|

أستاذنا
العالم الأديب الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي ـ
أدام الله عليه فضله ـ من كبار محبي مجلة ـ المنهل ـ
ومن كبار الكتاب فيها، استدامة ووصلاً.. وكتاباته مكان
استحسان القراء. وقد آثر مجلة المنهل بالكثير من علمه
وأدبه وفضله..
وهذا
الباب (الحديث ذو شجون) سيكون مدار حلقاته الجديدة
لقرائه الأفاضل.
كان أدباء الجيل الماضي
ـ وبخاصة الشعراء ـ يحفظون آلاف الأبيات المختارة من
روائع الشعر العربي، وفيهم من كان يحفظ الدواوين
الشهيرة لكبار الشعراء، لذا عُرفوا بجزالة اللفظ وقوة
التركيب، فذلك بعض ما انتفعوا به من رواية الشعر، إذ
طُبعوا على الديباجة الممتازة، فسهل عليهم أن يصوغوا
أفكارهم في قالب أدبي ممتاز.. ولعل الشاعر الكبير
محمود سامي
البارودي كان أول من وجههم إلى هذا النمط الرائع من
البيان، إذ ألف «مختارات البارودي» في أربعة أجزاء
حافلة بأروع ما قال الشعراء الكبار في عهد العربية
الزاهر، فأكب عليها المتأدبون حفظا ودراسة، فنشأ جيل
ممتاز يهيم برواية الشعر ويعقد المجالس الأدبية
لإنشاده، وكانت سهرات المنازل حينئذٍ ميدانا لاجتماع
الصفوة من المتأدبين، وفيها يتبارى الحافظون، وكأنهم
في مؤتمر أدبي جهير!
وقد اشتهر من رواة
العقود الأولى من القرن العشرين طائفة من كبار الرواة،
نذكر منهم
السيد
علي المرصفي، وأحمد
أمين الشنقيطي، ومحمد عبد المطلب، فهؤلاء كانوا مرجع
الشعر في مصر، لمن يريد أن يعرف مرجع قصيدة، أو قائل
بيت لا يدري صاحبه، وشعراء الجزالة القوية من أمثال
أحمد محرم وحافظ وعثمان زناتي وعلي
الجارم كلهم رواة قبل أن يكونوا شعراء، وشهرتهم
بالبيان الجزل ترجع الى كثرة ما يروونه من أشعار
السابقين الفحول، ولست أنكر ان الموهبة هي الأصل في
جودة الشعر. ولكن الرواية تساعد الموهبة في الصياغة
الأدبية، فتأتي القصيدة للفحول من هؤلاء قوية المبنى
مع جودة المعنى فتتداولها الألسنة، وتذيع بين
المتأدبين.
وحين أقيمت حفلة لذكرى
حافظ
ابراهيم سنة 1936م، ألقى فيها الأديب الكبير الأستاذ
محمد هاشم عطية كلمة تحت عنوان (حافظ الراوية)، فأشاد
بسبقه الظافر في الندوات الأدبية مع نظرائه، حين كان
يروي من روائع المتقدمين ما يبهر ويعجب، وأذكر مما قال
عن حافظ، انه كان يختار أبياتا من الشعراء، ويسأل عن
الغرض الذي تضمنته، وطبيعي أن يكون الغرض خافيا غير
واضح، لاشتمال الأبيات على بعض أساليب الكناية والمجاز
مما لا يفطن اليه غير المتمرس الدؤوب، قال الأستاذ
هاشم، وبهذه الندوات شجع حافظ رواية الشعر، وأنشأ جيلا
من المتأدبين، أعادوا للعربية رونقها فيما يبدعون من
أساليب النثر والشعر، وأقول النثر عامدا، لأن صاحب
الرواية الشعرية إذا كتب مقالا نثريا نضح عليه محفوظه
الأدبي، فأتى بأنماط من التعبير ترتفع بأسلوبه إلى
مرتبة الابداع وذلك ما نلحظه في أساليب عبد
العزيز البشرى وأحمد حسن الزيات ومصطفى صادق الرافعي
من أئمة البيان العربي المعاصر، ونظيرهم كثير.
ونبحث الآن عمن يروون
الشعر فلا نكاد نجد من يحفظ قصيدة، بل ما نكاد نرى من
يحفظ عدة أبيات من قصيدة حتى ممن يدَّعون الشاعرية، لا
يهتمون بجودة التعبير، لأن أكثرهم قد استسهل القول كما
يجيء، وإذا تخلص من القافية والوزن المطرد، فسهلٌ عليه
أن يتخلص من الديباجة الآسرة.. وأنت تجد الجيل الماضي
يروي قصائد حافظ وشوقي ومطران ومحرم ويتتبعها مستشهدا
بروائعها، ولكنك لا تجد اليوم من يروي بيتا واحدا
لهؤلاء الذين احتلوا الساحة، وضحوا بالوزن المطرد
والقافية في ظلال ما سموه بالشعر الحر، ثم جاءت فئة
أخرى ضحت بالموسيقى الشعرية وادعت أنها تنظم قصيدة
النثر، ولا تجد تباينا أشد تناقضا من كلمتي القصيدة
والنثر، ولكن الادعاء كثير، وأكثر القراء أعاجم، لم
يعرفوا شيئا عن التراث العربي في مدى متطاول يبلغ أكثر
من سبعة عشر قرنا! وسيظل الشعر المعاصر لا يجد الترحيب
حتى يعود الى عصر الصياغة المحكمة، والقول الرصين.
لقد أدركت من كبار
الرواة للشعر العربي ثلاثةً من كبار الأدباء هم
الأستاذ
أحمد
الزين، والأستاذ أحمد
شفيع السيد والأستاذ
طاهر أبو فاشا، أما الأستاذ أحمد الزين فكانت تُنشر
قصائده في الاهرام والرسالة والثقافة مقرونة بهذه
العبارة (للشاعر الراوية الأستاذ أحمد الزين) وكان
المرجع الأول في دار الكتب لشوارد الأبيات التي يجهل
الكثيرون قائليها، ولكن الزين يعرف من القائل فيجيب
على الفور، أما الأستاذ أحمد شفيع السيد فقد كان يسأل
الشاعرين من شعراء كلية اللغة العربية وهو أستاذ الأدب
عما حفظوه من القصائد الجياد، فإذا لمس قصورا لدى من
يتعاطون النظم في المحفوظ الأدبي، صرح أن الاطلاع على
الشعر أول ما يجب أن يحرص عليه من يأنس في نفسه رغبة
في القول. وكان يفرح بالطالب الراوية أكثر من فرحه
بالطالب الشاعر. ويقول في تقريظه انه عرف الطريق ومن
سار على الدرب وصل. وصديقي الأستاذ طاهر أبو فاشا قد
اشتهر بحلاوة النادرة، وطرافة الفكاهة، ولكنه في مجال
الرواية الشعرية كان أسبق زملائه جميعا وهم من صفوة
الأدباء، وقد عرف عنه أساتذته في دار العلوم هذه
الميزة، فكانوا يسألونه كثيرا عن قائل بيتٍ لم يعرفوه،
فيجيب التلميذ أستاذه بما يفيد، وأحمد الزين وأحمد
شفيع وطاهر أبو فاشا شعراء موهوبون، وقد عشقوا الشعر
العربي عشقا زائدا، ولم أر من يخلفهم الآن في هذا
الاتجاه وخاصة بعد رحيل الأديب الراوية الكبير الأستاذ
محمود محمد شاكر.
ومما أذكره في مجال
الاهتمام بالرواية الشعرية لدى أبناء الجيل الماضي من
الأدباء والمتأدبين ما يعرف بالمطارحة الشعرية في مجال
السمر، إذ يجتمع أكثر من خمسة أدباء لهذه المطارحة
فيبدأ أحدهم برواية بيت شعري تكون قافيته الهمزة مثلا،
وعلى من يحاوره أن يأتي ببيت يكون أوله حرف الهمزة
الذي خُتم به البيت الأول، فإذا فرغ من إنشاده تلقف
الزميل الثالث قافية البيت، وأتى ببيت يبتدئ بها،
وهكذا يظل المجلس قرابة ساعة في هذه المطارحة، فإذا
أدرك الكلال أحد المطارحين تنحى عن الحلقة، حتى تنتهي
الى غايتها، فهل نجد اليوم من يظل قرابة الساعة متأهبا
للاستشهاد دون ملل.. لا أظن!
إن الشعر ديوان العرب،
وروايته حفظ للتاريخ العربي أدبا وسياسة واجتماعا، وقد
ضعفت حصص المحفوظات والنصوص في المدارس والكليات، إذ
قامت الأسباب المثبطة بازائها، فالأستاذ غير مؤهل
ثقافيا، والتلميذ غير مستعد نفسيا. وما هي إلا قشور
مبتورة تحفظ لتكتب في ورقة الامتحان ثم تنسى بعد حين. |