|
يكثر
في
القرآن
الكريم
ذكر
هاتين
الكلمتين
وما
تفرع
عنهما،
وقد
لا
يفطن
أحد
للفرق
بينهما،
فما
هو
الفرق
بينهما.
نقول:
أولاً:
إن
أصل
كلمة
الإنزال:
هو
الفعل
الماضي
الرباعي
(أنزل)،
تقول
أنزل
يُنزل
إنزالاً،
وأصل التنزيل: الفعل الماضي الرباعي
المضعف (نزَّل)، تقول نزل ينزل تنزيلاً، وقد جاءت
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة بذكر هاتين
الكلمتين وما اشتق منهما.
القرآن
الكريم
لنزوله
طريقتان:
إحداهما: أنه نزل جملة واحدة من اللوح
المحفوظ إلى السماء الدنيا،
والثانية:
أنه نزل من السماء الدنيا إلى الأرض منجما مقسطاً، حسب
الوقائع والأحداث.(1)
أما الصحف التي أنزلت على بعض الأنبياء
والمرسلين، وكذلك الكتب السماوية- غير القرآن الكريم-
فإنها نزلت جملة واحدة على نبيها عليه السلام.
قال ابن كثير:
وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل،
فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة،
وأما القرآن؛ فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من
السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر
منه، كما قال تعالى {إنَّا أنزلناه في ليلة القدر}(2)
وقال {إنَّا أنزلناه في ليلة مباركة}(3)
ثم نزل بعد مفرقا بحسب الوقائع على رسول الله- صلى
الله عليه وسلم-أهـ(4)
وعلى هذا فالقرآن الكريم يمكن أن تقول
إنه نزل وأنزل، بخلاف غيره من الصحف والكتب فلا يقال
عنها إلا أنها أنزلت.
وقد بين الفرق بين كلمتي الإنزال
والتنزيل الراغب الأصفهاني كما نقل ذلك ابن حجر في
الفتح فقال قال الراغب:
الفرق بين الإنزال والتنزيل في وصف
القرآن والملائكة: أن التنزيل يختص بالموضع الذي يشير
إلى إنزاله متفرقا ومرة بعد أخرى، والإنزال أعم من
ذلك، ومنه قوله تعالى {إنَّا أنزلناه في ليلة
القدر}
قال الراغب: عبَّر بالإنزال دون
التنزيل؛ لأن القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء
الدنيا، ثم نزل بعد ذلك شيئا فشيئا، ومنه قوله تعالى
{حم والكتاب المبين إنَّا أنزلناه في ليلة مباركة}
ومن الثاني قوله تعالى {وقرآنا فَرَقْنَاه لتقرأه
على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}
ويؤيد التفصيل قوله تعالى {يا أيها
الذين آمنوا آمنوا بالله ورســوله، والكتاب الذي
نَزَّل على رسوله، والكتاب الذي أُنزل من قبل}،
فــــــإن المراد بالكتاب الأول القرآن، وبالثاني ما
عداه، والقرآن نزل نجوما إلى الأرض بحسب الوقائع بخلاف
غيره من الكتب، ويرد على التفصيل المذكور قوله تعالى
{وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة
واحدة}
وأجيب: بأنه أطلق نزل موضع أنزل، قال:
ولولا هذا التأويل لكان متدافعاً لقوله جملة واحدة،
قال ابن حجر: وهذا بناه هذا القائل على
أن (نَزَّل) بالتشديد يقتضي التفريق؛ فاحتاج إلى ادعاء
ما ذكر، وإلا فقد قال غيره إن التضعيف لا يستلزم حقيقة
التكثير؛ بل يرد للتعظيم، وهو في حكم التكثير معنى،
فبهذا يدفع الإشكال أهـ(5)
(قلت) لا نحتاج إلى هذا؛ لأن قول
المشركين لولا (نُزِّل) عليه القرآن، هذا يقتضي
التفريق لكنهم أزالوا هذا بأن بينوا المراد فقالوا
جملة واحدة، ومعلوم أن التعبير بكلمة مكان أخرى
تشابهها في المعنى أو تقرب منها مستساغ، كما تقدم ذلك
في بعث وأرسل.. والله أعلم.
وقد ذكر الله تعالى الفائدة من إنزال
القرآن الكريم مفرقا على حسب الوقائع والأحداث فقال جل
جلاله {وقال الذين كفروا لولا نُزِّل عليه القرآن
جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا
يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً}(6)
فقد
بين
الله
تعالى
الفوائد
العظيمة
من
تنزيل
القرآن
مفرقا،
نذكر
منها:
1-
لنثبت به فؤادك، وذلك بأن ينزل الله سبحانه وتعالى
عليه القليل من الآيات فيستطيع حفظها وتستقر في قلبه،
لكن لو أنزل القرآن الكريم جملة واحدة لكن في حفظه
صعوبة بالغة وقد أراد الله تعالى أن يحفظ هذا القرآن
في الصدور فقال {بل هو آيات بينات في صدور الذين
أوتوا العلم}(7)
2-
ثم بالتفرق يستطيع الصحابة الكرام رضي الله عنهم أن
يعملوا بالقرآن لأن أحكامه جاءت مفرقة واحدة بعد واحدة
ولو جاءت كلها في آن واحد لما تحملها الناس فلو قال
لهم في وقت واحد صلوا وصوموا وزكوا وحجوا ولا تزنوا
ولا تشربوا الخمر ولا تأكلوا الربا لعسر ذلك عليهم،
ولما عملوا به، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يأخذون
عشر آيات يحفظونها، ثم يفهمون معناها، ثم يعملون بها،
فإذا أتقنوا ذلك انتقلوا إلى غيرها، جاء في تفسير
القرطبي(8)
ذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له بإسناده عن
عثمان، وابن مسعود، وأُبَيّ أن رسول الله
–صلى
الله عليه وسلم- كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى
عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا
القرآن والعمل جميعاً، وذكر عبدالرزاق عن معمر عن عطاء
بن السائب عن أبي عبدالرحمن
السلمي قال: كنا إذا تعلمنا عشر آيات من
القرآن، لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها
وحرامها وأمرها ونهيها.
3-
ورتلناه ترتيلا: أراد الله تعالى أن يتلا هذا القرآن
تلاوة مخالفة لكلام الناس، ولذا قال الله تعالى {ورتل
القرآن ترتيلا}(9)
4-
ثم إن إنزال القرآن الكريم مفرقا حسب الحوادث يعطي
للنبي صلى الله عليه وسلم معرفة بكيفية مجادلة الكفار
الذين يريدون رد القرآن،أو التشكيك في رسالته صلى
الله عليه وسلم {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق}.
5-
ثم أراد الله تعالى أن يتنزل القرآن الكريم مفرقا لكي
يستطيع النبي صلى الله عليه وسلم أن يفسره للصحابة
الكرام، ويبين لهم ما قد يشكل عليهم منه، فيكون بذلك
أحسن تفسيراً مما لو نزل جملة واحدة. {وأحسن تفسيراً}
وبهذا تبين الفرق بين كلمتي الإنزال
والتنزيل.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على
محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم.
الهوامش
1-
تفسير القرطبي ٥٥/١٠: إن الله تعالى أنزل القرآن إلى
السماء الدنيا ثم أنزله منها نجوما. تفسير القرطبي
١٢٦/١٦: وروى قتادة عن وائلة أن النبي
–صلى
الله عليه وسلم- قال أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من
رمضان، وأنزلت التوراة لستٍّ مَضَين ْمَن رمضان، وأنزل
الزبور لاثنتي عشرة من رمضان، وأنزل الإنجيل لثمان
عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين مضت من
رمضان، ثم قيل أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في
هذه الليلة، ثم أنزل نجما نجما في سائر الأيام على حسب
اتفاق الأسباب، وقيل كان ينزل في كل ليلة القدر ما
ينزل في سائر السنة. وفي تفسير الطبري ١٧٨/١٥: عن
عكرمة عن ابن عباس قال: قال أنزل القرآن جملة واحدة
إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في
عشرين سنة.
٢- أول سورة القدر
٣- ٣/ الدخان
٤- تفسير ابن كثير١/٣١٧
٥- فتح الباري لابن حجر ٤٦٣/١٣
٦- ٣٢-٣٣/ الفرقان
٧- ٤٩/ العنكبوت
٨- تفسير القرطبي ٣٩/١
٩- ٤/ المزمل
|