أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

 
جنادرية 24
 
شواهد علمية
 
الرجل المناسب
 
شـواهد ثقافية
 
شاهد وشهيد
 
توهـج وعطـــاء
 
تحية إكبار وتقدير
 
الرواية في الجزيرة
 
دراسات فقهيه
 
دراسات قرآنية
 
البلـد الأميـن
 
شعر المدينة المنورة
 
مخطوطات الأقصى
 
أعــلام خـالدة 13
 
تعقيــب
 
الغذاء.. والدواء
 
صناعة الموت
 
حقائق.. وأكاذيب 4-7
 
فلذات أكبادنا
 
ماسية المنهل
 
المقامة .. تأثير إيجابي
 
شـعر عامُ
 
الحديث ذو شجون
 
ثنائيات
 
علم الصوتيات
 
عالم المخطوطات
 
شعر عندما يبكي
 
أحماض أدبية 50
 
وفيــات الأعيان
 
قصة قصيرة
 
واحـة نغــم
 
مسـك الختام
 
مسابقة المنهل
 
 
 
 
 

دراسات فقهيه

 

أ. د. مصطفى رجب - مصر -

مما يلتبس بعِلْمَيْ العام والخاص، والمطلق والمقيد، علم ثالث من علوم القرآن الكريم المهمة أطلق عليه العلماء اسم (المجمل والمبيّن)، وهو علم جليل القدر كسابقيه نظراً لما يترتب على معرفته من أهمية بالنسبة للمفتي والمفسِّر.

تعريف المجمل:

هو في اللغة: المبهم، من أَجْمَلَ الأمر إذا أبهمه أو المجموع من أجملت الحساب أي جمعته.

في الاصطلاح: هو ما لا تتضح دلالته على المعنى المراد، ودلت بسبب تردده بين معان متساوية في الاحتمال فلا يعلم المراد منه على التعيين إلا بالبيان.

وقال ابن الحاجب: المجمل ما لم تتضح دلالته.

وحكم المجمل عند الأصوليين: التوقف عن العمل بأحد احتمالاته إلا بالبيان، أي بدليل خارج عن لفظه، لأن لفظه عادة يدل على المراد به. ويستحيل تكليف الإنسان بما لا دليل عليه.

مواضع المجمل:

قال الأصوليون:

ويكون الإجمال في حرف نحو (الواو) في قوله تعالى: «والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌّ من عند ربنا وما يذَّكَّر إلا أولوا الألباب». (آل عمران 7)، فإنه يحتمل أن تكون عاطفة، ويكون الراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويحتمل أن تكون مستأنفة، ويكون الوقف على «إلا الله». ويكون الإجمال أيضاً في اسم (كالْقُرْءِ المتردد بين الحيض والطهر، و(كالعين) المترددة بين الباصرة والجارية وعين الميزان والذهب وغير ذلك.

ويكون الإجمال أيضاً في مركب نحو «الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير» (البقرة 237)، في قوله تعالى: «أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير» فإنه يحتمل أن يكون (الولي)، لأنه الذي يعقد نكاح المرأة، لأنها لا تزوج نفسها. ويحتمل أن يكون (الزوج)، لأنه الذي بيده دوام العقد والعصمة.

والاحتمال الثاني هو الراجح من الروايتين عن الإمام أحمد رضي الله عنه ومذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي رضي الله عنهما.

ويكون الإجمال، أيضاً في مرجع الضمير نحو الضمير في «جداره» في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره). فإنه يحتمل عوده على الغارز، أي لا يمنعه جاره أي يفعل ذلك في جدار نفسه».

وعلى هذا فلا دلالة فيه على القول أنه طلب جاره منه أن يضع خشبة على جدار المطلوب منه وجب عليه التمكين. ونص الشافعي في «مختصر البويطي».

ويحتمل أن يعود على الجار الآخر، فيكون فيه دلالة على ذلك. وهذا الذي عليه الإمام أحمد رضي الله عنه وهو الظاهر لقول أبي هريرة رضي الله عنه: «ما لي أراكم عنها مُعرضين والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم» ولو كان الضمير عائدا إلى الغارز لما قال ذلك.

ويكون الإجمال أيضاً في (مرجع صفة) نحو قولك «زيد طبيب ماهر» فيحتمل عود «ماهر» إلى ذات زيد، ويحتمل أن يعود إلى وصفه المذكور، وهو «طبيب»، ولا شك أن المعنى متفاوت باعتبار الاحتمالين، لأنا إن أعدنا «ماهر» إلى «طبيب» فيكون ماهراً في طبه، وإن أعدنا «ماهر» إلى زيد فتكون مهارته في غير الطب، وهو من المجمل باعتبار التركيب.

ويكون الإجمال أيضاً في تعدد مجاز عند تعذر الحقيقة نحو قوله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه «لَعنَ اللهُ يهودَ حُرِّمتْ عليهم الشحومَ فباعوها وأكلوا أثمانها».

لأن قوله ذلك لو لم يعم جميع التصرفات لما اتجه اللعن فيقدر الجميع، لأنه الأقرب إلى الحقيقة.

ويكون الإجمال أيضاً في (عام خُصّ بمجهول) نحو «اقتلوا المشركين إلا بعضهم» لأن العام إذا خُص بمجهول صار الباقي محتملاً، فكان مجملاً، وكذا عام خُص بمستثنى وصفة مجهولين.

مثال المستثنى المجهول قوله سبحانه وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أُحِلتْ لَكُمْ بَهِيمَة الأنعام إلا ما يُتلَى عليْكُم غيَر مُحِلّي الصَّيدِ وأَنْتُم حُرُمٌ إنّ الله يَحْكُمُ ما يُرِيدُ» [المائدة 1]. فإنه قد استثنى من المعلوم ما لم يعلم، فصار الباقي مُحتملاً، فكان مجملاً.

ومثال ما خُصّ بصفة مجهولة نحو «مّحْصِنينَ» في قوله تعالى: «وَالْـمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَاءِ إلا مَا مَلَكتْ أيمَانُكُم كِتابَ الله عَلَيْكُمْ وأُحِلّ لَكُمْ مّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أن تَبْتَغُوا بأمْوَالِكم مُحْصِنينَ غَيْرَ مُسَافِحينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ به مِنْهُنّ فآتوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَريضَةِ إنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكيماً» [النساء 24]. وموجب الإجمال أن الإحصان غير مُبيَّن، فكان صفة مجهولة.

ولا إجمال في إضافة تحريم إلى عين نحو «حُرِّمتْ عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبعُ إلا ما ذكيتم وما ذُبِحَ على النُّصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فِسْقٌ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ دينا فمن اضُّطر في مَخْمَصَةٍ غير متجانِفٍ لإثم فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ» [المائدة 3]. وهذا الصحيح الذي عليه أكثر العلماء.

أقسام المجمل:

ينقسم المجمل في الأقوال إلى ثلاثة أقسام:

الأول:

 أن يكون اللفظ مجملا بين حقائقه، وهو المشترك.

مثال ذلك «القُرْءُ» في قول الله تعالى: «والمطلقاتُ يتربَّصن بأنفسهنَّ ثلاثةَ قُرُوء ولا يحل لهنَّ أن يكتمن ما خَلَقَ اللهُ في أرحامهنَّ إن كُنَّ يؤمن بالله واليوم الآخر وبُعُولَتهنَّ أحقّ بردهنَّ في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهنَّ مثل الذي عليهنَّ بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم» [البقرة 228]. فإنه يحتمل:

1- الحيض.

2- الطهر

لأنه موضوع لكل منهما.

الثاني:

أن يكون مجملا بين أفراد حقيقة واحدة وهو المتواطئ الذي أريد به فرد معين.

مثال ذلك قوله جل جلاله: «وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرةً قالوا أتتخذنا هُزُوا قال أعوذ بالله أن أكونَ من الجاهلين». [البقرة 67]، فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة لها أفراد، والمراد بها في الآية: فرد معين غير معلوم للمخاطبين.

الثالث:

أن يكون بين مجازاته المتعددة، وذلك إذا امتنع حمله على الحقيقة وتساوت مجازاته في الاحتمال. إما أن ترجح واحدة منها فإنه يحمل عليه ولا يكون مجملا، ويحصل الرجحان بأحد أمور ثلاثة: الأمر الأول: أن يكون أحد المجازات أقرب إلى الحقيقة من غيره، كما في حديث «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وحديث «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» فإن الحقيقة في الحديثين، هي الإخبار عن نفي صلاة عند انتفاء الفاتحة.. ونفى الصيام، والتبييت غير مراده، لأن الذات قد تقع بدونهما، فتعين الحمل على المجاز وهو إضمار الصحة أو الكمال.

ولكن إضمار الصحة أقرب إلى الحقيقة، لأن نفيها يجعل الفعل كالمعدوم في عدم الجدوى، بخلاف نفي الكمال فيحمل عليه اللفظ لكونه أقرب.

الأمر الثاني:

أن يكون أظهر عرفاً كما في حديث:

«رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهوا عليه «فإن الحقيقة وهي: الخطأ، والنسيان غير مراده، لاستحالة ارتفاع الواقع، فتعين الحمل على المجاز وهو إضمار الحكم، أو الإثم، ولكن إضمار الإثم هو المتبادر عرفاً فيكون أرجح.

الأمر الثالث:

أن تكون أعظم مقصوداً في العرف كما في قوله تعالى: «حُرّمَتْ علَيْكُمُ الْميْتَةُ...» [المائدة3]. فإن الحقيقة وهي تحريم ذات الميتة غير مراده، لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأفعال لا بالذوات. فيتعين الحمل على المجاز وهو الأكل أو البيع ولكن الأكل عرفاً أهم من البيع فيكون هو الراجح.

أما المجمل في الأفعال:

فقد يقع حين يكون العمل (أو الفعل) متضمناً احتمالين فأكثر، مثال ذلك: قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الركعة الثانية دون أن يتشهد التشهد الأوسط. فهذا الفعل يتضمن احتمالين:

أولهما: أن يكون ذلك الفعل سهواً.

وثانيهما: أن يكون تشريعاً يقصد منه جواز ترك التشهد.

فيكون هذا الفعل - بهذه الصورة - من المجمل. ويحتاج إلى ترجيح أحد الاحتمالين ليتحول من مجمل إلى مبين، ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد سجد بعد ذلك للسهو [رواية مسلم] فقد دلّ ذلك على أنه كان ترك سهوٍ ونسيانٍ وليس ترك تشريعٍ.

وبصفة عامة يمكن حصر أنواع الإجمال في الأفعال فيما يأتي:

أولاً: أنه قد يدور حكم الفعل بين الاختصاص بفاعله، كما في الخصائص النبوية - وبين أن يكون عاماً له وللأئمة، وكذا: الاختصاص بالزمان، والمكان، والحال التي فعل فيها - وبين عموم سائر الأمكنة، والأزمان، والأحوال.

ثانياً: أنه قد يدور حكم الفعل بين الوجوب، والندب، والإباحة.

ثالثا: قد يدور بين أن يكون مقصوداً به التعبد والتشريع، وبين أن يفعل على حدّ الإباحة العقلية.

رابعا: وحتى لو كان مقصودا به التشريع، فقد يدور بين أن يكون بيانا لمجمل معين، أو لا يكون بيانا له.

خامساً: أنه قد يدور بين الارتباط بسبب معين، وبين عدم الارتباط به، كالخروج في صلاة العيد إلى المصلى في الصحراء، هل كان لعذر ضيق المسجد، فلا يسنّ إلا عند الضيق، أو لم يكن ذلك، فيسن مطلقاً.

تعريف المبيَّن: المبيّن في اللغة: اسم مفعول، من بيّن الشيء تبييناً، أي وضحه توضيحاً.

وعند الأصوليين: هو ما اقتصرت دلالته على معناه.

أقسام المبيَّن:ينقسم المبين إلى قسمين:

القسم الأول: الواضح بنفسه، وهو: ما يكون كافياً في إفادة معناه بوضع اللغة.

مثال ذلك قول الله تعالى «.. والله بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ» [البقرة/282].

أو هو: ما يكون كافياً في إفادة معناه بحكم الفعل، مثال ذلك قوله تعالى:

«واسْألِ القَرْيَة التي كُنَّا فيهَا وَالعِيرَ التيَ أقْبَلْنَا فيها وإنَّْا لَصَادِقُون» [يوسف/82]، فإنه يفيد المراد به، وهو طلب سؤال أهل القرية بواسطة حكم العقل بإضمار الأهل.

ولكن ذلك من الواضح بنفسه لفهم المعنى من غير توقف. وإنما أطلق على هذا القسم لفظ «المبيّن» باعتبار أن المتكلم بَيَّنه ابتداء حيث لم يأت بلفظ مجمل.

القسم الثاني: الواضح بغيره:

وهو: ما توقف فهم المراد منه على غيره، وهذا الغير هو المبيِّن (بكسر الياء) أي الدليل الذي حصل به البيان:

أنواع المبيِّن - بكسر الياء - ثلاثة:

النوع الأول: قول الله تعالى «قالوا ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَيّن لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إنّهُ يَقُولُ إنّهَا بَقَرَةٌ صَفْراءُ فَاقِعٌ لّونُهَا تَسُرّ النّاظِرِينَ» [البقرة/69]، فإنه بيان إجمال «بقرة» في قوله تعالى «وإذ قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوَاْ أَتَتْخِذُنا هُزُواً قالَ أعُوذُ باللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ» [البقرة/67].

النوع الثاني: قول من الرسول صلى الله عليه وسلم مثل حديث البخاري عَنْ أبي هُريْرةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم فيما سَقَتِ السَّمَاءُ والْعُيونُ الْعُشْرُ وَفيِمَا سُقِيَ بِالنَّضْح نِصفُ الْعُشْرِ. فإنه بيان لإجمال الحق في قوله تعالى «وَهُوَ الّذِيَ أنشأَ جَنْاتٍ مّعرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنّخْلَ والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمَّان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» [الأنعام/141].

النوع الثالث: فعل منه صلى الله عليه وسلم مثل: صلاته، وحجه فإنه بيان لقوله تعالى «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين» [البقرة/43]، وقوله جل جلاله «فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين» [آل عمران/97]، كما يدل على ذلك حديث البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وحديث مسلم: «خذوا عني مناسككم» إنما كان الفعل مبينا لأنه أكثر دلالة على التفصيل، وبيان الكيفيات المطلوبة من القول.

فإذا جاز البيان بالقول، جاز بالفعل بالأولى. فإن جميع القول والفعل توافقا في الدلالة وعلم السابق منهما فهو المبين والثاني تأكيد له. وإن لم يعلم فالمبين أحدهما من غير تعيين، وإن اختلفا في الدلالة كحديث الترمذي:

«من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد».

وحديث النسائي: «أنه صلى الله عليه وسلم طاف لهما طوافين، وسعى سعيين».

فالمبين هو القول سواء تقدم أو تأخر، ويحمل الفعل على الندب، لأن القول يدل بنفسه بخلاف الفعل فإنه يدل بالواسطة.

مثال للمجمل والمبين:

في قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون» [المائدة/6].

هل هو مجمل، أم لا؟

اختلف الأصوليون في ذلك:

1- ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه مجمل.

2- وذهب الجمهور إلى أنه غير مجمل.

وتقرير مذهب الأحناف، أن يقال:

«الباء»:

[أ] يحتمل أن تكون صلة، أي زائدة، فعلى هذا لا يكون الواجب مسح جميع الرأس، لأنه لا فرق بين أن يقول (مسحت رأسي) وبين أن يقول (مسحت برأسي).

[ب] ويحتمل أن تكون للإلصاق، فيجب بذلك ما يسمى مسحا، فإن ذلك إلصاقا للمسح بالرأس.

[جـ] ويحتمل أن تكون للتبعيض، فيكفي مسح البعض، وليس ثَمَّ دليل على أن واحدا من هذه الاحتمالات الثلاثة هو المراد بعينه، فتعين الإجمال لذلك.

وتقرير مذهب الجمهور، أن يقال:

إن الباء في اللغة: للإلصاق، وهو أصل معانيها، والظاهر فيها، كما قال سيبويه، وقد دخلت على المسح، وقرنته بالرأس، والذي يسمى «رأسا» هو الجميع لا البعض، لأنه لا توصف الناصية بأنها رأس.

فكانت الآية إيجابا لمسح جميع الرأس من جهة اللغة: عند المالكية والشافعية، والإمام أحمد، والباقلاني.

العرف حاكم على الوضع عند الإمام الشافعي:

غير أن عرف استعمال أهل اللغة، الطارئ على الوضع الأصلي، حاكم عليه، والعرف يقتضي إلصاق المسح بالرأس فقط: الكل، أو البعض.

لأن الإنسان إذا قال (امسح يدك بالمنديل): لا يفهم منه أحد من أهل اللغة، أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل، بل بالمنديل: إن شاء بكله، وإن شاء ببعضه ولهذا: يخرج عن العهدة بكل واحد منهما.

وكذلك إذا قال: (مسحت يدي بالمنديل)، فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله، وببعضه، غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل، أو البعض بل بالقدر المشترك بين الكل والبعض، وهو (مطلق مسح): نفيا للتجوز والاشتراك في العرف.

هذا هو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه..، واختيار القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، في (المعتمد).

أما عند الإمام مالك:

فإنه نظر إلى «مطلق المسح» من ناحية: الأغراض والأحوال، تقول (مسحت الجدار) فيقتضي بعضه، من أجل أن الجدار لا يمكن تعميمه بالمسح حسا، ولا غرض في استيعابه قصدا.

وتقول: (مسحت رأس اليتيم لأجل الرأفة)، فيجزئ منه أقله، بحصول الغرض به. وتقول (مسحت الدابة)، فلا يجزئ إلا جميعها، لأجل مقصد النظافة فيها.

فتعلق الوظيفة بالرأس، يقتضي عمومه بقصد التطهير فيه، ولأن مطلق اللفظ يقتضيه. ألا ترى أنك تقول (مسحت رأسي كله) فتؤكده، ولو كان يقتضي البعض لما تأكد بالكل، فإن التأكيد لرفع الاحتمال المتطرق إلى الظاهر في إطلاق اللفظ.

وإذا نظرنا إلى الآية، وجدنا:

أن المسح لفظ مشترك، وأما الرأس فهي عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة، ومنها: الوجه فلما ذكره الله جل جلاله في الوضوء، وعين الوجه للغسل، وبقى باقيه للمسح، ولو لم يذكر الغسل، للزم مسح جميع ما عليه الشعر من الرأس، وما في العينان والأنف والفم.

وقد أشار الإمام مالك في وجوب مسح جميع الرأس إلى ما ذكر، فإنه سئل عن الذي ترك بعض رأسه في الوضوء، فقال: (أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه، أكان يجزئه؟).

و«الباء»، قيل: إنما دخلت لتفيد معنى بديعا، وهو أن الغسل لغة: يقتضي مغسولا به.

والمسح لغة: لا يقتضي ممسوحا به.

فلو قال: (وامسحوا رؤوسكم) لأجزأ المسح باليد، إمرارا من غير شيء على الرأس، فدخلت (الباء) لتفيد ممسوحاً به، وهو (الماء) فكأنه قال: (وامسحوا برءوسكم الماء) وذلك فصيح في اللغة.

فترجح - عندهم - مسح جميع الرأس، من ثلاثة أوجه:

أحدها: الاحتياط.

الثاني: التنظير بالوجه، لا من طريق القياس، بل من منطلق اللفظ، في ذكر الفعل وهو الغسل، أو المسح، وذكر المحل وهو الوجه أو الرأس.

الثالث: أن كل من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر أنه مسح رأسه كله.

فإن قيل: فقد ثبت أنه مسح ناصيته وعمامته، وهذا نص على البعض.

قلنا: بل هو نص على الجميع، لأنه لو لم يلزم الجميع، لم يجمع بين العمامة والرأس، فمن مسح بيده على ما أدرك من رأسه، وأَمَرَّ يده على الحائل بينه وبين باقيه أجراه مجرى الحائل من جبيرة، ونقل الغرض إليه كما نقله في هذين.

وعلى كل تقدير، فلا وجه للقول بالإجمال، لا بالنظر إلى الوضع اللغوي الأصلي، ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال.

وليس على اللبيب - عند اطلاعه على هذه الأقول والأنحاء والمطالعات - أن القوم لم يخرج اجتهادهم عن سبيل الدلالات، في مقصود الشريعة، ولا جاوزوا طرفها إلى الإفراط، فإن للشريعة طرفين:

أحدهما: طرف التخفيف في التكليف.

والآخر: طرف الاحتياط في العبادات.

فمن احتاط استوفى الكل، ومن خفف أخذ بالبعض.

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب