أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

 
جنادرية 24
 
شواهد علمية
 
الرجل المناسب
 
شـواهد ثقافية
 
شاهد وشهيد
 
توهـج وعطـــاء
 
تحية إكبار وتقدير
 
الرواية في الجزيرة
 
دراسات فقهيه
 
دراسات قرآنية
 
البلـد الأميـن
 
شعر المدينة المنورة
 
مخطوطات الأقصى
 
أعــلام خـالدة 13
 
تعقيــب
 
الغذاء.. والدواء
 
صناعة الموت
 
حقائق.. وأكاذيب 4-7
 
فلذات أكبادنا
 
ماسية المنهل
 
المقامة .. تأثير إيجابي
 
شـعر عامُ
 
الحديث ذو شجون
 
ثنائيات
 
علم الصوتيات
 
عالم المخطوطات
 
شعر عندما يبكي
 
أحماض أدبية 50
 
وفيــات الأعيان
 
قصة قصيرة
 
واحـة نغــم
 
مسـك الختام
 
مسابقة المنهل
 
 
 
 
 

أحماض أدبية (50)

الشَّلال المُخيف في الحِوار العنيف!

 

* حدَّثنا أسامة بن مُنقذ (1) قال:

كانت أيامُنا بشَيْزَر (2) نضِرَة خَضِدة كأنها الغادةُ المائسة، السِّحرُ في ألحاظها، والشَّهدُ في ألفاظها، قد أسلَستْ قيادَها، وصفَت أكدارُها، حتى ملكنا أمرَها مُلكَ اليمين:

أبى اللهُ إلا أن يكون لنا الأمرُ

لتحيا بنا الدنيا ويفتخرَ العصرُ

وتخدمنا الأيامُ فيما نرومُه

وينقادَ طوعاً في أزِمَّتِنا الدَّهرُ! (3)

ولكنَّ الدهرَ لم يسكن، فولدَت لياليه داهيةً داجية أكلت الأخضر واليابس، وأعقبتْ فتنةً عمياء، وجهالةً جهلاء، حتى أصبحنا نقلّبُ أكفَّنا على ما أنفقنا من أفاويق المسرّات الخوالي:

كُنّا على رَفْرَف الدنيا وأيْكتِها

تُظلُّنا نشوةُ الدنيا ونُعْماها

حتى انتبهنا على نكباءَ ما تركتْ

من فُرصة العمر إلا حَرَّ ذكراها! (4)

وما كانت تلك النكباء إلا استشراء الجِدال والمِراء بين طوائف المتعلّمين والدُّعاة، والأمّةُ على النار ذات الوقود نارِ اصحاب الدُّولار وأصحاب الأُخدود الذين مزّقوا عفافَ «عبيرها»، (5) وداسوا أعتابَ فُراتِها ونيلها، فغدت في وادي الذئاب، وأبناؤها في وادي التنازع والحراب، وهي أحوج ما تكون إلى كُماتِها الجرَّاحين، ليستأصلوا شأفة الدّاء اللعين داءِ الغارة عليها، والغيْرَة منها!

ولّما احتدمَ الخلاف والجدال، واستحالا إلى سِجالٍ ونِزال، واشتبكت الأيدي، وتطاعن القوم بالحِراب، وتراشقوا بالنِّبال، وسالت الدّماء الزَّكية، بكيتُ دمعاً جرى من مقلةٍ بدم:

حمائمَ الأيكِ هيَّجتُنَّ أشجانا

فليبكِ أصدقُنا بثَّاً وأشجانا

لعلّ مَنْ يعرفُ الأمرَ الذي بَعُدتْ

بعد التصاقُبِ مِنْ جرَّاهُ دارانا

يقولُ بالظّنّ إذ لم يدرِ ما خُلُقي

ولا محافظتي مَنْ حانَ أو بانا

أسامةٌ لم يسؤهُ فَقْدُ مَعْشَرهِ

كم أوغروا صدرَه غيظاً وأضغانا

وما درى أنَّ في قلبي لفقدهمُ

ناراً تلظّى وفي الأجفانِ طُوفانا

بنو أبي وبنو عمّي دَمي دَمُهم

وإنْ أروني مُنَاواةً وشَنآنا! (6)

وفكّرتُ مليّاً، وقلت: وا لهفَ نفسي، مَنْ يُخمدُ هذه الفتنة المستعرة، ويطفئ نارها؟ الفتنةُ نائمة، لعن اللهُ مَنْ أيقظها! ثمَّ وقرَ في نفسي أنْ ليس على وجه الأرض اليوم أعقل من الفَذّ السَّري الشَّريف الرَّضي، (7) فوفَدتُ عليه ببغداد، فإذا رجلٌ أبيُّ النفس، عالي الهمّة، رقيقُ الحِسّ، فقلت: أيُّها الشريف، يا مَنْ تشرقُ الدنيا بطلعته، وتفرحُ الأعيادُ برؤيته:

وأرى الحياة لذيذةً بحياته

وأرى الوجودَ مُشرَّفاً بوجودهِ!

لو أنّني خُيِّرت من دهري المنى

لاخترتُ طولَ بقائه وخلودهِ! (8).

أيّها الشَّريف، سِهامُ الفتنة تقصُدُ كلَّ حيٍّ، وتذرُ الديار بلاقع، وقد ذهب الرجالُ المقتدى بفِعالهم، وأنت من آل البيت الأطهار الذين قلتَ فيهم:

كالصخر إنْ حَلُموا، والنارِ إن غضبوا

والأسْدِ إنْ ركبوا، والوبْلِ إنْ بذلوا! (9)

فما السبيلُ إلى إخماد ألسنة الفتنة المتطايرة؟

قال: حيَّا الله الأمير الشاعر، سيفَ المظلوم، وعُكازَ العاجز المحروم، لقد فجعني اقتتالُ أهل القِبْلة، وقطَّع نياطَ قلبي:

إلا يكن جسدي أُصيبَ فإنني

فرَّقتُه فدفنتهُ أعضاءَ! (10)

يا بنَ مُنقذ، ما سبيلٌ إلى إخماد الفتنة إلا بالوقوف على بواعثها، والقضاء على جُرثومتها، ورأسُ تلك البواعث التعصُّب للمذهب، والتشدُّد في المشْعب، فالتعصّب يُضيّق الأفق، والتشدّد يذهب بالرّفق، والمتعصّب يراك دونه، ولو كنتَ وحيدَ دهرك، رأيُه صواب لا يحتملُ الخطأ، ورأيك خطأ لا يحتمل الصواب!

والمتشدّد يَجْلِبُ على الناس حرجَ الدّين، وعنَتَ الدنيا، ويتّهمهم بالتساهل، ويُسيء الظنّ بهم، فيقابلهم بالغلظة، ويكلّمهم بالخشونة، وبين يديه هديٌ حكيم يأمرُ بالخير العميم:

(ادعُ إلى سَبيلِ ربِّك بالحكْمَةِ والموعِظةِ الحسَنةِ وجادِلهم بالَّتي هِيَ أحسَن) (11) وليس في الهَدْي الحكيم الذي بين يديه ذكرٌ للغلظة والشّدة إلا في موضعين:

الأول: في مواجهة الأعداء: (قاتِلوا الَّذين يَلونكُم مِنْ الكفّار وليجدوا فيكم غِلْظة) (12).

والثاني: في تنفيذ الحدود: (ولا تَأْخُذْكُم بهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ) (13).

قلت: فما المخرجُ من هاتين الآفتين الخطيرتين: التعصّب والتشدّد؟

قال: يا بنَ مُنقذ، لا مخرجَ إلا باتخاذ الوَسطيّة منهجاً هادياً، فهي سفينةُ النجاة التي لا إفراط فيها ولا تفريط، ولا غلوَّ ولا تقصير. وما ضَعُفت شوكةُ الأمة ولا ذهبتْ ريحُها، ولا جنَت مرَّ الثمار إلا عندما انحرفتْ عن هذا المسار، فكانت المآسي:

قُتِلَ الخليفة الرَّاشد عثمان بن عفّان رضي الله عنه، وهو يقرأ القرآن الكريم، وانبعثَت الفتنة في الرّعيل الأول، وظهر الخوارج، وكثُرت الفِرَق، وتطاول الأقزام على الصَّحابة الكرام، وذمّوا العلماء والأئمة الأعلام! وما ترى اليوم من شلاّل الدَّم، وإزهاق الأرواح، واستباحة الأعراض، والأخذ بالثأر لمن قُتلوا قبل ألف عام.. كلُّ أولئك كان سيّئه عند ربِّك مكروهاً، وكلُّ أولئك براهين مُرعبة على الانحراف عن جادة التعقّل والحكمة.

قلت: أيها الرّضي، فاضرب لنا أمثلة من حدائق السَّلف الصالح في المحاورة الهادئة الهادفة.

قال: لله دَرُّهم، ما أحسنَ أساليبهم في مخاطبة الناس، وما أعقلَهم في الردّ على الخصوم والجُلاّس، وما أحلَمهم في تحمّل الحسّاد والخُرَّاص والأمثلة كثيرة أذكر منها:

رُوي أنّ عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، دخل المسجد ليلةً في الظلمة، فمرَّ برجل نائم فعثرَ به، فرفع الرَّجل رأسه وقال: أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا. فهَمَّ الحرَسُ بالرّجل، فقال عمر: مَهْ، إنّما سألني أمجنون؟ فقلت: لا!

وكان الإمام أحمد يرى الوضوء من الرُّعاف والحِجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدَّم، ولم يتوضأ، هل تصلي خلفَه؟ قال: كيف لا اصلِّي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسّيب؟!

قلت: الله، الله، ما أفقههَم، وما أحرصَهم على قواعد الأخوّة التي توجبُ الاعتصام بحبل الله، وتَنْبِذ الشّقاق والفُرقة: (وَاعْتَصِمُوا بحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا) (14). وتوجبُ على المرء أن يُحبَّ أخاه، وتحرّم وصفَه بالكفر، أو رَمْيَه بالفِسْق إلا بدليل قاطع لا يقبل التأويل، وليس ذلك من عمل الداعية، بل هو من عمل القاضي: عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إذا قال الرجلُ لأخيه: يا كافر، فقد باءَ بها أحدُهما، فإن كان كما قال، وإلاّ رجعتْ عليه» (15).

قال: صدقتَ يا بن مُنقذ، إنَّ الخُلق القويم عاصمٌ من قواصم الفتن، وإنَّه تربية وثقافة وحضارة يرضَعُها الناشئ منذ الصغر رَضاعة، فإن لم يفعل، فأبواه وبيئتهُ وهَواه مسؤولون عن جَلافته وقِلَّة ذَوْقه ونوازع عُنفه، وآيةُ ذلك أنك تضيقُ ذرعاً بمجالسته ومحادثته، وتتمنّى غيابه، وتحاول الفِرار منه فِرارك من المجذوم! ذلك لأنّه يُكدّر الخواطر بالتعليل الفاسد، والتفصيل المُملّ، ويَغُمّ الصّدور بالحكاية التافهة، والطُرفة الباردة، ويجلِدُ جلساءه بالعبارة السيئة، والكلمة القارصة!

قلت: إنّه لَقمينٌ بالكيِّس الفَطن أن يكسوَ أسلوبَه التعبيريّ حُلَّة حُلوة تجمع الكلمة الطيبة، والتعليق الحسن، والاستماع الجيّد، والمداخلة الهادفة. فما علائم المحاورين العُنف؟ أيّها الشريف الخبير بالمحاسن والمساوئ، وقد أوتيتَ حلاوة أسلوب، وعذوبة منطق:

حَمَّستَ حتى قيل: صبَّ دماءَها

وغَزِلتَ حتى قيل: صبَّ مُدامَها! (16).

قال: لا يَعْدَم راصدُ هؤلاءِ المحاورين في حقول الفكر والدّين والاجتماع أن يجدَ من غُلوّهم وشَطَطهم ما يملأ مجلداتٍ برأسها، أو ما يُحمَل على إبلٍ بأقتابها وأحلاسها! (17).

وقد وجدتُ أنَّ للعنف ثمانيةَ أبواب مُشْرعة لزوابع الخصومة، وروائح الكراهية، وخناجر الرُّعونة:

●  ●   الأول ـ المخالفة والمماحكة:

ثّمةَ صنف من المتعلِّمين هم أهلُ خلاف يماحكون مُحاوِرَهم، وإن ظهر الحقّ في كلامه، فإذا قال: نعم. قالوا: لا. وإذا قال: لا. قالوا: نعم!

وإذا عُرضت المسائل الخلافيّة التي أتعبت الفقهاء سنين عديدة حسموها بقولهم: هم رجال ونحن رجال، والمسألةُ عندنا هكذا، ولا خلاف فيها قولاً واحداً!

وعندهم أنَّ أبا بكر رضي الله عنه يخطئ، وعمر رضي الله عنه يخطئ، أمَّا شيخُهم فلا يجري عليه الخطأ!

ومن مخالفاتهم نَسْف الفكرة، وهَدْم الفِقْرة بجملة واحدة من غير برهان علميّ، ولا دليلٍ عقليّ، كقول أحدهم لصاحبه، وهو يحاوره: «كلامُك خطأ كلّه، ليس فيه صحةٌ البتة»!

ومن مماحكاتهم ملاحقةُ النّص: وذلك باستجواب المتحدّث، والإلحاح الشديد عليه، فإذا روى حكاية، واقتصر على موضع الشّاهد فيها، فإنَّ الملاحق يتصدّى له بالسؤال عمّا جرى لفلان وفلان في الحكاية، وكيف وصلا؟ ولماذا تأخرا؟ وماذا أحضرا؟ وأين نزلا؟!

●  ●   الثاني ـ نَهْش الجليس وتجاهله:

يضيق صدرُ المحاور العنيف بالنقد، فلا يتحمّل سماع رأي يخالف فكرته، فيحمل على شخص جليسه، ويتّهمه بقلّة الاطلاع، ويتّهم مصادره، ويضعّف مؤلّفيها، ولا يقفُ عند هذا الحدّ، بل ينقضُّ عليه مشيراً إلى ثوبه وعائلته، ومَسْلكه! ويُعلن أنّه هو وحده البصير بهذا الموضوع، وأنّه يُحاضر فيه ويُؤلف، وأنّه عجنَه وطبخَه قبل أن يُولد جليسهُ! ثمّ يتمثّل بالشعر غامزاً لامزاً:

لو كلُّ كلبٍ عوى ألقمتَه حجراً

لأصبحَ الصخرُ مثقالاً بدينارِ! (18).

ومن طِباع المتكّبرين تجاهلُ الجليس، فإنْ تحدّث مَنْ لا مالَ له ولا جاه ولا جماعة أعرضوا عنه، ولم يُلقوا له بالاً، ولم يجيبوه إلاّ بكلمات قليلة، وإنْ دعا إلى فكرة رائدة سخّفوه، وإن أنشدهم قصائد تقطرُ حلاوة نسبوه إلى الأولاد الحالمين! فلا يدري والله ما يفعل؟! وكأنّما المثل يعنيه:

«حَرُّ الشمس يلجئُ إلى مجلس سوء»!

●  ●   الثالث ـ قُبح الاستهلال وسُوء التخلّص:

يفتتح بعضُ المتحدّثين جلسةَ الحوار بالطعن في المشايخ، وتجريح وجوه البلد، ويتحدّث دون أن يُؤدن له، وفي المجلس مَنْ هم أعلم منه وأسنّ! أو يستهلّ بعضُهم كلامَه بالخوض في تعدّد الزَّوجات، فتتناوله ألسنةُ الحاضرين بالتحليل والتعليق ساعاتٍ طويلة، وينسون هدفَهم الرئيس خِطْبةَ ذلك الشَّاب الجالس على الجمر الذي يتمنى أن يُذكر أمره قبل أن ينتصف الليل، ويطلع الصّباح، فتسكت «شهرزاد» عن الكلام المباح، ويسكت أهلُ الفتاة، فيضيع عطرُه الفوَّاح! ويجمعُ بعضُهم مع قُبح الاستهلال سُوءَ التخلّص، إذ ينتقلُ من موضوع إلى آخر دون تهيئة أو صلةٍ رابطة، فتراه يقفِزُ من الحديث عن تربية الأغنام إلى القَنوات الفضائية.. إلى إخفاق البرازيل في الألعاب الأولمبية.. إلى قضيّته في المحكمة الشّرعية!

●  ●   الرّابع ـ الاستعراض والاستدراج:

من المحاورين المناكفين من يسارع إلى الرَّدّ على الجلساء الذّين يحدّثونهم عن بعض شأنهم بعبارة «لو كُنت مكانك» فيقول له: لو كنتُ مكانك لفعلتُ كذا وكذا، ولقلت: كَيْت وكَيْت. ولو كان مكانه ما فعل شيئاً مذكوراً، ولو كان مكانه لكان أُضحوكة! وما أكثر ما نسمع «لو الاستعراضّية» بُعيدَ انتهاء مُباراة رياضيّة، أو ندوة علميّة، أو مُشاجرة كلاميّة، أو خُطْبة مِنبريّة، أو خِطْبة عائليّة! ومعلوم أنَّ «لو» تفتحُ بابَ الشّيطان!

وإذا أراد المستعرض أن يُعْلِم الحاضرين بأنَّه قابلَ مديرَ الشَّركة مثلاً يختارُ من الجالسين مَنْ يعمل في إحدى الشَّركات ويسأله: كيف أنت والشَّركة؟ فما إنْ يبدأ الجليس بالحديث حتى يقاطعه، ويسرُدُ حكايته في مقابلة المدير! وهكذا يفعل: كيف أنت والمزرعة؟ كيف أنت والدّراسة؟ وهو لا يُلقي بالاً للإجابة، لأنّه بسؤاله إنّما يستدرج، ولا يستخبر!

●  ●   الخامس ـ الهَيجَان والتمثيل السَّاخر:

تعجبُ حين يهيجُ بعض الجالسين الهادئين فُجأة، ويلوكُ لسانه بما عنَّ له، مظهراً أناقته، مادحاً نفسه، مدّعياً الفتوة! فإذا تساءلت: ما أهاجَه وما أماجَه؟ جاءك الجواب المُعجب: لقد رأى ضيفاً في الجلسة، أو لعلّه علمَ بوجود نِسْوة يسمعن الحوار، فكيف تفوتُه هذه الفرصة الذهبيّة؟ ويعمِدُ هذا الهائج إلى تقليد من يتحدث عنهم، والتعبير عن ذلك بالصّوت والصورة، فيقلّد أصواتَهم، ويمثّل حركاتِهم، ويحاكي الحيوانات إذا حُشرتْ في سياق الحوار، فيموء ويعوي! فإذا علمَ المُقَلَّد الغائب تأبّط شراً، أو قل: ركَّب قرناً ونطحَ المُقَلِّد الساخر!

●  ●   السادس ـ اللازمة الذّميمة:

لا يخلو سُخفاء المتحاورين من لازمة ذميمة تزيدُ في بُغضهم، وتعكّر محاورتهم، واللازمة تعني تكرار كلمة أو حركة، وهي نوعان: لازمة لفظية: كتكرار كلمة «طبعاً» حتى ليعدّ السَّامع عشرين «طبعاً» في الدقيقة الواحدة! ولازمة حركيّة: وتكون بتكرار حركة جسميّة مثل: فرقعة الأصابع، وهزّ الرِّجلين، والعَبث بالأنف والشَّارب، ووضع القلم في الفم، وتخليل الأسنان، والإمساك بثياب السّامع! وأخطرُ اللازمتين اللعنة التي لا تفارق الشَّفتين، فيلعن ذو اللازمة فلاناً، ويلعنه فلان، فيتطاعنان ويتطاحنان!

●  ●   السابع ـ المقاطعة وتَبْريد الحوار:

والمقاطعة أبينُ عيوب الحوار العنيف، وأخطر مزالقه، فالمقاطع لا يسمح للمتحدّث بإتمام كلامه، والإفصاح عن مراميه، ولا يطيق صبراً، وقد حضرت الفكرة على طرف لسانه! فإذا ذُكر الغزالي، وابن تيمية، فإنه سرعان ما يقاطع المتحدّث، ويُعلن أنهما جمَّدا الفكر المستنير، إذ أبطلا الفلسفة، ثمّ يُفيض في الثناء على ابن رُشْد، ويُشيد بكتابه «تهافت التهافت»!

وإذا اشتدّ الحوار وسَخُنَ وطاب، والتذَّ به الحضور، فسرعان ما ينبري حسودٌ محاولاً تبريد الموقف وإفساد النشوة، فيشرع في إضحاك السَّامعين بالطرائف الشعبية، أو إثارة ضجّة، أو مناجاة مَنْ يجلسون قُربْه، أو التصريح بأنّ هذا الموضوع عويص، والخوض فيه لا ينفع، والأولى تركه!

●  ●   الثامن ـ مرارة الختام:

وهي الثمرة الفجَّة لحصاد ساعات من المماحكة والمقاطعة، إذ يرجعُ حاطبُ الليل ساخطاً على ندمائه، ويقوم النابلُ والحابلُ والحاقبُ عن مثل جَِيْفة مُنتنة، كأنما خسروا أرصدتَهم المالية، أو سُمِلتْ عيونهم.. يرجعُ كلُّ واحد يذكرُ صاحبه بالسوء ويلمِزهُ، ويتندّرُ بما وقع منه في تلك الجلسة التي خُتمتْ بالجدل والحنظل.

قلت: ما أمتعَ وصفَك، وما أدقَّ تحليلك، وما أبرعَ بيانك أيّها الشريف اللطيف الظريف!

قال: لا عجب، فأستاذي ابن جني شيخ العربية، (19) والتلميذ سرُّ أستاذه، ومن فيض علمه أورقَ في أقطار نفسي الأدبُ والفقهُ:

  • وفصاحةٌ لولا الحياءُ لهجَّنتْ

  • أعلامَ ما قال الوليدُ ومسلمُ! (20).

    قلت: ما شاء الله، قد سموت مَبْنى، وأجدتَ معنى، فما خصائص الخطاب الحواريّ الخاطئ، جَمَّل الله أيامك بالأنوار المشرقة، وشرح صدرَك بالحكمة البالغة؟

    قال: اعلم يا بنَ مُنقذ، أنَّ خطاب هؤلاء المغالين لا يخلو من خصال خمس:

    أوّلها ـ التلقين: وهو فَرْض الرأي، والوِصَاية على عقل السّامع، فالثقيل العنيف يرى من حقّه أن يُلقّن ويتحدّى، وعلى السّامع أن يُذعن ويتلقّى!

    ثانيها ـ التخمين: وهو اللجوء إلى التعميم والحّزْر، والرّجم بالغيب، فليس في قاموس المُخمِّن معلومات دقيقة، أو أخبار موثّقة.

    ثالثها ـ التلحين: ويعني العَزْف على أوتار المصلحة المشتركة، والمنفعة المتبادلة، والإغراء بالمال والمنصِب والجاه، ورضا فلان وفلان!

    رابعها ـ التلوين: وهو أن يتلّون السّامع موافقاً رأي كلّ أحد، فإذا تحدّث آخر مدحه ووافقه:

  • ولا خير في ودِّ أمرئٍ متلّونٍ

  • إذا الريحُ مالت مالَ حيثُ تميلُ! (21).

    خامسها ـ التعجين: أي خلط الكلام وحشوه بالتعقيد والتشدّق والتعجّل دونَ ترتيب أو تنسيق أو تسلسُل، ودون أن يدري العاجن أنَّ «لكل ساقطة لاقطة»!

    قلت: ما شاء الله! حسنُ تقسيم، وحلاوةُ تنغيم، ونداوةُ تعليم! فما خلاصةُ القول؟

    قال: خلاصة القول يا بنَ مُنقد، أنَّ قوارب النجاة من الفتنة ثلاثة: فكرة هادية، وتربية راشدة، وبيئة صالحة. وإذا رُمت أن تحقِنَ الدَّم الزَّكي السيَّال فعلِّم الناشئة فنَّ الحوار، وفِقْهَ المسار!

    قال أسامة بن منقذ: فلمّا فرغ الشَّريف الرّضي من كلامه:

    ودّعتُه وبوُدّي لو يُودِّعني

    صفو الحياةِ وإنّى لا أُودِّعُهُ

    وكم تشبَّثَ بي يومَ الرَّحيل ضُحى

    وأدمُعي مُستْهلاّتٌ وأدمُعهُ! (22).

    ثمّ صحّ عزمي على تصنيف منهاج تربويّ لناشئة الأمة وقايةً من الفتـنة، فألّفت «الاعتبار» وجعلتُ عنوان مُقدّمته المختار: الشَّـلال المخيف في الحوار العنيف!

    هوامش

    1- أسامة بن مُنقد: أديب شاعر، أمير مجاهد من بلدة شَيْزَر، له عدة كتب منها: لباب الألباب، والعصا، والشيب والشباب، وأشهر كتبه «الاعتبار» الذي ترجم فيه لحياته، وتُرجم إلى عدة لغات أجنبية، ت 583هـ.

    2- شَيْزَر بلدة قرب حماة بالشام، فيها قلعة حصينة، فتحها أبو عبيدة رضي الله عنه صلحاً سنة 17هـ، وينسب إلى شيزر جماعة، منهم الأمراء من بني مُنقذ، وكانوا ملوكها.

    3- البيتان لأسامة بن مُنقذ من قصيدة طويلة في مدح نور الدين زنكي (ت 569هـ).

    4- البيتان لعزيز أباظة من مسرحية «قيس ولبنى».

    5- عبير: طفلة عراقية اغتصبها أربعة جنود أمريكيين، ثمّ قتلوها، وقتلوا أفراد عائلتها، ثمّ حرقوهم.

    6- الأبيات لأسامة بن مُنقذ في رثاء أهل شيزر إثر زلزال ضرب البلدة.

    التصاقُب: المُلاصقة والقُرب. حانَ: هلك. أوغروا صدره: ملأوه غيظاً. شنآن: بغض.

    7- الشَّريف الرَّضي: محمد بن الحسين المعروف بالشريف الرّضي، شاعر ينتسب إلى آل البيت، درس اللغة على ابن جني، وبرع في الأدب والفقه. من كتبه: مجازات الآثار النبوية، ونهج البلاغة. ت 406هـ. وهو من بيت علم وأدب، أخوه الشريف المرتضى عالم في الدين والعربية، له كتاب «غُرر الفوائد» ت 436هـ.

    8- من كلام الأديب عبد الله فكري (أديب مصري بليغ، ت 1307هـ ـ 1889م).

    (9) البيت للشريف الرضي في مدح آل البيت رضوان الله عليهم.

    (10) البيت للشريف الرضي في رثاء صديق له.

    (11) النحل، آية 125.

    (12) التوبة، آية 123.

    (13) النور، آية 2.

    (14) آل عمران، آية 103.

    (15) حديث متفق عليه: رواه البخاري في كتاب الأدب، ومسلم في كتاب الإيمان.

    (16) البيت لمهيار الديلمي في مدح الشريف الرضي. (ومهيار شاعر فارسي الأصل، أسلم على يد الشريف الرضي، وهو شيخه في الشعر والأدب، له ديوان شعر مطبوع. ت 429هـ ـ 1037م).

    (17) الأقتاب والأحلاس: القِتْبُ والقَتَبُ: رَحْلٌ صغيرٌ على قَدْر السَّنام. والجمعُ: أَقتابٌ.

    الحِلَسُ والحَلَسُ: ما وَلِيَ ظَهْرَ البعير والدابة تحت الرَّحل، وهي بمنزلة المِرشَحة، والجمع أحْلاس وحُلُوسٌ.

    (18) البيت لعلي الصفاقسيّ (أبو الحسن علي الغراب الصفاقسيّ، شاعر تونسي، ت 1183هـ ـ 1767م).

    (19) ابن جني: أبو الفتح عثمان بن جني، عالم في اللغة والأدب، التحق ببلاط سيف الدولة، ولزم المتنبي، وله كتاب «الخصائص». ت 392هـ.

    (20) البيت للشريف الرَّضي في الفخر بشاعريته. هجّنت: عابت وقبَّحت: الوليد: هو البحتريّ الوليد بن عبادة شاعر عباسي مطبوع (ت 284هـ). مسلم: مسلم بن الوليد، صريع الغواني. (ت 208هـ).

    (21) البيت للإمام الشافعي (ت 204هـ).

    (22) البيت لابن زُريق البغدادي من عينيته المشهورة. (ابن زريق: أبو علي الحسن بن زُريق، شاعر مُقلّ من أهل بغداد، رحل إلى الأندلس، وعاش فيها فقيراً، ومات غريباً سنة 420هـ ـ 1029م).

              

     

     

    جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

    تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب