أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

متابعات واخبار
بالعربي الفصيح
شعر
دراسات قرآنية
فى الحياة والاخياء
دراسات أدبية
حقائق واكاذيب
تواقيع
اخلاقيات
سلوكيات
اعلام خالدة
شعر
رمضانيات
شعر
الحديث ذو شجون
فى ذكراه ال 27
احماض ادبية
الغذاء والدواء
تعالوا الي كلمة سواء
ماسية المنهل
شقائق الرجال
خطرات فكر
مسك الختام
 

 

رمضـانيات

د. محمد نزار الدقر

لم يعد هناك أي شك لدى الباحثين المنصفين من أن الصوم هو ضرورة من ضرورات الحياة. وقد أثبتت الحقائق التاريخية والدينية والعلمية هذه المقولة. لقد عرف الإنسان الصوم ومارسه منذ فجر البشرية. وأقدم الوثائق التاريخية ما نقش في معابد الفراعنة وما كتب في أوراق البردي من أن المصريين القدماء مارسوا الصوم وخاصة أيام الفتن حسب ما تمليه شعائرهم الدينية. وللهنود والبراهمة والبوذيين تقاليدهم الخاصة في الصوم حددتها كتبهم?

ولعل أبو قراط ـ القرن الخامس قبل الميلاد ـ أول من قام بتدوين طرق الصيام وأهميته العلاجية. وفي عهد البطالسة كان أطباء الإسكندرية ينصحون مرضاهم بالصوم تعجيلاً للشفاء. كما أن كافة الأديان السماوية قد فرضت الصيام على أتباعها.. كما يتبين لنا من الآى القرآني فيقول تعالى:

{يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم} [سورة البقرة: الآية 183].

والحقيقة أن الإنسان لا يصوم بمفرده، فقد تبين لعلماء الطبيعة أن جميع المخلوقات الحية تمر بفترة صوم اختياري مهما توفر الغذاء من حولها، فالحيوانات تصوم وتحجز نفسها أياماً وربما شهوراً متوالية في جحورها تمتنع فيها عن الحركة والطعام، والطيور والأسماك والحشرات كلها تصوم.

إذ معروف تماماً أن كل حشرة تمر أثناء تطورها بمرحلة الشرنقة التي تصوم فيها تماماً معتزلة ضمن شرنقتها. وقد لاحظ العلماء أن هذه المخلوقات تخرج من فترة صيامها هذه وهي أكثر نشاطاً وحيوية. كما أن معظمها يزداد نمواً وصحة بعد فترة الصوم هذه..

ويعتبر العلماء الصوم ظاهرة حيوية فطرية لا تستمر الحياة السوية والصحة الكاملة بدونه. وإن أي مخلوق لابد وأن يصاب بالأمراض التي يعاف فيها الطعام إذا لم يصم من تلقاء نفسه، وهنا تتجلى المعجزة الإلهية بتشريع هذه العبادة. فالصيام يساعد العضوية على التكيف مع أقل ما يمكن من الغذاء مع مزاولة حياة طبيعية، كما أن العلوم الطبية العصرية أثبتت أن الصوم وقاية وشفاء لكثير من أخطر أمراض العصر..

فمع قلة كمية الطعام الوارد إلى الأمعاء، يقل ضغط البطن على الصدر، فينتظم التنفس ويعمل بصورة أكثر راحةً وانسجاماً، إذ تتمدد الرئتان دون عوائق، ويقل العبء الملقى على القلب فتقل ضرباته لعدم الحاجة إلى بذل ذلك الجهد الكبير لدفع الدم إلى الجهاز الهضمي للعمل على هضم تلك الكميات الهائلة من الطعام.

وقبل كل شيء فإن الجهاز الهضمي يحصل على الراحة اللازمة لتجديد أنسجته التالفة، وحيويته التامة، كما أن قلة نواتج التمثيل الغذائي وفضلاته تسمح بفترة راحة لجهاز الإفراغ _ الكلي _ تجدد بها نشاطها وتجبر ضعفها، وبذا يكون الصوم فرصة ذهبية للعضوية لاستعادة توازنها الحيوي وتجديد نفسها بنفسها. وقد أكد البروفيسور نيكولايف بيلوي من موسكو في كتابه «الجوع من أجل الصحة 1976» أن على كل إنسان ـ وخاصة سكان المدن الكبرى أن يمارس الصوم بالامتناع عن الطعام لمدة 3 ـ 4 أسابيع كل سنة كي يتمتع بالصحة الكاملة طيلة حياته..

أما ماك فادون؟ من علماء الصحة الأمريكيين فيقول: إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضاً لأن سموم الأغذية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض فتثقله ويقل نشاطه فإذا صام خف وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه وتذهب عنه حتى يصفو صفاءً تاماً ويستطيع أن يسترد وزنه ويجدد خلاياه في مدة لا تزيد عن 20 يوماً بعد الإفطار. لكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل. وقد كان ماك فادون يعالج مرضاه بالصوم وخاصة المصابين بأمراض المعدة وكان يقول: فالصوم لها مثل العصا السحرية، يسارع في شفائها، وتليها أمراض الدم والعروق فالروماتيزم.....

أما الكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل في الطب فيقول في كتابه»الإنسان ذلك المجهول»: إن كثرة وجبات الطعام ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس الحيوانية وهي وظيفة التكيف على قلة الطعام، ولذلك كان الناس يصومون على مر العصور، وإن الأديان كافة لا تفتأ تدعو الناس إلى وجوب الصيام والحرمان من الطعام لفترات محدودة، إذ يحدث في أول الأمر شعور بالجوع ويحدث أحياناً تهيج عصبي ثم يعقب ذلك شعور بالضعف، بيد انه يحدث إلى جانب ذلك ظواهر خفية أهم بكثير، فإن سكر الكبد يتحرك ويتحرك معه أيضاً الدهن المخزون تحت الجلد. وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة من أجل الإبقاء على كمال الوسط الداخلي وسلامة القلب. وإن الصوم لينظف ويبدل أنسجتنا.. والصوم الذي يقول به كاريل يطابق تماماً الصوم الإسلامي من حيث الإمساك فهو يغير من نظام الوجبات الغذائية ويقلل كميتها.

وقد سئل أحد المعمرين وهو ميشيل أنجلو عن سر صحته الجيدة وتمتعه بنشاط غير عادي بعد أن تجاوز الستين من عمره فقال: إن السبب في احتفاظي بالصحة والقوة والنشاط إلى اليوم هو أني كنت أمارس الصوم من حين لآخر؟

ويرى الدكتور محمد سعيد السيوطي، أن الصيام الحق يمنع تراكم المواد السمّية الضارة كحمض البول والبولة وفوسفات الأمونياك والمنغنيزا في الدم ويقي من التراكمات المؤذية في المفاصل، الكلى، الحصى البولية، ويقي من داء الملوك ـ النقرس ـ وينقل في أبحاث الغرب أن الصيام ليوم واحد يطهر الجسم من فضلات عشرة أيام، وهكذا فإن شهر الصيام يطهر الجسم من فضلات وسموم عشرة أشهر على الأقل.

ومن هنا نرى الحكمة من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصيام ستة أيام من شوال، وحتى تكتمل عملية التنظيف، وأردفه بأيام معدودات من كل شهر لكمال الحيطة. يقول صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصوم الدهر» [رواه الإمام مسلم عن أبي أيوب الأنصاري].

ويكتب الدكتور إبراهيم الراوي عن أثر الصيام على القدرات الفكرية عند الإنسان: يؤثر الصيام في تنشيط الخلايا الدماغية التي تضاعف حيويتها لتوقف نشاط الجهاز الهضمي فيندفع الدم بغزارة إلى أنسجة المخ لتغذية تلافيفه، وتزويد الحجر الدماغية بالغذاء الأمثل لعملها.

نعم، إن المخ البشري يحتوي على 15 ألف مليون خلية ألهمتها القدرة الإلهية قابليات خارقة على التفكير والتعمق في المسائل المعقدة وحلها. وتزداد هذه القابليات مع زيادة ورود الدم إليها. وهكذا نرى أصحاب العقول المفكرة يصومون كل فترة لتجديد نشاط أدمغتهم.

ويتفق الباحثون على أهمية الصوم الحيوية من ناحية أن تخزين المواد الضرورية في البدن من فيتامينات وحوامض أمينية يجب ألا يستمر زمناً طويلاً، فهي مواد تفقد حيويتها مع طول مدة التخزين. لذا يجب إخراجها من «المخزن» ومن ثمَ استخدامها قبل أن تفسد. وهكذا فإن الجسم بحاجة من فترة لأخرى إلى فرصة لإخراج مخزونه من المواد الحيوية قبل تفككها وتلفها. وهذه الفرصة لا تتاح إلا في الصوم، وبالصوم وحده يتمكن الجسم من تحريك مخزونه الحيوي واستهلاكه قبل فوات أوانه، ومن ثم يقوم بتجديده بعد الإفطار؟

وقد بين ألن سوري Alain Saury؟ قيمة الصوم في تجديد حيوية الجسم ونشاطه ولو كان في حالة المرض، وأورد حالات عدد من المسنين، تجاوزت أعمارهم السبعين، استطاعوا بفضل الصوم استرجاع نشاطهم وحيويتهم الجسمانية والنفسانية حتى إن عدداً منهم استطاع العودة إلى مزاولة عمله الصناعي أو الزراعي كما كان يفعل في السابق نسبياً.

لمحة غريزية عن الصيام:

الصيام هو حرمان البدن من المواد الغذائية ليوم أو أكثر. وقد دلت التجارب على أن حرمان الماء أشد تأثيراً من حرمان الغذاء.. فالإنسان يعيش حوالي 40 يوماً إذا أعطي الماء فقط. ويحصل الجسم على الطاقة أثناء الصيام من مدخراته السكرية أولاً والتي تكون على شكل غليكو جين مدخرة في الكبد والعضلات. وهذه تصرف خلال الأيام الأولى من الصيام. وبعد ذلك يلجأ البدن إلى مدخراته الشحمية، إلا أنه لا يستهلك الداخل منها في تركيب الخلايا الأساسية مطلقاً مهما طال أمد الصيام؟، ثم يعمد الجسم بعد ذلك إلى تجميع المواد الناجمة عن هذه العملية ويعيد استعمالها لاستخراج الطاقة ولصيانة الأعضاء والأنسجة الحيوية أثناء الصوم.

وفي الصيام المديد، وبعد أن يستهلك البدن مدخراته من الغليوكوجين والشحوم، عند ذلك يلجأ إلى أكسدة المواد البروتينية ويحولها إلى سكر لتأمين ما يلزمه من الطاقة، وهذا يعني تخريبه للنسج البروتينية المكونة للحم العضلات وما يلحق من جراء ذلك من أذى بيّن يلحق الأعضاء المعنية [ويدعو العلماء عملية إذابة المدخرات الدهنية ومن ثم بروتينات الجسم بعملية الانحلال الذاتي Autolyze ويستخدم فيها البدن العديد من الخمائر]. وإن الحرمان الشديد يؤدي إلى ظهور اضطربات غذائية عصبية في الدماغ المتوسط مما يؤثر على الغدد الصم وعلى السلوك والانفعال النفسي..

ومن هنا نرى أهمية كون الصيام الإسلامي مؤقتاً من الفجر إلى الغروب.. ومن بعده يأكل ما يشاء دون تحريم لنوع ما من الأغذية مع طلب الاعتدال وعدم الإسراف في الطعام في فترة الإفطار. وقد سجل درينيك Dreanik ومساعدوه ـ 1964 ـ عدداً من المضاعفات الخطيرة من جراء استمرار الصيام لأكثر من 31 ـ 40 يوماً.. وتتضح هنا المعجزة النبوية بالنهي عن الوصال في الصوم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والوصال» قالها ثلاث مرات. قالوا فإنك تواصل يا رسول الله ؟ قال: «إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» [رواه الشيخان].

وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صام من صام الدهر» [رواه البخاري].

وقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بلغه أن بعض المسلمين قرروا اعتزال النساء وصوم الدهر فقال: «أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» [رواه البخاري ومسلم].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل فلا تفعل فإن لجسدك عليك حقاً، صم وأفطر، صم من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صوم الدهر»، قلت: يا رسول الله إن لي قوة، قال: صم صوم داود عليه السلام، صم يوماً وأفطر يوماً، فكان يقول: يا ليتني أخذت بالرخصة. [رواه البخاري ومسلم].

وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام الأبد صام ولا أفطر» [رواه النسائي وهو حديث صحيح].

صوموا تصحّوا:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:»سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا» [رواه الإمام أحمد وأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: «اغزوا تغنموا، صوموا تصحوا، سافروا تستغنوا». وأورده السيوطي مقتصراً على لفظ «صوموا تصحوا» ورمز له بالحسن. وقال المناوي في فيض القدير عن الزين العراقي: كلاهما سنده ضعيف].

يقول صاحب الظلال في معرض تفسيره لآيات الصوم:... وذلك كله إلى جانب ما ينكشف على مدار الزمن من آثار نافعة للصيام في وظائف الأبدان، ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية بما يظهر للعين من فوائد حسية، إذ الحكمة الأصلية فيها هي إعداد الكائن البشري لدوره على الأرض، وتهيئته للكمال المقدر له في الحياة الآخرة..... مع هذا فإني لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض، وذلك ارتكازاً إلى المفهوم من مراعاة التدبير الإلهي بهذا الذي ينكشف عنه العلم البشري. فمجال هذا العلم محدود لا يرتقي إلى اتساع حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري.....

فنحن حينما نصوم، إنما نتعبد بهذا الصوم خالقنا العظيم جل جلاله، الذي أمرنا بالصيام، امتثالاً لأمره سبحانه وخضوعاً لإرادته. وإن ما يكشفه العلم لنا من فوائد صحية لهذا الصوم فما هي إلا عظات، تزيد المؤمن إيماناً بصدق مُبلِّغ الشريعة صلى الله عليه وسلم وحباً بالخالق البارئ منزل هذا التشريع.

لقد قام عدد من الباحثين الغربيين، ومنذ أواخر القرن الماضي، بدراسة آثار الصوم على البدن منهم هالبروك Holbrook الذي قال: ليس الصوم بلعبة سحرية عابرة، بل هو اليقين والضمان الوحيد من أجل صحة جيدة..

وفي أوائل هذا القرن قام الدكتور دووى Dewey بأبحاث موضوعية عن الصوم لخصها في كتابه «الصوم الذي يشفي». كما قامت مناظرات عديدة تناقش هذا الموضوع لعل أهمها مناظرة Ecosse التي جمعت مشاهير الأطباء البريطانيين والمهتمين بتقويم الصحة وتدبير الطعام، كان على رأسهم طبيب الملك ويلكوكس Wilcox وقد أجمع الحاضرون على أهمية تأثير «الصوم الصحي» على عضوية الإنسان؟

والصوم الصحي أو الصوم الطبي كما يسمونه والذي قامت عليه دراسات الغرب يمكن أن تعرفه بأنه الإقلاع عن الطعام كلياً أثناء النهار ولا يسمح له إلا ببعض جرعات من الماء إذا ما أحس بعطش شديد ودعت الضرورة القصوى إليه.

وفي المساء يعطى وجبة واحدة تتألف من كوب من الحليب أو شوربة خضر و100 غ من اللحم أو الدجاج أو السمك ثم بعض الفواكه وتكون هذه الوجبة الوحيدة خلال يوم وليلة. وكما رأينا فهو أقرب ما يكون إلى «صومنا الإسلامي» لذا رأينا أن نورد خلاصة لأهم الدراسات:

منها دراسة شلتون Shelton في كتابه عن الصوم Le Jeune. ودراسة لوتزنر H. lutzner في كتابه «العودة إلى حياة سليمة بالصوم» - ترجمة الدكتور طاهر إسماعيل -. وإليكم أهم هذه الفوائد للصيام:

1- الصوم راحة للجسم يمكنه من إصلاح أعطابه ومراجعة ذاته.

2- الصوم يوقف عملية امتصاص المواد المتبقية في الأمعاء ويعمل على طرحها والتي يمكن أن يؤدي طول مكثها إلى تحولها لنفايات سامة. كما أنه الوسيلة الوحيدة الفعالة التي تسمح بطرد السموم المتراكمة في البدن والآتية من المحيط الملوث.

3- بفضل الصوم تستعيد أجهزة الإطراح والإفراغ نشاطها وقوتها ويتحسن أداؤها الوظيفي في تنقية الجسم، مما يؤدي إلى ضبط الثوابت الحيوية في الدم وسوائل البدن. ولذا نرى الإجماع الطبي على ضرورة إجراء الفحوص الدموية على الريق، أي يكون المفحوص صائماً. فإذا حصل أن عاملاً من هذه الثوابت في غير مستواه فإنه يكون دليلاً على أن هناك خللاً ما.

4- بفضل الصوم يستطيع البدن تحليل المواد الزائدة والترسبات المختلفة داخل الأنسجة المريضة.

5- الصوم أداة يمكن أن تعيد الشباب والحيوية إلى الخلايا والأنسجة المختلفة في البدن. ولقد أكدت أبحاث مورغوليس Morgulis أن الصوم وحده قادر على إعادة شباب حقيقي للجسد.

6- الصوم يضمن الحفاظ على الطاقة الجسدية ويعمل على ترشيد توزيعها حسب حاجة الجسم.

7- والصوم يحسن وظيفة الهضم، ويسهل الامتصاص ويسمح بتصحيح فرط التغذية

8- الصوم يفتح الذهن ويقوي الإدراك.

9- للصوم تأثيرات هامة على الجلد، تماماً كما يفعل مرهم التجميل، يُجَمل وينظف الجلد.

10- الصوم علاج شاف، هو الأكثر فعالية والأقل خطراً لكثير من أمراض العصر المتنامية. فهو يخفف العبء عن جهاز الدوران، وتهبط نسبة الدسم وحمض البول في الدم أثناء الصيام، فيقي البدين من الإصابة بتصلب الشرايين، وداء النقرس، وغيرها من أمراض التغذية والدوران وآفات القلب.

وهكذا وبعد أن ينظف الجسم من سمومه وتأخذ أجهزته الراحة الفيزيولوجية الكاملة بسبب الصوم، يتفرغ إلى لأم جروحه وإصلاح ما تلف من أنسجته وتنظيم الخلل الحاصل في وظائفها. إذ يسترجع الجسد أنفاسه ويستجمع قواه لمواجهة الطوارئ بفضل الراحة والاستجمام اللذان أتيحا له بفضل الصوم.

يقول الدكتور ليك Liek: يوفر الجسم بفضل الصوم الجهد، والطاقة المخصصة للهضم، ويدخرها لنشاطات أخرى، ذات أولوية وأهمية قصوى: كالتئام الجروح، ومحاربة الأمراض.

وليعلم أن الصائم قد يشعر ببعض المضايقات في أيام صومه الأولى، كالصداع والوهن والنرفزة وانقلاب المزاج، وهذه تفسر بأن الجسم عندما يتخلص من رواسبه المتبقية داخل الأنسجة، ينتج عن تذويبها سموم تتدفق في الدم قبل أن يلقى بها خارج الجسم، وهي إذ تمر بالدم، تمر عبر الجسد وأجهزته كلها من قلب ودماغ وأعصاب مما يؤدي إلى تخريشها أول الأمر وظهور هذه الأعراض، التي تزول بعد أيام من بدء الصيام..

وأخيراً فإن للصوم آثاره الرائعة على النفس البشرية، ونظراً للعلاقة الوثيقة بين الاطمئنان النفسي وصحة الجسد عموماً، فإن الآثار والفوائد النفسية التي يجنيها الصائم لها مردودها الإيجابي في حسن سير الوظائف العضوية لكل أجهزة البدن.

ومن وصايا لقمان لابنه قوله: «يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة».

يقول الإمام الغزالي رحمه الله: الصيام زكاة النفس ورياضة للجسم، فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة. في جوع الجسم صفاء القلب وإنفاذ البصيرة لأن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار فيتبلّد الذهن. أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفو وترق؟

فالصيام ينمي الإخلاص للخالق سبحانه وتعالى، فهو ســـــــــرٌ بين العبد وربه لا رقيب على تنفيذه إلا ضميره ورغبته الصادقة في رضاء الله سبحانه، وعند الجوع يزول البطر وتنكسر حدة الشهوات. وإن البطر والأشر هما مبـــدأ الطغيان والغفلة عن الله، فلا تنكسر النفس ولا تـــــذل كما تذل بالجوع، فعنـــده تسكن لربها وتخشع له.

وهذه أمور كلها تخفف من توتر الجهاز العصبي وتهدئه. والجوع يساعد الصائم على السيطرة على نفسه. ويدعم الجوع في كسر حدة الشهوات، مراقبة الصائم لله واستشعاره أنه في عبادة له، مما يصرفه عن التفكير بالمعاصي والفواحش.

والصيام يؤدي إلى صفاء الذهن وتقوية الإرادة وترويض النفس على الصبر. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم نصف الصبر» [رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه].

وأخيراً فإن الصوم يعمل على إيقاظ الشعور المشترك في صفوف الأمة حيث يذوق الجميع غنيهم وفقيرهم آلام الجوع ومرارة العطش..

التداوي بالصوم:

استخدم الجوع كوسيلة علاجية منذ أقدم العصور.. ولجأ إليه أطباء اليونان أمثال أسكابياد وسيلوس لمعالجة كثير من الأمراض التي استعصيت على وسائل المداواة المتوفرة لديهم حينئذ. وفي القرن الخامس عشر قام لودفيفو كورنا باستعمال الصوم في معالجة مختلف الأمراض المعدية وطبق طريقته في الصوم على نفسه وعاش ما يقارب مائة سنة وهو بصحة جيدة بعد أن كان يعاني من داء عضال، وألف في أيامه الأخيرة رسائل في المعالجة بالصوم تحت شعار «من يأكل قليلاً يعمر طويلاً»

ولعل هذا نجده في ظلال الآية الكريمة: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} [سورة الأعراف: الآية 31].

ونستشعره أبداً في توجيهات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ومنها قوله: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» [رواه الترمذي].

ومع بداية عصر النهضة نشطت الدعوة من جديد إلى المعالجة بالصوم في كل أوربا منها ما كتبه الطبيب السويسري بارسيلوس: إن فائدة الصوم في العلاج تفوق مرات ومرات استخدام الأدوية المختلفة. أما فينيامين - الأستاذ في جامعة موسكو - فقد كتب يقول: لو راقبنا الإنسان عن كثب لوجدنا أن نفسه تعاف الطعام وترفضه في بعض الفترات، وكأنها بذلك تفرض على نفسها الصيام المؤقت الذي يؤمن لها التوازن الداخلي ويحفظها من المؤثرات الخارجية.

ومن فرنسا عمد الدكتور هلبا Helba ـ 1911 ـ إلى طريقة المعالجة بالصوم على فترات متقطعة، فكان يمنع الطعام عن مرضاه خلال بضعة أيام، يقدم لهم بعدها وجبات خفيفة.

وفي عام 1928 ألقى الدكتور دترمان في المؤتمر الثامن لاختصاصي الحمية الغذائية في أمستردام محاضرة، دعا فيها إلى استخدام الجوع على فترات متقطعة في الممارسة الطبية. وقد أقر المجتمعون فائدة الصيام لمعالجة الأمراض الناجمة عن فرط التغذية أو اضطراب الاستقلاب وفي حالات تصلب الشرايين وارتفاع الضغط الدموي وفي الاختلاجات العضلية..

وفي عام 1941 صدر كتاب بوخنجر «المعالجة بالصوم كطريقة بيولوجية»، شرح فيه المؤلف كيفية استخدام الصوم في معالجة كثير من الأمراض المستعصية، ويبين أن الجوع يغير من تركيب البنية العضوية للجسم ويؤدي إلى طرح السموم منه..

معالجة البدانة بالصيام:

لقيت البدانة وما يرافقها من اضطراب استقلاب الدسم اهتماماً كبيراً، بل وإجماعاً لدى المؤلفين حول استفادتها من العلاج بالصوم. ذلك أن السمنة المفرطة وازدياد تراكم الشحوم في البدن تشكل خطراً حقيقياً على حياة الشخص من جراء تعرضه لآفات شديدة الخطورة: كتصلب الشرايين، وارتفاع الضغط الدموي، وتشمع الكبد، والعنانة، والداء السكري، وأمراض القلب العضوية، والنزيف الدماغي، وغيرها.

وللبدانة أسباب ولكن أهمها تضخم المدخول الغذائي نسبة للمجهود العملي الذي يقوم به الشخص وهي مرتبطة بعوائد التغذية التي تعود عليها الشخص منذ صباه..

ويعتبر الصيام وسيلة غريزية مجدية في إذابة الشحوم في البدن واعتدال استقلاب الأغذية فيه. كما أن مشاركة الجوع بالعلاجات الفيزيائية كالمشي والتمارين الرياضية والتدليك والحمامات المائية تعطي أفضل النتائج، فضلاً عن أنها وسائل غير مؤذية ولا تفضي إلى النتائج الوخيمة المشاهدة عند استعمال الهرمونات والمدرات ومثبطات الشهية التي يهرع إليها البدينون بغية إنقاص وزنهم..

ويرى بلوم W. Bloom أنه بفضل الصوم يستطيع الإنسان تحمل مسؤولياته على وعي كامل منه وحزم. وينتبه للعيب الذي أصابه جسدياً ونفسياً مما يقوي لديه العزيمة والصبر على تحمل الجوع، علماً بأن الصائم يفقد الإحساس بالجوع بعد اليوم الرابع من بدء العلاج. هذا وتوصي كتب الطب الإنسان البدين أن يصوم بضعة أيام كل أسبوع صياماً جزئياً يقتصر فيها على اللبن والفواكه والماء..

وهناك مدارس توصي بالصيام المطلق عن الطعام لمدد مختلفة على أن تكون تحت إشراف طبي ويزود المعالج بالماء والسوائل اللازمة.. ويرى فيدوتوف أن البدين يتحمل الجوع بشكل جيد ويوصي بالصوم لمدة 5 ـ 15 يوماً تعقبها فترات استراحة يتناول فيها المريض وجبات خفيفة. ولم يلاحظ عند المعالجين أي اضطراب في حالتهم الصحية أو تغيرات مخبرية مرضية.

المصدر:

(موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة)..

فيصل صالح أسعد

ـ جدة ـ

هلَّ علينا شهر رمضان المعظم بنفحاته العطرة وزاده الإيماني.. ودعا الناس إلى مائدته العامرة بصنوف الخير والبركات والغذاء الروحي. لكن البعض زهدوا فيه ولم يُطعموا منه إلا الفتات.. وامتدت أيديهم لتنهل في نهم من طعام الدنيا الفاني، وتستمتع بمتاعها الزائف. ونسى هؤلاء أو تناسوا حكمة الصوم العظيمة التي تكبح الشهوات الجامحة نحو الملذات الدنيوية، وتهذّب النفوس الهائمة وتقوّم السلوك المعوج وتسمو بالأرواح بعيداً عن ملذات الحياة، فتخلق منهم أقواما يتحملون الشدائد ويصبرون على البلاء، فهؤلاء هم الأقدر على الصمود أمام التحديات والوقوف أمام الصعاب وهم الأصلح لبناء المجتمع المسلم القوي..

وفي هذه العجالة سوف نرصد بعض السلوكيات المرفوضة في شهر الصيام التي نراها في بعض المجتمعات العربية ولا تخفى على أحد. حقائق هامة وآداب عامة قد تغيب عن بعض الأذهان نجليها ونكشف عنها في هذا المقال. فنقول إن للصيام حكمته البليغة بعيدة الأثر وعميقة التأثير فهو يزكي النفس ويطهرها وينقي القلوب لتخشع لذكر الله، ويقوي العزائم ويمد الإنسان بالزاد الروحي، لكن مما يؤسف له أن البعض لا يدرك الحكمة الجليلة من الصيام فيأتي بسلوكيات لا نرضاها، ومنها سلوكيات تتعلق بالفريضة نفسها، وأخرى تتصل بالسلوك الاجتماعي العام. فبالنسبة للفريضة نرى من لا يغض بصره عما حرم الله عز وجل، ومن لا يصون لسانه عن اللغو والتعرض لأعراض الناس بالغيبة والنميمة أو بالعبارات السيئة الجارحة التي تؤذي المشاعر، كذلك لا يصوم عما يلهي عن ذكر الله من أمور تتنافى مع القيم الأخلاقية للإسلام ومع تعاليمه الخالدة.

إن الإسراف والتبذير في الطعام والشراب في شهر رمضان يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذما كبيرا، ومع الأسف أن بعض الأسر في مجتمعنا اعتادت عندما يأتي شهر رمضان رصد ميزانية أسرية لشهر الصوم أكبر بكثير، إن لم تكن ضعف الميزانية في الشهور العادية، وتبدأ بمضاعفة استهلاكها في شراء المواد الغذائية ويكون النهار صوما وشراء ما لذ وطاب من مواد استهلاكية لا تستخدم إلا نادرا أو بين حين وآخر، ونجد الليل عندهم طعاما واستهلاكا غير عادي، فهذه عادات وسلوكيات سيئة دخيلة اعتدنا عليها عندما يأتي شهر الصوم. يقول الله تعالى:(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) (الأعراف آية 31)، فالصيام غذاء للروح وتهذيب للنفس.

وهناك سلوكيات وعادات سيئة تفشت في حياتنا وخاصة في شهر رمضان وهو الضيق والتوتر والغضب، فنجد أن بعض الصائمين يثور لأتفه الأسباب، ويخرج عن طوره ويقذف ببعض الشتائم، وهذا التهيج أو الغضب في شهر رمضان له أسباب مهمة منها سبب نفسي كامن وراء هذا الغضب، ناتج عن تغير العادة والخروج على النسق المألوف في أيام السنة الأخرى، فتناول طعام الافطار، ثم الغداء، ثم العشاء يطبع حياة الإنسان بنظام وعادات معينة، وعندما يخرج عنها يشعر بالضيق. وهناك سبب خاص بأولئك المعتادين على التدخين والإكثار من شرب القهوة والشاي وغيرها من المواد الأخرى التي تؤدي إلى الإدمان، وحرص بعض الأسر على قضاء السهرات الرمضانية حول التلفزيون وما يقدمه من برامج ومسلسلات وأفلام، لا يقرها الإسلام ورمضان منها براء، وينسون أو يتجاهلون صلاة التراويح وصلاة العشاء، مما يتنافى مع الدين.. وهناك خللٌ في بعض السلوكيات الاجتماعية التي تنظم علاقة الإنسان بغيره، حيث تتوتر أعصاب البعض لمجرد تعامله مع الآخرين في نهار رمضان بزعم أنه صائم وجائع وظامئ في حين ان الصبر والحلم من سمات المسلم العابد الطائع. وانني استنكر سلوك بعض العاملين والموظفين في بعض الإدارات الحكومية في مجتمعنا الذين يتقاعسون عن أداء أعمالهم الوظيفية فيأتي الموظف صباحا إلى عمله، ثم يرحل إلى بيته دون أن يؤدي عملا مفيدا أو أن يقابل صاحب حاجة أو يقضي له مصلحته ويؤجل عمل اليوم إلى أوقات أخرى بزعم أنه صائم. واستنكر أيضا نوم الصائمين لساعات طويلة في نهار رمضان دون أن يؤدوا عملا نافعا سواء في المحيط الخاص أو المحيط العام، ولست أدري كيف يرتضون لأنفسهم أن يبقوا بلا عمل في شهر العمل وشهر الانتصارات العظيمة.

ومن السلوكيات التي تؤذي النظر وتصيب الإنسان بالضيق انتشار المتسولين في هذا الشهر الكريم في الشوارع والميادين بصورة لافتة للنظر ويتسكعون هنا وهناك وبين السيارات والمراكز التجارية لغرض التسول وانتهاز شهر رمضان في هذا السلوك السيىء والمرفوض.

لقد تغيرت عادات الكثيرين في شهر رمضان بسبب التلفزيون الذي تطول ساعات إرساله إلى الفجر، وأذكر ان أقصى ميعاد للإرسال الإذاعي فيما مضى كان لا يتعدى الساعة الثانية عشرة ليلا، فكان المسلمون ينامون مبكرا ليستيقظوا مع أذان الفجر، أما اليوم فقد تبدلت عادات الناس وصاروا ينامون قبل الفجر بساعة، وهذا يناقض مقاصد الصوم..

ونظرا لما في رمضان من روحانيات هائلة فعلى كل مسلم أن يسعى لينال الخير من هذا الشهر المبارك قبل أن يولى عنا، وليس الخير في أن يفرط في طعامه وشرابه ويجعل الشهر للكماليات.

فرمضان تهذيب للنفس وفرصة للتخلص من السلوكيات والعادات المرفوضة ودعوة للاقتصاد وليس الإنفاق ببذخ في شراء كماليات ومظاهر غير مرغوبة.

ويمضي رمضان ويأتي رمضان ضيفا خفيفا يمرق بيننا كطيف جميل بروحانياته وإشراقاته ونفحاته الإيمانية العظيمة، وزاده الهائل من التقوى، فهل نسارع بالتزود من هذا الخير العميم مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: (وتزودوا فإنّ خير الزاد التقوى) (البقرة: 197).

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب