ثم جاءت التسعينيات
بمقولة مختلفة تماما، هي أنه من حق من يريد أن يموت
تدخيناً أن يفعل ذلك، وانشرت دعاية السجائر التي تقول:
“إنني أحب التدخين”، أما في السنوات الأخيرة، وبعد
التحقق علمياً من أضرار التدخين نتيجة عشرات الأبحاث
التي تم التأكد من خلالها، على أضرار التدخين وكارثيته
بالنسبة للصحة والبيئة، فهناك اتجاه لاعتبار التدخين
أمرا غير لائق فعله، على الأقل في العلانية، ولذلك لم
يعد الكثير من السياسيين يدخنون في وجود كاميرات
الصحافة والتلفاز، حتى لا يكونوا قدوة سيئة للمواطنين،
وأصبح معتاداً أن تمنع شركات الطيران التدخين، على
رحلاتها الداخلية، بل وفي كثير من الأحيان على رحلاتها
الخارجية. وكذلك تخصيص مساحات محدودة في الأماكن
العامة، كالمطاعم أو المطارات، كزنزانات للمدخنين.
ومنع التدخين تماما في داخل المواصلات العامة، بل وفي
محطات الانتظار، وتفضيل غير المدخنين عند التعيين في
وظائف جديدة.
ومن هنا ليس غريباً أن
يتقدم بعض أعضاء البرلمان الألماني بمشروع قانون يلزم
الطبيب الذي يكتشف أعراضا للإصابة بأمراض تنفس لدى أي
طفل يفحص بإبلاغ الشرطة التي يتوجب عليها تعقب
الوالدين المدخنين قانونيا، كما هو الحال عند ملاحظة
وجود كدمات، أو إصابات ناجمة عن ضرب الأهل لأطفالهم.
وبغض النظر عن العقوبة المادية التي يمكن أن يتعرض لها
الوالدان، فإنه ليس من المستبعد في الحالات المتفاقمة
من هذا النوع، حرمان الأهل المدخنين من حضانة أطفالهم.
وعلينا أن نعلم أن
المبالغ الضخمة التي نسمعها في نشرات الأخبار والتي
تصل إلى الملايين، كتعويضات تدفع للمدخنين المصابين
بأنواع السرطان القاتلة في الغرب، والتي حولت تلك
الصناعة إلى إفلاس في الغرب تقريبا، ليس لها أن تصل
إلى دول الجنوب، وذلك لأن أحد الشروط التي تم بموجبها
دفع تلك المبالغ تكمن في ضمان الحكومة الأمريكية
لشركات التبغ في بقاء رقعة الملاحقة القانونية محصورة
ضمن أمريكا ودول الشمال فقط دون وصولها إلى الجنوب!!
ولقد سمعنا بعض
المحاولات القانونية ضد شركات تبغ، من الكويت، ثم صمتت
إعلامياً، وأهم تجربة في العالم العربي هي الدعوى
المرفوعة من قبل مستشفى الملك فيصل التخصصي ضد شركات
التبغ الأمريكية، والتي شكلت سابقة قانونية عربية
وإسلامية لم تستغلها الحكومات العربية والإسلامية حق
الاستغلال، ولم تدعمها حق الدعم فانطفأت بسرعة
وبالتالي كان فشلها في اختراق اللوبي المحاطة به شركات
التبغ قانونيا في أمريكا.
ولذلك وبعد كثير من
الأبحاث الطبية والاجتماعية والنفسية في السنوات
الأخيرة تضرب منظمة الصحة العالمية النواقيس وتتنبأ
تقاريرها بموت عشر ملايين إنسان عام 2020م إذا لم يضرب
على صناعة التبغ بيد من حديد. وللأسف فإن معظم
التشريعات الوضعية لم تستطع أن تحمي بلاد الشرق الأوسط
من طغيان حب الدولار وسيلان دماء الأطفال المتفاقم
عاماً بعد عام، خاصة وأن انتشار التبغ قد تضاعف بنسبة
400٪ تقريباً خلال العقد المنصرم.
وهناك تحالفات عالمية
مشبوهة بين قوى الشر الغربية، ومن الشواهد على تلك
التحالفات المعقدة بين صناعة السجائر والمغانم
العالمية الرأسمالية للسياسة الخارجية الأمريكية، كون
المساعدات التي ترسلها أمريكا إلى العالم الثالث،
تحتوي على السجائر دوما “كشرط إلزامي”! وهذا ما عبر
عنه بوستر الفيلم العالمي “صناعة القتل” Makinga
Killing الذي يظهر طفلاً يأكل الأسباجتي مخلوطاً
بأعقاب السجائر.
وهناك بعض الحقائق
المرعبة التي لابد من معرفتها من أجل الإقلاع عن
التدخين بمعدل شخص واحد كل سبع ثوانٍ، يقتل التدخين
خمسة ملايين شخص سنوياً في العالم. ورغم أن الكثير من
المدخنين يدركون الضرر الذي يجلبه التدخين لصحتهم، فإن
ذلك لم يقنع معظمهم عن الإقلاع عن هذه العادة القاتلة،
ولو تذكر كل مدخن لحظة تناوله سيجارة جديدة الأخطار
التي تحملها إليه لربما امتنع عنها وما عادت حركة يديه
نحو علبة السجائر.
كتب الدكتور “مايكل
أوبنهايم” Michael Oppenheiفي مقدمة كتابه “صحة
الرجل”: “كثيراً ما كنت أفقد صبري مع الذين أخفقوا في
اتخاذ التدابير الوقائية من أمراض شائعة بين الرجال،
وخصوصاً عندما كنت أرى شابا صغير السن، صحيح البدن،
على قدر معقول من الذكاء، يدخن السجائر، لقد كان غباؤه
المنقطع النظير أمراً يفوق احتمالي! وكان صوتي يهدر
كالرعد وأنا أصرخ فيه: ألا تدرك ما تخبئه الأيام لك؟!
لا تقل لي إن الإقلاع عن التدخين أمر صعب، إذ لا يوجد
شيء يمكن مقارنته بالمعاناة والبؤس اللذين ما من شك
سيكونان من نصيبك إذا لم تقلع عن التدخين”!
وما ذكره الدكتور
“أوبنهايم” في كتابه السابق لا مبالغة فيه بوجه من
الوجوه، فإن التدخين يؤثر في جميع أعضاء جسم الإنسان
وأجهزته، وصحته عامة وأفضل شاهد على ذلك ما نلاحظه من
تأثيرات مرضية وقاتلة بالنسبة لجميع أجهزة الجسم
وأعضائه على النحو التالي:
القلب:
التدخين يسبب تقلصا في شرايين القلب، فتصبح أكثر عرضة
للانسداد، وهذا بدوره يؤدي إلى خفض كميات الدم الواردة
إلى القلب، يبدأ الضرر من تدخين السيجارة الأولى حتى
ولو لم “يبلع” المدخن الدخان، إذ إن مادة النيكوتين
تذوب في اللعاب، وتمتص بوساطة الدم وتسبب تقلصاً واضحا
في شرايين القلب وباقي شرايين الجسم.
لقد أثبتت الدراسات
الطبية على المتطوعين الأصحاء بوساطة تلوين شرايين
القلب أن تدخين أقل كمية ممكنة من التبغ يسبب تقلصاً
مؤقتا في قطر الشريان. وأن التدخين المتواصل والمزمن
سبب بالتالي ضيقا في شرايين القلب. ولأن الأطفال
والشباب هم أكثر تأثراً بالتدخين من الكبار لأن شرايين
قلوبهم تكون “أطرى” وتتقلص بقوة أكثر، فإن هؤلاء هم
الذين يجب أن نحميهم من مضار التدخين بسرعة.
الرئة:
على رأس قائمة الأمراض
الرئوية التي تصيب المدخنين يأتي سرطان الرئة، وهو أحد
أصعب أنواع السرطان في العلاج، فالمواد الكيميائية
الخطيرة التي تحتوي عليها السيجارة تتسبب بمرور الوقت
في إصابة أنسجة الرئة بشكل خطير، ومع التعرض المستمر
لهذه المواد تحدث الإصابة بسرطان الرئة.
والتدخين كذلك هو السبب
الرئيس لحوالي 90٪ من أمراض الرئة المزمنة، كانتفاخ
الرئة الذي يدمر الحجيرات الهوائية ويؤدي إلى السعال
وصعوبة في التنفس، وقد يتطور ذلك إلى نزلات صدرية
متكررة وصغيرة عند التنفس، وفي الحالات المتقدمة يصعب
على المريض القيام بأي جهد جسدي.
لقد أثبتت دراسات على
المراهقين أن أمراض الرئة المزمنة قد تنشأ بعد تدخين
10 سجائر في اليوم لمدة عام أو عامين، كما يزيد
التدخين من بعض الأمراض الرئوية كالربو مثلا، ويجعل
إصابة الرشح والتهاب القصبات الحاد أكثر حدة.
الجهاز الهضمي:
يؤدي التدخين إلى إضعاف العضلة القابضة الموجودة بين
المعدة والمرئ، وهو ما يسبب الإحساس بالحموضة، ويضاعف
خطر الإصابة بقرح المعدة، بل يزيد من خطر انثقابها،
كما أن التدخين هو السبب الرئيس لمعظم الأورام
السرطانية الخاصة بالجهاز الهضمي.
الفم واللثة والأسنان:
إن المصدر الأول لرائحة الفم الكريهة هو أمراض اللثة
التي ينجم الكثير منها عن التدخين، والذي يؤدي إلى
تسوس الأسنان واصطباغها باللون الأصفر، واللثة باللون
الأسود، ويؤدي كذلك إلى حدوث تغير في حاستي:
الشم والتذوق:
وتشير الدراسات إلى أن معظم المصابين بسرطان الشفة هم
مدخنون. أما أكثر أمراض الفم خطورة والتي يعتبر
التدخين سببها الرئيس، فهي سرطانات الفم التي تصيب
اللسان، واللثة، واللوزتين، والبلعوم.
الدم:
المدخنون هم أكثر عرضة لمشاكل الدورة الدموية، وارتفاع
ضغط الدم والجلطات، كما يرتفع بينهم معدل الإصابة
بسرطان الدم (اللوكيميا).
الجلد:
يقلل التدخين من كمية الدم الوارد على الجلد، ومن ثم
كمية الأكسجين في في الأنسجة الموجودة تحت الجلد،
فيؤدي إلى ظهور تجاعيد البشرة بصورة مبكرة، كما يصبح
التئام الجروح أقل كفاءة ويتطلب وقتا أطول.
الدماغ:
يعيق التدخين عملية وصول الأكسجين إلى الدماغ، مما
يهدد بحدوث السكتة الدماغية. وقد أثبتت الدراسات أن
المدخنين الذين يصابون بالسكتة الدماغية يزيدون بمعدل
3 أضعاف عن غير المدخنين، كما أن المدخنين الذين
يدخنون أكثر من 40 سيجارة في اليوم، يزيد معدل إصابتهم
بالسكتة الدماغية بمعدل الضعف عن الذين يدخنون أقل من
عشرة سجائر يومياً.
العظام والمفاصل:
تتمثل آثار التدخين على الجهاز الحركي، في خفض كثافة
العظام مما يعرضها لخطر الانكسار بسهولة، بل وتأخر
التئام العظام المكسورة والجروح، كما يؤدي إلى الإصابة
بمرض هشاشة العظام، وآلام أسفل الظهر.
العيون:
يرتبط التدخين بالعديد من أمراض العيون مثل مرض
“جريفز” الذي يؤدي إلى تضخم الغدة الدرقية، ومن ثم
جحوظ العين، والمياه الزرقاء (جلوكوما) والمياه
البيضاء (كتراكت)، كما أن كمية الدم الوارد للعين،
تنخفض نتيجة التدخين، مما يتسبب في تغيير الشكل
والأداء الوظيفي لعدسة العين والشبكية، وقد يتطور
الأمر ليصل إلى فقدان البصر تمام.
أما عن أسباب التدخين
فهي كثيرة فهناك من يعتبر عادة التدخين كعادة شرب
القهوة والشاي، كما يشعر بعض الأفراد بأن التدخين يخفف
من شدة التوتر والضيق وصعوبة التفاعل مع المجتمع،
ويضيف آخرون أنه مؤشر نضج الشخصية، خصوصاً المراهقين
منهم، وهناك من يعتبر التدخين نوعا من الاسترخاء وأنه
يشعر بالمتعة في تلك الفترة التي يدخن فيها، وآخر يشير
إلى أن الحركات اللاإرادية التي تصاحب التدخين من فتح
العلبة وإخراج السيجارة وإشعالها، والبدء في ارتشاف
الدخان ما هي إلا حركات لا إرادية لا يمكنه السيطرة
عليها.
كما يعتبر البعض التدخين
مظهرا من مظاهر الرقي، ومؤشرا من مؤشرات الطبقة
الراقية، وآخرون يعتبرون تقديم السجائر للضيف نوعا من
أنواع إكرامه!!
تدحض بعض الأبحاث تلك
الإدعاءات وتعليل بعض المدخنين بأن لديهم إدمانا على
النكوتين، وتشير إلى أنه لا صحة لذلك الإدعاء. كما أن
تبريرات المدخنين بأن اندفاعهم لاستعمال السيجارة لغرض
التخلص من التوتر والضيق والاكتئاب والوحدة، أو
للتفكير وحل المشاكل والصراعات النفسية مردودان بأن
التدخين يزيد الطين بلة نتيجة المضار المختلفة التي
يحملها الدخان، إضافة إلى أن الشخص المتوتر يحتاج إلى
كمية من الأكسجين، ولكن ليس عن طريق التدخين الذي يؤدي
إلى قلة الأكسجين وزيادة ثاني أكسيد الكربون في الدم،
ما يسبب زيادة التوتر والضيق.
هناك من يذكر أنه يدخن
أكثر عندما يشعر بالسعادة والفرح وهذا نوع من التبرير
لذلك التدخين أيضاً، فكثيراً ما يأتي الأفراد بتبريرات
لا حصر لها لكل سلوك يؤدونه. وتؤدي العوامل النفسية
والاجتماعية والثقافية دوراً مهما في ظاهرة التدخين،
ومن هذه العوامل:
●
الاضطرابات العائلية وطرق التنشئة الاجتماعية الخاطئة
في تربية الأبناء فيعتبر الوالدان مثلا أعلى أمام
الأبناء، فإن كان أحدهما أو كلاهما يدخنان فالأبناء
سيستسيغون تلك العادة وبالتالي يقعون أسرى لها. كما أن
العنف العائلي هو الآخر يؤدي دوراً مهما في ذلك، هذا
ما أشارت إليه بعض الأبحاث منها تلك التي أعدتها جامعة
واشنطن في سياتل الأمريكية والتي ذكرت أن أفراد عينة
البحث أشاروا إلى أن السبب في لجوئهم إلى التدخين هو
الشدة التي استعملها الآباء معهم جسميا ومعنويا.
●
يؤدي العامل الديني دوراً فعالاً في ارتفاع وانخفاض
نسب المدخنين، وكلما كانت الجماعات متدينة قلت نسبة
التدخين بينها.
●
الجهل بمعرفة أضرار التدخين وقلة الإحصائيات والأبحاث
في هذا المجال، ما يجعل الشباب في الدول النامية
يقبلون على التدخين بشكل كبير جداً، هذا ما أكدته
منظمة الصحة العالمية، وتلك الأرقام التي أدرجتها بأن
عشرة ملايين شخص بحلول عام 2020م سيموتون بسبب
التدخين، من بينهم سبعة ملايين سيكونون من الدول
النامية. كما أن الدول المتقدمة ومنها الأوربية بدأت
حملتها مبكرا ضد التدخين لغرض تغيير اتجاهات المدخنين
ضد التدخين وإرغام شركات التبغ على وضع صور الأسنان
المتعفنة والرئتين المصابة بالسرطان على علب السجائر.
●
الطريقة الخاطئة المتبعة بين المعارف والأصدقاء والتي
تتضمن إكرام الضيف بتقديم السجائر له في أثناء الزيارة
والصحبة، مما يشجع على التدخين من ناحية، وعلى ضعف
إرادة من أقلع عن التدخين من ناحية ثانية.
●
الدعاية المكثفة التي تستعمل في وسائل الإعلام
المختلفة والتي يكون تأثيرها في الناس كبيرا، وبخاصة
المراهقين والشباب.
أما الأسباب التي تؤدي ـ
بخاصة ـ بالشباب إلى الاندفاع إلى التدخين فأهمها:
●
يسعى المراهق، إلى تحقيق
الذات، ويعتقد أن التدخين يساعد على ذلك، ولهذا يندفع
في استعمال الدخان لأول مرة.
●
يطمح إلى الاستقلال عن الوالدين ويلجأ إلى تكوين
علاقات مع الأصدقاء ويلازمهم أكثر مما يلازم الوالدين،
وهذه الملازمة تكون فرصة مشجعة له ليتعلم منهم بعض
السلوك ومنه التدخين.
●
يتمركز المراهق حول ذاته ويسيطر عليه الخيال ويسرح
بخياله دائما ويعتبر التدخين وسيلة مساعدة على استثمار
ذلك الخيال.
●
يندفع المراهق في تحقيق رغباته وحاجاته ويعتبر التدخين
أحد الرغبات التي يحققها في هذه المرحلة.
●
يميل المراهق إلى مشاركة الآخرين في رغباتهم ومشاعرهم
وخبراتهم وأفكارهم واتجاهاتهم، ويعتبر التدخين نوعا من
الخبرة وبالتالي يحاول ممارسة التدخين مثلهم.
●
يهتم المراهق بالطبقة الاجتماعية ويعتقد أن التدخين
مؤشر من مؤشرات الطبقة الراقية، ويمارس التدخين ليظهر
للآخرين على أنه من الطبقة الراقية.
●
يتمرد المراهق على أوضاعه العائلية ويعتبر التدخين هو
أحد وسائل هذا التمرد عندما يكون أحد الوالدين أو
كلاهما يمارسان التدخين أو عندما يعرضان على ذلك.
●
يتميز المراهق بمحاولة الانسجام مع المحيط الاجتماعي
لديه ومسايرة الآخر والامتثال والقبول والتعليق
لسلوكه، ومن بين هذا السلوك التدخين.
●
يتميز المراهق بحب الظهور والتباهي والاستعلاء والتكبر
ويشعر أن التدخين مؤشر لذلك التباهي من ناحية، وإشباع
تلك الرغبة من ناحية أخرى، كما يعتبر المراهق التدخين
نوعا من الخبرة الضرورية التي لابد من اكتسابها ليبلغ
مبلغ الكبار.
وفي الحقيقة فإن خضوع
الإنسان وتعوده التدخين وإدمان بعض المواد المخدرة أو
التبغ ومشتقاته يخضع لعوامل متعددة هي التي تتحكم في
مدى تأثير تلك المادة وفي الميل نحو تكرار استعمالها.
وهي عوامل متعلقة بالمجتمع والبيئة، وعوامل متعلقة
بالمادة وعوامل متعلقة بالفرد.
أولاً:
عوامل اجتماعية وبيئية:
بعيداً عن تكوين الإنسان الموروث (التركيب الجيني) فإن
تأثير ما يحدث حوله أثناء نشأته وطول حياته يؤثر فيه
ويضع بصماته على “شخصيته” وتكوينه الآني فالطفل يتأثر
بالأم والأب بصفتهما رموزاً قيادية أو رموزاً عليا،
والشباب يتأثر بذات الرموز (العليا) التي يراها في
مجتمعه، فإن كانت تلك الرموز من معتادي ممارسة طقوس
معينة أو تناول مادة معينة، نشأ الطفل على شاكلتهم
وأصبحت تلك الأمور بالنسبة له من (المسلمات) أو على
أقل تقدير من الـ (مستحبات).
ومن البديهي أن يتأثر
النشء بما حوله من مؤثرات ويتطبع بطباعها وتقاليدها
ومن الطبيعي أن تنجذب نحو معارضته الرموز القيادية
والسلطوية، فإذا رأى النشء في أحد التجار نموذجا
متميزاً في النجاح فلا غرابة في أن يميل نحو تقدير
بضاعته، وإذا كان في مجتمعه من رواد جلسات الشاي
والقهوة ممن يراهم من البارزين والناجحين فلا مانع من
الانضمام إليهم.
وإذا رأى بعض المتناولين
للمواد الـ (مدمنة) الأخرى ما يعتقد أنه سمة من سمات
التألق والاحترام، فلا عجب من اتباع أساليبهم
“فالإنسان حيوان اجتماعي” يتأثر بالمجموعة والبيئة كما
يؤثر فيهما. ومن هنا تأتي مسئولية المجتمع تجاه إفراز
أنماط معينة من البشر ومن (المدمنين) وسواء كان هذا عن
عمد منه أو بحسن نية فعليه تقع المسئولية وهو المدان
إلى حد كبير.
ثانياً: عوامل متعلقة
بالمادة:
مثل
قدرة المادة على إحداث شعور بالارتياح والسعادة وكثير
من هذه المواد تؤثر على كيمياء المخ وخاصة مراكز
الإحساس بالسعادة (مراكز المكافأة) وتنشط مادة
الدوبامين الموجودة هناك.
ويتضح أثر العامل الفردي
في تكوين الشخص النفسي، فالإنسان ذو الشخصية القلقة
دائماً أكثر ميلا “لإدمان” المواد وكذا الإنسان
المكتئب أو الذي يجد صعوبة في النوم وغير ذلك من
الأنماط “النفسية” المتعددة، حتى ولو كانت تبدو
“بسيطة” و”سطحية” مثل الخجل، فكلها تمثل أنماطا معينة
في تركيب الإنسان وكيمياء المخ، ولكنها تمهد الطريق
وترجح كفة الميول الإدمانية.
ثالثا: عوامل متعلقة
بالفرد:
والسائر
في طريق الإدمان للتدخين أو المخدرات يمر بعدة مراحل
وخطوات تبدأ بالتجربة والتقليد، مروراً بمرحلة التعود
Habitation، إلى أن يسقط المتعاطي في المرحلة الأخيرة
وهي فخ الإدمان Addiction.
تبدأ المرحلة الأولى
بحثا عن متعة كاذبة أو لتجربة أو تشبها بالجماعة أو
الصحبة، وهي المرحلة الأولى لتأثير التدخين أو المخدر.
وبعدها يصل المتعاطي إلى درجة التعود Habitaation، وهي
الحالة التي يتكون فيها تشوقه لتعاطي المخدر، وهذا
التشوق ليس من ورائه قوة مكرهة Forced Power وخصائص
التعود هي:
1- استمرار استعمال
المخدر والرغبة في تناوله لما يسببه من شعور بالراحة.
2- عدم تناول جرعات
زائدة.
3- يحدث قدراً معيناً من
الاعتماد النفسي ولا يحدث اعتمادا عضويا.
وعندما يفشل المتعاطي في
الحصول على نفس الأثر، بعد تكرار التعاطي يضطر إلى
اللجوء لجرعات أكبر فأكبر لكي يحصل على هذه الحالة،
وإذا أصبح التعاطي بصورة منتظمة متكررة فيعمل ذلك على
اضطراب الجسم عند انقطاع تعاطي المخدر، وذلك هو
الإدمان Dddiction.
والطريقة السهلة في
التوقف عن التدخين، تدعونا لنسأل أنفسنا ما الذي نتخلى
عنه؟ والجواب لا شيء. غير أن الذي يجعل الأمر صعباً هو
الخوف من حرماننا من عاداتنا ومتعتنا، والخوف من
مواجهة ضغوطات الحياة اليومية من دونها. والإعلام
يوهمنا بأننا أضعف ولا نملك المقدرة على مقاومتها، وأن
السيجارة قد ولدت نفسها داخلنا وسنفقد أنفسنا
بفقدانها.
وهنا علينا أن نتذكر أن
السيجارة لا تعوض الشعور بالحاجة أو الفقدان بل تخلقه
فينا. وعلينا بالمقابل تذكير أنفسنا بالفوائد الكبرى
التي يحظى بها المدخنون لدى تحررهم من تلك العادة
والمتمثلة فيما يلي:
●
اكتساب الثقة بالنفس والشجاعة.
●
التحرر من عبودية السجائر.
●
عدم معاناة الظلال الداكنة لسلبيات التدخين الكامنة في
عقلنا، إذ أن مفهوم قوة الإرادة يحمل الوجه الآخر له
في التضحية بما هو ثمين وغال على النفس. وبالتالي فإن
القرار المعتمد على قوة الإرادة يبدأ مع شعور بالأسى
والفقدان والتوتر، ما يساعد المارد الداخلي المرافق
للوهم الإعلامي بغزو العقل ليبدأ بتقديم أعذار منطقية
لمعاودة التدخين مثل:
●
الحياة قصيرة ويمكن أن أموت في أية لحظة.
●
اخترت وقتا غير مناسب فظرفي الحالي لا يسمح على
الانتظار حتى تهدأ الأمور.
●
لا أستطيع التركيز وأنا في النهاية مدخن، ولن أكون
سعيداً دون سيجارة.
وما حدث أن المدمن قد
غير رأيه من دون مقاومة ولحسن الحظ فإن منطق المارد
غير صحيح، وعلى العكس فإن حياة غير المدخن أكثر سعادة،
غير أن الوهم وحده دفع المدخن إلى الاستمرار في
التدخين.
ونظراً لأن جميع محاولات
التوقف عن التدخين تبدأ بصورة مؤلمة. وكل من نجح في
الصمود لبضعة أيام أو أشهر أو سنوات، يبقى في داخله
الشعور بالحرمان من تدخين سيجارة واحدة على الأقل،
ويحسد المدخنين على سعادتهم. وهذا الشعور بالمعاناة أو
الحاجة إلى السيجارة يبقيه ضمن فئة المدخنين المتوقفين
مرحليا، لأنهم عاجلاً أم أجلا سيعودون إلى عادتهم.
ومعاناة التدخين تكمن في
صراع العقل حيث تصبح فكرة التدخين هاجساً لا يفارقه،
وتهيمن المخاوف والتساؤلات التالية على فكره، ما يدفعه
على الشعور بالاكتئاب.
ـ كم ستستمر حالة الرغبة
في التدخين؟ هل سأكون سعيداً مجدداً؟ هل سأستمتع
بتناول وجبات طعامي بعد الآن؟ كيف سأتحمل التوتر في
المستقبل؟ هل سأجد متعة في الحياة الاجتماعية لاحقا؟
وبينما يعيش المتوقف عن التدخين على أمل أن تتحسن
الأمور ويتجاوزها، فإن السيجارة تصبح أكثر قيمة
وأهمية.
التقليل من التدخين: يرى
بعض الباحثين أنه لا فرق بين من يدخن خمس سجائر في
اليوم أو عشرين فالقليل يوقعنا في الشرك نفسه ويغذي
المارد الكامن في داخلنا، ومحاولة تقليل عدد السجائر
في اليوم الواحد أكثر ألما وضررا، علينا من التوقف
قطعيا. وذلك لأن ساعات اليوم نمضيها ونحن بانتظار
السيجارة التالية، ما يجعلنا نستمتع بكل سيجارة ندخنها
لتصبح محور حياتنا وتفكيرنا.
كما يحذر كاتب من القول
الذي يتفاخر به غير المدخنين، حينما يطلبون تدخين
سيجارة واحدة، ويؤكد أن هذه المقولة وهْمٌ يجب التحرر
منه، فبداية الانزلاق إلى الهاوية تبدأ بالسيجارة
الأولى، وهي كفيلة لإيقاعنا بشرك الإدمان، ويوصي
الكاتب بأن نكون حازمين في فكرنا بشأن السيجارة
الأولى، كما أن على المدخنين قبل توقفهم أن يذكروا
أنفسهم بما يلي:
●
ليس هناك ما أتخلى عنه، بل الكثير لأكسبه.
●
عدم النظر إلى السيجارة كوجود، بل إلى حياة التلوث
بالمرض.
●
لست مختلفا عن الآخرين، فأي مدخن يستطيع التحرر من
التدخين بسهولة.
وعلينا أن ندرك أن
المراهقين والمدخنين بجميع فئاتهم، لم يختر أي منهم في
البداية أن يكون مدخنا أو مدمنا في بعض الأحيان، لذا
فإن جميع المدخنين يشعرون بتورطهم، أي أنهم يكذبون على
أنفسهم وعلى الآخرين لتبرير تورطهم.
وبغض النظر عن الأسباب
التي تدفعنا للتوقف عن التدخين فإن عامل الوقت يبقى
مهما جداً، ويستحسن في البداية اختيار الظرف المناسب
خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة التي لا تتعرض خلالها
إلى ضغوط نفسية وحالات توتر شديدة، أما ما عدا ذلك فإن
القرار يبدأ بالقناعة.
وعامة فالإنسان العاقل
بطبعه وفطرته، يربط بين السبب والمسبب والمقدمات
بالنتائج، حتى لو كان حظه من التعليم لا يصل إلى مستوى
(فك الحرف). لقد دبجت الملايين من الكتب والمقالات
والدراسات والتقارير والإحصاءات والبرامج الإعلامية في
الإذاعة والتلفزيون والصحافة والملصقات والإعلانات،
وتساقط في الوقت نفسه ملايين البشر بالسرطان والأزمات
القلبية وأمراض الأوعية والشرايين الناجمة عن التدخين
ووجوب المحافظة على الصحة والعافية، وهي رأس مال حقيقي
لا يضاهيه رأس مال آخر، دافع قوي للإقلاع عن التدخين.
وهناك شريحة من المدخنين
في موقف لا تحسد عليه، كما لا تحسد على التدخين نفسه،
أولئك هم المدخنون من الأطباء والمربين والمعلمين
والمسؤولين الكبار والعلماء والكتاب والمفكرين
و(الآباء الذين يحبون أبناءهم)... يلجأ كل هؤلاء عادة
إلى (التدخين السري)- بتعبير خاص- يدخنون في الخلاء،
في أماكن مقطوعة، في مزارع واستراحات نائية في
السيارات على طرق بعيدة، على أبواب المدارس بين الحصص،
وفي دورات المياه (أحيانا)، تبدو فرصة هؤلاء (المدخنين
السريين) أكبر في الإقلاع عن التدخين، نظراً للبرمجة
التي يخضعون تدخينهم لها وللمستوى العلمي الذي وصلوا
إليه.
ا
ستراتيجية
الإقلاع: إعلم ـ
سلمك الله ـ أن عادة التدخين تحكمك في مستويين، مستوى
الإدمان، ومستوى العادة، وللإقلاع عن التدخين لابد أن
تتبع استراتيجية تخلصك من الإثنين معاً (الإدمان
والعادة)؛ إذ أن التركيز على إحداهما سيرفع من أسهم
الأخرى، وتمنى محاولتك بالفشل: إن تناول السيجارة من
العلبة، وإشعالها، ووضعها بين الشفتين، وأخذ نفس منها
ونقرها لإزالة الرماد الناجم عن احتراقها، ثم سحقها في
المنفضة أو تحت القدمين وغيرها.. ما هي إلا عادات
تمارسها مع كل سيجارة من دون أن تحس. وهي تشبه طقوسا
محبوبة قد تعود عليها الإنسان وصار من الصعب التخلص
منها.
ولذلك عليك أن تمارس
عادات تشغيل يديك وشفتيك وفمك ورئتيك بدلا من العادات
المرتبطة بالسيجارة، استخدم سواكاً، أو ضع علكة
(لبانا) لاعب مسبحة، داعب سلسلة تعليق مفاتيح، مارس
رياضة وتلذذ باستنشاق هواء نقيّ، اقرأ كتاباً صغيراً
من كتب الجيب وأجعله يرافقك دائماً، اعتكف في جامع في
الأوقات التي تعودت التدخين فيها احضر محاضرات ودروسا
دينية أو ندوات ثقافية، قلل من الشاي والقهوة، وتناول
بدلا منها مشروبات لا تعمل على توترك وسهرك فكلما طالت
ساعات نومك قلت فرصة التدخين، وتخلص الجسم من إدمان
النيكوتين. استخدم الأساليب الطبية الحديثة لتوفير
النيكوتين ـ في مرحلة تنفيذ الاستراتيجية ـ كلصاقات
لنيكوتين، أو جرعاته الباطنية. فهي تعمل في المستويين
معاً. مستوى مكافحة العادة ومستوى مكافحة إدمان
النيكوتين.
.. استعن بالله، واهجر
التدخين من أجله، بالمقام الأول، حفاظاً على أمانته
التي بين جنبيك.
وننبه أن هناك مسؤولية
تقع على عاتق المجتمع وأخرى على الفرد، فأما المجتمع،
فعليه أن يغير من نظرته السلبية إلى الظاهرة، وأن
يتعامل الجميع معها كظاهرة طبيعية، يمكن علاجها مثل
بقية الأمراض التي يمكن أن تصيب الإنسان، ويمكن أن
يشفى منها بمتابعة العلاج، ومساعدة المجتمع له. كما أن
على الشخص المدمن أن ينظر إلى نفسه بوعي وثقة بأنه
إنسان طبيعي، وأن كل ما في الأمر أنه يمر بمرحلة مؤقتة
من اعتلال صحي عارض ولكنه قادر وبمشاركة المجتمع على
تعديل المسار، وعلى العثور على البدائل الإيجابية بإذن
الله تعالى.
المصادر والمراجع:
(1) د. إبراهيم طالب
عيسى: الإدمان وظاهرة انحراف الشباب، منار الإسلام
العدد 346 الكويت ديسمبر 2003
(2) أحمد عبدالعزيز شرف:
المكيفات مصر عام 1982م
(3) أحمد محمود حافظ:
المخدرات، مصر عام 1984م
(4) د. أحمد طه ريان:
المخدرات بين الطب والفقه، دار الاعتصام، القاهرة عام
1984م
(5) أنسام أبو جبارة
دخان السيجارة 43 مركبا سبب السرطان مجلة المعرفة
العدد 103 الرياض 2003م
(6) أمل المخزومي:
المراهقون والسيجارة، المعرفة العدد 103
(7) حسام أبو جبارة:
المدخنون يموتون، المعرفة، العدد 103 الرياض 2003م
(8) رامي ديابي: شركات
التبغ عضو رئيسي في اللوبي الصهيوني، المعرفة العدد
103
(9) د. السيد عماد:
التدخين مجلة العربي الكويتية، عدد أغسطس عام 1980م
(10) عبدالحميد غزي بن
حسن: التدخين والمرأة، مجلة المنهل، العدد 589 جدة
يناير 2004
(11) عبدالحميد غزي بن
حسن: التدخين السلبي، مجلة الخفجي السعودية العدد 2
مارس 2004م
(12) د. محمد محمود
الهواري: المخدرات من القلق إلى الاستعباد، كتاب الأمة
العدد 15 قطر 1407هـ
(13) د. محمود خيال:
الإدمان، كتاب الهلال الطبي، العدد 12، القاهرة عام
2001م
(14) هاني كرم: السجائر
تسبب نوعا خاصا من سرطان الرئة، المعرفة، عدد 103
(15) موقع منظمة الصحة
العالمية على شبكة الإنترنت.
(16) ملف إسلام أون لاين
على شبكة الإنترنت.
(17)
Verlag,- Dr Frank Naumann, Rauchen und gesund
lleiben, Falken Niederhausen, 2000.