إن آيات القرآن الكريم
الواردة في سورة «النساء» حاسمة في نفي دعوى القتل
والصلب عن المسيح ـ عليه السلام ـ:«وبكفرهم وقولهم على
مريمَ بهتاناً عظيما. وقولهم إنَّا قتلنا المسيحَ عيسى
ابنَ مريم رسولَ اللهِ وما قتلوه وما صلبوه ولكن
شُبِّه لهم وإنَّ الذين اختلفوا فيهِ لفي شكٍّ منه
مالهم به من علمٍ إلاَّ اتباعَ الظنِّ وما قتلوه
يقينا. بل رفعهُ اللهُ إليه وكان الله عزيزاً حكيما» ـ
النساء: 156 ـ 158 ـ.
ومن ثم فهذه الآيات
حاسمة في إبطال عقائد النصارى في قتل المسيح وصلبه ـ
(ما قتلوه وما صلبوه).. (ما قتلوه يقينا).. (مالهم به
من علم إلا اتباع الظن).. هكذا بكل أدوات النفي،
وأوصاف التأكيد.. وألفاظ اليقين..
وهذه الآيات ـ من سورة
النساء ـ يقول البعض إنها مكية، لأن فيها أوصاف خطاب
القرآن المكي، الذي يبدأ بـ «يا أيها الناس».. ومن ثم
فإنها سابقة في النزول وتقرير هذا الاعتقاد، وتفنيد
عقائد النصارى في القتل والصلب، على الأحداث التاريخية
ـ غزوتي مؤتة وتبوك ـ التي يزعم «مؤلف» هذا الكتاب
أنها غيرت موقف القرآن والإسلام من عقائد النصارى في
المسيح..
وحتى لو سلمنا ـ مع
البعض الآخر ـ بأن هذه الآيات مدنية، فإنها قد نزلت في
اليهود الذين نقضوا الميثاق.. وكفروا.. وقتلوا
الأنبياء.. أي أن مناسبة نزولها كانت اشتداد الصراع
بين الإسلام واليهود بالمدينة، وهو تاريخ سابق على
لقاء الإسلام بالنصرانية ـ في مؤتة سنة 8هـ وتبوك سنة
9هـ ونجران سنة 10هـ، ومن ثم، فالآيات معبرة عن ثوابت
القرآن في الاعتقاد ـ ازاء اليهود والنصارى ـ ولا
علاقة لها بمتغيرات الأحداث التاريخية ـ كما يزعم
«مؤلف» هذا الكتاب (3).
لكن «المؤلف» تجاوز
الافتراء على القرآن ـ فذهب وادعى ان علماء الإسلام
وأئمة تفسير القرآن الكريم من تبنى هذا الافتراء..
وذلك عندما نسب الى الإمام فخر الدين الرازي (544 ـ
606هـ ـ 1150 ـ 1209م) ـ صاحب التفسير الشهير (مفاتيح
الغيب) الإقرار بصلب المسيح، اعتمادا ـ كما قال ـ على
«تواتر» روايات النصارى الشاهدة على هذا الصلب.. ومع
هذا الادعاء على الإمام الرازي، ادعى «المؤلف» «غموض»
موقف القرآن من هذا الموضوع!!..
نعم.. افترى «مؤلف» هذا
الكتاب هذا الافتراء، فقال ـ ص 215 ـ 216 ـ:«.. ولكن
الأمر المهم في هذا الفصل هو مشكلة الصليب الذي يتنكر
له عامة المسلمين مستندين إلى آية في القرآن طالما
تخبط في شرحها الشارحون، إذ انها غاية في الصعوبة.
يقول القرآن ان الله رفع عيسى اليه، فما قتله اليهود
وما صلبوه يقينا، بل «شبه لهم». وقد لا يكون في هذا
الكلام رفض الصلب كحدث تاريخي، بل اعتراض على ادعاء
بني اسرائيل انهم قتلوا كلمة الله، عيسى، بينما كلمة
الله هي الظافرة كل حين. وقد أقر فعلا بعض المفكرين
والفلاسفة المسلمين كإخوان الصفا وفخر الدين الرازي،
أن المسيح صلب حقا، وأن القتل ورد على هيكل ناسوته لا
على نفسه التي «تخلصت في فسحة السموات».. أما معظم
المفسرين التقليديين فلم يعيروا هذه المشكلة اهتماما
كبيرا، بل حصروا كل همهم في ايجاد «الشّبه» الذي صُلب
مكان عيسى.. وقد يكون لهذا الزعم صلة ببدعة نصرانية
كان لها قُبيل الإسلام معتنقون كثيرون في نجران، وهي
بدعة «الشبهيين» الذين كانوا ينكرون آلام المسيح، وقد
ادعى البعض منهم أن سمعان القيرواني كان ذلك الشبه،
كما ادعى بعض المفسرين في الإسلام أن المسيح نفسه لم
يُصلب ولم يُصب شبهه، وإنما أُرجف بقتله فشاع ذلك بين
الناس».
وعلى كل حال، فإن من
الغرابات الكبرى ان ينقض حدث الصلب وقد شهد له من
عاينه من الأصحاب والأعداء، نصارى ويهود، وعلى
الاعتقاد به عاشت النصرانية أجيالا قبل الإسلام، وذلك
ما تنبه إليه الفخر الرازي في تفسيره فقال: «إن
النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة
محبتهم للمسيح وغلوهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه
مقتولا مصلوبا. فلو أنكر ذلك كان طعنا فيما ثبت
بالتواتر. والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوءة محمد
وعيسى وسائر الأنبياء».
ويقول ـ (أي الرازي) ـ
أيضا: «فتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوءات
بالكلية..».
هذا هو الادعاء..
والافتراء ـ على القرآن.. وعلى علماء الإسلام ـ..
وأمامه نتساءل:
●
هل هناك
«تواتر» نصراني على قتل المسيح وصلبه؟
إن المتواتر ـ من النصوص
أو الوقائع ـ هو ما يرويه جمع يستحيل اجتماعهم
وتواطؤهم على الكذب، عن مثلهم، عن مثلهم.. إلى المصدر
الأصلي، دونما انقطاع..
●
وفيما يتعلق
بالنصوص والوقائع النصرانية ـ وهل فيها ما ينطبق عليه
شرط التواتر أم لا؟ فإن الأناجيل الأقدم من الأربعة
المشهورة.. وكذلك المذاهب النصرانية التي انتشرت وسادت
قبل عصر المجامع الكنسية البيزنطية ـ ومن هذه المذاهب
«الآريوسية» ـ نسبة إلى «آريوس» (280 ـ 336م) التي
سادت في الشرق إلى القرن الرابع الميلادي.. وما كان
عليه النجاشي وأهل الحبشة ومن أشار اليهم «مؤلف» هذا
الكتاب من أهل نجران ـ.. كل هؤلاء كانوا ينكرون القتل
والصلب للمسيح عليه السلام.. إذن، فلا تواتر، لأنه
منقطع.. أي أن دعوى القتل والصلب طارئة على
النصرانية..
●
ثم إن عقيدة
القتل والصلب هذه، مؤسسة على عقيدة «الخطيئة»، التي هي
عقيدة لا أخلاقية.. وساقطة بمعايير المنطق والعدل
الإلهي، فليس من العدل الإلهي تأبيد خطيئة حواء وآدم
في أجيال البشرية التي لم ترتكب وزرا، حتى تكون هناك
حاجة وضرورة إلى تضحية الله بابنه ـ تعالى الله عن ذلك
علواً كبيراً ـ لخلاص الناس من هذه الخطيئة التي لم
يرتكبوها!.. فالعدل الإلهي يقول (ولا تزر وازرة وزر
أخرى) ـ الأنعام: 164 ـ .. وذلك فضلا عن توبة الله على
آدم وحواء.. وقدرته ـ سبحانه وتعالى ـ على أن يتوب على
من يشاء، ويخلصه دون حاجة إلى القتل والصلب لابنه!.. ـ
كما يزعمون ـ ..
●
وفي نقض حدوث
«تواتر نصراني» أصلا، يعترف «المؤلف» ذاته باختلاف
النصارى حتى في اسم يسوع.. وفي داخل اللغة الواحدة!..
فيقول ص 128 (هامش 58) ـ:«إن النساطرة يقولون «إيشوع»
ـ بالسريانية ـ بينما اليعاقبة يقولون «يشوع» ـ
بالسريانية.. أيضا». فإذاً لم يكن هناك اتفاق ـ فضلا
عن التواتر ـ في اسم يسوع، فكيف يكون هناك تواتر على
قتله وصلبه؟!..
●
وأين التواتر
في النصوص النصرانية ـ التي هي مصدر الاعتقادات جميعها
ـ والاختلافات والتناقضات في الأناجيل قد ملأت صفحات
الكتب التي رصدتها؟! (4).
●
وأين التواتر،
ومذاهب النصرانية الحالية مختلفة فيمن وقع عليه القتل
والصلب:
ـ أَعَلىَ الهيكل
الناسوني؟ ـ كما يقول النساطرة ـ..
ـ أم على جميعه ـ
الناسوت فيه واللاهوت ـ كما يقول غيرهم؟
●
وأين التواتر..
ومؤلف هذا الكتاب يذكر ـ ص 236 ـ 237 ـ:«فأخذوا المسيح
وأخرجوه وحملوه على الخشبة التي صلبوه عليها. هذا في
إنجيل يوحنا، فأما متى ولوقس ومرقس فيقولون: وضعوا
الخشبة على عنق رجل قرنائي ـ هو سمعان القيرواني»!!
فليس هناك اتفاق بين
الأناجيل على وقائع الحدث!..
●
وأين المنطق
والعقل ـ وهي من شروط التواتر، وإلا كان النص معلولا
وشاذا ـ.. والمؤلف يقول ـ ص238: إن المسيح ـ بعد
القيامة ـ قال لهم:«طوبى للذين لم يروني وصدقوا بي.
وجاؤه بقطعة سمك فأكل».
●
فإذا كان
الناسوت قد صلب ومات، والذي قام هو اللاهوت.. فكيف أكل
اللاهوت سمكا؟!..
●
وأين التواتر..
وحتى الأناجيل الأربعة المشهورة، والمعتمدة لدى أغلب
الكنائس النصرانية، مختلفة ومتناقضة في وقائع القتل
والصلب.. ويكفي أن نشير ـ مجرد إشارات ـ إلى نماذج من
التناقضات والاختلافات التي حفلت بها هذه الأناجيل في
واقعة القتل والصلب..
●
ففي انجيلي متى
ومرقس: أن الذي حُمِل على الصليب هو سمعان القيرواني ـ
متى 27: 32 ـ، ومرقس 15: 21، 22.. بينما إنجيل يوحنا
يذكر أن المسيح هو الذي حُمل على الصليب ـ يوحنا 19:
17 ـ..
●
وإبان محاكمته
تختلف الأناجيل المشهورة، فيقول متى ـ 27: 11 ـ 14 ـ:
انه لم يتحدث بكلمة، بينما يقول يوحنا ـ 33:18 ـ 38 ،
19: 9 ـ 11 ـ: إن يسوع تحدث كثيرا!..
●
كذلك تختلف
الأناجيل المشهورة في لون الرداء الذي ألبسوه للمسيح..
فهو في متى ـ 27: 27 ـ 29 ـ «قرمزي».. بينما هو في
مرقس ـ 15:17 ـ «أرجواني»!..
●
كذلك تختلف هذه
الأناجيل المشهورة في عدد اللصوص الذين صلبوا معه..
ففي مرقس ـ 15:27، 32 ـ أنهم لصان.. وفي لوقا ـ 23: 39
ـ 43 ـ لص واحد!..
●
كذلك اختلفت
هذه الأناجيل فيما قاله المسيح وهو على الصليب.. ففي
مرقس ـ 15: 34 ـ: «وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت
عظيم قائلا: ألوى ألوى لم شبقتني، الذي تفسيره: إلهي
إلهي لماذا تركتني»؟.. وفي لوقا ـ 23: 46 ـ:«ونادى
يسوع بصوت عظيم وقال: يا أبتاه في يديك أستودع روحي،
ولما قال هذا أسلم الروح».
بينما نجد اختلافا ثالثا
في رواية هذه الواقعة، عند يوحنا ـ 19: 30 ـ:«فلما أخذ
يسوع الخل قال: قد أكمل، ونكس رأسه واسلم الروح»!
فإذا كانت الأناجيل
المشهورة قد اختلفت هذه الاختلافات الكثيرة والجوهرية
في رواية هذه الجزئية المحددة من مشهد الصلب.. فإن ما
جاء في هذه الأناجيل من اختلافات وتناقضات حول وقائع
هذا الحدث ومشاهده يقطع بأنه لا علاقة لهذه الروايات
وهذه النصوص بأي لون من ألوان التواتر، حتى لو كان
واهيا؟!..
●
وإذا كان هذا
هو حال الاختلافات التي امتلأت بها صفحات الأناجيل
المشهورة ـ والتي أُلفت فيها عشرات الكتب.. فإن عدد
الأناجيل الأخرى، التي تنكر ألوهية المسيح وقتله
وصلبه.. والتي تتحدث عنه عبدا ورسولا لله ـ سبحانه
وتعالى ـ هي أكثر من أن نحصيه في هذا المقام..
وعدد من هذه الأناجيل ـ
غير المشهورة ـ أقدم في تاريخ كتابته من هذه الأناجيل
المشهورة.. ويكفي أن نقول إن هذا الكتاب الذي نتحدث
عنه ـ (المسيح في الإسلام) قد أشار إلى ثلاثة عشر
إنجيلا من هذه الأناجيل غير المشهورة.. وهي:
1 ـ إنجيل متى ـ وهو غير
الإنجيل المشهور لمتى ـ..
2 ـ وإنجيل مرقوس..
3 ـ وإنجيل نيقو ديموس..
4 ـ وإنجيل يعقوب..
5 ـ وإنجيل لوقا ـ في
نصه اللاتيني ـ..
6 ـ وإنجيل لوقا ـ في
نصه السرياني ـ..
7 ـ وإنجيل الطفولة ـ في
نصه الأرمني ـ..
8 ـ وإنجيل الطفولة ـ في
نصه السرياني ـ..
9 ـ وإنجيل طفولة سيدنا
ـ في نصه الأرمني ـ..
10 ـ وإنجيل طفولة سيدنا
ـ في نصه العربي ـ..
11 ـ وإنجيل توماس ـ
الذي ذهب يبشر في أرض بابل ـ..
12 ـ وإنجيل فيلبس ـ
الذي ذهب يبشر في القيروان وقرطاجنة ـ..
13 ـ والنص العربي
القديم لقصة يوسف النجار..
فإذا اضفنا إلى هذه
الأناجيل، التي ذكرها «مؤلف» هذا الكتاب:
14 ـ إنجيل برنابا..
15 ـ وإنجيل يهوذا..
16 ـ وإنجيل العبريين..
17 ـ وإنجيل الناصريين..
18 ـ وإنجيل الحقيقة..
وكذلك الأناجيل التي
اكتشفت ضمن «مخطوطات نجع حمادي» ـ في صعيد مصر سنة
1947م ـ وفيها 53 نصا.. وتقع في 1153 صفحة.. والتي
جمعت في 13 مجلدا ـ وهي التي يرجع تاريخ كتابتها إلى
ما قبل كتابة الأناجيل الأربعة المشهورة بعشرين عاما..
ومنها:
19 ـ إنجيل مريم
المجدلية..
20 ـ وإنجيل فيليب..
21 ـ وإنجيل بطرس..
22 ـ وإنجيل المصريين..
إذا علمنا هذا العدد غير
المحصور للأناجيل.. والذي وصل في الموسوعة الأمريكية
الى ستة وعشرين انجيلا.. ووصل في بعض الدراسات
إلى مائة إنجيل!!.. ظلت شـائعة ومعتمدة عند طوائف
نصرانية حتى القرن الرابع الميلادي، عندما قرر مجمع
نيقية سنة 325م إلغاء الأناجيل التي لا تقول بألوهية
المسيح!!.. (5).
إذا علمنا ذلك.. وعرفنا
كمّ الاختلافات والتناقضات الهائلة بين هذه الأناجيل،
ظهر لنا جليا أن ما تحدث عنه «مؤلف» هذا الكتاب من
وجود «تواتر» في عموم النصوص الدينية النصرانية هو محض
خرافة من الخرافات!..
ـ للدراسة صلة ـ
الهوامش:
(1) البلاذري:(فتوح
البلدان) ص 189. تحقيق: د. صلاح الدين المنجد. طبعة
القاهرة سنة 1956م.
وأبو يوسف: (كتاب
الخراج) ص138 ـ 139. طبعة القاهرة سنة 1352هـ.
(2) يوحنا
النقيوس:(تاريخ مصر ليوحنا النقيوس: رؤية قبطية للفتح
الإسلامي) ص 201 ـ 202 . ترجمة ودراسة: د. عمر صابر
عبد الجليل. طبعة دار عين ـ القاهرة سنة 2000م. و د.
صبري أبو الخير سليم: (تاريخ مصر في العصر البيزنطي)
ص62. دار عين ـ القاهرة سنة 2001م.
(3) انظر في أسباب
النزول: السيوطي (أسباب النزول) ص66 ـ 67. طبعة
القاهرة سنة 1382هـ.
(4) أنظر على سبيل
المثال: (الاختلافات في الكتاب المقدس) و(السيف
الصقيل) و(حول موثوقية الأناجيل والتوراة) و(المنتخب
الجليل من تخجيل من حرف الإنجيل و(إظهار الحق)..الخ..
الخ..
(5) أحمد عبد الوهاب
(المسيح في مصادر العقائد المسيحية) ص 37 ـ 38 طبعة
القاهرة.
1978. والنقل عن محمد السعدي (حول موثوقية:
الأناجيل والتوراة ص33 طبعة جمعية الدعوة الإسلامية
العالمية. ليبيا 1986م.