أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

متابعات واخبار
بالعربي الفصيح
شعر
دراسات قرآنية
فى الحياة والاخياء
دراسات أدبية
حقائق واكاذيب
تواقيع
اخلاقيات
سلوكيات
اعلام خالدة
شعر
رمضانيات
شعر
الحديث ذو شجون
فى ذكراه ال 27
احماض ادبية
الغذاء والدواء
تعالوا الي كلمة سواء
ماسية المنهل
شقائق الرجال
خطرات فكر
مسك الختام
 

 

الحديث ذو شجون

 

أستاذنا العالم الأديب الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي ـ أدام الله عليه فضله ـ من كبار محبي مجلة ـ المنهل ـ ومن كبار الكتاب فيها، استدامة ووصلاً.. وكتاباته مكان استحسان القراء. وقد آثر مجلة المنهل بالكثير من علمه وأدبه وفضله..

وهذا الباب (الحديث ذو شجون) سيكون مدار حلقاته الجديدة لقرائه الأفاضل.

أكثر القدماء من حديث التطفل والمتطفلين فعقدت أبواب شتى عن هؤلاء في مثل كتب العقد الفريد وعيون الأخبار ومحاضرات الأدباء وغيرها، ولكن من ألفوا هذه الكتب حصروا التطفل في مآدب الطعام ودعوات الولائم في الأفراح والمناسبات، والتطفل في هذه المسائل مما يمكن احتماله. لأن الذي يدعو جماعة من اخوانه للغداء أو العشاء لا يعجزه ان يدخل عليهم طفيلي يشاركهم فيما يأكلون دون أن يخسر صاحب الوليمة شيئا ذا بال، أما التطفل الكريه البشع فهو تطفل الحديث، وقد سكت عنه من ألفوا عن تطفل المآكل والمشارب، وهو أولى بالاهتمام.

تكون سائرا في طريقك الى متجر تشتري منه بعض الضروريات لمنزلك، فيلقاك في الطريق بعض معارفك، فيسألك عن اتجاهك، ويصر على أن يعرف أين تقصد، فإذا أخبرته انك تؤم شركة المصنوعات، تبرع بمصاحبتك دون ان تدعوه، وهو يزعم مجاملتك والسعي في راحتك. فإذا اخترت قطعة من الملابس لأحد أنجالك تكون مناسبة لما معك من المال، جعل يعترض على اختيارك، ويدعوك الى شراء ما غلا ثمنه، ويبدي من الأسباب ما يرجح وجهة نظره، كأن يقول ان الغالي ثمنه فيه، فتضطر الى النزول عند رغبته، وتخرج مدينا، إذ ليس في طوقك ان تدفع ثمن ما اقترحه هذا المتطفل!

ولا تنتهي المسألة عند هذا الحد، بل يتجه هذا المتطفل الى مجلس حاشد يضم معارفك واصدقاءك فلا يجد حديثا يُمتع به هؤلاء غير حديثك، فيزعم أنه نصح بشراء الملبس الجيد، وقد كنت تريد الملبس الرخيص بخلا على أولادك، وأن هذه خصلة ذميمة يعهدها في كثير من الآباء، اما هو فالحمد لله على فضله إذ يؤثر أهله بكل نفيس وغال، وتأتيك الأنباء بعد ذلك، فلا تستطيع أن تنكر ما حدث، ولكنك تعجب لمجالس القوم التي لا تتحدث عن مسألة اجتماعية تشغل الأذهان، أو وضع سياسي في الداخل والخارج هو حديث الجرائد والإذاعات، أو قضية علمية يدور حولها النقاش في الصحف، وانما يتجه الحديث الى سير الأصدقاء والمعارف، وفيه من النقد أضعاف أضعاف ما يأتي عرضا من التقريظ، بل قد يكون التقريظ تمهيدا لنقد جارح يمتزج فيه السم بالدسم، وقد صارت هذه عادة ذميمة في مجالس القوم، كأن تناول الشخصيات هو كل شيء في الحياة.

وقد يزورك بعض الناس، فلا يكاد يجلس في مكانه ويتعلق نظره بقطعة أثاث جديدة، حتى يسألك متى اشتريتها؟ وممن؟ وما فائدتها؟ لأنها كمالية لا ضرورية، وأنت تجامله بالرد المقتضب، فلا يزداد إلا تماديا، وقد يسألك عن الثمن لا لشيء إلا ليظهر إنك خدعت وغُلبت على أمرك، وكان الواجب ان تقصد محلات مختلفة لا محلا واحدا لتتأكد من السعر المناسب، ويظل المتطفل في هذا الحديث، فلا يخلص منه إلا لحديث أوجع وأنكى، فقد يدخل ولدك الطالب الى المنزل، فيسأل أين كان؟ وعند من يأخذ الدرس الخصوصي، وكم تدفع في هذه الدروس، ثم يتعرض لزملاء ضيقوا على أولادهم فلا يُسعفونهم بالدرس المناسب، وهم بخلاء أشحاء على أولادهم، ويظل الحديث سمجا مملولا، وأنت تظهر استياءك على ملامح وجهك، فلا يلتفت هذا المتطفل الى حقيقة مشاعرك، وهكذا تظل في عذاب نفسي حتى تنقشع الغمة ويأذن الله بالرحيل.

زارني بعض المتطفلين، وعرضت مسألة اضطرتني الى الذهاب الى مكتبتي أُحضر سفرا من الأسفار، فنهض خلفي ليشهد الكتب المتراصة بعضها فوق بعض، فجعل يسأل؟ كيف أعددت هذه المكتبة، وكم يبلغ ثمنها الآن؟ فقلت اني اعددتها منذ كنت مدرسا ناشئا أدخر من الراتب ما يمدني كل شهر بثمن كتاب أو كتابين، فبدل أن يسكت، قال لي: وما فائدة ذلك الآن وقد تكدست الكتب ولا تجد وقتا للقراءة، أو صحة تعين على الاطلاع الدائم، ولو كنت قد اشتريت بثمن هذه الكتب قطعة أرض لنفعت أولادك من بعدك، والأرض غالية الثمن، وكانت من قبل برخص التراب، ومضى في حديث ممل وكريه، فقلت له متضجرا، ولماذا أنت لم تشتر ما اقترحته من الأرض، وليس لديك مكتبة، فتبرم بالسؤال: ثم فوجئت من بعد، بمن أخبرني أنه تحدث في مجلس عن زيارته لي، وادعى أنني لمته أشد اللوم لأنه انفق ماله على أولاده، ولم يشتر مكتبة مثل مكتبتي، وزاد فقال: كيف يريدني أن أبخل على بيتي، ويعد انفاقي على سعادتهم موضع نقد! وهذا ما لم يحصل اطلاقا، ولم أشأ أن أعقب بأي تعقيب، لأن الحديث سيتناقل، ويخوض فيه الخائضون دون جدوى غير الثرثرة واللجاج!

ان التطفل في الحديث، ذو ضرر بالغ، لأن المتطفل لا يريد غير افشاء الأسرار، ومعرفة كل شيء عن زملائه ومعارفه، ويعد ذلك بعض ما يحرص عليه، وليته يعرف ما لا يعنيه أن يعرف، ليقتصر على المعرفة وحدها، بل يجعلها أداة للنقد، وملء الفراغ في حديث آسن مملول، ومما يؤسف له، أن المجتمع يشجع المتطفل على التمادي في تطفله، إذ يفتح الناس آذانهم لكل لغو، ويشاركون فيه بافاضة، حتى كأنهم لا يجتمعون إلا للخوض في هذه التوافه، فلو كان لنا رأي عام يستهجن هذه المقابح لما تجرأ الطفيلي على نقل الأنباء وعلى اللغو الباطل أين حل وأين ارتحل؟ وقد يكون في المجلس من تبرم من حديث المتطفل فيعلن ذلك صراحة، فيكون حظه من اللوم والتجريح إذا غادر المجلس حظا موفورا وقد يصمه من خالفه وجهة نظره بما ليس فيه من الهنات، تشفيا منه إذا اعترض ما يريد من اللغو، ويستمع الحاضرون الى الإفك الصريح فيبتسمون وكأنهم يستشعرون سعادة حين يسمعون انتقاص الشرفاء كما يضيقون ضيقا كريها بكل مأثرة تروى أو محمدة تقال!

إن التطفل في الحديث مرض اجتماعي يجب الخلاص من دائه، لأنه يفتح ابوابا من الإيذاء النفسي، والوهن الاجتماعي يفضي الى القطيعة والمجافاة، وخير للناس أن يبحثوا عن أسباب التواصل والتواد، لا أن يأذنوا لكل والغ أن يتدخل فيما لا يعنيه، وإذا اختار المجتمع الإنساني أن يرتقي بحديثه شيئا فشيئا عن المهاترات الشخصية، وأن يتعود الاتجاه الى السار البهيج من أحاديث العاملين المصلحين، فإنه بذلك يتطلع الى مستوى كريم في العلاقات الاجتماعية فوق ما يشعر به من السمو الحبيب في المشاعر والأحاسـيس، والأمر ميسور إذا قطعت أسباب التطفل على المتطفلين.

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب