عماد يعيش مع والده
الصياد في كوخ صغير على شاطئ البحر الأحمر، يحلم
دائماً بالصحراء، بعظمتها وجلالها واتساعها الذي يشبه
البحر، كم هي رائعة كما يقرأ عنها، بل كما يتخيلها لا
شك أنها أروع من البحر الذي أصبح يعرفه جيداً، وكما
كان والده يحلم دائماً بالصيد الوفير والمال الغزير
كان هو يحلم بأن يتجول في الصحراء فيعثر على مصباح
علاء الدين.. فيخرج له المارد ليقول له: شبيك لبيك أنا
بين يديك.. فيطلب منه ما يريد وماذا يريد؟ يريد أشياء
كثيرة لن يقولها لأحد، بل للمارد نفسه.
وبما أن عماد كان الولد
الوحيد لأبويه، فإن أباه لم يكن يحب الأسفار وأمه
دائماً تخاف عليه من الأخطار حتى إنها لم تسمح له بأن
يبحر وحده في قارب الصيد... كما لم تسمح له بتعلم
الغوص ولو أنها هي الأخرى كانت تحلم بلؤلؤة ثمينة...
تبيعها لتحسن أوضاع المعيشة.
وفي يوم الصقوا اعلاناً
على جدار المبنى المركزي للقرية الشاطئية، بأن رحلة
إلى الصحراء سوف تقام في أوائل فصل الربيع وأن مبلغ
المشاركة هو كذا... صاح عماد: ياه... ليتني أذهب معهم
ولكن كيف؟
أبي لن يوافق... وكذلك
أمي والأهم من ذلك ليس لدي المبلغ المطلوب!!
وبما أن الوقت لتسجيل
أسماء الراغبين كان شهراً أو أكثر، فقد قرر أن يعمل
طيلة أوقات فراغه بعد المدرسة في مساعدة والده في
أعمال الصيد... من تصليح الشباك والذهاب بسلال السمك
إلى سوق القرية لبيعها... وكذلك في المشاركة بالصيد
الليلي مع جماعة الصيادين على أن يأخذ ما يجنيه لنفسه
كما اتفق مع والده.
وهكذا ظل عماد يجمع
المبلغ... والجهد يبلغ منه أي مبلغ... لكن حلم الصحراء
كان يتلألأ في خياله كنجوم السماء وقبل أن يذهب
للاشتراك في الرحلة المنشودة قال الأب: ومن أين لنا
المال اللازم؟
وقالت الأم: وهل هذا من
اللازم؟ أعني هل من الضروري أن تذهب في هذه الرحلة
وانشغل عليك.
وطمأن عماد والده بأنه
يملك المبلغ اللازم، أما أمه فقد جلس معها في ليلة
ساكنة يذكرها بكل ما قام به دون اخطاءٍ أو أخطار، وأنه
لن يغيب عنهم أكثر من أسبوع هو أسبوع العطلة المدرسية
للأعياد ولا يعرف ماذا قال لها أيضاً... لكنه أحس أنها
وإن لم تقتنع إلا أن عاطفتها غلبت عليها فقالت:
بالسلامة يا ولدي... وانطلق عماد مع رحلة الآمال إلى
بحر الرمال، وكم كان سعيداً بركوب الجمل وبسير القافلة
في الليل الهادئ ومراقبة النجوم في صمت.
وكم كان سعيداً أيضاً
بمشاركة فريق الرحلة بنصب الخيام وإشعال أجهزة الغاز
المحمولة لتحضير الطعام، أما عن الخدمات التي قدمها
لفريق الرحلة فقد كانت محل إعجاب الجميع لما فيها من
روح التعاون والمشاركة..
وكان يمضي أكثر الليالي
ساهراً وكأنه الحارس ويداه تعبث في الرمال... وعيناه
على الأفق اللامحدود عسى أن يظهر له المارد ولو
بالخيال.
لكن شيئاً من ذلك لم
يحدث، إنما الذي حدث أن المشرفين على الرحلة قالوا له:
إنه يصلح أن يكون مساعداً أو دليلاً في الصحراء بعد أن
اكتشفوا مدى إخلاصه، كما اكتشفوا يقظته وحذره من مخاطر
الصحراء.
صمت عماد ولم يجرؤ أن
يقول لهم أنه يحلم بمصباح علاء الدين... ولكنه اقتنع
أن الآمال وحدها لا تكفي وإنما عليه بالأعمال مهما
كانت صغيرة.. لأنها هي التي تحقق الآمال الكبيرة.