أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

متابعات واخبار
بالعربي الفصيح
شعر
دراسات قرآنية
فى الحياة والاخياء
دراسات أدبية
حقائق واكاذيب
تواقيع
اخلاقيات
سلوكيات
اعلام خالدة
شعر
رمضانيات
شعر
الحديث ذو شجون
فى ذكراه ال 27
احماض ادبية
الغذاء والدواء
تعالوا الي كلمة سواء
ماسية المنهل
شقائق الرجال
خطرات فكر
مسك الختام
 

 

اخلاقيات

أكاد أجزم بأن مجتمعنا قد يخلو من ثقافة الابتسامة التي أكدها ديننا الحنيف، فكثيراً ما نسوق ونشجع أبناءنا وأسرنا على الابتسامة العريضة والوجوه النيرة والبشوشة والصبيحة. حيث يسعد الإنسان دائما أن يلقى وجها مبتسما تعلوه الابتسامة وعلامات الترحيب والرضا، فنقول لأبنائنا إن فلانا وجهه مريح بمعنى صبوح الوجه وبشوشه.

إنها صفة فطرية اكتسبها الإنسان وراثيا من خلال ثقافة اجتذاب الآخرين.. واكتساب صداقات كثيرة.. غالبا ما يهرع الإنسان الآخر إلى اكتساب صديق ذي وجه سمح. نقول دائما ويقول الآخرون «أحب» أن أصطبح بوجه فلان من الناس «لأنني أشعر بارتياح طوال ذلك اليوم.. فعلاً، الإنسان بفطرته يحب طلاقة الوجه، وهناك قول مأثور يقول:»لاقيني ولا تغديني»، وقد تسابق الشعراء والأدباء للإشادة بالوجوه السمحة البشوشة النيرة الصبوحة والمريحة للنفس. وهنا من يقول:»أضحك للدنيا تضحك لك» ولا ننسى قول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ:»أحسن من خلقك للناس». ويقول الشاعر:

والذي نفسه بغير جمال

لا يرى في الوجود شيئا جميلا

فطلاقة الوجه وسماحة التعامل وحسن الخلق هي مبادئ الإسلام الأولى. وفي الحديث الشريف الذي رواه أبو الدرداء رضي الله عنه، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:»ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء.. ومن حسن الخلق الكرم والسخاء والبشر وطلاقة الوجه، وكفّ الأذى واحتمال ما يكون من الناس، وكظم الغيظ ولين القول، وكل عمل من أعمال المروءة التي تدل على الهمة وكرم الشمائل. وهذا أبو جري سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه شيئا ينفعه الله به، فقال له:»اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا. وأن تلقى أخاك بوجه منبسط. وأن تفرغ من دلوك في إناء المستقي وإن امرئ سابك بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه، فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا». قال أبو جري:»فو الذي نفسي بيده ما سببت بعده شاة ولا بعيرا».

الإسلام انتشر بحسن الخلق.. والتجار المسلمون كان لهم دورهم في نشر الإسلام وذلك بحسن أدائهم وأمانتهم وصدقهم وحبهم للآخرين، لا بعبوس الوجوه ولا باحتقار الآخرين ولا النظرات المجحفة أو الازدراء لمن حولك من إخوانك المسلمين.

الاعتدال هو سبب لسعادة الفرد والجماعة وهو مقترن بحسن الخلق، والشقاء إنما يكون إذا ساء الخلق.

لذا فقد تبنى الإسلام الفضائل العالية والأخلاق الفاضلة وجعل الخلق والتسامح من أسباب الرحمة من الله بالمؤمنين وقربهم من الحبيب سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. ولينظر أحدنا اليوم في المرآة إذا كان غاضبا ويرى ملامح وجهه وينظر مرة أخرى وهو فرح مبتسم ليشاهد الفارق الشاسع بين غضبه وسعادته. وقد أجمع علماء النفس على أن الغضب يقتل الخلايا وأن البشاشة تفتح الخلايا وتساعد على نموها. فالنفس البشرية كثيرا ما تتجه إلى الشخص المريح المبتسم اللين الجانب الخلوق لتكسبه كصديق حميم وشخص عزيز. فاطلق وجهك أيها العابس لترى الفرق بين عباسة الوجه وطلاقته.

قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم.. افشوا السلام بينكم». فافشاء السلام وسيلة من وسائل الأمن والارتياح والسلام والتعرف على بعضنا بعضا.. أما التعنت واكتساب صفات ليست منا وليست من سمات ديننا الحنيف سوف تلصق بنا سمات التشدد والتخويف والتحذير، لذا فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سئلت كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن.. وما أعظم القرآن وكلماته وسوره ومضمونه. ولما سألها ابن اختها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت له: أما تقرأ (سورة المؤمنون)؟ قال: بلى. قالت اقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم:»قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون، اولئك هم الوارثون»، فلما وصل الى هذه الآية قالت له عائشة رضي الله عنها:»هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحين نزلت هذه الآية بالذات من (سورة المؤمنون) استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وارضنا)، ثم قال:»لقد أنزل عليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» فهذه الصفات يجب أن تكون صفاتنا وسبيلنا مع الآخرين في هذه الحياة الدنيا الزائلة، فليس من الإسلام النظرات المجحفة بحق الآخرين أو تقطيب الوجه أو إنقاص قيمة الإنسان وتحقيره ولو كان بنظرة دونية فهي إثم ووزر يحاسب عليه الإنسان. فعلينا أن نتقي الله في أنفسنا فهذه الازدراءات لن تزيدنا سوى إثما وعدوانا وكرها وبعدا عن بعضنا بعضا وعن مجتمعنا، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة حينما عاتبه الله سبحانه وتعالى عندما جاء الأعمى وأنزل الله عليه (سورة عبس)، وفي هذا السياق نقول بشدة للدعاة والمصلحين والعلماء والمفكرين والمعلمين، يجب التصدي لثقافة تقطيب الوجه ونظرات الازدراء لأنها سوف تفقدنا المواءمة والمحبة والسماحة بيننا.. وعلى إخوتنا أئمة المساجد إشاعة الأخلاق الفاضلة وسماحة الوجوه، فالمسلم أخو المسلم لا يحقره ولا يخذله. فتبسمك أيها المسلم في وجه أخيك صدقة، فلنتق الله فإننا إليه راجعون.

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب