إن هذه الثنائيات (أو البنيات
الثنائية) المبثوثة في الآي القرآني قد تكون فاصحة عن
أبعاد يصعب حصرها من قبيل الادبية والتعليمية
والتعلمية والعلمية والتربوية والإعجازية (2) فما
المقصد القرآني من إيراد الظلمات والنور في خطابه
مكررة مرات في سياقات متعددة؟
لا ندعي أننا قادرون على الجواب
عن الاستفهام السابق لأن النص العادي مفتوح على قراءات
كثيرة فما بالك بالآي القرآني الإلهي الذي كان وما زال
وسيبقى موضوع محاولات قراءة وفهم واجتهاد واستنباط..
دون ادعاء من احد أنه بلغ الغاية، إذ محاولات تفسير آي
القرآن الكريم ولود وصفة «ولود» تكثر مع الزمن وتطور
العقول وتعدد شواغل الإنسان.. وإنما نحاول، كما حاول
القدماء والمعاصرون، أن نتبين المقصد بفهم دلالة
الثنائية: الظلمات والنور.
يكاد المفسرون والمعجميون يتفقون
على أن الظلمة/ الظلمات قيمة تختزل كل شر وأن النور
قيمة تختزل كل خير، ثم فصلوا كليهما بمفردات ومركبات
مفسرة فقالوا في: ظ ل م: ظلم ـ ظلمة ـ ظلمات..: وضع
الشيء في غير موضعه، الجور ومجاوزة الحد، الشرك، الميل
عن القصد، الضلالة، الكفر، العماية، الغواية،
المعتم... وقالوا في: ن و ر: النور: الله، محمد،
الهدى، الحق، الإيمان، الحب ... (3) وباختصار فالظلمات
تعني كل ما هو معتم وغير واضح والنور يعني كل ما هو
واضح مكشوف لأنه جلاء الأبصار وغذاء الأرواح يربو به
الجسم وتترعرع فيه الحياة ويداوى به ما ليس يداوى
بغيره من الأدواء. واللافت في الظلمات والنور من حيث
الإفراد والجمع والإعراب أن الظلمات وردت في القرآن
جمعا لأن الإفساد والفساد والضلالة والغواية متعددة
والسبل إليها كثيرة وأن النور وردت مفردة لأن الهدى
والحق والإيمان.. واحد لا يتجزأ والطريق اليه واحد
كذلك، وأن وظيفة النور النحوية مفعول انتهاء الغاية
ووظيفة الظلمات النحوية مفعول ابتداء الغاية أي أن
الإنسان يحيا مصارعا ليتخلص مما يكبله من الظلمات طبعا
وتطبعا (القيم السيئة) حتى يتأهل لانتهاج نجد النور
(السعادة العظمى/القيم النبيلة)، إذ الله لم يخلق
الإنسان عبثا قال تعالى:(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا
وأنكم الينا لا تُرجعون) المؤمنون: 115، وإنما خلقه من
نوره وروحه وسلحه بالعقل والرسل ووضع أمامه النجدين:
نجد النور ومآله ونجد الظلمات ومآله.. فمآل نجد النور
صلاح في الدنيا وتعمير وخير يوازيها قرب من الله وحب
له وذوبان في نوره (حب الكمال والدوام)، ولعل من
المفيد ايلاء هذا العقل الهبة الإلهية المميزة المكرمة
للإنسان المحدوة بالشرائع عناية لا لأنها الراحلة
الوحيدة التي تحمل الإنسان من عالم الظلمات الى عالم
النور فقط، وإنما لأن أغلب دارسي الحضارة الإسلامية
والفكر الإسلامي وحركات الإصلاح العربية من المعاصرين
قد حملوا العقل العربي المسلم مسؤولية تخلف الأمة
باعتباره «مختلا بنيويا» لذا يحسن، قبل الرد على
هؤلاء، أن نلم بـ: عقل في القرآن فآيات: يعقلون،
تعقلون، عقل (أفعال لا أسماء) تسع واربعون ورد فيها
الفعل: يعقلون لا المصدر عَقْل لأن عَقَلَ فعل/ حدث في
الزمان وكذلك فعل العقل، أما عَقْل فاسم بدون زمان أي
اسم لجهاز، لذلك لم يذكر القرآن العقل وإنما ذكر: يعقل
بكثرة وعقل بندرة، إذ فعل العقل لا يكون إلا في الزمان
(الحاضر المفتوح) وعقل في القرآن تعني الفهم بعمق
وروية واجادة وتجرد، الوجود وذاته والبيئة المحيطة ذات
الأبعاد المختلفة والآثار وتاريخ الأمم السابقة
والأديان، للخلوص الى استنباط القوانين الكلية المنظمة
للكون والحياة والذات والآخر (إذ العقل باختزال هو
القوة الفكرية المؤسسة على الحواس والتجربة والمتجهة
الى الخارج والداخل والتي تنكب أساسا على البحث عن
الترتيب بين الحوادث لمعرفة أسبابها وشروطها)، ولم لم
يعقل/ يفقه/ يفهم هذا النظام الكوني زمانيا وآنيا
عُدَّ غير عاقل وَوُبِّخَ بشدة: 15 آية مختومة بـ»افلا
تعقلون» (السلوك الصائب، آيات الله، الكتب السابقة،
الدنيا والآخرة، الرسول الخاتم، الرسل السابقين، وظيفة
الرسول، القرآن، المشركين، آثار نائلي عقاب الله، حياة
الإنسان...) قال تعالى: (أُفٍّ لكم ولما تعبدون من دون
الله أفلا تعقلون) الأنبياء آية 67، وقال تعالى:(وهو
الذي يُحْيي ويميتُ وله اختلافُ الليلِ والنهارِ أفلا
تعقلون) المؤمنون آية 80. أما الآيات المختومة بـ:
«لعلكم تعقلون» (التي يرى بعض المفسرين أن «لعل» تعني
«حتى» و»لـ» و»كي») فعددها 8 قامت على دعوة الله
الإنسان الى عقل آيات الله كما تتراءى له في كل كائنات
الدنيا الحية منها والجامدة (الأنعام آية 78) ومضامين
القرآن (الحج آية 5 والمؤمنون آية 13 ـ 14) وحياة
الإنسان: قال الله تعالى: (إنَّا أنزلناه قرآنا عربيا
لعلكم تعقلون) (يوسف آية 2) وقال تعالى:... (كذلك
يبينُ اللهُ لكم الآياتِ لعلكم تعقلون) (النور آية 61)
وقال تعالى: (اعلموا أنَّ الله يُحيي الأرضَ بعد موتها
قد بَيَّنا لكم الآيات لعلكم تعقلون) الحديد آية 17.
والآيات المختومة بـ»يعقلون» المثبتة: 9 تتضمن ما أودع
الله في الكون كي يعقله العاقلون.. من ذلك: هلاك الله
الضالين السابقين والأرض خلقا ونباتا والرياح والسحب
والنجوم وآيات الله الأخرى قال تعالى: (إنَّ في خلقِ
السمواتِ والأرضِ واختلافِ الليلِ والنهارِ والفلكِ
التي تجري في البحر بما ينفعُ الناسَ وما أنزل اللهُ
من السماءِ من ماءٍ فأحيا به الأرضَ بعد موتها وبثَّ
فيها من كلِّ دابةٍ وتصريف الرياح والسحابِ المسخَّر
بين السماء والأرض لآياتٍ لقوم يعقلون) البقرة آية
164. والآيات المختومة بـ،: لا يعقلون المنفية 9 يتوعد
فيها الله الذين لا يعقلون لعدم اعتبارهم بآبائهم
الكفرة وسخريتهم من آيات الله ورسله والكاذبين على
الله قال تعالى: (إنَّ شَرَّ الدواب عند الله الصمُّ
البكم الذين لا يعقلون) (الأنفال آية 22) وقال تعالى:
(ومنهم مَنْ يستمعون اليك أفأنت تُسمعُ الصمَّ ولو
كانوا لا يعقلون) يونس آية 42.
إن
آيات «يعقلون» المستفهمة والمثبتة والمنفية التي
ألممنا بجلها موجهة الى الإنسان باعتباره إنسانا حرا
مكرما (الإسراء آية 70) مسؤولا لا باعتباره مسلما فقط
لعلم الله أن الناس لن يكونوا جميعا مسلمين وأن الكون
يعمره المسلم والكتابي والملحد (الحجرات آية 13) لكن
الذي يعقل الطبيعة بكل أبعادها والتاريخ والحضارات
السابقة سيعقل خالق الكون ودقة تنظيمه له فيؤمن
بوحدانية الله ثم برسله ثم برسوله الخاتم وقرآنه
والإسلام وهذا التمشي هو الذي جعل الأوائل يسلمون
والتابعين والمعاصرين ممن تربوا معتنقين ديانات أخرى.
لقد تبين لنا من خلال آيات العقل
أن بني آدم صنفان: صنف هداه عقله المفعل بالكون ونظامه
المبدع الى التوحيد، الإيمان، النور، الحق فعاش ما قدر
له الله أن يعيش، عابدا متحملا مسؤولية الاسهام في
تعمير الكون وإسعاد الآخرين منتظرا ملاقاة ربه ليجزى
الجزاء الأوفى، هذا الصنف هو العاقل في الإسلام. وصنف
لم يهده عقله الى التوحيد فعاش ما قدر له الله أن يعيش
مشركا عبدا لغير الله همه اشباع غرائزه واستغلال غيره
والعيث في الأرض فسادا هذا الصنف غير عاقل، وهكذا
التاريخ البشري في القرآن: العقل = عقل + توحيد..
واللاعقل = عقل + شرك.. لأن التوحيد يخرق الحجب من
امام العقل فيتسع مداه إلى ما لا نهاية والشرك يكثف
الحجب فلا يرى صاحبه شيئا (قصة إبراهيم في سورتي:
الأنعام: 74 ـ 78 والانبياء: 51 ـ 66 خير دليل موضح).
لقد حددنا في الفقرات السابقة
مفهوم العقل ووظيفة العقل ومآله كما وردت في القرآن
الكريم، أما الدكتور محمد عابد الجابري فقد عرف في
كتابه: تكوين العقل العربي، العقل انطلاقا من لسان
العرب لابن منظور خالصا الى ان العقل في اللغة
العربية، والألفاظ ذات الصلة بمعناه: الحجر، النهى،
الحجا، الفؤاد، الفكر، الخاطر، الذهن.. لا تفيد غير
القيم والأخلاق: العقل يعقل صاحبه عن التورط في
المهالك، والنُّهى ينهي عن القبيح، والحجا التفطن الى
المغالط، والذهن: ذهنني عن كذا ألهاني عنه.. وأن
القرآن يعبر بلفظة العقل في الأغلب الأعم عن التمييز
بين الخير والشر، بين الهداية والضلال مضمنا آيات
يراها مؤكدة لرأيه ثم يضع إصبعه على الداء في حضارة
العرب المسلمين بقوله مقارنا بين العقل العربي والعقل
الغربي:»ومن هنا يمكن القول ان العقل في التصور الذي
تنقله اللغة العربية المعجمية يرتبط دوما بالذات
وحالاتها الوجدانية وأحكامها القيمية فهو في نفس الوقت
عقل وقلب، وفكر ووجدان، وتأمل وعبرة، أما في التصور
الذي تنقله اللغات الأوروبية فالعقل مرتبط دوما
بالموضوع، فهو إما نظام الوجود وإما إدراك هذا النظام
أو القوة المدركة. إن المعطيات السابقة تجعلنا، من
الناحية المبدئية على الأقل، في وضع يسمح لنا بالقول
إن العقل العربي تحكمه النظرة المعيارية الى الأشياء
ونحن نقصد بالنظرة المعيارية ذلك الاتجاه في التفكير
الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم
التي يتخذها ذلك التفكير مرجعا له ومرتكزا. وهذا في
مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن
مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها، إن
النظرة المعيارية نظرة اختزالية، تختصر الشيء في
قيمته، وبالتالي في المعنى الذي يضفيه عليه الشخص
(والمجتمع والثقافة) صاحب تلك النظرة، أما النظرة
الموضوعية فهي نظرة تحليلية تركيبية تحلل الشيء الى
عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري
فيه» (4).
إن «فرض» الغرب نفسه مركز كل علم
وكل منهج وكل ثقافة وكل حضارة و»فرضه» على غيره ان
يسلم بذلك جعل فئات عديدة من مفكرينا يؤمنون راسخ
الإيمان بهذه النظرية «العنصرية» فيسهمون في نشرها
ويبحثون لها عن الحجج المثبتة لها دون وعي منهم أن
الحضارات تنشأ وتزدهر وتينع وتثمر وتذبل وقد تموت
لعوامل كامنة فيها ناتجة عن المكان والثقافة والسياسة
والتاريخ والمجتمع والاقتصاد.. وبكلمة واحدة أسباب
بنيوية لذلك نؤكد أن من أراد إصلاح حضارته أو النهوض
بها أو تطويرها فعليه أن يبحث عن العلاج داخل آليات/
مقومات، ضوابط تلك الحضارة أو بالأحرى «عقل» تلك
الحضارة، إذ لكل حضارة عقل (العقل العربي، العقل
الغربي، العقل الصيني، العقل الهندي..) وليس المعني
بالعقل: الجهاز، الدماغ، وإنما كما أشار ابن المقفع،
ما يقدح هذا الجهاز أي المحيط الفكري الذي يحتك به أو
بالأحرى جملة الآراء والأفكار والقيم التي يعبر بها
شعب/ أمة عن اهتماماته وشواغله وأخلاقه ومعتقداته..
فالصين واليابان والهند وماليزيا.. لم تنهض بوصفات
علاج مستوردة من أوروبا وإنما نهضت بتفعيل عقل كل منها
وتشبيبه وصقله.
|
 |
لقد أملى هذا الاستطراد منهج
الدراسة ومقصدها، فالعقول التي صنعت حضارات الأمم
المذكورة كان عنصر الدين فيها فاعلا على البعد الوثني
في جلها فما بالك لو كان الدين مقوما أساسيا من
مقوماتها وكان سماويا كما هو الحال بالنسبة الى
الحضارة العربية الاسلامية لو عرفنا كيف نتعامل مع
عقلنا لنفخنا في حضاراتنا روحا جديدة ودفقنا في
اوصالها دما جديدا فاستعادت عافيتها وتبدت شامخة مميزة
مبهرة العالم بما لم يعهده في العصور الحديثة ناشرة
أنوارا تكشف ما لفَّ الحضارة المعاصرة من زيف وظلم
واستعباد وعنصرية وغرائز وأنانية، وتفتح للإنسان
والشعوب والأمم أبواب الكرامة والحرية والعدالة
والمساواة والسعادة لأن عقل هذه الحضارة (الحضارة
العربية الإسلامية) مضاعف: عقل محدود يعتمد المرئي/
المادة فيحلله ويستخرج قوانينه (وهذا هو العقل السائد
في أوروبا، بل هو الأول والآخر، بل هو «الله» الذي لا
إله سواه) ـ حسب فهمهم وتصورهم ـ وعقل مطلق إسلامي
قرآني لا حدود لقدراته يُعبِّد الطريق أمام المحدود
ويأخذ بيديه ليتجاوز المرئي ويوغل في النظر في
المجردات ليحيط بأسبابها البعيدة والقريبة ويعرف
قوانينها ولو بعد مئات من السنين فآيات 257 ـ 260 من
سورة البقرة توضح الفرق بين قدرة العقل المحدود والعقل
المطلق قال تعالى: (ألمْ تَرَ الى الذي حاجَّ ابراهيمَ
في ربِّهِ أنْ آتاهُ اللهُ الملكَ إذ قال ابراهيمُ
ربِّيَ الذي يحيي ويُميتُ قال أنا أُحيي وأُميت قال
ابراهيمُ فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها
من المغرب فَبُهِتَ الذي كفر واللهُ لا يهدي القومَ
الظالمين. أو كالذي مَرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على
عروشها قال أَنَّى يُحيي هذه اللهُ بعد موتِها فأماته
اللهُ مائةَ عام ثم بعثه قال كَمْ لبثتَ قال لبثتُ
يوماً أو بعضَ يوم..) وكذلك آيات 65 ـ 68 ـ 82 من سورة
الكهف التي تميز بين علم الخضر (عبدا من عبادنا) وعلم
موسى (نبي) فعلم الأول غير محدود لأنه مبني على فهم
عميق للدنيا بكل أبعادها وعطاء إلهي (آتيناه رحمةً من
عندنا وعلَّمناه من لدنا علما) وعلم الثاني محصور في
النبوة لذلك طلب من الخضر أن يعلمه فرد عليه: (إنك لن
تستطيعَ مَعِي صبراً وكيف تصبر على ما لم تُحطْ به
خُبْرا) ثم أنهى الخضر قصته مع موسى: (وما فعلته عن
أمري ذلك تأويلُ ما لم تَسْطِعْ عليه صبرا) ألا يرى
القارئ أن الاكتشافات العلمية في عصرنا من علوم
وجغرافيا وفلك وطب... كانت بدءا «خيالا علميا» أو
بالأحرى تصورات دينية/ معتقدات، حتى النظام الشيوعي
يستمد تصوره للمجتمع المثالي من مفاهيم دينية سماوية
رغم أن مبتدع هذا النظام كان يرى بعقله الصغير أن
«الدين أفيون الشعوب» دون أن يدري أن الدين منبه
الشعوب ومزيل الظلمات ومحرر الأوطان وباني الحضارات.
لقد عاشت الإنسانية منذ العصور
الوسطى عصرا عربيا اسلاميا أنار العالم ثم انحرف عن
الطريق تحت ضربات الاستبداد والفتن والجهل وأعداء
الخارج حتى خبا أو كاد وعصرا أوروبيا سائدا حتى الآن
منعوتا بالحديث ومخاضا عسيرا محفوفا بالأعاصير
والظلمات والقصف لولادة بل انبعاث ذلك العصر الذي «ظن
أنه مات» فاعتمادا على ما عرفته البشرية من مقومات
للعصر الإسلامي الخابي البادئ في الاتقاد من جديد
وللعصر الحديث الغربي الحالي يمكن التساؤل: أيهما عصر
نور؟
جاء
الإسلام، كما بينا في بداية الحديث بآيات قرآنية،
ليخرج البشرية من الظلمات الى النور ورفعت حضارة الغرب
شعار عصر الأنوار مما يعني أن العصور السابقة كانت
مظلمة لكن الحضارتين المتفقتين على وصف نفسيهما بالنور
مختلفتان في الوسيلة الموصلة الى تحقيق هذا النور وفي
ماهية النور ذاتها، فالوسيلة الإسلامية العقل والإيمان
والعمل (تكررت: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) حوالي
260 مرة) ثالوث يسمو بالإنسان ويخلصه من المادية
والتشيؤ ويربطه بالخالق ويجعله مستخلفا مكرما مؤتمنا
مسؤولا.. والنور الإسلامي هو الغاية التي يرمي اليها
الإسلام وهي تزكية النفس وتطهيرها عن طريق المعرفة
بالله وعبادته وتدعيم الروابط الإنسانية على أساس من
الحب والرحمة والإخاء والمساواة والعدل وبذلك يسعد
الإنسان في الدنيا والآخرة، إذ هذا الإنسان لم يخلق
عبثا قال تعالى:(أيحسب الإنسانُ أن يُتركَ سُدَىً)
القيامة: 36، أما الوسيلة الغربية فالعقل المحض الذي
لا قوة فوقه والعمل والنور الغربي طفرة العلم والفن
والأدب والبخار والطب والسياسة والمواصلات والحريات..
لقد
حددنا مختزلين النور في الحضارتين والوسيلتين
الموصلتين إليه أفلا يحسن أن نرسم صورة لنتائج حضارة
الغرب في الواقع المعيش وأخرى لنتائج حضارة العرب
المسلمين كما عاشها الأوائل ويسعى الأواخر الى بعثها؟
إن انقطاع الصلة بين الإنسان الغربي وبين الله جعلته
جزءا من الطبيعة (لا مخلوقا أسمى منها) كائنا عبثيا
تدفعه الغريزة همه إشباعها وغايته الاستزادة من كل
الملذات الدنيوية (فرحة الحياة) مما قوى لديه قيمة
الفردية وكاد يفقده كل غيرية فانهارت القيم النبيلة من
عدل وكرامة ومساواة ورجولة وسادت قيم الأنانية
والكراهية والبغض والمادية والعنصرية والاستعباد
والسرقة والنهب وقانون الغاب والشذوذ.. فإن كان
استعمار الغرب للشعوب الضعيفة ونهبه ثرواتها وقتله
شبابها واغتصابه نساءها ومسخه شخصيتها في القرن التاسع
عشر والعشرين نورا فتبا لنور لا يكرم الإنسان ولا
يحترمه! وإن كانت الأسلحة الفتاكة التي أبادت الملايين
ونسفت مئات المدن في الحربين 1 و 2 نورا فيا خيبة
النور الأوروبي! وإن كانت الحرب الجارية وما أنتجته
وتنتجه من فظائع وابادات واغتصاب اوطان وامتهان شعوب
وتحطيم حضارات ومحاصرة أقاليم.. نوراً فملعون هذا
النور! وإن كانت المخدرات والشذوذ الجنسي والإباحية
والمثلية وتفكك الأسر وعصابات المافيا وشركات محترفي
القتل للارتزاق نورا فالظلام أفضل.
|
 |
إن توثيق الصلة الحية بالله الحي
الواحد سمو بالإنسان على الطبيعة والغريزة والتشيؤ
واقتناع منه بأن للحياة هدفا أبعد من الأكل والشرب
والتناسل وجمع المال وقتل الآخرين فيحيا مؤمنا موحدا
عاملا مخلصا في سبيل تحقيق ما أمر الله به إسعادا
لذاته في الدنيا (قلْ مَنْ حَرَّمَ زينةَ اللهِ التي
أخرجَ لعباده والطيباتِ من الرزق قل هي للذين آمنوا في
الحياة الدنيا خالصةً يوم القيامة كذلك نُفَصل الآياتِ
لقوم يعلمون) الأعراف: 32 والآخرة: (إنَّ الذين آمنوا
وعملوا الصالحات أولئك هم خيرُ البرية جزاؤهم عند
ربِّهم جناتُ عدنٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها
أبداً رضي اللهُ عنهم ورَضُوا عنه ذلك لمن خشي ربَّه)
البينة 7 ـ 8، وإسهاما كبيرا في إسعاد الآخرين كل حسب
حاجته ومهما كانت علاقتهم به بالمال والجهد والكلمة
الطيبة والقيم النبيلة ولعل عينة الآيات التالية لا
تحدد للمسلم المستهدفين بالإعانة والرعاية والدعم فقط
وإنما ترسم له الكيفية التي يساعد بها والحالة التي
يكون عليها وهو يمد يد الدعم لإخوانه المسلمين وغير
المسلمين ابتغاء مرضاة الله وجزائه الأوفى:
هدف الرسالة المحمدية مما ألمحنا
اليه تشييد مجتمع متكافل موحد متراحم (تواترت: الرحمة
339 مرة) متحابب (تواترت 81 مرة) قادر على تحقيق
الأهداف السامية والمقاصد النبيلة التي جاء بها القرآن
الكريم من عبادة وإقامة حق وفعل خير ونشر عدل ومساواة
وتكافؤ فرص يصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم:»ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل
الجســـد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر
الجسد بالسهر والحمى» (5).