ـ وضاع يوم آخر: قالها
أو اندفعت من فمه وهو يأوي إلى فراشه بعد منتصف الليل.
لقد أصبحت هذه شعيرة من شعائر النوم عنده لا بد أن
يؤديها، مستعرضاً، لدقائق قد تطول أو تقصر، (وقد
ازدادت طولاً في الأيام الأخيرة)، ما قام به أو لم يقم
به في نهاره.
ـ لا أدري متى بدأت هذا
الصراع مع الوقت؟ لا شك أن تقدم العمر يؤجج هذا
الصراع. هل هي المفاجأة أن من كنت أظن أن وفاته من
الأصدقاء والأرحام والأقارب قد مضى عليها وقت قصير
وإذا بي أتيقن أن المدة أطول بكثير مما كنت أتصور، هل
هي الحقيقة الماثلة أمامي أن من تركته طفلاً أو أكبر
بقليل أصبح يحييني بابتسامة الواثق أنه تخطى مرحلة
المراهقة أو كاد، ويا لها من ابتسامة ساخرة كما
أتصورها لكنها بريئة كما هي في واقعه؟
أظن، بل من المؤكد، أنها
لحظة الاكتشاف بعد عملية حسابية بسيطة أنه قد مر الآن
نصف قرن على تخرجي من الجامعة. قاتل الله صورة التخرج
تلك، وهي التي لم أضعها بعد في إطار خوفاً، لا
إرادياً، أن أضع نفسي في إطارها الزمني، ولكنها ها هي
تلاحقني وتؤطرني وسامح الله صديقي بسخريته المرة وهو
يؤكد أنني وهو نعيش الآن في الوقت الضائع. أو ربما...
أو ربـ.. ما...
ـ ويرخي عليه النوم
سدوله رحمة به وإشفاقاً على توازنه.. ويبزغ الفجر
ويتقدم النهار، وينسى صاحبنا، في زحمة الحياة التي
يعيشها أو التي يشاهد صورها، ينسى ذلك الصراع، إلا إذا
أيقظه من نسيانه صوت ذلك الصديق بقهقهته المميزة.
ـ سامحك الله، وكأنك
عرفت أنني على وشك نسيان الساعة التي تكاد أذرعها
تخنقني، ألا تتركني وشأني الآن؟ أريد أن أقوم بعمل
يشفع لي عندما أضع رأسي على المخدة.
ولكن ما هو ذلك العمل؟
قراءة كتاب، تفحص دورية أكاديمية، مطالعة جريدة، قضاء
جزء من متطلبات المنزل، زيارة صديق، التجول في مكتبة
تجارية لا يغرض الشراء بالضرورة، وغيره... وغيره...؟
هل يشفع لي إنجاز أي من هذه الأعمال حتى لا أعلن وأنا
على فراشي أن يوما آخر قد ضاع؟
ـ اليوم يا صديقي قد ضاع
سواء أنجزت أم لم تنجز، وسيضيع الغد وبعد الغد إلى أن
ينتهي الوقت الضائع الذي تنصرم أيامه كما يسيل من كفك
الماء كلما حاولت القبض عليه.
ـ ولكن هل حقاً قد ضاع
يومي هذا وأنا الآن بصدد تسجيله وتوثيقه. قلمي هذا هو
الكاميرا التي تؤطر، والكتابة هي التي تبقى.
ـ لا فائدة، لا يمكنك
تسجيل كل يوم أو توثيق كل حدث، ومن قال أن يومك هذا
أنموذج لأيامك السابقة أو اللاحقة، فكل يوم بل كل ساعة
وكل دقيقة أنموذج بعينه، فأنت تتغير كل لحظة: فقد
تغيرت أنت دون أن تشعر منذ بداية كتابتك هذه، وهل كنت
تعلم مسبقاً أنك ستكتب ما كتبت؟
إرجع يا صديقي إلى فراشك
فقد ضاع يومك وأخشى أن تضيع ليلتك دون أن تدري.