والآن
نأتي الى افتراء «المؤلف» على الإمام فخر الدين
الرازي.. وادعائه أنه قد قال بصلب المسيح، اعتمادا على
وجود «التواتر النصراني» في هذا الموضوع..
لقد كذب «المؤلف» عندما نسب الى الرازي وبعض المفكرين
والفلاسفة المسلمين «أن المسيح صلب حقا، وأن القتل ورد
على هيكل ناسوته لا على نفسه التي «تخلصت الى فسحة
السموات»..
نعم.. كذب «المؤلف» لأن الرازي قد أورد هذا الرأي في
سياق «شرح مذاهب النصارى في هذا الباب.. وليس كرأي له
هو أو للمفكرين والفلاسفة المسلمين.. فهو زعم للنصارى
النسطورية، ومن وافقهم من الحكماء ـ (أي الفلاسفة) ـ
وليس رأيا للرازي أو غيره من المسلمين!
ونص
عبارة الرازي:«أما النسطورية، فقد زعموا أن المسيح صلب
من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وأكثر الحكماء يرون
ما يقرب من هذا القول» (1).
فهو
زعم نصراني نسطوري.. كذب «المؤلف» عندما افتراه على
الرازي وبعض المفكرين والفلاسفة المسلمين.
ويؤكد
ذلك ما قاله الرازي ـ جـ11 ص104 ـ أثناء تفسيره قول
الله سبحانه وتعالى:(وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله
إليه): «أنه تعالى أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم
لا، ثم أخبر محمداً بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه».
وكذلك
الحال في دعوى «المؤلف» على الرازي اعتماد «التواتر
النصراني»، فلقد أورد الرازي، في معرض السؤال:
(السؤال
الثاني)... وبالجملة، ففتح هذا الباب يوجب الطعن في
التواتر، والطعن فيه (أي التواتر) ـ يوجب الطعن في
نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذا فرع
يوجب الطعن في الأصول فكان مردودا).
لقد أورد
الرازي ذلك النص في معرض السؤال.. ثم أورد الجواب على
هذا السؤال والاعتراض، فقال:
«..
والجواب:.... وبهذا الطريق زال السؤال. ولا يقال: إن
النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولا، لأنا
نقول: إن تواتر النصارى ينتهي الى قوم قليلين لا يبعد
اتفاقهم على الكذب» (2).
فالرازي
ينكر دعوى التواتر النصراني أصلا، لأن شروط التواتر ـ
ومنها استحالة اتفاق الرواة واجتماعهم على الكذب ـ غير
متوفرة فيه.
أما
«المؤلف» ـ المتخصص في أصول الدين.. والأستاذ في
الدراسات الإسلامية ـ فلقد كذب على الرازي وعلى علماء
الإسلام وفلاسفته ومفكريه، عندما عكس الآراء الى
نقيضها، فزعم أن الرازي قد اعتمد «التواتر النصراني»،
وسلم ـ بناء عليه ـ بقتل المسيح وصلبه!!..
الافتراء على علماء الإسلام في قضية التحريف للتوراة:
وبعد
افتراء «مؤلف» هذا الكتاب ـ (المسيح في الإسلام) ـ على
علماء الإسلام ـ خاصة الإمام فخر الدين الرازي ـ في
قضية:
ـ قتل
المسيح وصلبه..
ـ وفي
قضية: وجود «تواتر نصراني» للنصوص والوقائع الدينية..
وهي التي
رددنا عليها.. وفندناها..
ذهب
«المؤلف» الى الافتراء على الرازي ـ للمرة الثالثة ـ
بادعاء أنه قد أنكر حدوث التحريف في ألفاظ التوراة..
وكأن الرازي ـ برأي «المؤلف» ـ ينكر ويتنكر لآيات
القرآن الصريحة، التي تحدثت عن تحريف اليهود للتوراة ـ
بصريح لفظ التحريف ـ في آيات ثلاث:
(أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون
كلام الله ثم يُحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)
البقرة: 75 ـ (من الذين هادوا يُحِرِّفون الكَلِم عن
مواضعه) ـ النساء: 46 ـ (ومن الذين هادوا سماعون للكذب
سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يُحِرِّفون الكَلِم من بعد
مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تُؤْتَوْهُ
فاحذروا) ـ المائدة: 41 ـ..
كما
تحدثت آيات القرآن عن ذلك التحريف اليهودي للتوراة، في
معرض الوعيد لمقترفيه، فقالت: (فويل للذين يكتبون
الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذ1 من عند الله لِيشْتَروا
به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما
يكسبون) ـ البقرة: 79 ـ ..
ذهب
«المؤلف» الى الافتراء على الإمام فخر الدين الرازي،
في هذه القضية فقال: في ص278 هامش (120) ـ: «يعتقد
كثير من المسلمين عن جهل أن القرآن يتهم النصارى
بتحريف الإنجيل، ولم يتهم الكتاب سوى البعض من اليهود
أنهم حرفوا المعنى لا اللفظ، لأن مثل هذا التحريف
يستحيل أن يسلم به العقل كما أدرك ذلك الرازي فنفى
ادعاء المفسرين السابقين، إذ لا يحتمل تغيير اللفظ
«لان الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه تغيير
اللفظ».
لقد كذب
«المؤلف» عندما نسب الى الرازي استحالة التحريف في
ألفاظ التوراة «لأن مثل هذا التحريف يستحيل أن يسلم به
العقل، لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه
تغيير اللفظ».
ذلك أن
«المؤلف» قد أخذ ما أورده الرازي عن القرآن الكريم ـ
المنقول بالتواتر ـ فجعله كلاما للرازي عن التوراة!!
وعبارات
الرازي ـ التي تفضح هذا الكذب والتدليس والتزييف ـ
واضحة وحاسمة.. فلقد قال في تفسيره لقول الله سبحانه
وتعالى: (ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) ـ
البقرة: 75 ـ.. «قال القفال: التحريف التغيير
والتبديل.. ولقد روي عن ابن عباس أنهم زادوا فيه
ونقصوا.. وقال القاضي:... وإنما يمتنع (تحريف اللفظ)..
إذا ظهر كلام الله ظهورا متواترا كظهور القرآن، فأما
قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه..» (3).
فالمتواتر، الذي يمتنع تحريف لفظه ـ برأي الرازي ـ هو
القرآن..
وبعد أن
عرض الرازي لليهود الذين حرفوا التوراة.. وهل هم الذين
كانوا زمن النبي موسى، عليه السلام؟.. أم الذين كانوا
زمن محمد، صلى الله عليه وسلم؟.. قال: «وأما إن قلنا:
المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد، صلى الله عليه
وسلم، فالأقرب أن المراد تحريفه أمر محمد، صلى الله
عليه وسلم، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته، أو
لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم» (4).
فكلام
الرازي قاطع بتحريف اليهود لألفاظ التوراة ونصوصها..
ولقد عرض
الرازي لهذه القضية مرة ثانية، فقال ـ في تفسير قوله
سبحانه وتعالى: (ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون
لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه
يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن
يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين
لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في
الآخرة عذاب عظيم) ـ المائدة:41.
قال
الرازي ـ في تفسير تحريفهم للتوراة ـ :«.. وذلك الكذب
هو ما يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى في
تحريف التوراة، وفي الطعن في محمد، صلى الله عليه
وسلم» (5).
ثم يقطع
بأن التحريف كان بوضع ألفاظ مكان ألفاظ أخرى، فلقد
وضعوا لفظ «الجلد» مكان لفظ «الرجم» في عقوبة الزاني
المحصن.. ونص عبارة الرازي: «فنقول: قوله (يحرفون
الكلم من بعد مواضعه) أي وضعوا الجلد مكان الرجم» (6).
ثم
يؤكد ذلك في تفسيره قول الله تعالى: (لهم في الدنيا
خزي) فيقول: «.. وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في
كتمان نص الله تعالى في ايجاب الرجم».. كما يقول:
«إنهم سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها الى
التوراة» (7)
فالتحريف
قد وقع منهم في النصوص والألفاظ، وليس فقط في بعض
المعاني ـ كما ادعى «المؤلف».. ذلك أن «كتمان النص» هو
حذف له.. أي تحريف فاضح للألفاظ..
ثم عاد
الرازي فأفاض في الحديث عن ذلك وهو يفسر قول الله
سبحانه: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه
ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لَـيَّاً
بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا
واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله
بكفرهم فلا يؤمـــــنون إلا قليلا) ـ النساء: 46 ـ.
فقال:
«اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة شرح
كيفية تلك الضلالة، وهي أمور:
أحدها:
أنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه (8).. ثم بين كيفية
التحريف الذي أحدثوه.. فذكر آراء المفسرين في ذلك،
وكيف أن منهم من قال: «إنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ
آخر.. ونظيره قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب
بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله).
ثم أورد
الرازي اعتراض البعض على هذا الرأي ـ أن التحريف كان
للألفاظ ـ فقال: «فإن قيل: كيف يمكن هذا الكتاب الذي
بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في
الشرق والغرب»؟
ثم أورد
ـ في الإجابة على هذا الاعتراض ـ عدة آراء منها:
«الأول:
قلنا لعله يقال: القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب
كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف.
والثاني:
أن المراد بالتحريف القاء الشبهة الباطلة، والتأويلات
الفاسدة، وصرف اللفظ عن معناه الحق الى معنى باطل
بوجوه الحيلة اللفظية» (9).
ثم خلص
الرازي الى أن اليهود قد جمعوا كل ألوان التحريف ـ في
الألفاظ وفي التأويلات للمعاني ـ وذلك عندما علل
استخدام القرآن ـ في سورة النساء ـ تعبير (يحرفون
الكلم عن مواضعه واستخدامه ـ في سورة المائدة ـ تعبير
(من بعد مواضعه).. فقال: «لقد ذكر الله تعالى هنا: (عن
مواضعه) وفي المائدة (من بعد مواضعه). والفرق: أنا إذا
فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة، فههنا قوله:
(يحرفون الكلم عن مواضعه) معناه: أنهم يذكرون
التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيه بيان أنهم
يخرجون تلك الألفاظ من الكتاب. وأما الآية المذكورة في
سورة المائدة، فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين،
فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يخرجون اللفظ
ايضا من الكتاب، فقوله: (يحرفون الكلم) اشارة الى
التأويل الباطل، وقوله: (من بعد مواضعه) اشارة الى
اخراجه عن الكتاب» (10).
تلك هي
نصوص الإمام فخر الدين الرازي، في تفسيره للآيات التي
تحدثت عن تحريف اليهود للكتاب.. وهي نصوص شاهدة وقاطعة
على قوله ـ مع القرآن الكريم ـ بأن اليهود قد وقع منهم
التحريف بنوعيه للتوراة: تحريف التأويلات الفاسدة
للمعاني.. والتحريف للألفاظ (فويل للذين يكتبون الكتاب
بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا
قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)
البقرة: 79.
فأين من
قول الرازي ـ هذا الواضح والحاسم ، ذلك الكذب الذي
نسبه «مؤلف» هذا الكتاب الى هذا الإمام العظيم؟!
ثم من
قال إن الأناجيل أو التوراة منقولة ألفاظها
بالتواتر؟.. أليست الترجمة وجميعها مر بأكثر من ترجمة
ـ في حد ذاتها تغييرا للألفاظ، يصل الى درجة «الخيانة»
للنص الأصلي، كما تعارف على ذلك المترجمون؟!..
وأليست
التناقضات ـ في العهدين القديم والجديد ـ شاهدة على
التحريف والتغيير والتبديل، ومن ثم على انتفاء أي
«تواتر»؟!..
لقد نزلت
التوراة على موسى ـ عليه السلام ـ بمصر، وباللغة
الهيروغليفية ـ اللغة المصرية القديمة ـ التي كان
يتكلمها موسى ومن أرسله الله اليهم ـ فرعون وملته وبني
اسرائيل، الذين كانوا يعيشون في مصر منذ قرون ـ.. ثم
حدثت القطيعة بين بني اسرائيل هؤلاء وبين هذه
التوراة.. عبدوا أثناءها العجل، وتمردوا على الشريعة..
ثم عبدوا آلهة الكنعانيين بعد غزوهم أرض كنعان.. ولقد
توفي موسى ـ عليه السلام ـ الذي نزلت عليه التوراة
بمصر.. وبلغتها.. ودفن بمصر، قبل ظهور اللغة العبرية
بأكثر من قرن من الزمان.. إذ العبرية، التي اعاد بنو
اسرائيل كتابة تراثهم وشريعتهم بها، قد نشأت في أرض
كنعان، كخليط من الآرامية والكنعانية وكثير من اللغات
واللهجات الاخرى ـ سامية وغير سامية ـ حوالي سنة
1100ق.م.. ثم أعاد أحبار اليهود كتابة تراثهم وشريعتهم
مرة أخرى ـ بعد الدمار الذي أصاب وجودهم بفلسطين ـ
وذلك إبان السبي البابلي (587 ـ 538 ق.م).. وعلى
امتداد قرون وقرون حدثت الإضافات والتغييرات
والتبديلات العديدة في عصور مختلفة، وبأقلام متعددة،
الى هذا التراث، حتى استوى على ما هو عليه.. ثم ترجم
التراث بعد ذلك ـ أسفار (العهد القديم) الى اللغات
العديدة التي هو فيها الآن.
فمن هو
العاقل الذي يستطيع أن يدعي أن الألفاظ التي ينطق بها
هذا (العهد القديم) حاليا ـ في الترجمات العديدة الى
اللغات المعاصرة ـ هي ذات الألفاظ التي نزلت بها
التوراة على موسى بألفاظ الهيروغليفية ـ لغة المصريين
القدماء ـ؟!
يقول
الأستاذ الدكتور فؤاد حسنين علي ـ وهو من أبرز
الأساتذة الخبراء في التوراة والتراث العبري ـ: «إن
العبرية ـ والتي هي خليط من الآرامية والكنعانية وكثير
من اللغات الأخرى ـ سامية وغير سامية ـ لا يرجع تاريخ
ظهورها الى ما قبل سنة 1100ق.م.. وإذا علمنا أن موسى
ولد في مصر، ونشأ في مصر، وتثقف ثقافة مصرية، وتدرج في
مختلف الوظائف العسكرية حتى أصبح ـ كما يحدث المؤرخ
اليهودي «يوسيفوس فلافيوس» (37 ـ 100م) ـ ضابطا في
الجيش المصري، ولم يخرج مع من خرجوا الى سيناء ـ والتي
كانت وقتذاك اقليما مصريا ـ إلا ليواصل حياته المصرية
بعيدا عن استبداد الفرعون، ولم ير موسى فلسطين، وتوفي
قبل أن تظهر العبرية الى الوجود بأكثر من قرن، فلغته
كانت ولا شك اللغة المصرية القديمة» (11).
وإذا
أردنا أن نشير ـ مجرد إشارة ـ الى ما أصاب نصوص العهد
القديم من تغييرات وتحريفات وزيادة ونقصان، فيكفي أن
نقرأ سطورا من كتاب (التوراة الهيروغليفية) تقول: «لقد
درج بعض النساخ على التعليق على النص دون الاشارة،
فضمت تعليقاتهم خطأ الى المتن، وقد وقع مثل هذا عند
ذكر المدينة المصرية (سين = أسوان) إذ علق الناسخ
بعبارة «حصن مصري»، فضمت هذه العبارة الى المتن ـ (حز
قئيل. اصحاح 15:30) ـ كما تعرضت عبارات وألفاظ كثيرة
الى التحريف، فخرجت عن معانيها الأصلية فاضطرب المعنى
واختل الاسلوب ـ (إشعيا. إصحاح 10:29) ـ، وذهب النساخ
بعيدا فاستكملوا النصوص الناقصة، مثل قانون الملك
شموئيل الأول ـ (شموئيل الأول، إصحاح 8 : 10 ـ 21) ـ،
كما استباح اليهودي المتعصب لكتابه لنفسه الحق في
تغيير ما جاء في المتن لأنه لا يروقه ـ (أيوب. إصحاح
5:1) ـ، فالعبارة المنسوبة الى أيوب: «لأن أيوب قال
ربما أخطأ بني وجدفوا على الله في قلوبهم..» هي في
الواقع ـ كما يعتقد مارتن لوثر ـ: «أن أبنائي اقترفوا
إثما وأنكروا الله»، إلا أن الناسخ شق عليه إثبات هذا
المعنى. ومما يؤيد رأي مارتن لوثر ما جاء في العهد
القديم ـ (مزمور 3:10).
والآن
نتساءل ما مدى أصالة النص العبري؟ هل هو النص الأصلي
القديم الذي قد يعتمد عليه؟ يكفي الباحث أن يقرأ فيه
هذه المواضع المكررة ـ (قابل بين مزمور 18 وشموئيل
الثاني. إصحاح 22) ـ ليدرك قيمة هذا السؤال.
والذي
نعلمه أن هذا النص تعرض كثيرا لأعمال الحرق والإبادة
بسبب الحروب الداخلية أولا، والغزو الاجنبي ثانيا.
إن
التوراة السامرية ـ وهي ترجع الى القرن الرابع ق.م ـ
تختلف عن النص الماسوري في أكثر من ستة آلاف موضع، كما
أن النسخة السامرية تتفق مع الترجمة السبعينية في
الثلث.. والترجمة السبعينية ليست في مجموعها دقيقة،
وبخاصة في إشعيا والمزامير ودانيال، حيث نجد الترجمة
حرة غير دقيقة، كما أن سفر أرميا ينقص عن النص العبري
نحو السبع، كما ينقص سفر أيوب نحو الربع، كما نلاحظ
الاضطراب الكثير عند ترجمة بعض الألفاظ العبرية الى
اليونانية، كما أن هذه الترجمة لم تتم في عصر بعينه،
فالتوراة مثلا تمت ترجمتها في القرن الثالث ق.م، أما
سائر الأسفار الأخرى فقد ترجمت في عصور متأخرة. لذلك
فالآراء متضاربة حول الترجمة السبعينية، ليس فقط حول
ترتيلها وتنسيق أسفارها، بل حول اختلافها أحيانا عن
النص العبري وترتيب القديم العبري، فضلا عن ان الترجمة
السبعينية تضم أسفارا ليست شرعية، ولم ترد في النص
العبري، لذلك استبدلت بترجمة أخرى، ألا وهي ترجمة
(ثيودوتيون) Theodotion (12).
إن هذه
الشهادة العلمية، وثيقة، كتبها عالم خبير، استند فيها
الى تراث علمي هائل في أسفار العهد القديم.. والمتأمل
فيها يجد نفسه ـ دون مبالغات ـ أمام نصوص لا ترقى في
التوثيق والمصداقية الى نصوص «ألف ليلة وليلة»!!.. ومن
ثم يصبح غريبا وشاذا أن يتحدث أحد عن «التواتر» في
ثبوت هذه النصوص.. إنها مفتقرة الى كثير من شروط
«الصحة».. أما «التواتر» فلا علاقة لها به ولا علاقة
له بها بأي حال من الأحوال!..
(1) أحمد
عبد الوهاب (المسيح في مصادر العقائد المسيحية) ص37،
38 ـ طبعة القاهرة ـ مكتبة وهبة ـ سنة 1978م. والنقل
عن: محمد السعدي (حول موثوقية الأناجيل والتوراة) ص33.
مطبعة جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ـ ليبيا سنة
1986م.
(2)
الرازي (مفاتيح الغيب) جـ11 ص103. طبعة دار الفكر
العربي. القاهرة سنة 1405هـ ـ 1985م.
(3)
المصدر السابق. جـ11 ص101، 102.
(4)
المصدر السابق. جـ3 ص144.
(5)
المصدر السابق. جـ 3 ص144.
(6)
المصدر السابق. جـ 11 ص 238.
(7)
المصدر السابق. جـ 11 ص 239.
(8)
المصدر السابق. جـ 11 ص240، 241.
(9)
المصدر السابق. جـ9 ص120.
(10)
المصدر السابق. جـ9 ص121.
(11)
المصدر السابق. جـ9 ص121، 122.
(12) د.
فؤاد حسنين علي (التوراة الهيروغليفية) ص4، 5. طبعة
القاهرة. دار الكاتب العربي. بدون تاريخ.