع أغلب عناوينها، وهي مرتبة بدون أي اعتبار، إذ صعب عليَّ ضبط تاريخ كتابتها:

١- الأصول التاريخية العامية البغدادية في ألف ليلة وليلة.

٢- العامية التونسية.

٣- فقه اللغة المقارن (316ص).

٤- مع المصادر في اللغة والآداب (في جزأين).

٥- رحلة ابن عابد الفاسي (من المغرب إلى حضرموت) (3)

 وهو في 160 ص.

٦- في شرف العربية (166ص).

٧- في شعاب العربية (336ص).

٨- من سعة العربية (247ص).

٩- الفعل زمانه وأبنيته (252ص).

١٠- لغة الشعر بين جيلين.

 ١١- العربية بين أمسها وحاضرها.

١٢-  العربية تاريخ وتطور (396ص).

١٣- التوزيع اللغوي الجغرافي في العراق.

١٤- تنمية العربية في العصر الحديث.

١٥-  نزهة الألباء للأنباري حققه ونشره سنة 1959- 

١٦-  شعر الأحوص جمع وتحقيق-

١٧-  التطور اللغوي التاريخي (240ص).

١٨-  كتاب النخل لأبي حاتم السجستاني تحقيق- (161ص) 

١٩- مقدمة في تاريخ العربية (92ص).

٢٠- محاضرات في تاريخ اليمن والجزيرة العربية (165ص).

٢١-  خطط البصرة وبغداد، تأليف: لويس ماسينيون، ترجمه وأضاف إليه (126ص)(4)

٢٢- المرصَّع لابن الأثير، تحقيق (367ص).

٢٣- أشتات في الأدب واللغة.

٢٤- أوهام المعاصرة دراسة نقدية.

٢٥- إعلام الورى فيما نسب إلى سامرا (177ص) (5).

٢٦- البنية اللغوية في الشعر العربي المعاصر.

٢٧- السيد محمود شكري الألوسي وبلوغ الأرب (152ص).

٢٨- النحو العربي في مواجهة العصر (240ص).

٢٩- النحو العربي نقد وبناء.

٣٠- حديث السنين (سيرة ذاتية).

٣١- درس تاريخي في العربية المحكية.

٣٢- رحلة في المعجم التاريخي.

٣٣- معجم ودراسة في العربية المعاصرة.

٣٤- معجميات (408ص).

٣٥- من معجم عبدالله بن المقفع (248ص).

٣٦-  معجم الدخيل (213ص).

٣٧- معجم ودراسة في العربية المعاصرة (197ص).

٣٨- المعجم الوجيز في مصطلحات الإعلام بكسر الهمزة- (214ص).

٣٩- معجم الفرائد(6) (200ص).

٤٠- معجم الجاحظ(7).

٤١- من الضائع من معجم الشعراء للمرزباني (168ص).

٤٢- مع نهج البلاغة: دراسة ومعجم (384ص).

٤٣- الأصوات اللغوية.

٤٤- المتشابه لأبي منصور الثعالبي، تحقيق (72ص).

٤٥- فلك القاموس لعبد القادر الحسيني تحقيق- (80ص).

٤٦- النبات والشجر والحيوان والبيئة.

٤٧- رسائل ونقد (245ص).

٤٨- أشتات مؤتلفات (228ص).

٤٩- كشف النقاب عن الأسماء والألقاب لأبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق (241ص).

٥٠- كتاب الكتَّاب لابن درستويه، تحقيق (167ص).

٥١- في مجلس أبي الطيب المتنبي (168ص).

٥٢- دراسات في اللغتين السريانية والعربية (207ص).

٥٣- مع المعري اللغوي (236ص).

٥٤- في اللهجات العربية القديمة (194ص).

٥٥- الأعلام العربية: بحث في أسماء الناس (243ص).

٥٦- في المصطلح الإسلامي (229ص).

٥٧- من وحي القرآن (182ص)..

٥٨- التذكير والتأنيث (8) .

٥٩- كتاب يفعول للصاغاني(9)


 

وكان من آخر ما وقفت عليه بعد وفاته- رحمه الله- مقالة نشرتها مجلة «الفيصل» (مارس 2002) تحت عنوان (في الصحافة الإقليمية) رصد فيه كعادته لغة الصحافة العربية من خلال النموذج الإعلامي المغربي، ومقالة أخرى نشرتها مجلة «المنهل» عدد أبريل ماي 2002- تحت عنوان «الكلم الذي لزم النفي»، وبعد سنة نشرت نفس المجلة تعقيبه على الأستاذ عزيز السيد الجاسم تحت عنوان «الحياد والعلم في (الاغتراب في حياة وشعر الشريف الرضي)» عدد يونيو يوليو 2003، يقول في مطلع هذا التعقيب: «لقد بدأت هذه السلسلة بالكلام على (السيف اليماني في فخر أبي الفرج الأصفهاني) لمؤلفه الأستاذ وليد الأعظمي، وكنت قد قرأت هذا الكتاب ووقفت على ما كان قد حفز الأستاذ الأعظمي إلى أن يدعو إلى قتل الأصفهاني لو كان حيا، وكأنه أراد أن أبا الفرج مستحق للقتل...» 

وقد عرف قلم إبراهيم السامرائي طريقه إلى أبرز المجلات المتخصصة في مختلف الأقطار العربية كالمجلات العراقية الرائدة في زمانها، مثل: «المورد» و«سومر» و«مجلة المجمع العلمي العراقي» و«مجلة كلية الآداب» و«مجلة كلية التربية» و«المعلم الجديد»، والذخائر اللبنانية، والبحث العلمي والمناهل ودعوة الحق المغربية، والفيصل والمنهل السعوديتين، وغيرها مما كانت تجمعه وتنشره مجاميع اللغة العربية التي انتمى إليها.

توفى رحمه الله يوم 25 أبريل 2001 الموافق فاتح صفر 1422هـ. وقد علمت عن طريق صحيفة عربية شهيرة أن أسرة الفقيد أهدت مكتبته الخاصة والمجموعة الكاملة لمؤلفاته إلى المكتبة المركزية في جامعة بغداد، وقد خُصِّص لها مكان بارز، مع لوحة تحمل اسمه ونبذة عن سيرته العلمية.


 

رؤاه المرجعية في الاشتغال بالدرس اللغوي:

إن المتأمل في هذا السرد التأليفي، الذي خلفه الأستاذ البحاثة إبراهيم السامرائي، يدرك عنايته الكبرى باللغة العربية وفنونها، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي هيأه القدر منذ نعومة أظافره للدراسة والتبحر والبحث في مدونات اللغة العربية الممتدة عبر الأعصر، ذلك أنه تذوق مصادر تراث اللغة نظما ونثرا منذ بداية صياغة شخصيته العلمية، وتتبع بهذا التذوق مسار التطور التاريخي للفظة العربية وحمولاتها الدلالية، واستطاع ان يقف على التحول الذي طرأ على عربيتنا التى يطلق عليها «العربية السائرة الدارجة أو العربية الحاضرة»، واستقصى غريبها ونوادرها وشواردها، وهو ينظر إلى العربية والاشتغال بها بهذا المنظار: «إن أعظم حدث في تاريخ العربية هو القرآن الكريم، وذلك لأن هذه اللغة الشريفة قد أمدت العربية بنمط خاص موحد صار هو العربية، بحيث انحسرت عن هذه اللغة أنماط كثيرة فانصرفت إلى الغريب والشاذ والنادر، وهذا يعني أن العربية في حقبة ما قبل الإسلام، وفي العصر الإسلامي وقد  نتجاوزه إلى شيء غير قليل من عصر بني أمية، كانت لغات عربية، ولا أريد أن أستبدل بهذا الاسم ما يدعى في عصرنا (لهجات)، فقد كانت دلالة (اللغة) أصدق من لهجة فيما أضطلع به في هذا الدرس. ولا أريد بـ(اللغات) ما أراد اللغويون الأقدمون من إفادة القلة والندور، بل إنها لغات لاختلاف بعضها عن بعض دلالة وأبنية، فالكلمة تفيد شيئا لدى قبيلة، وتفيد غيره لدى قبيلة أخرى. والكلمة لها بناء في إفرادها وجمعها وتأنيثها وتذكيرها لدى قبيلة، ولها ما يختلف عن ذلك لدى قبيلة أخرى». (10)

وهكذا بنى استراتيجية كتاباته على النظر التاريخي للمسلك اللغوي العربي، ودعا الناظر في بحوثه إلى أن «يتفهم أن هذه اللغة في حدودها الواقعية في عصرنا غيرها بالأمس، وأنا أدعوه أيضاً إلى درسها درسا جديدا مستقريا نصوصها في مختلف العصور ليستكمل له البحث العلمي التاريخي، وبذلك يتهيأ لهذه العربية أسلوب في الفهم والعلم على نحو ما هو جار في اللغات المتقدمة في عصرنا هذا. (11). «وكان يعتقد أن عيب أهل اللغة العربية وكتابها على الخصوص يكمن في عدم اعتمادهم على المعجم العربي القديم بخصوص توليد المعاني وتوظيف المفردات التوظيف اللغوي السليم، يقول: «إننا نحن معاشر العرب، ولاسيما أهل العلم منهم، لا نرى فينا حاجة إلى الرجوع إلى المعجم القديم... وأنا إذ أضع بين يدي القارئ هذه الفصول أدفعه إلى أن يتبين أن المسيرة لهذه اللغة في مادتها وأدبها مسيرة متصلة يعتمد حاضرها على ماضيها، فالقديم منها مرتبط بالجديد أوثق ارتباط»(12).

ويعزى رحمه الله الكثير من الأساليب الغريبة التي أقحمت في اللسان العربي المعاصر إلى تأثر الانسان العربي بالفكر الأوروبي وإلى عملية الترجمة. يقول: «فقد جدت فيها أساليب كثيرة لم تكن إلا وليدة الترجمة كانت هذه الأساليب غريبة عن العربية. فهي بنت ظروف وأحوال اجتماعية لم توجد في هذا الشرق العربي. غير أن العربية وهي السهلة الطيعة لم تتنكر لهذه الأساليب فقد قبلها الاستعمال، وراضها حتى توهم القارئ وهو يقرأ صحيفته اليومية أو مجلته الجديدة أن الذي يقرأه عربي أصيل لم يتخط إليه الدخيل الجديد.. وتجاوزت هذه الأساليب لغة الصحف السائرة إلى المقالة الأدبية المدنية..»(13).

ولا يرى غضاضة في تدريس العلوم البحتة باللغة العربية، بل يعتبر إقصاء توظيف العربية في الحقل العلمي بمختلف تخصصاته جفاءاً ودونية واستلابا أضر باللغة العربية الغنية، يقول: «إننا نواجه في عصرنا هذا مشكلة تدريس العلوم الحديثة بالعربية. وما أظن أن المشكلة على قدر كبير من الصعوبة لو أحسنا الوصول إليها. ولسنا بدعا بين الأمم إذا أردنا أن نسلك هذا الطريق. ذلك أن الأمم، المتقدمة منها وغير المتقدمة، سلكت هذا السبيل. فالفرنسي يدرس العلوم بالفرنسية، والألماني بالألمانية، والروسي بالروسية، واليوغسلافي بلغته الخاصة، والياباني باليابانية، والتركي بالتركية، والإيراني بالفارسية، ألا ترى أن الحق يفرض علينا أن نعلم أن عربيتنا أكثر تقبلا للعلم الحديث من كثير من اللغات ولاسيما الشرقية منها...»(14).

والمتذوق للخطاب العربي، والغائص في استكناه جمالية السرد العربي، بيانا ونظما وبلاغة ومعجما كإبراهيم السامرائي، لا يمكن أن يفوت عنه فرصة إعمال النظر والتأمل في آي الله المحكمة التي نزلت بلسان عربي مبين، يقول في طالعة كتابه الذي خصصه لهذا الموضوع: «وبعد فإني مقبل على كلام الله جلت عظمته- لأقف على أنماط من الذكر الحكيم، أتحرى فيها أصالة هذا الحدث العظيم... وأريد أن أتخذ من (الأصالة) مادة أدخل بها في المقام الرفيع للكلم السامي الذي حفل به كتاب الله قرآنا عربيا فصيحا. وأريد بهذه الأصالة جماع مواد هي: الصدق والإحكام والحسن وإصابة دقائق المعاني»... ذلك أني معني بالكلمة وبنائها وأصواتها، وكيف جاءت في الذكر مكتملة في مادتها، مشتملة على ضروب من الحسن، حافلة بما ضم إليها من الكلم فتأتىَّ من ذلك نظام فيه إحكام وانسجام، وفاءاً بما يحسن به التركيب من صفات، وإدراكا لما يعز من المعاني، غير آخذ نفسي بمبحث البلاغة ومصطلحها المعروف» (15)

إن من آمن إيمانا بثراء وتاريخية هذه اللغة وصلاحيتها للتداول والتواصل والتربية والتعليم والبحث والإبداع، لا يسعه إلا أن يبذل جهده في إبراز مكامن القوة فيها ولمساتها البيانية والجمالية. ولقد وجد إبراهيم السامرائي في نفسه اقتداراً ذاتياً، وتأهيلا علميا، وانفعالا وجدانيا جياشا قاده إلى التجرد لخدمة هذه اللغة وما تزخر به من درر وفرائد تناثرت في المصادر المطبوعة والمخطوطة، زاد من إيمانه هذا ما تعانيه العربية من مزاحمة لغوية، وإحياء لنعرة اللهجات والعاميات، وظهور تيار الحداثة الذي حول خطابه إلى قيم الاغتراب والتحرر اللفظي والدلالي والغموض التركيبي، يقول رحمه الله، وهو بصدد النظر في المعجم القرآني: «ورأيت أن يكون من هذا المجموع اللفيف كتابا(16)، أو كتيبا أقدمه لسلسلة كتاب الأمة أبتغي فيه الخير لهذه الأمة التي تنكرت للغة التنزيل في ضجة ما أتى به العصر من جديد، وسمي بـ(الحداثة) وما هو منها....

وكأني أدركت أن أهل عصرنا هذا، قد قصروا في هذا الأمر، فلم يكن لهم فيما دأبوا عليه شيء من هذا، فقد شرع في شيء منه أحد أعضاء مجمع اللغة العربية في القاهرة، فلم يؤت عمله إلا ثمرة فجة لم ترض أهل العلم. وقد كثرت المحاولات في درس لغة القرآن، ولكنها في الأغلب الأعم قد تجنبت هذا السبيل المعجمي الذي تنوء به العصبة أولو القوة»(17)

إن الحداثة عنده مصطلح استبيح في حرمة حقله الدلالي المولد، يقول: «...ثم طلعوا علينا بمصطلح (الحداثة)، والحداثة هذه ينبغي أن تكون في حيز الجديد الذي ضاعت فيه الكلمة واعتدي على حرمها، وأهينت أيما إهانة، هي إذن الإغماض الذي زعموا، والوزن المضطرب الذي كتبوا»(18)

 

منهجه في التأليف والنقد:

الظاهر أن السامرائي لم يسمع بتأليف أو تحقيق لنص له علاقة باللغة والأدب- مشرقا ومغربا- إلا وعمل على أن يحصل عليه؛ وكان يستتبع قراءته بتدوين تعاليق دقيقة في بابها، يحرص على أن ينشرها فيما تيسر إليه من قنوات النشر والإصدار، ولا شك أن كل من وقعت إلى يديه هذه البحوث- أو بعضها- أفاد منها كثيرا. ويظهر من مسرد تآليفه أنه عمل على تحقيق بعض النصوص اللغوية والأدبية المخطوطة.

وهذا المسلك التأليفي، ونقصد به تعليقاته على ما نشر من تحقيقات، أفاد كثيرا من جهة التعريف بتآليف هي في حكم المخطوط قد لا تصل إلى بلد من البلدان للأسباب والمعيقات المعروفة، فيكون هذا التعريف سببا للباحث المعتني في البحث والمراسلة والسؤال قصد الوصول إلى مبتغاه.

إن السامرائي كان غيورا إلى حد بعيد على المسلك اللغوي الصحيح والسليم، خاصة فيمن انتصب للاشتغال بالحقل اللغوي أو الأدبي، لذلك أبدى تشددا صارما إزاء بعض التعابير والتراكيب والألفاظ، التي صاغها وأوردها بعضهم بشكل يشين بهاء اللغة وجماليته الأصيلة، ويمكن أن نورد هنا هذا المثال من كلامه، ردا على السيد الهاشمي الفيلالي الوزير المغربي السابق (19) «ليس هذا عيبا لو أن مثل هذا الكلام وقع في كتاب آخر، يتصل بمصنف آخر وبكتاب آخر، وليس هذا الكتاب الذي هو معجم قديم أو ما يتصل بمعجم قديم، له شأن في تاريخ هذه اللغة الشريفة»(20)

ويتتبع النص المحقق وما يلحق به من تعاليق هامشية في أدق تعابيرها ومعلوماتها وطريقة التعليق على النص الأصلي، ولا يترك أية إيحاءة دخيلة أو كلمة لغوية حديثة أو تركيب فاسد إلا ووقف عليه منبها لسياقه الأصلي، وما كان يجب أن يلتزم به المؤلف المنتظم داخل النسق اللساني العربي. لنلاحظ تعليقه على كلمة (مباشرة)، يقول: «إن كلمة (مباشرة التي وردت مرات عدة في التعليق كلمة حديثة لا يحسن أن تكون في كلام على معجم قديم، وهي من Directement الفرنسية»(21). ويعلق على المتداول الآن: (من طرف فلان) فيقول: «عبارة ضعيفة ليست عربية، بل جاءت من الفرنسية De la part de فلا يحسن أن تقال في كلام على معجم قديم. وقد ترد هذه العبارة في بلدان المغرب في عصرنا في لغة الصحافة والإدارات الحكومية، وليس في عمل لغوي، ولكل مقام مقال»(22)

إن المتتبع لمثل هذه الملحوظات لاشك سيجد فيها متعة في القراءة وتقويما في اللسان واختلافاً في الرأي، واجتهاداً غير مسبوق قد يصيب صاحبه وقد يخطئ، وهذا دأب البحث العلمي وخاصة منه التراثي وبصفة أخص البحث اللغوي. والناظر أيضاً في ما قام به من تحقيقات لبعض المصادر سيستطيع أن يتقرب من المنهج الذي سلكه السامرائي في بحوثه، وخصوصية الكتابة التي تذكرنا بنفس القدامى والأصالى.

ويمكن أن نجمل رؤيته النقدية في تتبعه للآثار المحققة، والمقصدية لمثل هاتيك التعقيبات في قوله: «لم يكن قصدي أن أتعقب الخطأ وأنقر في الأمر تنقيراً يبعدني عن النصفة، وإنني لأميل أشد الميل إلى القول بالتوسع معتمدا على سعة هذه اللغة السمحة التي أثبتت طوال عصور عدة أنها لغة العقل الراجح والرأي المبتكر. إلا أني أقف وقفات فيها كثير من الحساب والتدقيق إزاء من يتصدى للتصحيح، فَيُخَطِّئ كلمة أو أسلوبا ويصوِّب أخرى؛ ولابد لي أن أقول: إن (معجم الأخطاء الشائعة) من الكتب النافعة، وإن جهد الأستاذ العدناني فيه كثير، وإنه نظر إلى الخطأ نظراً فيه من التدقيق والحكمة شيء كثير فلم يقطع بالخطأ إلا بعد أن ينظر في القول نظرة واسعة معتمدا على المظان العلمية الأصيلة. غير أني وددت أن أقف عليه وقفات خاصة أسدي فيها لهذه اللغة الكريمة بعض ما قدَّم المؤلف الفاضل من أياد لا تجحد».(23)

إن هذا التتبع المدقق كان هما أرَّق السامرائي حتى اعتقد البعض أنه يتحامل ويتنقص من قيمة العمل، ولم يكن الأمر كذلك كما يصرح بنفسه، ففي كلامه الذي وجهه للأستاذين كوركيس عواد وعبدالحميد العلوجي اللذين أحسا بشيء من ذلك في تعليقه على الجزء الأول (24)، فأجابهما في تعليقه على الجزء الثاني: «إني لم أرد أن أجرح مادة الكتاب، ولا أسعى للنيل من صاحبه، أو أغض من قدره، فهو علم مشهور، وشهرته شيء يعلمه الخاص والعام، وها أنا أعود إلى الجزء الثاني، فأقف على مواده وقفات تقصر أو تطول، ولعل من الكلم المعاد أن أذكر بخير جهد المحققين الفاضلين وما بذلا فيه من صدق وجد وعلم أكيد. ولعل من الكلم المعاد أيضاً أن أذكر الفوائد السنية التي حفل بها هذا المعجم مما ينبئ عن علم صاحبه، وعلو كعبه، وعظيم درايته». (25)

إنه من الوفاء للبحث العلمي أن نقول: إننا أمام كتابات رجل يمثل علامة بارزة في تاريخ الفكر اللغوي العربي، ومن جميل الحظ أن المرحوم جمع تراثه، ووفت أسرته الكريمة بوضع هذا الإرث العلمي بين يدي الباحثين في جامعة بغداد الصمود والتاريخ والقيم... ولا يخامرنا شك في أن يلتفت طلبة الفقيد ودارسو اللغة إلى ما كتبه السامرائي في مجال الدراسات اللغوية.. رحم الله الفقيد وأثابه عن خدمة لغة التنزيل الحكيم ثواباً حسنا، وشكر الله لأسرته حسن صنيعها.


الهوامش والتعليقات

 ١- في شعاب العربية: 51- دار الفكر دمشق-1990

٢- مجلة الذخائر: ع8 ص328

٣- حققه يمعية عبدالله محمد الحبشي

٤- نشره سنة 1981

٥- نشره سنة 1994

٦- قال عنه: :أقول (جولة أخرى) مشيرا إلى أني صنعت (معجم الفرائد) ونشرته مكتبة لبنان، وجمعت فيه طائفة من المواد وقفت عليها في المعجم، وأشرت إلى موضعها التاريخي وما آلت إليه...» العربية تاريخ وتطور: 9-هـ1.

٧- أشار إليه عند قوله «لأبي عثمان الجاحظ مادة لغوية ذات قيمة تاريخية كبيرة، وكنت أشرت إلى هذا في كتاب لي مازال مخطوطا وسميته معجم «الجاحظ» ينظر كتابه: مع المصادر في اللغة والأدب: 210-هـ2، ومعجمه هذا مطبوع الآن.

٨- أشار إليه عند ذكره لكتاب السجستاني (المذكر والمؤنث)، فال في الهامش: «كنت قد نشرت هذا الكتاب، وهو رسالة صغيرة، في كتاب لي سميته (التذكير والتأنيث) وهو درس لغوي تاريخي ذيلته بـ(الرسالة)» كتاب النخل لأبي حاتم السجستاني: 11 هـ1

٩- ذكره قائلاً: «وكتاب يفعول للصاغاني... نشره الأستاذ حسن حسني عبدالوهاب في تونس، وقد أعدت نشره بعد حصولي على أصول مخطوطة، وأضفت إليه ما ليس فيه من هذا مما ورد في المعجمات وغيرها، ونشرته في بغداد» ينظر في فلك القاموس: 69- هـ1

١٠- في شعاب العربية: 164

١١- التطور اللغوي التاريخي: 11

١٢- مع المصادر في اللغة والأدب: 4 و207

١٣- نفسه: 231

١٤- في شعاب العربية: 293

١٥- من وحي القرآن: 5

١٦- المقصود هنا «في شرف العربية».

١٧- في شرف العربية: 24-25

١٨- العربية تاريخ وتطور: 368

١٩- وقد قدم لكتاب «إضاءة الراموس وإضافة الناموس على إضاءة (القاموس) لأبي عبدالله محمد بن الطيب الفاسي الشركي الصميلي» تح: عبدالسلام الفاسي والتهامي الراجي.

٢٠- من مقالته «مع إضاءة الراموس.../ مجلة البحث العلمي المغربية/ ص 94/ ع41/ 1993

٢١- نفسه: 99

٢٢- نفسه

٢٣- مع المصادر في اللغة والأدب: 117

٢٤- حققا كتاب «المساعد» للأب أنستاس ماري الكرملي.

٢٥- مع المصادر في اللغة والأدب: 135

 

 

 

فاروق صالح باسلامة - جدة

إن لكل فن معرفي من الفنون الإنسانية، علماً وفكراً ومجالاً. ولقد أدرك الفكر الإنساني العلوم والفنون والآداب والمعارف. ومن المفكرين في علم اللغة الحديث؛ الدكتور محمود فهمي حجازي. سجل هذا الباحث المفكر؛ المعلومات المعرفية حول اللغات الإنسانية، بالبحث تارة، وبالدرس مرة، وبالتأليف تارات عدة وعديدة.

 

 

بدأ ذلك بكتابه «اللغة العربية عبر القرون» الذي صدر في أول مايو من العام 1968م- 1388هـ في سلسلة المكتبة الثقافية العدد 197 تحت شعار «جامعة حرة» عن وزارة الثقافة المصرية وكان يشرف على هذه السلسلة د. شكري عياد عليه رحمة الله تعالى.

وكان الدكتور حجازي- مد الله في عمره- قد أمضى ثلاث سنوات مدرساً في كلية الآداب بجامعة القاهرة عقب حصوله على الدكتوراه من كلية الفلسفة بجامعة ميونيخ بألمانية سنة 1965م في علم اللغات السامية المقارن مع مرتبة الشرف.

وكان قد تخرج سنة 1958م في كلية الآداب بجامعة القاهرة حاصلاً منها على شهادة الليسانس.

ثم اشترك في إعداد «القاموس الألماني العربي-120.000 مادة. وله أبحاث منشورة باللغة العربية وباللغة الألمانية في علم المأثورات الشعبية وعلم اللغة والساميات ظهرت في هولندا ومصر.

يقول المفكر اللغوي الدكتور محمد حجازي في كتابه السابق الذكر:

«البحث اللغوي الحديث في القرن التاسع عشر والقرن العشرين؛ عرف تعريفات مختلفة للغة تناولتها من وجهات نظر عديدة، ولكنها تتفق في إبراز الطبيعة الصوتية للرموز اللغوية وفي إيضاح الوظيفة الاجتماعية للغة، ومن هنا تنجم الأسس المنهجية للبحث اللغوي بمناهجه المختلفة، فالدراسة اللغوية تعرف قطاعين متكاملين: الأول دراسة البنية اللغوية في جوانبها الصوتية والصرفية والتركيبية والمعجمية، والثاني بحث ارتباط هذه البنية بوظيفتها الحيوية في المجتمع، ويدخل في دراسة وظيفة اللغة إيضاح أثر الجوانب الاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية على الحياة اللغوية وتطورها.(1)

قلــت:

لقد ربط هذا المفكر؛ اللغة الإنسانية بمجتمعاتها البشرية. وفي ذلك رباط مؤصل بين علم اللغة والناس في كل عصر ومصر. بحيث يدرك كل فريق من المجموعات البشرية لغاته ولهجاته وعلومه الألسنية واللغوية والصوتية، في حياتهم الاجتماعية والعملية، وما إلى هذه وتلك من مجالات الحياة الإنسانية والاجتماعية والبشرية. لهذا نجد الدكتور يقول في موضع آخر: «فعلم اللغة علم أساسي يهتم بكشف الأبعاد الحقيقية للظاهرة اللغوية، وليس هدفه- كما كان الحال في الدراسة اللغوية قبل العصر الحديث، إصدار أحكام الصواب والخطأ.

بل هدفه الأسمى أن يقرر طبيعة هذه العلاقات في واقعها الكائن أو الذي كان.(2)

إن ما يؤكد هذه العلاقات اللغوية بين الناس ما أوضحه الباحث المفكر أستاذنا محمود في كتاب آخر له في فقرة تحمل عنوان: «وظيفة اللغة ومستويات الاستخدام».

يقول فيها:

«إن بحث اللغة لا يكتفي بالتعرف على ملامح البنية اللغوية، ولابد أن يكتمل بالتعرف على الوظيفة في إطار المجتمع. ومن هنا يجب في بحث اللغة أن يحدد مستوى الاستخدام لكل نظام لغوي.. ليتضح في إطار فرع جديد من أفرع علم اللغة هو علم اللغة الاجتماعي»(3).

والنص المنقول أولاً، ثم هذا النص الذي بلغناه هنا يتفق بعضهما بعضاً في علاقة اللغات الإنسانية بالمجتمع وليس من العنت فهم هذه النقطة ولكن بالدراسات يتضح هذا الشأن، وهي دراسات معمقة سواء في كليات اللغات والألسن أو في المؤلفات والكتب المتخصصة؛ والدراسات والأبحاث المستفيضة في المجلات العلمية المحكَّمة. إن ثمة وشائج وروابط بين الفكر واللغة، واللسان والذهن والعقل والمنطق هي الوصل بين ما يعيه الإنسان من خلال سمعه أو نظره حتى يحدث تفاعلاً مع من يتحدث! وتنجم اللغة أو اللغات بين الناس والبشر والشعوب والأمم. وبذلك تتم التفاعلات البشرية معنوياً وفكرياً ومنطقياً وذهنياً وألسنياً وحديثاً وسمعاً وفهماً وكلاماً.


 

ولاجتماعية اللغة هذه يقول باحثنا الفاضل:

«اللغة ظاهرة اجتماعية حضارية، ولذا يلتقي في بحثها علم اللغة مع العلوم الاجتماعية المختلفة. وهناك عدة تسميات أطلقت على جوانب اللقاء بين علم اللغة والعلوم الاجتماعية في بحثها للغة. وتعددت هذه التسميات بتعدد أسماء العلوم الاجتماعية ومدارسها المختلفة. لقد أفاد الباحثون في العلوم الاجتماعية من نتائج البحث اللغوي من عدة جوانب منها أن اللغة أهم مظاهر السلوك الاجتماعي وأوضح سمات الانتماء الاجتماعي للفرد. وأفاد اللغويون كذلك من الدراسات الاجتماعية، فدراسة الألفاظ ودلالاتها على نحو دقيق لا تتم إلا في إطارها الاجتماعي والحضاري. والتغير اللغوي لا يفسر تفسيراً كاملاً إلا في ضوء الظروف الحضارية والاجتماعية.(4) 

هذا القول الفكري والنظري الذي يجمع كلاًّ من علم اللغة والعلوم الاجتماعية ليركز لنا قراءا وباحثين- على العلائق العلمية والاجتماعية والروابط الثقافية والمعرفية بين العلوم عامة وبين اللغة والاجتماع خصوصاً، وإنه لظاهرة علمية تتسم بالأدب الاجتماعي والفكر اللغوي والفلسفة العلمية بينهما.

إن الدكتور محمود حجازي علامة في هذا المجال اللغوي الخصب وهذه الثقافية اللسانية الثرة؛ وإنه لبقية السلف من أعلام علم اللغة في هذا المجال حيث يذكر بالدكتور إبراهيم أنيس والدكتور خليل عساكر والأستاذ عبدالسلام هارون والشيخ لطفي الخولي والأستاذ إبراهيم الإبياري وسواهم من أعلام اللغة العربية والبحث الأدبي والدراسات التراثية في مصر ولا أزكي على الله أحداً. والله من وراء القصد.


الهوامش:

1- ص4

2- اللغة العربية عبر القرون ص8

3- مدخل إلى علم اللغة للدكتور حجازي ص13 ط دار الثقافة للنشر والتوزيع، طبعة ثانية سنة 1992م

4- علم اللغة العربية: مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية. تأليف دكتور محمد فهمي حجازي الناشر: وكالة المطبوعات 27 شارع فهد السالم- الكويت ص51 بلا تاريخ

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب