أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

 
جنادرية 24
 
شواهد علمية
 
الرجل المناسب
 
شـواهد ثقافية
 
شاهد وشهيد
 
توهـج وعطـــاء
 
تحية إكبار وتقدير
 
الرواية في الجزيرة
 
دراسات فقهيه
 
دراسات قرآنية
 
البلـد الأميـن
 
شعر المدينة المنورة
 
مخطوطات الأقصى
 
أعــلام خـالدة 13
 
تعقيــب
 
الغذاء.. والدواء
 
صناعة الموت
 
حقائق.. وأكاذيب 4-7
 
فلذات أكبادنا
 
ماسية المنهل
 
المقامة .. تأثير إيجابي
 
شـعر عامُ
 
الحديث ذو شجون
 
ثنائيات
 
علم الصوتيات
 
عالم المخطوطات
 
شعر عندما يبكي
 
أحماض أدبية 50
 
وفيــات الأعيان
 
قصة قصيرة
 
واحـة نغــم
 
مسـك الختام
 
مسابقة المنهل
 
 
 
 
 

دراسات قرآنية

من إعجاز القرآن الكريم:

إخباره باختراق الكلمة للموجات الهوائية

عبد السلام التركي – تونس

إن المتأمل في سور القرآن الكريم يلحظ أنها تشتمل على عدة آيات لم تتضح معانيها حسب تركيبها اللفظي، وكانت لذلك أقوال المفسرين في شأن تفسيرها وتأويلها مختلفة. وقد شاءت حكمة الله سبحانه أن تكون كذلك. وقد أشير إليها في القرآن بأنها آيات متشابهات.

وجاء بسورة آل عمران قوله تعالى مخاطبا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم:

«هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هنَّ أمُّ الكتابِ وأخَرُ متشابهات» (سورة آل عمران/ آية «7») ولعل قوله تعالى:

«إليه يصعدُ الَكِلمُ الطيبُ والعملُ الصالحُ يرفَعُهُ» (سورة فاطر. الآية 10) يكون من بين الآيات المتشابهات نظرا لما تشير إليه من صعود الكلم الطيب وهو القول الصالح إلى الله. وفي ذلك إشارة إلى وجود مكان علوي لله.. تعالى اللهُ عن ذلك علوا كبيرا.

ذلك أن الله ليس كمثله شيء وهو العلي الكبير وموجود في كل مكان ولا يحتاج إلى مكان يشغله لأنه جل شأنه لو شغل مكانا خاصا لكان كالمخلوقات وذلك مستحيل في حقه. وقد جاء في سورة الأنعام قوله تعالى:

«وهو اللهُ في السماواتِ وفي الأرضِ يعلمُ سِرَّكُم وجَهْرَكُم ويعلُم ما تَكْسِبُون» (الآية 3) ونظرا أيضاً لما تشير إليه من رفع الله للعمل الصالح لعبده في حين أن الرفع والنقل من أفعال المخلوقات دون الخالق وهو الله الذي لا يحتاج لذلك. ويقول للشيء كن فيكون وهو قادر على الثواب عن الكلم الطيب والعمل الصالح لعبده دون حاجة إلى رفع ذلك وصعوده إليه.

وللوقوف على ما حققه رجال التفسير في تأويل تلك الآية وتفسيرها أستعرض ما يلي:

فقد أثبت العالم أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز أبادي بكتابه المسمى بتنوير القياس من تفسير ابن عباس، ولعل العنوان يشير إلى الصحابي المعروف عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. أثبت أن المقصود من قوله تعالى: «إليه يصعدُ الكلمُ الطيبُ» كلمة لا إله إلا الله وأن معنى قوله تعالى: «والعملُ الصالحُ يرفعه» أي يقبله بالكلم الطيب.

وجاء بكتاب تفسير أحكام القرآن لصاحبه أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي في تفسير تلك الآية وفي معنى قوله تعالى: «إليه يصعدُ الكلمُ الطيبُ» أن الصعود هو الحركة إلى فوق وهو العروج أيضاً ولا يتصور ذلك بالنسبة للكلم لأنه عرض. لكن ضرب صعوده مثلا لقبوله لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل. والصعود رفعة والنزول هوان. وان المقصود بالعمل الصالح هو ما كان موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجاء بكتاب تفسير الجلالين جلال الدين المحلى وجلال الدين السيوطي عند تفسير الآية المذكورة أن معنى قوله تعالى: «إليه يصعد الكلم الطيب» أي يعلمه، وهو لا إله إلا الله ونحوها. وان معنى قوله تعالى: «والعمل الصالح يرفعه» أي يقبله.. وأثبت العالم المحقق عبد الله النسفي بكتابه المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل أن المقصود من قوله تعالى: «إليه يصعد الكلم الطيب» هو صعوده إلى مكان القبول والرضى لأن كل من اتصف بالقبول يوصف بالرفعة والصعود إلى حيث لا ينفذ إلا حكمه. وان المقصود بالكلم الطيب في الآية كلمة التوحيد وهي الشهادتان وإن العمل الصالح هو العبادة الخالصة لوجه الله. وان المعنى المقصود من الآية هو أن العمل الصالح يرفعه الكلم الطيب ولذلك فإن الرافع للعمل الصالح هو الكلم الطيب لأنه لا يُقْبل عملٌ إلا من موحِّد.

وقد قيل إنَّ الرافع للعمل الصالح هو الله. وفي الآية إشارة إلى أن العمل يتوقف على الرفع وأن الكلم الطيب يصعد بنفسه.

كما قيل ان العمل يرفع صاحبه ويشرفه عند الله ويكون المعنى ترتيبا على الآية السابقة لهذه الآية وهي قوله تعالى: «من كان يريد العزة فلله العزة جميعا» أن من أراد العزة لنفسه فليعمل عملا صالحا لأن العمل الصالح هو الذي يرفع من شأن صاحبه عند الله.

وقد حقق الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بكتابه المسمى بتفسير التحرير والتنوير عند تفسيره لقوله تعالى: «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه» أنه إنما جيء في جانب العمل الصالح بالإخبار عنه بجملة يرفعه ولم يعطف على الكلم الطيب في حكم الصعود إلى الله مع تساوي الخبرين لفائدتين:

أولاهما الإيماء إلى أن نوع العمل الصالح أهم من نوع الكلم الطيب على الجملة لأن معظم العمل الصالح أوسع نفعا من معظم الكلم الطيب عدا كلمة الشهادتين وما ورد تفضيله من الأقوال في السنة مثل دعاء يوم عرفة فلذلك أسند إلى الله رفعه.

وثانيتهما أن الكلم يتكيف في الهواء فاسناد الصعود إليه مناسب لماهيته. وأما العمل الصالح فهو كيفيات عارضة لذوات فاعلة ومفعولة فلا يناسبه اسناد الصعود إليه وإنما يحسن ان يجعل متعلقا برفع يقع عليه ويسخره إلى الارتفاع.

وترتيبا على ذلك فإنه يمكن القول بأن في قوله تعالى: «إليه يصعد الكلم الطيب» على أساس أن الصعود يقع إلى مكان القبول والرضى وان كل من اتصف بالقبول من الله يوصف بالرفعة وهو ما حققه العالم المفسر عبد الله النسفي وارتضاه على رأس معاني تلك الآية حسبما بُيِّنَ آنفا، وعلى أساس ما أثبته الاستاذ محمد الطاهر بن عاشور من أن الكلم يتكيف في الهواء وان اسناد الصعود إليه مناسب لماهيته فيه إشارة إلى ما وصل إليه رجال العلم بطبقات الجو وتموجات الهواء فيه من امكانية التقاط الكلم الذي يتكيف في الهواء وينتشر في الجو وذلك بواسطة أجهزة علمية، وتسخيره للبث مع الصورة بواسطة جهاز التلفزة أو مجرد عنها بواسطة جهاز الراديو.. ويكون القرآن بذلك قد أخبر بصعود القول إلى أماكن لا يعلمها إلا الله بالنسبة للقول الطيب الذي تعلقت إرادة الله بصعوده.

وبالتالي امكانية صعود غير ذلك من الكلام مما هو مبثوث بواسطة أجهزة علمية وذلك إلى أماكن لا تتعدى محدودية الإنسان وهي ما تكون داخل طبقات الجو القريبة من الأرض ويكون القرآن بذلك معجزا بإخباره بحصول ما وصل إليه رجال العلم في العصر الحديث من اختراعات لأجهزة الراديو والتلفزة والهاتف وذلك بعد مضي نحو الأربعة عشر قرنا من تاريخ نزوله.

ولا غرابة في وصول بني الانسان إلى استغلال طبقات الجو وتموجات الهواء فيها واختراقها في تحقيق اختراعاتهم لجميع ما ذكر ما دام ما في الأرض مسخر لهم من لدن خالقه نزولا عند قوله تعالى: «ألم تر أنَّ اللهَ سَخَّرَ لكم ما في الأرضِ» (سورة الحج «الآية 65»).

وطبيعي أن الأجواء المحيطة بالأرض تابعة لها وهي لذلك تأخذ حكمها في كونها مسخرة لبني الانسان ليسلطوا عليها وعلى الأرض طاقاتهم الفكرية والعلمية والتجريبية لغاية استخراج واكتشاف خفايا الأرض وسبر ما حولها واستغلال جميع ذلك في اختراعاتهم وهو ما وصلوا إليه فعلا.

وعلى أساس جميع ذلك فإن اختراق بني الإنسان الأجواء المحيطة بالأرض والنزول فوق سطح القمر ليس أمرا عجيبا وخارجا عن طاقة البشر ما دامت تلك الأجواء مسخرة لهم كالأرض من لدن خالقها وهو الله.. ويمكن لذلك أن يتجاوزوا ذلك في يوم من الأيام.

بقي أن نشير إلى ان العلماء الذين اهتموا بتفسير القرآن تعرضوا إلى أن الآيات المتشابهات في القرآن وقوفا عند قوله تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتابَ منه آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أمُّ الكتابِ وأُخَرُ متشابهاتٌ» يمكن تخريجها وإرجاعها إلى الآيات المحكمات من القرآن.

وأثبت العالم المفسر عبد الله النسفي بكتابه مدارك التنزيل وحقائق التأويل الآنف الذكر عند تفسيره لهذه الآية أنه انما لم تكن جميع الآيات القرآنية محكمات نظرا لما في الآيات المتشابهات من الابتلاء لغاية التمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه. ولما في تقـادح العلماء لأفكارهم في استخراج معاني الآيات المتشابهات وردها إلى الآيات المحكمات من الفوائد الجليلة.

وأثبت الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بكتابه تفسير التحرير والتنوير عند تفسيره لتلك الآية ان مراتب المتشابه في القرآن فيما انتهى إليه استقراؤه عشرة ومن بينها معانٍ قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قرآنية عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي للقرآن مثل قوله تعالى: «والشمسُ تجري لمستقرٍ لها».

ومنها معانٍ عالية ضاقت عن ايفاء كنهها اللغة الموضوعة لأقصى ما هو متعارف أهلها فعبر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرب معانيها إلى الأفهام مثل قوله تعالى: «اللهُ نورُ السماواتِ والأرضِ».

وتأسيسا على ذلك فإنه غير بعيد أن يكون قوله تعالى: «إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه» يرجع إلى هذه المرتبة ويكون المعنى المقصود من قوله تعالى «إليه يصعد الكلم الطيب» عروجه إلى أماكن القبول عند الله وذلك على أساس أن من وصف بالقبول يوصف بالرفعة وهو ما حققه الإمام النسفي حسبما بُيِّن آنفا.

ويكون المعنى المقصود من قوله تعالى: «والعمل الصالح يرفعه» أي يقبله وهو ما ارتضاه بعض المفسرين.

هذا ما أمكن الاهتداء إليه في خصوص تفسير المعنى لتلك الآية وما أمكن استيحاؤه من معانيها.

وقد استوقفتني لفظة الكلم في قوله تعالى: «إليه يصعد الكلم الطيب» ذلك أنه يراد بها الكلمة وهي في اللغة اسم كـ (محمد) أو فعل كـ (قرأ) أو حرف كـ (إلى). وان الواحدة من هذه الكلمات الثلاث لا تدل على معنى مفيد فإذا قلت مثلا (محمد) ووقفت.. فإنك لم تفد بشيء وكذلك الحال بالنسبة لكل من الفعل والحرف، غير أنه بمراجعة كلام العرب ولغتهم وهي العربية التي نزل على مقتضى أحكامها القرآن يلاحظ أن العرب قد يطلقون لفظ الكلمة أو الكلم ويعنون بها الكلام. وقد درج على ذلك رجال العلم والأدب حتى في عصرنا الحاضر فيقولون مثلا هذه كلمتي التي أعددتها للنشر أو للدرس ويقصدون كلامهم المفيد.

وقد أشار لذلك العالم النحوي ابن مالك بمنظومته ذات الألف بيت المعروفة بألفية ابن مالك التي ضمنها قواعد اللغة العربية في النحو والصرف في بيتين وهما:

كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقمْ

اسمٌ وفعلٌ ثم حرفْ الكلمْ

واحده كلمةٌ والقولُ عمْ

وكلمةٌ بها كلامٌ قد يؤم ْ

فقد ضمَّن في البيت الأول معنى الكلام بأنه لفظ مفيد كعبارة استقم التي تشتمل على فعل وفاعله وهو ضمير مستتر كما تضمن نفس البيت أقسام الكلمة أو الكلم وهي الاسم والفعل والحرف.

وأشار الناظم بعجز البيت الثاني وهو قوله:

«وكلمة بها كلام قد يؤم» أي يقصد إلى أن العرب قد تنطق بلفظ الكلم أو الكلمة ويقصدون بها الكلام.

وعلى أساس ذلك فإن الآية القرآنية وهي قوله تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب» تضمنت لفظ الكلم والمراد به الكلام ويعنى به حسب قول بعض المفسرين لا إله إلا الله محمد رسول الله» وهي الشهادة.

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب