أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

اليوبيل الماسي

دراسات قرآنية

شعر

الدولة الأنموذج

شعر

القدس وجدان

الشعر ديوان العرب

القصيد رسول خير

حقائق وأكاذيب

قراءاة وتعقيب

دراسات في الاستشراق

في التكوين البشري

الحقيقة بأقلامهم

أعلام خالدة

رحلة في الذاكرة

شعر

اعلام وأعمال

طب

علوم وطب

أمنا النخلة

أحماض أدبية

شعر

شكوي .. وبيان

استطلاع مصور

الفروق في اللغة

خطرات فكر

مسك الختام

أحماض أدبية (49)

 

 

حدثنا الشريف الكحال (1) قال: 

نُميَ إليَّ وأنا بمصر أن العلوج يزعمون أننا قهرنا الأمم بحد السيف، وصهرناهم كألوان الطيف، وأوطأنا أكنافهم على رغم أنوفهم، فكاتبت الحاجب المنصور (2) في قرطبة ليأذن لي بمناظرة عميل ابن دولار كبير عملاء الفرنجة، فوافق المنصور. وقيل للناس هل أنتم مجتمعون، وغَصَّ المكان بأرباب القلم والبيان، وتصدر الحضور أقطاب الفكر المستنير: واصل بن عطاء، وابن حزم، والغزالي وابن رشد (3) وتصدر حضور الفرنجة قادة فكرهم، ورهط من عملائهم: ابن أبي عولمة، ونفطي بن مسرف، ومترجلة بنت حداثة، وأدور بن أعور، وبوق بن رشَّاف الببسي(4)! ولما خشعت الأصوات، وأرهفت الأسماع،

 

 تكلم المنصور في المدينة الزاهرة مفتتحاً المناظرة فقال: أيها الناس، هذا يوم الفصل في أمر شغل البشر، وأشعل الشرر، ويسرنا أن نفتتح هذه المناظرة الساخنة الصاخبة التي ستدور رحاها بين علمين أحدهما يمثل الحضارة الإسلامية، وهو الشريف الكحال صاحب العمامة البيضاء، والحلة الزهراء، والآخر يمثل الحضارة الغربية، وهو عميل بن دولار هذا الحالق حلاقة المارينز الذي يلبس الجينز، ويحتضن الكلب بين يديه، فاسمعوا وتدبروا واستمتعوا: 

فالسبع سبع ولو كلَّت مَخَالِبُه.. 

والكلب كلب ولو بين السباع رُبي! 

قال الشريف الكحال: فاستهمنا على البدء، فكان السهم لي، فابتدأت بحمد الله تعالى، وقلت: يا عميل، نَحِّ الكلب جانباً، فذا مجلس الرجال والنزال. فنحى كلبه، وقال (غامزاً، وهو يتمتم ): تعدو الذئاب على من لا كلاب له! 

قلت: أنتم الذئاب، ونحن الأسود في السحاب، ولا يضر السحاب نباح الكلاب! وأنتم تتبجحون بحقوق الإنسان، وتزعمون أن الشعوب تصارعكم وتعاديكم، وعندكم في الغرب عشرة ملايين كلب تنعم بأطايب الطعام ولذائذ الشراب على حين تتضور شعوب القارة الإفريقية جوعاً 

ومخمصة: 

تموت الأُسْد في الغابات جوعاً..

ولحم الضأن تأكله الكلاب! 

قال: مالنا للشعوب، وما نروم غير أن نحيا سعداء نحن وكلابنا، وعلى الشعوب المغلوبة أن تتحمل أوزار جهلها وتخلفها، ولوعدت إلى التاريخ لوجدت أننا ننهل من حضارة أجدادنا الإغريق والرومان في التمدن، وحسن مجاورة الأمم. 

قلت: إن أجدادك الذين تفاخر بهم شغلوا ببناء القوة المادية وإشباع الغرائز الجسدية، وقهر الناس بالجمر والسياط، وما سلم من جاورهم من العدوان، وكان فعلهم كفعلكم اليوم بهذا العالم المستضعف مهيض الجناح، وما كان التحضر عندهم إلا القرصنة والغطرسة وظلم الرعية، والانحلال والوثنية. وقد كانوا امتداداً للحضارات الضالة الظالمة التي عبدت البشر والحجر والبقر! 

قال: عفواً يا شريف، لقد جمع أجدادنا بين التدين والعمران، ولولا جحافلكم التي زحفت على الرومان لسادت حضارتهم أحقاباً متعاقبة.. فأنتم الذين بدأتم الصراع لما خرجتم من جزيرة العرب كأن في أعقابكم الجن، ودمرتم إمبراطورية فارس والروم.. دمرتم الأمجاد وحضارة الأجداد، يا أسفي على الأكاسرة والقياصرة وبني الأصفر وبني ساسان! 

قلت: بل كان أجدادك الروم الذين تتحسر عليهم يصارعون الفرس، وقد قص علينا القرآن الكريم من أخبارهم: ‭{‬غُلبتِ الرومُ* في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبِهِم سَيَغْلِبون* في بضع سنين‭}‬(5) أما قولك أننا بدأنا الصراع فأغلوطة ومماحكة، فإن نور الإسلام المبين لما شع وسطع حمله أجدادنا رحمة للعالمين، فقد كانت الأمم غارقة في الظلمات والجهل والرذيلة، وكان قادتها يُكْرِهُون الشعوب على عبادة الأجرام والأصنام، ويقودونهم إلَى الانتحار والإجرام، فالفراعنة عبدوا الشمس وأوزريس، والفنيقيون عبدوا بعلاً، وجعلوه الرئيس، والهنود قدسوا بوذا، وسجدوا للبقر وقسموا الناس إلى طبقات، وآمنوا بتناسخ الأرواح، والصينيون خالفوا كونفشيوس، فعبدوا الأوثان في المعابد والأكواخ، وحضارة سومر وآكاد وبابل وأشور كانت وثنية، وكانت عادٌ وثمود أظلم وأطغى. أما اليونان أصحاب إسبارطة وأثينا فقد عبدوا آلهة متعددة، وأغرقهم ثالوث الفلسفة (سقراط وأفلاطون وأرسطو) في التيه والضلالة، وخلف الرومان من بعدهم فعبدوا الأرواح والآلهة والأشباح، وجعلوا قيصر إلهاً، وبنوا له الهياكل والتماثيل، وجاءهم المسيح برسالة التوحيد فحرفوا وأعرضوا، واتخذوه وأمه إلهين من دون الله. وأما الفرس فعبدوا النار، وصار كسرى إلهاً لا يُكلَّم إلا من وراء حجاب. وكانت تلك الأمم والحضارات متصارعة متنازعة لا تضع حرب أوزارها بينهم حتى تنشب حرب طاحنة تنهمر فيها الدماء كشلالات «نياجارا» في ربوعكم الخضراء! فلما جاء الإسلام حل الوئام والسلام، وملئت الأرض نوراً وعدلاً ورحمة.

 

 

قال: ليس الأمر كما تدعي يا كحال، فلقد بسطتم نفوذكم على البلاد، ونشرتم الدين بحد السيف، واستوليتم على الأرض المباركة، فلما قويت شوكتنا زحفت جيوشنا الجرارة لتحرر بيت المقدس، وجعلت شعارها الصليب المقدس، ولكنكم رفضتم بركات الصليب، وأعلنتم علينا الجهاد، وجستم خلال البلاد، فقتلتم عملاءنا وأعواننا، وخربتم قلاعنا وحصوننا، وسحلتم جنودنا في شوارع الرها وأنطاكية والفلوجة ومقديشو أهكذا تجازون من جاءوكم من وراء البحار، وهم يحملون لكم أطباق الديمقراطية الشهية؟! بئس الجزاء، وبئست القسمة الضيزي! 

قلت: إنك أيها السنيور العميل، تقر بأنكم بدأتم الصراع لما أعلنتم الحروب الصليبية، وجندتم ملايين البشر لاجتياح بلادنا، واجتثاث حضارتنا، فزحفت جيوشكم في حملات سبع تحمل العار والدمار مدة مائتي سنة (6) وأظنك تذكر كيف فعل بكم البطل عماد الدين زنكي وابنه نور الدين، وكيف قهركم البطل العظيم صلاح الدين الذي حرر القدس من أرجاسكم وأدناسكم (7)، وتذكر البطل الأشرف خليل بن قلاوون الذي اسقط آخر معاقلكم في عكا(8)، وتذكر كيف أسر ملك فرنسا الصليبي لويس التاسع، وسجن في دار ابن لقمان، وتذكر البطل سيف الدين قطز الذي هزم حلفاءكم التتار في عين جالوت(9) ودار ابن لقمان حاضرة لكل لويس وإبليس، والقيد باق، والشوارع معبدة للدحل والسحل، والأكفان مجاناً! (فكبر الحاضرون وهللوا...) 

قال: ولكننا أيها الشريف، غلبناكم في الأندلس،وأخرجناكم صاغرين بعد ثمانية قرون، وأعدنا بظبا العوالي قرطبة واشبيلية ومجريط وغرناطة، وغنمنا كتبكم وعلومكم، ورميناكم وراء البحر للسمك والحيتان كما ترمى كرة القدم في ملاعب «ميلان»، وما أغنى عنكم جمعكم وكثرتكم، ولا أغنت عنكم موشحاتكم وقصوركم، وكأنكم لم تغنوا بالأمس، فما جاد عليكم غيث، ولا طاب لكم وصل أو عيش، بل صار رجع صداكم: يا زمان الوصل بالأندلس(10)! 

قلت: وهذا دليل آخر على عدوانكم على الحضارة الإسلامية الراقية في الأندلس، هذه الحضارة التي أوقدتم من أسرجتها سراج حضارتكم الغربية، واقتبستم علومها التقنية ومعارفها العقلية، فأضاءت لكم ظلمات حالكة غرقتم في غياهبها، وكنتم تشنون عليها حملات وحشية عنيفة، ولولا البطل يوسف بن تاشفين الذي هزمكم لدمرتم الأندلس قبل سقوطها بأربعة قرون(11) 

وما أكثر مفكري الغرب ومؤرخيه الذين ندبوا حظ أوروبا، لأن المسلمين خسروا في بلاط الشهداء(12)، ولم يعبروا بنور الحضارة إلى فرنسا، ولو عبروا لما غرقت تلك القارة خمسة قرون في دياجير الجهل والظلام(13) وإذا كنتم أيها المستر العميل، قد غلبتمونا في الأندلس، وأقمتم لنا محاكم التفتيش مدة ستين ومائة سنة فقد انتصرنا عليكم، وفتحنا أعظم مدنكم (القسطنطينية) عاصمة الإمبراطورية البيزنطية(14)، وقد غير هذا الفتح المبين وجه التاريخ الحزين، وعلا نجم المجاهد محمد الفاتح، وسفل بكم جدلكم البيزنطي، وتصدى أجدادنا العثمانيون لعدوانكم على ديار المسلمين فهزموا بغيكم، ودخلوا أوروبا فاتحين ونشروا الحرية الحقيقية، والعدالة الاجتماعية. 

قال: ولكننا تغلبنا على هذا الرجل المريض بعد ستة قرون، واقتسمنا أملاكه كما تقتسم القرود قطع الجبن، ثم استعمرناكم في هذا العصر، وحمل نابليون على مصر، ووزعنا بلادكم بيننا: بين فرنسا وبريطانيا وأمريكا، ولم ننس أشقاءنا الأسبان والطليان، بل أعطينا كل طامع نصيبه حتى الشياطين وبني قريظة المساكين، وانتزعنا منكم أعز ما عندكم بيت المقدس، ووهبناه لبني صهيون لنتخلص منكم ومنهم، وقد حققنا لهم وعد بلفور على الفور، وصلبنا أحراركم، وسلبنا أموالكم! 

قلت: هنيئاً لكم تتفاخرون بالإرهاب وإزهاق الأرواح، والعدوان على الحضارات، ولا عجب، فقد قتلتم في الحربين العالميتين ستين مليون إنسان في ثلاثين سنة(15) ناهيك عن ملايين الجرحى والمعوقين والمشردين. وها أنتم اليوم تواصلون المسيرة الدموية، ثم تزعمون أنكم تدافعون عن حقوق الإنسان، وتسمون الذين يقاومونكم إرهابيين، وتتحدثون عن صدام الحضارات! 

وقد جيشتم العالم لتدمير عاصمة الرشيد بكل ما أوتيتم من قوة وبطش وجبروت، وارتكبتم أفظع ألوان التعذيب في سجن أبو «غريب»(16)، وتلذذتم بالتقاط الصور التذكارية بين الدماء والأشلاء ووسط صرخات الحرائر المعذبات، وأنين المعذبين المحتضرين، فالأرحام تدفع، وقنابلكم تبلع: 

وللمستعمرين وإن ألانوا 

قلوب كالحجارة لا ترقُّ! 

قال: نحن اليوم فوقكم، وسادتكم يأتمرون بأمرنا، ولنا قوة ضاربة، وبيننا وحدة راسخة، ولنا (بابا) هو رمز حياتنا، ويأتينا خراج غيومكم على رغم أنوفكم حتى بلغ بكم الهوان كما قال شاعركم: 

ويُقْضَى الأمر حين تغيب تيمٌ 

ولا يُستأذنون وهم شهود!

ومما زادنا فخراً وتيهاً أننا جئنا بمبادئ الثورة الفرنسية، وأسقطنا سجن «الباستيل» ورفعنا شعار الحرية والعدالة والمساواة(17)، ثم بدأنا بالثورة الصناعية الهائلة، واخترعنا القطارات والهواتف والسيارات واكتشفنا الكهرباء، ومتعنا الإنسان المعاصر بخيرات التقنية ودلال الرفاهية. فماذا فعلتم أنتم غير تمجيد الطغاة بالخطب والشعر والمدح والرثاء؟! 

قلت: أجل لكم (بابا)، ولكننا مساكين بلا (بابا) ولا (ماما) كالأيتام على موائد اللئام! وإذا كان الحاضر لكم فإن الغد المشرق سيكون لنا، فوعد الله حق: ‭{‬ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين‭}‬(18). وإذا كنتم قد غلبتم هذا الجيل الضعيف، فإن الأرحام ملأى بالأبطال، ودوام الحال من المحال، والأيام بيد الله يداولها بين الناس. وسنة الله في هذا الكون الفسيح أن الحضارات تنمو وتقوى ثم تضعف وتشيخ، وأن الغلبة للحق على الباطل، فَصَوْلة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى قيام الساعة:‭{‬بل نقذفُ بالحقِّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق‭}‬(19) وأما مبادئ ثورتكم الفرنسية فقد جاء القرآن بأعظم منها قبل اثني عشر قرناً من ظهورها، وجناها المسلمون سيادة وسعادة وقيادة وريادة وأما ثورتكم فما نجم عنها إلا الموت الزؤام، فقد تلقف نابليون تلك المبادئ فأغرق بها أوروبا في بحر من الدم القاني، وعضضتم أنتم عليها بالنواجذ فأعرقتم العالم كله في الجحيم. وها هي بركاتكم تتساقط علينا صباح مساء قنابل عنقودية، وصواريخ باستيلية. 

قال: يا كحال، واهم من يظن أن قواتنا ستهزم، وأن شمس حضارتنا ستُكَوَّر، فمن أشد منَّا قوة، وأعظم سطوة؟! وقد ملأنا البحر بأعتى الأساطيل الحربية، وحشونا البر بأضخم الترسانات العسكرية، وغطينا الجو بأسراب الطائرات القاذفات، واخترقنا أجواز الفضاء بالمركبات حتى وصلنا إلى القمر والمريخ، وأنتم في خيامكم تأكلون البطيخ! (فصفق أنصار العميل وقهقهوا..) 

قلت: والله يا عميل، قوتكم معروفة في إبادة الهنود الحمر، واستعباد الأفارقة السمر وتدمير المدن اليابانية بالقنابل النووية، وقتل ملايين الأيتام في فيتنام، والإغارة على بلاد الأفغان والرافدين والصومال! وأنتم دوماً على خط النار للعدوان على المستضعفين، والتربص بالموحدين، وصدق الله العظيم، وكذبت ديمقراطيتكم:‭{‬ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا‭}‬(20) ولكن التاريخ يحدثنا عن «عاد» الذين تطاولوا على الأمم بقوتهم، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية، وما هم منكم ببعيد، وأن ربك لبالمرصاد. فيا أصحاب الدولار لكم القوة اليوم ظاهرين في الأرض، ولكن من ينصركم من بأس الله إن نزل بساحتكم؟! واعلم يا بن دولار، أن التدافع بين الناس من سنن الله التي لا تتبدل:‭{‬ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعض لفسدت الأرضُ ولكنَّ اللهَ ذو فضل على العالمين‭}‬(21) ولسوف تسقط حضارتكم، وتحصدون ما زرعتم كما تنبأ المؤرخان الشهيران توينبي وإشبنجلر، وعلى الباغي تدور الدوائر! 

قال: لِمَ تزعمون أننا نستهدفكم من دون الناس، فهذه روس`يا والصين والهند واليابان قد ربطتنا بها علائق طيبة، ووشائج قربي، وليس بيننا وبينها صراع! ولولا إرهابكم لما اعتدينا عليكم، وليتكم تقبلون بالعولمة والنظام العالمي الجديد إذن لأطعمناكم الهامبورغر والجبنة الفرنسية اللذيذة، ولأسقيناكم الكوكاكولا ومتعناكم بأفلام هوليود، وملأنا حجوركم بالدولارات، فتعالوا تعالوا إلى حيث النكهة!! (فصفق أنصار العميل وقهقهوا..) 

قلت: هذا ما بشرنا به الذي تولىَّ كِبَرَ صدام الحضارات(22)؟! طوبي لنا إذن وكوبا، وما أدراك ما كوبا؟! هناك حيث القوم ناموا في غونتنامو! يا أيها المسيو العميل، والله لو وضعتم الشمس في أيماننا، والقمر في شمائلنا ما تركنا قيمنا وحضارتنا، فإن العاقبة للمتقين، والأرض لله يورثها عباده الصالحين وأنا أسلم بما تقول أن لا صراع بينكم وبين الأمم الأخرى، لأنها اتبعت ملتكم، وصارت رهن إشارتكم، فروسيا والصين ومن على شاكلتهما لا تصارعكم، لأن فكرها الماركسي مستورد من الغرب، والهند واليابان تعملان بنظامكم السياسي والاقتصادي فلا تختلف معكم أما نحن المسلمين فلنا هوية مميزة، ونظام متكامل، وحضارة متفردة، فلا ترضون عنا وها أنتم أولاء تمنحون جائزة نوبل لكل من دار في فلككم، أو شذ عن المسار وتغرون من يدل على الأحرار بألف ألف دولار وأما من شهر في وجه عدوانكم قلمه أو سيفه فله مكافأة كبرى: سيارة (مفخفخة!) أو طائرة (قاذفة للصواريخ الحارقة!) ولو كان مقعداً على كرسي! فخيركم العميم لا يستثني أحداً منا، ولا يميز بين أطفال رضع، أو شيوخ ركع، أو بهائم رتع، وكل هذا وأنتم تلبسون لبوس الحرية والديمقراطية، وترفلون في ديباج المدنية، ولكن هيهات، فقد غلب الطبع التطبع:   لو لبس الحمار ثياب خَزٍّ 

لقال الناس يا لك من حمار!

وأنتم اليوم تتحدثون عن ثقافة السلام،والسلام طائر له جناحان، أما الجناح الأول فالحق، وأما الثاني فالعدل، ويا أسفي، ويا أسف الشعوب المقهورة فقد أطلقتم عليه صواريخكم فقتلتموه، وبعتم دمه في أسواق البورصة! ‭{‬والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون‭}‬(23) 

قال الشريف الكحال: ولما انتهى الوقت المحدد للمناظرة تكلم الحاجب المنصور فقال: أيها الناس، لقد دعانا كتابنا العظيم إلى محاورة الذين يجنحون للسلم، والذين يبسطون إلينا أيديهم ليأمنوا قومهم، أما الذين يعتدون علينا، ويظاهرون على إخراجنا من ديارنا فلن يقابلهم في الحوار إلا هذا السيف البتار (وهز سيفه فكبرَّ الحاضرون..) 

قال الشريف الكحال: فما فرغنا من المحاورة واحتساء عصير الفراولة حتى فوجئنا بأن المناظرة قد سجلت وطبعت في قرطبة، وذاعت بين المغاربة والمشارقة، وكُتبَ بالماء المذهب عنوانها المشذَّب: 

 (كُنَّاشة المناظرات في صراع الحضارات!!)


هوامش

- تفسير بعض الألفاظ: الكُنَّاشة: الأوراق التي تقيد فيها  الفوائد والشوارد. المخمصة: المجاعة.. الضيزى: الجائرة. الكِبْر: الإثم الكبير.. المستر: السيد بالإنجليزية.. والمسيو بالفرنسية، والسنيور بالإسبانية.

(1) الشريف الكحال: أبو الفضل سليمان بن موسى، كحال مصري أديب خدم صلاح الدين الأيوبي بصناعة الكحل (رطب العيون) ت 590هـ 1194م 

(2) الحاجب المنصور: محمد بن عبدالله المعروف بالمنصور بن أبي عامر، أمير أندلسي في دولة المؤيد الأموي، وأحد الشجعان الدهاة، قدم قرطبة طالباً للعلم، وعمل في القضاء والشرطة، وعمل حاجباً للخليفة، وكان حسن السياسة عظيم الهيبة، ودامت إمارته 26 سنة غزا فيها بلاد الفرنج 56 غزاة حتى وصل إلى جنوب فرنسا، ومات في إحدى غزواته بمدينة سالم سنة 392هـ_1002م 

(3) هؤلاء من أبرع علماء المسلمين في المناظرة والمحاورة، وهم معروفون.. 

(4) هذه شخصيات رمزية خاصة بالأحماض الأدبية ذات دلالات.. 

(5) الروم: الآيات 2_4 

(6) استمرت الحروب الصليبية مدة 200 سنة (1095م إلى1291م) 

(7) فتح صلاح الدين بيت المقدس بعد معركة حطين سنة 583هـ_1187م 

(8) قضي على وجود الصليبيين نهائياً في بلاد الإسلام سنة 690هـ_1291م 

(9) وقعت معركة عين جالوت في فلسطين، وهزم فيها التتار سنة 658هـ 

(10) خرج المسلمون من الأندلس سنة 897هـ_1492م 

(11) وقعت معركة الزلاقة سنة 479هـ 

(12) كانت بلاط الشهداء «بواتيه» بقيادة عبدالرحمن الغافقي سنة 732م (114هـ)

(13) قال ذلك المؤرخ الشهير درابر.. 

(14) فتحت القسطنطينية سنة 857هـ_1453م وسميت إسلامبول أي مدينة الإسلام 

(15) وقعت الحربان العالميتان بين عامي (1914ــ1945م) 

(16) أبو غريب: سجن قرب بغداد فضح فيه المحتلون الأمريكان عالمياً لارتكابهم أبشع أنواع التعذيب بحق السجناء العراقيين (1425هـ 2004م) 

(17) قامت الثورة الفرنسية عام 1791م 

(18) آل عمران: الآية 139 

(19) الأنبياء: الآية 18 

(20) البقرة: الآية 217 

(21) البقرة: الآية 251 

(22) المقصود هو صموئيل هانجنتون صاحب فكرة صراع الحضارات 

(23) يوسف الآية 21 

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب