فاروق صالح باسلامة ـ جدة ـ
هذا معرض ثقافي علمي من الآداب الإسلامية والشيم
الروحية الكريمة، يحمل معارف وقيما من شيم ثقافة
الأعلام في تاريخ الأمة. جسدتها أفكاراً قد تضيف
معلومة أو معرفة أو دلالة على الخير، أو إضاءة في دروب
الحياة.. حياة الأمة الإسلامية المجيدة وسبل مجتمعها
الكبير في هذه الدنيا الواسعة الأطراف والشاسعة
الأرجاء.
في
سير الرجال العارفين العاملين، عِبرٌ وسلوكيات من
الحياة العامة. فلقد مر سفيان الثوري بقوم في السوق،
ورأى الأرزاق، فقال لمن معه: أما ترون النعمة عند غير
أهلها كأنها مسخوط عليها!!. ويعني هذا الإمام الصالح
أن أصحاب تلك الأرزاق يبخلون بها ويبيعونها بغلاء.
ولذا بقيت كما هي معروضة. وهي ظاهرة عامة تبدو عند
الحكمة لمن أدرك خلفيتها الإنسانية والاقتصادية. الأمر
الذي جعل أبا ذر رضي الله عنه يقول:«إن خير ما بذلت من
مالك ما وقيت به عرضك» إ. هـ. ولقد دفعت هذه الحالة
شاعرا ـ لعله كعب بن زهير بن أبي سلمى ـ أن يقول:
احتالُ للمال إنْ أودى فأجمعه
ولست للعرض إن أودى بمحتال
أصونُ عرضي بمالي لا
أُدنِّسُهُ
لا بارك الله بعد العرض في المال
فالمال
عزيز يصون به الناس معايشهم وأعراضهم وحياتهم العامة.
ولقد ورد في الخبر: أن الله أوحى إلى موسى عليه
السلام: «أتدري لِمَ رزقت الأحمق؟ فقال موسى ـ وهو
كليم الله جل جلاله: لا يارب! فقال عزت قدرته: ليعلم
العاقل أن الرزق ليس بالحيلة». ولكن المال يعز صاحبه
حين الحاجة حتى لا يلجأ إلى سواه بعد الله الكريم. ومن
هنا قال الثوري:«المال سلاح المؤمن في هذا الزمن».
وتأمل فالثوري عاش في القرن الثاني الهجري.
والحق
أن الدعاء لله مطلوب في رخاء الأيام وشدائدها فهو مخ
العبادة. وللأسف الشديد أن كثيراً من الناس يتكلون على
رواتبهم دون مراعاة لجالب الرزق ورازق الناس والأحياء.
ولنتعلم من السلف الصالح دروساً مفيدة وعلوماً مجيدة،
فهذا الصحابي الجليل سعد بن عبادة يذهب الى الصلاة
المفروضة ثم يدعو ربه قائلا:»اللهم ارزقني حمدا ومجدا
فإنه لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال» وقد جاهد
رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وينبغي
لنا أن نترسم حياتنا على ضوء الوعي للعلم والدين
والدعوة والفكر الإسلامي والتراث الأدبي والشرعي من
خلال كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم عليه أفضل
الصلاة وأتم التسليم، وسير المرسلين عموما والصحابة
والتابعين، ففي ذلك كله مصدر المعرفة والإيمان ومرجع
الحق واليقين، ومورد العلوم والمعارف والدراية والفهم
والوعي العرفاني، إن السيرة العطرة لأسلافنا مضيئة
لحياتنا. أمر واحد ينبغي للإفادة من ذلك هو الوقوف مع
النفس لإرشادها، وارتياد الحكمة لتطبيقها والعمل
بالعلم والفعل والديانة والتمسك بالملة وتطبيق ما
علمنا من قواعد الشرع الحكيم المبين. فالضوء أخضر على
طول الدرب في طريق المعرفة ودرب العلم وتطبيق الوعي.
والشيم، شيم الوعي المعرفي، لها قيمها الكريمة،
وقيمتها العظيمة. وقد روي عن الصحابي الجليل عبد الله
بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: أي الإسلام خير؟
قال:«تطعم الطعام وتفشي السلام على من عرفت ومن لم
تعرف». واليوم نجد أناسا يفشون السلام ولكنهم غفلوا عن
الإطعام. أو تجد أناسا لا يسلمون إلا على من عرفوهم
فقط. والحديث صريح أن السلام تحية طيبة ينبغي إفشاؤها
في المجتمع الإسلامي الكبير.
وكان
أحد السلف الصالح يرشد الناس فيقول: «مؤاكلة الأسخياء
دواء ومؤاكلة البخلاء داء». كما أن أحدهم قال حكمة
بهذا الصدد ألا وهي: «الخير أسرع إلى البيت الذي يطعم
فيه الطعام من السيل إلى مستقره». فانظر كيف جعل
الطعام كالسيل الوفير الذي يعم الخير على الناس. إن
الحياة الإنسانية والحياة الاجتماعية ملأى بالعبر
والفكر والحكم فتاريخنا مضيء بالاشراقات الفكرية
والثقافة الدينية والمعرفة الأدبية. فالفرد من الناس
ينبغي له الحيطة من ظلم نفسه وظلم الناس. فعن ابن مسلم
الخفاف قال: قال لي سفيان الثوري: يا عطاء، احذر
الناس، وأنا فاحذرني، فلو خالفت رجلا في رمانة، قال:
حامضة، وقلت: حلوة أو قال حلوة وقلت حامضة لخشيت ـ
والقول لسفيان ـ أن يشيط بدمي. أي أن ينزل به العقاب!!
يا لطيف.
ومثل هذه
العبرة ينبغي أن نفرغ لها من أوقاتنا الزمنية الفرص
لمعرفتها للوقوف عليها والنظر والتأمل فيها. ومن دواعي
ما قاله الإمام سفيان الثوري نفسه في حكمة أخرى
بليغة:«من لم يتأدب للوقت، فوقته مقت» يا لطيف. وذلك
تأدب من رحمه الله. وقد كثر القول في الأدب ـ والشيء
يذكر بالشيء ـ يحسبه كثير من الناس أنه الكلام الخُلب
والحديث المطرب، هكذا أقول ـ أخي القارئ ـ ولكن للإمام
عبد الله بن المبارك وهو معاصر لسفيان رضي الله عنهما
قولا في ذلك أنقله لك بالنص: «قد أكثر الناس في الأدب،
ونحن نقول: هو معرفة النفس» إ.هـ. فتأمل ذلك فإنه أراد
أدب النفس لا أدب الدرس فحسب. وهذا وسواه مما عرضته،
شيم و«قيم» عريقة في السيرة والتاريخ والأدب. ومعرفتها
ميسورة وإدراكها ـ لمن تأملها ـ فطنة مكسبة وعبرة
مفيدة. نحن محتاجون للوعي الذهني الصافي والأدب النفسي
الخالص من الشوائب والوافي من التوسم بهذا الأدب
والترسم لمعناه في الحياة العامة التي نحياها،
والمواقف المختلفة حتى نمضي قدما في جو من التقاليد
العريقة مع هجمة الحياة الحديثة والسريعة لأوقاتنا
ومقراتنا وآمالنا العريضة التي لا تنتهي، ومتطلبات
المادة الظاهرة باستمرار.
إنني لا
ادعو إلا إلى المواءمة والتسوية بين أصالتنا
ومعاصرتنا. بلا تفريط أو إفراط لكلا الحالين. وهذه
قاعدة معروفة تلقيناها عن السلف الصالح في مواقف
الحياة الدنيوية عامة وحياة الروح والدين بصفة أخص.
ومن شيم الوعي معرفة ذلك. فهي الشيم الكريمة والقيم
الرفيعة ومعرفتها من الوعي العام بمكان.
ومن
قبسات النور.. نور العلم وبصيرة الإيمان والمعرفة وشيم
وعيها ما قاله الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه
الله:«احرص على ما ينفعك، ودع كلام الناس، فإنه لا
سبيل إلى السلامة من ألسنة الناس».
ويؤكد
على ذلك ما روي عن الإمام مالك بن دينار أنه قال:« من
عرف نفسه لم يضره ما قال الناس فيه». فانظر الى الحكمة
والمعرفة. فإن جمالها يبدو من معانيها النقية وأفكارها
البهية.
ولعل من
مشاغل الحياة المادية ودواعيها العملية ما قد يلوح
للبعض بالكلام لكن بلا ضابط من اللغة ونحوها، فلقد قال
رجل للحسن البصري: يا أبو سعيد، فرفع المنادى بالواو،
وإنما عليه أن يقول له: يا أبا سعيد، فأجابه الحسن
بقوله: كسب الدوانق شغلك عن أن تقول يا أبا سعيد!!
والدوانق هي عملة من المال على عهدهم.
وقد كان
نبي الله داود عليه السلام يأكل من كسب يده، فلذلك
يرشد الشافعي قراء القرآن العظيم على عصره قائلا
لهم:»يا معشر القراء التمسوا الرزق، ولا تكونوا عالة
على الناس». ورحم الله الشافعي فقراء اليوم يترحمون
عليه!
ومن حب
الحكمة في الحياة العامة ما رواه التاريخ الاجتماعي
لبعض السلف إن ابراهيم بن أدهم، كان إذا قالوا له: قد
غلا اللحم أي ارتفع ثمنه يقول لهم: أرخصوه، يعني بترك
شرائه.
وقال رجل
لعامر الشعبي وهو تابعي جليل: يا فاسق، فقال الشعبي
رحمه الله: إن كنتُ من أهل الجنة فلن يضرني ما قلتَ،
وإن كنتُ من أهل النار فأنا شرٌّ مما قلتَ!! فتأمل حلم
التابعي الجليل وتفهم حكمته فإنها من الدرر. فالحكمة
ضالة المؤمن متى وجدها التقطها أو كما قال في حديثه
صلى الله عليه وسلم. ومن ضوء ذلك قول بعض
الحكماء:»أقوى القوة على عدوك أن تحصي عيوب نفسك
وتصلحها» فانظر مكمن الحكمة وسمو فكرتها العليا، في
بيان رصين وأسلوب محكم، وغاية في العقل والفكرة وهدف
مصون. فإن انشغالك أيها الإنسان بإصلاح نفسك من التقوى
وحسن الخلق ومخافة الله والرضا بقضائه وقدره واتباع
السنة النبوية المشرفة أكبر قوة على دحر خصمك وجعله
يحترم شخصك ويعرف قدرك وقدره. لأن التصدي له بمثل
أسلوبه المؤذي وتعديه عليك بالسوء قد يجعلك في جهل من
أمرك فتكون مثله في المستوى. وإن القوة كلها في حلمك
عليه وصبرك على أذاه، وهو التصرف الراشد كما يفهم من
الحكمة المذكورة، وبيان ما فصلناه لك في مجمل المعنى
منها والمراد فيها.
ولعل هذه
الحكمة تندرج في بعض معنى قول الحق تباركت
آياته:(يُؤتي الحكمةَ مَنْ يشاءُ ومن يُؤْتَ الحكمة
فقد أُوتِيَ خيراً كثيراً).
ومن
المعاني الجميلة والحكم اللطيفة قول الإمام علي بن أبي
طالب رضي الله عنه:»اطردوا واردات الهموم بعزائم الصبر
وحسن اليقين» وحُكي عن الإمام جعفر الصادق أنه إذا
أصيب قال: «اللهم اجعله أدبا ولا تجعله غضبا». فتأمل
لطف دعائه واحتمال دائه وحكمة رجائه!!
ونمضي
قدما مع لطائف الكلام ودرر النثر وقد قال معاوية رضي
الله عنه لاعرابي: مَنْ سيد قومك؟ قال: أنا، فقال
معاوية: هيهات، أي بعدا، لو كنت سيدهم لما قلتها! ومن
علائم التقوى والكرامة ما رُوي عن ابن المبارك رحمه
الله أنه يحج سنة ويغزو في أخرى، قال: كنت غازيا مرة
فدعاني كافر الى المبارزة، فخرجت إليه وقد دخل وقت
الصلاة، وقلت له: مكني من صلاة واجبة عليّ، فإذا فرغت
منها أقاتلك. فقال: لك ذلك، فتنحى عني حتى فرغت من
صلاتي، ثم قال لي أيضا: مكني حتى أفرغ من صلاتي
فمكنته، فشرع في السجود للشمس، فأخذت سيفي وقصدت أفتك
به فسمعت قائلا يقول:
(وأوفوا
بالعهد إن العهد كان مسؤولا).
فتأخرت
عنه، فقال لي الكافر: ماذا أردت أن تفعل؟ قلت: أردت
قتلك، فقال: ولم تركته؟ قلت: لأني أُمرت بأن لا أفعل
ذلك، فأسلم في الحال، وقال: الذي أمرك ألا تفعل أمرني
أن أسلم، فالتحق بجند الإسلام وحسن إسلامه. أي حكمة
هذه وأي عزم هذا؟، إنه الإيمان الكامل، والتصميم
العظيم. فلقد عمل عبد الله بن المبارك بعلمه فاستحق
الفضل والكرامة من الكريم المنان. و«الدين المعاملة»
حديث يصدق على هذه الواقعة الكريمة التي كان بطلها ابن
المبارك رحمة الله عليه. فكان كريما كرمه الحق بسببه
في إسلام علج. ودخول كافر في دين الله.. دين الإسلام
العظيم، حيث كان الاقتداء به عملا جليلا ودعوة الى
الله صادقة:
(ومن
أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال إنني من
المسلمين). والشيء يذكر بالشيء فقد قال ابن السماك
ناصحا بعضهم وأحدهم يرمقه:«لا تسأل من يفر منك، ولكن
سل من أمرك أن تسأله». يعني الله عز وجل. وهذا يذكرني
بقول عبيد بن الأبرص:
من يسأل الناس يحرموه
وسائل الله لا يخيب
فتأمل
وجوه الحكم ودلائل الخير فإنها مجموعة من الشيم
الحميدة ووعيها المعرفي من الأعلام العظام في تاريخ
الإسلام وطالع في مصادرها التي دونت هذه المعارف
العلمية النافعة من أثر الورع والعلم وحسن اليقين
وفصاحة المنطق وبلاغة الأقوال، ودقة الحكمة، ورصانة
الأسلوب، وعمق الفكر، مع وسع في العقل ومعرفته،
والدراية والرواية والحفظ والإتقان، الشيء الذي يفيد
علمه والمعرفة به، وإدراكه، وفهمه ووعيه، وبيانه
الأخاذ! ومن مطلب القول في ذلك الرجوع الى المصادر
الآتي ذكرها:
1 ـ كتاب
وفيات الأعيان لإبن خلكان.
2 ـ
المخلاة للابشيهي.
3 ـ
الأعلام للزركلي.
4 ـ
علماء الإسلام لمحمد سلمان.
5 ـ
سلسلة فجر الإسلام وضحاه وظهره لأحمد أمين.
6 ـ لباب
الآداب لأسامة بن منقذ.
7 ـ
المصون في الأدب للعسكري.
8 ـ
الفرج بعد الشدة للتنوخي.
9 ـ بهجة
المجالس وأنس المجالس للقرطبي.
10 ـ
تاريخ بغداد للخطيب.