أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

 
جنادرية 24
 
شواهد علمية
 
الرجل المناسب
 
شـواهد ثقافية
 
شاهد وشهيد
 
توهـج وعطـــاء
 
تحية إكبار وتقدير
 
الرواية في الجزيرة
 
دراسات فقهيه
 
دراسات قرآنية
 
البلـد الأميـن
 
شعر المدينة المنورة
 
مخطوطات الأقصى
 
أعــلام خـالدة 13
 
تعقيــب
 
الغذاء.. والدواء
 
صناعة الموت
 
حقائق.. وأكاذيب 4-7
 
فلذات أكبادنا
 
ماسية المنهل
 
المقامة .. تأثير إيجابي
 
شـعر عامُ
 
الحديث ذو شجون
 
ثنائيات
 
علم الصوتيات
 
عالم المخطوطات
 
شعر عندما يبكي
 
أحماض أدبية 50
 
وفيــات الأعيان
 
قصة قصيرة
 
واحـة نغــم
 
مسـك الختام
 
مسابقة المنهل
 
 
 
 
 

علم الصوتيات:

 

العـربيـة وكلمات صوتية

نفوذ العربية في لغات أخرى واضح، فمن مصطلحها «الجبر» في اللغة الفرنسية، ALGEBRE والبرارى Prairie والنواة Noyau والكوب Coupe وفي كاس العالم أو كوب العالم La coupe dumonde.

وللعربية نصيب وافر من الكلمات الطبيعية، الصوتية Onomatopees، على الرغم من استبعاد نظريات اللسان لمثل المحاكاة المتوقفة على آلية التطابق، بفريضة دى سو سور عن شتات الدال عن المدلول، أو الإشارة اللغوية عن الخامة الغفل، وحقلها الطبيعي(1)، مما سبق سيبويه وابن جني إلى الجزم به(2).

وللعربية من النصيب المذكور آثار خصبة وروحية، بعضها لمجملات الحياة، وحيوان البيئة، مما احتضن نشأة الحياة الأولى، وصورها، ودلف منها إلى المدينة، وإلى إنسانها الآلي، الذي جفا الإنسان الأول، وأبقى على درجة منه.

ومن باكورة ما حكت اللغة الصوتية على حرف الطبيعة، بإذن الله «اسم ما يتقوت به الإنسان، مستحلبا من أضرع البهائم، ثم اسم ما يصير إليه المستحلب، بعد أن يجرى في عروق الناس ويتلون، ليصبح الدم، أو صفائحه وكراته.

وإخال كلمة «شخب» هي كلمتنا المقصودة، وهي من الكلمات الصوتية. والقاموس يدلنا على قياسها الصوتي فبقول إنها بالضم، ما خرج من الضرع من اللبن وبالفتح: الدم، وهي بالتحريك حصن باليمن. وسنجد صوت اللبن أيضاً حال خروجه من أفواه الضروع إلى المحلبة، بين رؤوس الأنعام، فيما يقول القاموس من مادة «شخب»: على وزن كتاب؛ فهي: اللبن إذا احتلب، وعلى وزن فعلة بالضم الدفعة منه(3).

وأهم من ذلك كله ما يقوله عن الشخبة في تبيان اثنين: هما الشيء والمكان، دون الشيء وحده أو ضده، فالكلمة ليست من الكلمات التي تتمتع بالمعاني وأضدادها، مما أوطأه الإنسان على المفردات لاقتصاد، أو لمعرفة البنية ووجهي الشيء الواحد، والكون. فالشخبة هي ما امتد من اللبن من الضرع إلى الإناء، وفي كلمة الإناء بلاشك النزوع المكاني للكلمة، بعد تحديد فحواها، وكنهها؛ فالإناء ميول لتكوين لغة أدبية تعبيرية، سيكتمل لها ركنا الإسناد والتتمات من ظروف زمان، وإضافة، وصفة، وحال، وتمييز، ومفاعيل..الخ

لإخصاب الإنسان بالقول المباشر التام، وغير المباشر بل الخيالي المتشوف والمنشود، الذي يعطى الحياة بلوريتها، ومراياها، ومرايلها كذلك.

وسيصرح القاموس بأس لغوى نفرض أن الكلمة بتصاريفها اشتقت منه وهو أُشخوب: وهو لصوت دِرَّة الحليب.(4)

ويبدو أن سحنة الأُشخوب تشى حقا أنه الجذر الصوتي الحق الذي اشتق منه المصدر، والفعل على قياس ما، بتفتيت الجذر، فثمة تردد قائم لدى العلماء في تعيين صورة البنية اللغوية المفردة الأولى التي تعرفت بداية على الإنسان، وتلبست بلسانه، وفكه، هل للأسماء، أم المصادر، أم الأفعال؟

إن الشُّنخوب كذلك أو الشُّنخوبة(5) هو رأس الجبل، في خلع الدال على أكثر من صفة، وتعميم الشارة اللغوية، وتوسيع نموذجها في اتجاه نظام لغوي كامل، ذي باب، وطريق، أو وصيد، ورصيد واقتصاد لغوي.

إن إحدى التجليات الأخرى لرد الكلمات إلى أسٍّ طبيعي، واستكشاف جرثومتها من أم، أو وريد منها، كلمة «الوشواش». والوشواش في القاموس النعام الخفيف(6)، أو هو الناقة أيضاً، فيقال: ناقة وشواشة، وكون الناقة وشواشة كالنعامة، أن البدوي وجد في النعامة المثل الأعلى لسفينة الصحراء، ولتنمية طيرانها، ليصل دون رويد، إلى غايته وضالته، فالنعامة ناقة وطيئة مصغرة.

وأريحية كلمة «الوشواش مسفرة، بائحة، في تفتيشنا تفشيها الصوتي؛ فإذ تتواطأ الواو والشين تواطؤ الريش والريح، يحدث ذلك في حجر الاستقبال البشرى للصوت، بذبذبات هي سببان عروضيان، خفيفان، وهما (وش وش) يحملان منبها خارجيا جديداً بعلامة شفرية ناصة على حيوان أو طائر، تتأوله الأذن، أو العين، للعقل، الذي يطويه للاستعمال الناجز، نازلا به إلى مسرح التكلم في الفم والأسنان، وتيار التنفس، وسرعة خاطفة للتلاحم، تتهيأ لنا، آلية كأنما هي بدون تفكير، يكثر أن تكون مقطعية بلا زلاَّت، وبسيولة ولوذعية، توائم إلحاح المنبه الخارجي، وضرورة الاستجابة إليه، وتحقق تفرد الإنسان باللسن، واللهج، وبفراغات الحلق، وبحبوحته، المنتجة الولود.

إن «وشواش» هذه بنية اسمية، ليست للمبالغة، فهي كصفصاف، وكقعقاع، ووطواط، وهفهاف. وصيغة المبالغة لها كد آخر، وكدح آخر، فهي وشَّاش بتضعيف الشين، كرشاش. إن الإنسان لم ينطق علامة «الوشوشة» الصوتية كما نطقتها الريح، أو نطقها الريش، من ذبذبات الهواء المكهرب بحراك الذرات في الجناحين، لكن بسرعة تدوير اللسان ونعومته، وإنعاض الحنك إلى مزار، فاتح للسان المزمار في الحنجرة، هاز ثنية الحبال الصوتية، ثم حائد، لإفشاء الهواء في الفم وما حوله بالشين من منفذ قوى، وهكذا دواليك لتتكرر الواو، وتستدعي حركتها والمد من الحلق. والحرف وحركته هما صوتان دون أن يكونا صوتا واحدا، بما يستتبع الصوتين أحيانا من اختلاف المنفذ، وازدياد المدة، وكمية الهواء المطرود، الذي قد لا نوكس بكميته، فجزء من هواء التنفس، أكثر ما يكون في نطق الهاء التي يضارعها حرف H بالإنجليزية يخرج في أثناء النطق(7).

إن العربية اتسعت لمحاكيات صوتية أوسع، على شأو من تصدية الطبيعة، وموجوداتها، شملت هذه المحاكيات كل ما استطاع أن يحدثه الإنسان من أصوات، في تسخير فطرى لاختلاف خصائصها الطبيعية من صفير، إلى قلقلة، إلى تكرار، إلى تفش، بحيث تعددت هذه المحاكيات.

والأصوات الطبيعية هي ثمانية وعشرون، أو ما سمي بالأبجدية بعد ذلك، وابتدأت بحرف الألف. ولنتأمل كلمة «الهدهد» حيث سنستفتي فيها الهواء، وكيف سنسفيه سفيا.

إن المحاكاة اتخذت نظاما من مماثلة، ومجانسة، قائمة في الطبيعة، وربما مضادة، ووضعا ثالثا بين، بين، دون بينونة تامة، أو خلاف فاضح، أو ضغث، وامتازت ببداية، ووسط، ونهاية لما تحاكى، أطوال تُوُوطِئَ عليها رامزة. وكلمة «العالم» لن تكون بأطوال العالم من أميال وفراسخ، ولقد ترمز الألف الممدودة للطول، وكذلك كلمة الطريق، لن تكون بطول الطريق وعرضه، فقد ترمز الياء لهذا الطول العرض.

إن أطوال الأشياء اتخذت بها مغتسلاً ومتكأ يفك به المرء عن عركسة جبهته، ويجامل أفراحه وأتراحه، ورعونته، ودمويته، وهكذا كان الشعر حقا: صورة هوائية لنفث الهواء وتفريقه، تختلف عن ناطور النثر، بصكوك تحتاج إلى قوالب حسية يندب إليها المرء على أبسطة الحادث، أو المحتمل، أو الممكن، أو الوحشى، المجهول، فيتعرف عليها، فيتفلسف أو يشقى، أو يشفى، أو يستبرئ، ولذا كانت البحور الشعرية ستة عشر، لدلالات توافق باختلافها الطباع المختلفة، والمذاقات المتباينة، وتنبه إلى غوامض دفينة في الإدراك، قد لا تكون هي الملابسة الصريحة لغرض البيت، أو المقطوعة، أو النتفة، أو الكلمة القصيرة، أو الطويلة، فالعربي سمى القصيدة: الكلمة أيضا.

ولكون اللغة علامات بالأصوات الطبيعية هذه، فلقد اتخذ منها الشعر بداية أسلوبا اقتصر على مواضعات ومواطآت للشعور، صارت قياسا أو لغة لا يريم عنها خطابه، أو ما سيستمى باسمه، صَعِد إلى هذا الأسلوب حتى لهجات القبائل العربية فيما عرف بعد ذلك باللغة الأدبية الفصحى، أو اللغة الموحدة التي وجدنا عليها الشعر الجاهلي، ولغة القرآن الكريم، وفصحانا التي بين شفاهنا، إلا المهجور الذي يدل اسمه على تَعِلَّة هجره.

فما لا يختلف في القصائد الجاهلية من دخول متشابه بالعرف من الشعراء جميعا، لوقوف بالدمن، إلى قتلها بحثا، ووصفها، وما يكتنفها، واستفراغ الناقة في النعامة، وفهرسة أعضائها، وإذاعة أسرارها، وفضح كوامنها، بأساليب لا تبتعد كثيراً عن أسلوب شاعر فطري كالمهلهل، أو سليل أخته امرئ القيس، أو أسلوبنا، يوفر على الباحثين عناء التطرف نحو تفقد لغة خطاب آخر يحسب أنها كانت تعم الجاهلين، وتشتت ألسنهم في لهجات ضالة فاصلة لا رابط لها، ولا أحد يستطيع أن يعرف ماعونها، إذ لا تبطنها الآثار إلاَّ لماما، ولتطويها.

لقد ابتدع امرؤ القيس أشياء سبق بها العرب، واستحسنها العرب والشعراء من بعده، وأخذوا بها وعدوها أسرارا من اللطف كتشبيه النساء بالظباء والبيض، والخيل بالعقبان والعصى، وتقييد الأوابد، ببرهان على أن الشعراء الذين استحسنوا بدعته كانوا يملكون ملكة لغته، وملكة الاستحسان، والاستكراه، وكانوا على ضلاعة بقديمها وجديدها وأفعالها ونعوتها، فزهاء ما ابتدعه الشاعر الضليل للعرب، وأخذت به، هو من صنف الأوصاف والنعوت، وكثير منه من متطلبات الحاجة والضرورة، وله من التناول ما يسد به الفرد عوز الجنس الواحد، أو القبيلة، بحيث يصبح ملكا مشاعا للمستعمل العام، وبنية لا مكان لها، أو زمان، أو صاحب، ولا فكاك من قبولها.

والذين تحدثوا عن عربية مجهولة تكلم بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته أو صاغ بها أحاديثه الشريفة النبوية، ثم دون رواة الأحاديث بعد ذلك معناها عن جواز، بلغاتهم(8) هم، خطأ هؤلاء أنهم، في زهائهم ليسوا بعرب، فقد صاغوا فروضهم ونتائجهم بتصورات غير عربية، وبلغة غير عربية، وبالأماني، وبلحن القول، وبالظن عن أن عرب اليوم غير عرب الأمس، نتيجة لسوء فهم للفواصل الصناعية السياسية الموهومة، أو شقاق اللهجات، دون شقائقها، ولقد صدقوا أنفسهم فيما وصفوه هم وتوهموه.

وكان يتعين على الاستشراق ألا يقارن بين أصول لغوية عربية أولى، وما يستخدم نجيب محفوظ من حوار زماني روائي، مصنوع لقصصه المدنية وملخصاته فيها، كي لا يستنتج الاستشراق بسذاجة، ان هنالك عربية للأمس، وعربية لليوم(9) دون أن يفطن إلى أن عربية الرواية المحفوظية هي عربية أولى بأسلوب نجيب محفوظ، بوصفه أديباً، أو قاصا، لا ينقص من بحر العربية شيئا، بما يغترف منها للصوغ، والحبك، والتحوير؛ فعربيته ليست عربية انقلاب أو بينونة، أو غسل لثوابت القاموس، وكتب النحو، والشعر الجاهلي والقرآن الكريم، بل عربية قامة التحصيل في المدارس، والجامعة والجهد الفردي، وانحراف فني لابد منه، لكسر ربابة المحاكاة والتقرير وإحداث مجاورة هي قائمة أيضا في الطبيعة. والاستشراق بلا شك لا يعني بعربية الأمس ما لا نستعمله من المهجور.

إن على المستشرقين ألا يغلوا فيما طلبه ابن سلام من عدم تصديق راوية كحماد، وما زينه طه حسين منه بزخرف القول، وبسحره، وبنثره من أجل النثر، منغوم، وأسلوب لأجل الأسلوب، دون جـادة المضـمون أو مسئوله، وعاقبته.

والقوة الغضبية التي تأخذنا بها قصيدة مبكرة مثل قصيدة المهلهل على حرف القاف تبث قبل لغتها فينا هندسة القصيدة بتقسيمها إلى لقطات حادة باحداث ووقائع، تدلنا على أن الراوية كان حاملا لغويا للغة بحادثة، حججها اللغوية في فيوض أخرى، وثبوت وشأفات تتناقلها القبائل وتلاحقها، وتتنابز بها، وتتناذر، في الساعات الحبلى بالأحداث، والحرجة بها. وعند البأس، وتصدرها للأبناء والأحفاد تمائم بأوزان الآباء والأخوال، والأمهات وأحلافهم؛ فأبناء «تغلب» يظلون تغلبيين، لم يسدل الستار على رأس كليبهم، على الرغم من تقتيل المهلهل الشيبانيين أربعين عاما. وحفدة جساس يبقون جساسيين، حافظين الجوار، أباة الضيم، سافكي الدم لأجيال متعددة، وتلحق المعرة من جاءوا من أصلاب تغلب، سنة بعد سنة، وإسلاما بعد جاهلية، وجاهلية أخرى، بدعواها وفسوقها وسفسافها. ويظفر الفرزدق وجرير في هجائهما الأخطل بنسبة التغلبى، فيشبعانه منه ذما، ولمزا، وانعاضا، من ذلك هجاء جرير إياه بالأبيات التالية:-

ياذا العباية إن بشرا قد قضى

أن لا تجوز حكومة النَّشْوانِ

فدعوا الحكومة، لستمُ من أهلها

إن الحـكومة في بني شيبان

قتلوا كليبكم بِلَقْحَةِ جارهم

يا خُزر تغلب لستم بهجان(10)

إن الرواية تتناسخ، وتتذرى، بشبهة تغلبيين وشيبانيين في خلفائهم من عرب اليوم، حتى في الأمصار المفتوحة، التي بعد بعربها العهد عن الغيلة الأولى، بعد ألف وأكثر من نصف الألف من السنين من وقوعها.

وهذه الغيلة مازالت وثقى، تترى في طبعات رخيصة شعبية قد تنصف سيف المهلهل، دون خلع لقبه الزئر، فإذا هو مشيد القصر من الجماجم، وإذا هو الممتطي الأسد، وإذا هو قبل كل شيء مصداق على حرب البسوس، وعلى قصيدة المهلهل، وعلى إمامة الراوية العربي للبيان والصدق، ولغة الشاعر الموحدة التي ليس لها قوام من لغة تغلبية مميزة، لم يأخذ بها العرب لمتاخمتها غير العرب، وإذا هو أيضاً مصداق على لغة واحدة، تكلم بها العربي تلقاء القبائل الأخرى.

وتفشت هذه اللغة حتى نمت ندادتها لمسامع كسرى وقيصر، وهما العدوان اللدودان اللغويان للعرب، وهما الضاربان في أعشار القول أيضاً، وحسن المحاضرة والمناظرة، والمبادهة، والمخالطان لفنون متقدمة مركبة كالملاحم، وفن الوجوه (التمثيل) الناهض به المنافقون (الممثلون)، كما فهمهم الفلاسفة المسلمون الأوائل في حركة التنوير الأولى، التي ترجمت علوم الأمم الأخرى بلسان عربي، ومصطلح عربي أعجمي، وعقل عربي. فها هو الأعشى صناجة العرب في الحرب الحضارية تلك بين العرب ومن عاداهم ينشئ قصيدة لتقييد واقعة كرم وجود طرأت له، وتتفشى القصيدة في البادية، ثم تبلغ مسامع كسرى، يقول اول القصيدة وهو غناء:

أرقتُ وما هذا السهادُ المؤرِّقُ

وما بِيَ من سقم وما بِيَ مَعْشق

ولكن أراني لا أزال بحادث

أغادى بما لم يُمْسِ عندى وأُطْرَقُ

وينشد الأعشى قصيدته هذه لكسرى فتفسر له فيقول:

إن كان هذا سهر لغير سقم ولا عشق فما هو إلا لص(11)

لقد فهم كسرى أن الخطاب هو خطاب شعر، أي توقيع، أو محاكيات لأنوال في الطبيعة لطيفة دون أن يكون على ألسنة مخلوقات أعجمية أدنى من الإنسان، أو عجماوات أو هوام، وانه لسان العربي الفصيح المبين، المنتج الكلام الموزون المقفى أمامه، وأنه ترجمان لحاجاته، واستجاب لمعناها الإشارى اللغوي المشروح الذي لا يعادل خطابه الشعري بتة، او النثر الجيد، فحصر محتوى المشروع الأدبي بين ثلاث مصادرات جوامد فطرية مشتركة بين بني البشر، استخاب أن يكون الشاعر العربي خارجها.

والإرسال الشعري للأعشى، والاستقبال الكسروى هما إرسال واستقبال في لغتين كل منهما ذات استقرار، وترجمات معصومة، زللها قاتل معطب، في مثل الزلل المأثور بين (ثب) العربية والحميرية، الذي أودى بحياة صاحبه.

إن عدي بن زيد عمل كاتبا لدى كسرى، كما أوفده كسرى إلى ملك الروم، فأي لسان عربي كان يمثله لدى الأعاجم إلا أن يكون اللسان العربي الموحد كذلك؟ وكان أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية(12).

الهوامش:

1- Cours de linguistique generale Ferdinand de saussure 1972 Edition payot paris. P.P97-103.

2- الخصائص. ابن جنى تحقيق محمد علي النجار ج1. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986 ص67

3- ترتيب القاموس ج2 ص682

4- ترتيب القاموس ج2 ص682

5- المرجع السابق ص683

6- المرجع السابق ج4 ص617

7- An Outline of English phonetics. Daniel Jones Kalyani publishers Lundhiana New Delhi 1983 P 19

8- راجع صدد ذلك زعم د. ر بلاشير تاريخ الأدب العربي ترجمة د. إبراهيم الكيلاني. دار الفكر. دمشق 1984 ص. ص 77-105

9- انظر مزاعم أندرى رومان في ذلك. في تطور اللغة العربية، مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية نهج أسبانيا تونس ص113

10- يقصد بذي العباية بشر بن مروان ويشير بالحكومة إلى ما زعموا من أن الأخطل هو صاحب الحكم بأن الفرزدق ينحت من صخر وأن جريراً يغرف من بحر/ طبقات الشعراء ص110

11- كتاب الأغاني ج9 ص112

12- انظر كتاب الأغاني المجلد الثاني. ص. ص 84-86

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب