د. عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري -الرياض
أستاذ مساعد قسم الأدب، كلية اللغة العربية - جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض
ملخص البحث:
يرصد هذا البحث آراء عبد القدوس الأنصاري (1324 ـ
1403هـ) ـ يرحمه الله ـ في بعض قضايا الأدب، كوظيفته،
ومفهومه، والالتزام، والمفاضلة بينه وبين العلم، ويحدد
مدرسته النقدية وجهوده في هذا السياق من خلال مجلة
«المنهل»، ومن خلال مقالاته التي عرض فيها لبعض الكتب
أو الدواوين أو المجموعات القصصية، أو من خلال آرائه
المبثوثة في مقابلاته الصحفية
ويتعرض البحث إلى مرجعية عبد القدوس الأنصاري
النقدية والمؤثرات التي شكلت خطابه النقدي، ويكشف
موقفه من التيارات الأدبية الجديدة، كظاهرة الشعر الحر
وسواها.
ويسعى البحث إلى بيان منهج الأنصاري في النقد،
ممثلا لذلك بنقده التطبيقي للقصة والشعر، ويخلص إلى
أنه يستند في آلياته النقدية إلى التراث في المقام
الأول، مع تأثر يسير ببعض الاتجاهات النقدية الحديثة
السائدة في عصره.
مدخل
:
عاش عبد القدوس الأنصاري (1324 ـ 1403هـ) ـ يرحمه الله
ـ في مرحلة كان فيها الأدب في المملكة يتشكل ويتطور
بسرعة نتيجة متغيرات سياسية واجتماعية وثقافية
متلاحقة، وبحكم انتمائه لجيل الرواد المتقدمين، اتسم
اهتمامه بما اتسم به اهتمامهم من شمولية وبعد عن
التخصص ورغبة صادقة في الإصلاح والتنوير من خلال
الكتابة في كل الألوان الأدبية وكل الأشكال الكتابية،
فرأينا الأنصاري يقرض الشعر، ويكتب القصة والرواية،
ويمارس النقد، ويعالج المقالة والبحث، مع اهتمام خاص
باللغة والآثار والصحافة الأدبية بمجلته الشهيرة
«المنهل».
وهذا البحث يُعنى برصد آراء الأنصاري الأدبية
والنقدية، وهما محوران مزاحمان بكل تلك الاهتمامات
المتعددة للأنصاري، ولذلك لم يستطع الباحثون الذين
تصدوا لدراسة الأنصاري في بحوث أو رسائل جامعية أن
يعطوا هذين الجانبين في حياته ما يستحقانه من اهتمام،
وظهرا في عديد من الدراسات والبحوث مبتورين لم تكتمل
زواياهما مع الإلحاح على «معركة مرهم التناسي» تقريبا
دون سواها من ملامح وأطر تشكل آراءه الأدبية وخطابه
النقدي.
ويتناول البحث آراءه الأدبية والنقدية من خلال مجموعة
من المحاور، منها: الأنصاري والنقد، ومدرسته النقدية،
وآراؤه الأدبية والنقدية، والمعارك الأدبية والنقدية،
مع الاهتمام بالمعركة الشهيرة «مرهم التناسي»، وهذه
المحاور تلوح في المقام الأول على الإطار النظري في
نقده.
واستكمالا للدائرة يُعنى البحث بالجانب النقدي
التطبيقي للأنصاري مع ضرب الأمثلة من خلال نقده للقصة
والشعر.
الأنصاري والنقد:
أدرك الأنصاري كل المعارك الأدبية والمناوشات التي
كانت تُذكيها الصحافة المصرية وغيرها بين أعلام الأدب
في ذلك العصر، وانتقلت تلقائيا إلى الصحافة العربية،
ومنها السعودية، ولذلك ليس من الغريب أن تكون كتاباته
المبكرة تهتم بالنقد، وبخاصة أنه تلقى فور صدور روايته
«التوأمان» وقصته «مرهم التناسي» سهاما نقدية حادة من
بعض معاصريه، وكأنما أرادوا أن يخوض معهم ـ رغما عنه ـ
لجج النقد والمهاترات التي تنتهي بها تلك الكتابات
النقدية في غالب الأحيان.
وربما تعود أولى كتاباته في مجال النقد إلى عام 1352هـ
بمقالته «تأملة جوفاء ونقد متهافت» التي نشرها في
جريدة «صوت الحجاز» ردا على زميله محمد حسن عواد (ت
1400هـ) (1).
وعندما صدرت مجلته «المنهل» ظهرت له مجموعة من الأعمال
النقدية، سواء منها ما عُني بالجانب النظري أم
التطبيقي، ففي الجانب الأول نجد له المقالات
التالية:«أدب النفس والحس»، و«بين النقد الصحيح
والتشجيع الزائف»، و«النقد جرس» وكلها نشرت في
«المنهل» في المدة من 1356 ـ 1371هـ.
وفي الجانب التطبيقي ظهر له أكثر من خمسة عشر عملا
تتراوح بين مقالة قصيرة ومطولة وكتاب، ومنها: استعراض
الدواوين التالية: «صواريخ ضد الظلم والاستعمار» لعبد
السلام هاشم حافظ (ت 1415هـ)، و(الأمس الضائع)،
و(ألحان منتحرة) لحسن عبد الله القرشي (ت 1425هـ)،
و(القلائد)، و«الأزاهير» لمحمد بن علي السنوسي (ت
1407هـ)، و(حنانيك) لعبد العزيز خوجة، و«إشراق الغروب»
لعلي دمَّر (ت 1405هـ)، و(فيض الأحاسيس) لمفرج السيد،
و«ديوان القاسم بن هتيمل» (ت نحو 696هـ)، إضافة إلى
نقد عملين قصصيين، وهما: «فكرة» لأحمد السباعي (ت
1404هـ)، و(البعث) لمحمد علي مغربي (ت 1417هـ).
وأما الكتب التي نجد فيها تطبيقا نقديا فيمكن تحديدها
في ثلاثة كتب، وهي: «أربعة أيام مع شاعر العرب عبد
المحسن الكاظمي» (ت 1354هـ)، وقد صدر الكتاب في عام
(1388هـ)، و«الملك عبد العزيز في مرآة الشعر»
(1394هـ)، و«رحلة في كتاب من التراث» (1398هـ).
كما تناثرت آراؤه النقدية في مقالات متفرقة وفي بعض
المقابلات الصحفية التي نشرت في الصحف والمجلات
المحلية والعربية على مدى نصف قرن تقريبا.
ومما تحسن الإشارة إليه أن مقالاته النقدية في
«المنهل» نشرت باسمه الصريح في غالب الأحيان، وفي
أحيان أخرى باسم «باحث»، أو دون توقيع مع إشارة في
المقالة إلى اسمه كأن يقول:«رئيس تحرير هذه المجلة»،
أو «كلمة المحرر» (2، ص21)، (3، ص58، 63) (2).
مدرسته النقدية:
لعبد
القدوس الأنصاري دور مؤثر في الخطاب النقدي السعودي
بشكل عام في مراحله المبكرة، ويتمثل ذلك في أمرين:
الأول: جهوده الشخصية وإسهاماته في تأسيس خطاب نقدي
مبني على أسس سليمة يبتعد عن المهاترة وينزع إلى
الموضوعية والنقد البناء.
الثاني: إصداره لمجلة المنهل وأخذها زمام المبادرة في
بث الوعي النقدي الصحيح، والكتابة فيها نظريا وعمليا
بما يخدم العملية النقدية، وتشجيع الكتاب على ممارسة
هذا الدور وفق أسس حاول أن تتبناها مجلته ما وسعها
ذلك.
ولقد كان لمجلة «المنهل» قصب السبق في ميدان الدراسات
الأدبية ونقدها، إذ فتح صاحبها ورئيس تحريرها عبد
القدوس الأنصاري «الباب لكل من يحمل فكرا يستفاد منه
حتى وإن كان ممن هم ضد توجهاته»، ومن ثمارها وغيرها من
المطبوعات الصحفية «خروج بعض الكتب التي كانت في
الأساس مقالات جمعت في كتب نقدية» (4، ص84).
ويمكن حصر نشاط الأنصاري النقدي بين سنتي (1352 ـ
1403هـ)، وفي هذه المدة شاعت تسمية النقد بالنقد
الانطباعي، «غير أن هذا الشيوع لم يكرس مفهوما علميا
واضحا لهذا المصطلح، لذلك ظل هذا المصطلح عائما رغم
الدراسات المتعددة للمنجز النقدي في تلك الفترة» (5،
ص3).
وأما مرجعيته النقدية فهي تراثية في المقام الأول
متأثرة بالنقد العربي القديم وآلياته ومصطلحاته، مع
تأثر يسير ببعض الاتجاهات النقدية السائدة في عصره من
نحو مدرسة الديوان، والنقد النفسي وغيرهما من
الاتجاهات.
ولقد حاول الناقد سلطان القحطاني أن يضع يده على
المدارس النقدية في المملكة، فذهب إلى تصنيف التيارات
النقدية في المراحل المبكرة الى مدارس، أبرزها: مدرستا
مكة والمدينة، ويصف الأخيرة بأنها مدرسة تجديدية
محافظة رائدها عبد القدوس الأنصاري، وهدفها «إحياء
التراث العربي القديم ـ وخاصة عصر الازدهار الأدبي في
العصر العباسي الثاني ـ» (4، ص108).
ويصف دور عبد القدوس الأنصاري قائلا:«اجتهد الأنصاري
وأنصار هذه المدرسة في نقد الفكر الجامد واستبداله
بفكر جديد قائم على التراث الأدبي في الشعر والنثر
وإصلاح طرق الكتابة» (4، ص108).
ومن خصائص هذه المدرسة الميل إلى العلم بدليل قول
الأنصاري:«أدب المدينة أدب علمي، وأدب مكة تصويري» (7،
ص5)، ومعنى هذا أن المدينة «يسود فيها الأدب العلمي،
وأدباؤها ينزعون الى اللون العلمي في الأدب وفي
مقالاتهم..، فالأدب في المدينة مادته وموضوعه العلوم،
والأدب في مكة مادته وموضوعه الحياة» (8، ص146).
ويرى الأنصاري «أنه من أجل هذه النزعة التصويرية في
الموضوعات، فإن أكثر أدباء مكة يعجبون بأدب الدكتور طه
حسين والعقاد والمازني ويتذوقون أدبهم تذوقا خاصا، ومن
أجل النزعة العلمية في الموضوعات الأدبية رأينا جمهرة
أدباء المدينة يتنافسون في اقتناء كتب الدكتور فريد
الرفاعي وأحمد أمين ومحمد عبد الله عنان ويحفلون
بدراستها» (7 ص5).
ويرجع سبب الاختلاف بين الفريقين «الى اختلاف الذوق
بينهما، فكل فريق يُصدر أحكامه بمقتضى ميوله الأدبية:
(8، 147).
ويشير سلطان القحطاني الى أن مدرسة المدينة النقدية
انضم إليها كل أدباء المدينة وبعض ادباء مكة ونقادها
والأحساء والقطيف وجازان وكل محافظ يميل إلى التجديد
وينبذ التقليد المتهالك وينهل من الثقافة العربية
الأصيلة مع التطوير في الشكل والمضمون بما يتفق وظروف
العصر» (4، ص108).
ويميل القحطاني الى أن هذه المدرسة انبثق عنها «عدد من
التيارات النقدية، كالتيار المحافظ الذي يرى أن الأدب
ونقده يمكن أن يتقدم ويساير الأدب العربي بتطوير لغته
وأسلوبه من خلال القديم المجيد وليس القديم القريب»
(4، ص108).
ومن صفات هذه المدرسة وأصول منهجها المبالغة في إظهار
الإعجاب والتشجيع حتى يتحول النقد أحيانا إلى التقريظ
(4، ص110).
آراؤه الأدبية والنقدية:
حاول الأنصاري في مقالاته أن يحدد وظيفة الأدب وأن
يوضح مفهومه له، وتحدث عن الالتزام في الأدب، وفاضل
بين الأدب والعلم، وسعى إلى بيان رأيه وموقفه من
النقد، وأبان موقفه من الأدب العامي، ومن أدب الشيوخ
والشباب، وشعر المناسبات، ومن الشعر بشكل عام، وجوانب
أخرى.
ففي تعريفه للأدب ارتاح لمن يرى بأنه «كل رياضة محمودة
يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل»، ويقسم الأدب
نوعين: أحدهما أدب النفس وهو الأصل، وثانيهما أدب الحس
وهو الفرع، وفي رأيه أن أدب النفس «الرياضة الخلقية
التي يتوصل بها الإنسان إلى امتلاك عواطفه ثم السير في
مناهج الفضائل وصرف المواهب الفكرية إلى انتاج كل ما
يفيد الإنسان»، وأما أدب الحس فهو «الأدب البياني الذي
يتولد على حافات الألسنة وأسنة الأقلام بالتمرين على
الإجادة في التبيين عن الأغراض النفسية الكامنة
والمعاني الأدبية والعلمية والفنية المضمرة» (9، ص1).
وتقوم وجهة نظره في هذه المقالة على أهمية امتزاج
الأدبين حين يقول:«فمن جمع بين هذين اللونين من الأدب
فذلك الأديب الأريب، ومن استغنى بالأول أغناه الله،
ومن قصر همته على الثاني أصبح صدفاً بلا در، وزهرا بلا
عطر!: (9، ص2).
على أن هذا التعريف للأدب في نظر حسين سرحان (ت
1413هـ) لايصح وهو والأدب على طرفي نقيض، لأن هناك من
الأدباء من لا يعنون بالفضائل ولا يلقون لها بالا (10،
1/164).
وعما إذا كان الأدب للفن أو الأدب للحياة، رأى
الأنصاري «أن الأدب هو الحياة بمباهجها ومسراتها، وهو
الحياة بآلامها ومتاعبها، وهو الحياة بمطالبها
ورغباتها.. هذا هو الأدب، وهذا هو موضوعه العام
الشامل.. فالفن جزء من الحياة وجزء صغير بالنسبة لهيكل
الحياة، فالأدب الحق هو ما يشمل أدب الفن القيم وأدب
الحياة الواقعية ترنما وشدوا وتسجيلا وإصلاحا»، ويميل
الى أن المذهب الأدبي الذي يتلاءم مع الحياة الأدبية
في المملكة «هو المذهب الذي يدعو الى أن يكون الأدب
للحياة ولا يهمل في الوقت نفسه الأدب للأدب» (11،
ص238، 246).
وللأنصاري
رأي في الالتزام، فهو لا يقول بالتزام الأدب وحده، بل
بالتزام العلم أيضا، فكل من الأديب والعالم يلتزم في
أدبه وعلمه بخدمة المجتمع الذي يعيش فيه ويعد فردا من
أفراده، وهو «يعارض الدراسة النظرية والاتجاه النظري
الذي يجعل التزام العالم والأديب محصورا في الجانب
النظري وخدمة الأهداف الفنية والعلمية الخالصة دون
النظر الى النتائج الخارجية» (11، ص249).
وقد يُعلي الأنصاري من شأن العلم ويقلل من شأن الأدب،
ويذهب إلى أن العالم الإسلامي والعربي اليوم ملزم
باعتناق شيء غير الأدب، لأن الأدب صناعة الكلام، و«هذه
الصناعة قد برع فيها العرب.. وبقي لهم أن يتركوا تجربة
هذه الوسيلة الكلامية في ابتناء مجدهم المنشود.. بقي
عليهم أن يدَّرعوا بالعلم الصحيح المفيد في شقيه
الديني والدنيوي، ليجاروا الأمم الطامحة. وقد دعا
الأدب الى ذلك، وإلى الأخذ بأسباب العلم في مجالاته
المتعددة، وله الفضل في ذلك، ولكن ليس معناه أن نقف
مكتوفي الأيدي ندور في دوامة الأدب، ونكرر الدعوة
باسمه بابتناء هذه الأمجاد، ونكتفي بذلك التغني،
ونعتقد أن الأدب يقوم لنا بشيء ذي غناء!» (11، ص307).
وفي مقالته «بين النقد الصحيح والتشجيع الزائف» يضع
رؤيته ومفهومه للنقد، ويصحح مقولة من يرى أن كل نقد
أدبي هو هدام يوصل إلى الهوة السحيقة والإخفاق، ذلك أن
النقد هو «ما يغري بسلوك الطريق القويم والسير في
العمل المجدي، النقد هو النقد الصحيح الخالي من أدران
التعرض للشخصيات وآفات القول الذرب والمنطق المشين»
(2، ص21).
ويرى أن دوره إصلاحي حين يقول:«وكم أصلح النقد الصحيح
البريء من جراثيم الحقد والحسد الذميم نفوسا تائهة في
بيداء طويلة عريضة»، والمعيار لديه في ذلك هو «أن
النقد الأدبي الصحيح كالتشجيع الأدبي الصحيح يبنيان
ولا يهدمان» (2، ص21).
ومن هنا يتضح لنا موقف الأنصاري من مسألة النقد، «وهو
موقف المؤيد له بشرط أن يكون النقد موضوعيا، فلا يمس
الأشخاص أو يجرح الذوات، وإنما يسلط على الأعمال
الأدبية، ولعل ما تعرض له الأنصاري في بداية حياته
الأدبية من هجوم عنيف وتجريح واساءة من بعض النقاد أثر
في اتخاذه هذا الموقف، وهو مصيب في موقفه هذا، إذ إن
النقد حينما يتعدى الأعمال الأدبية إلى نقد الأشخاص
وسيرهم ولمز أوضاعهم الاجتماعية يخرج عن نطاق النقد
ويدخل مسمى القذف والسباب» (12، ص103).
ويشبه الأنصاري النقد بشكل عام دون أن يقيده بالأدب
بأنه كالجرس «ينبه الأفكار ويوقظ النفوس، ويوجه إلى
الإصلاح ويرشد إلى وجود الخطأ..، وكما أن الجرس قد
يُحدث بعض الأحيان بعض إزعاج للسامعين إلا أنه على كل
حال ميمون النتائج.. فكذلك حال النقد الصالح المصلح»
(13، 218).
ويحاول أن يضع يده على تعريف أدق للنقد الذي ينادي به
حين يقول:«ولكن أي نقد هذا؟ إنه النقد البريء النزيه
الصافي من شوائب الغرض والهوى، إنه النقد الواعي، وليس
بالنقد المتهافت، ولا بالنقد المغرض الذي يفسد ولا
يصلح، وليس بالنقد الذي من شأنه الهدم والتقويض، فإن
هذا اللون من النقد كله ضرر وكله خطر» (13، ص218).
وتأتي هذه الأقوال المتفرقة للأنصاري عن النقد مرتبطة
بوضوح بالجانب الإصلاحي، وهذا أمر طبعي، لأن «الأثر
الإصلاحي كان لحمة الخطابات جميعها، ومنها الخطاب
النقدي، ولما كان مزاج العصر ليس مزاجا علميا راقيا
فقد أثر هذا في حركة النقد الذي أخذ يراعي مستويات
عقلية، منها الخـــاصة وهي القليلة، والشعبية وهي
الغالبية، ولم يكن للنقد التخصصي حضوره وفعاليته» (14،
ص108).
وله مقالة حدد فيها موقفه من الأدب العامي، وعنوانها
«أدب الحاضرة وأدب البادية»، وملخص المقالة أن
الأنصاري لا يرى بأسا من «نشر الأدب الشعبي لما فيه من
حوادث تاريخية خاصة وعامة سجلها هذا الأدب في وقت ركود
الأدب الفصيح، وأيضا لما فيه من عناصر جمالية خفية،
ولا يرى فيه خطرا على اللغة الفصحى، ويشترط ألا يؤدي
نشره إلى طغيانه على الشعر العربي الفصيح أو التساوي
معه في المكانة حتى ندرأ الخطر عن اللغة العربية
الفصحى وآدابها..» (12، ص107).
ومع أن بعض الباحثين رأى في وجهة نظره مرونة وبعد نظر
(12، ص107)، فإننى أرى أن العامية تزاحم الفصحى وتمثل
خطرا عليها، وبخاصة في زماننا هذا مع مساندة الإعلام
للعامية على نطاق واسع بحيث أصبحنا نجد من طلابنا في
الكليات المتخصصة من يستشهد بالشعر العامي!
وإذا كنا نلحظ في رأي الأنصاري عن الأدب العامي ميلا
الى التقريب بينه وبين الفصيح في رؤية توفيقية، فإننا
نجد له رأيا آخر عن أدب الشيوخ والشباب يحاول فيه أن
يقرب بين الجيلين، وكان رأيه واضحا وثابتا من هذه
القضية عندما أثيرت، وهو «التوفيق بين الجيلين وإتاحة
المجال امام المبدعين منهما في إطار التمسك بالأخلاق
الإسلامية الفاضلة والتزام خط السير العربي الإسلامي
القويم، ويعيب على من يحاول افتعال المعارك بين أدب
الشيوخ وأدب الشباب لتضطرم بينهما حرب ضرام تؤدي الى
مستقبل أدبي مظلم» (12، ص107).
وأما
أقواله حول الشعر فهي عديدة، منها أنه يرى أن الشعر
موهبة قبل أن يكون مكسبة، وأنه إذا «اجتمعت الموهبة مع
المكسبة بلغ الشعر من العلياء أقصى مكان» (15، ص527).
ولا يميل عبد القدوس الأنصاري إلى شعر المناسبات، ويرى
أن «وظيفة الشعر أرفع من ذلك، ولذا لم يسلك هذا السبيل
إلا نادرا، ولم يثبت في ديوانه قصائد من هذا النوع»
(12، ص213).
لكن أكثر قضية شعرية شغلت حيزا من اهتمام الأنصاري هي
موقفه من الشعر الحر والأشكال الشعرية الجديدة، ولذلك
سنتوقف عندها بشكل مفصل.
موقفه من التجديد والشعر الحر:
ظهر في المملكة وعلى أيدي رواد الأدب تياران مختلفان
في الرؤية النقدية.
التيار الأول:
يدعو أنصاره إلى مسايرة المجددين من أدباء العصر في
البلاد العربية والمهجر وأدباء الغرب، والتقليل من
قيمة الأدب القديم في العصر العباسي وغيره، وفي مقدمة
هؤلاء محمد حسن عواد.
والتيار الثاني:
أنصاره يرون أن التجديد يأتي باتباع أساطين الأدب
العربي في عصره المجيد، ويدعون إلى مسايرة الأدب
العربي في عصور قوته والحذر من الاتجاهات المتأثرة
بآداب الغرب، وبخاصة المدرسة المهجرية (8، ص143، 144)،
وإلى هذه المدرسة ينتمي عبد القدوس الأنصاري..
ولما كانت بعض مظاهر التجديد قد جاءت على هيئة الشعر
الحر وخلا بعضها من الأوزان وسلامة اللغة فقد اجتهد
بعض النقاد في بيان رأيه في ذلك (81، 144)، وفي
المقدمة من هؤلاء الأنصاري بوصفه من النقاد المحافظين.
ويلمح أحد النقاد إلى أن تسمية الشعر الحر والمنثور
كانت «تشكل هاجسا مزعجا لهذا التيار» (4، ص109).
ولقد استطاع المقال النقدي «أن يصور الخصومة المحتدمة
على الساحة الأدبية بين أنصار الشعر التقليدي وأنصار
الشعر الحر. وقد ظهرت هذه الخصومة في الصحافة والمجلات
الأدبية منذ وقت مبكر، وكانت مجلة الرائد مسرحا لهذه
الخصومة: (16، ص159).
وكانت الخصومة في بادئ الأمر تدور في نطاق ضيق، إذ كان
اعتراض خصوم الشعر الحر ينحصر في جانب واحد، وهو تحرره
من القافية وخروجه عن إطار العروض التقليدي، غير أن
الحجاج بين الفريقين لم يهدأ، بل ظل محتدما «على صفحات
الصحف والمجلات، وكانت أصوات المناوئين للشعر الحر أشد
حدة، لأن الجديد دائما يقابل بالنفور والهجوم» (16،
ص160، 162).
وبين الموقف الرافض والموقف المؤيد، لاحظ باحث أن
«ذهنية الأنصار والخصوم لم تكن تبحث في حقيقة الظاهرة
بحثا منطقيا مجردا من الهوى والعصبية والذاتية أحيانا،
وكان لكل ناقد أسلوبه الخاص في التعبير عن آرائه» (41،
ص140).
وإذا كانت التسمية الشائعة في الوقت الحاضر للشعر غير
العمودي هي شعر التفعيلة، فإن الأنصاري لم يستخدم هذا
المصطلح، بل كان يسميه باستمرار «الشعر الحر»، أو
«الشعر المنثور» في بعض الأحيان.
ويعد عبد القدوس الأنصاري «من الشعراء المحافظين الذين
يؤيدون الالتزام بالشعر العربي الأصيل القائم على
الوزن والقافية، ولا يشجعون محاولات الخروج عليهما،
وإن كان لا يعارض التجديد في المعاني والتنويع في
القوافي» (12، ص182)، ويلخص رأيه في الشعر المنثور في
مقابلة نشرت في مجلة «المنهل» فيقول: «الشعر المنثور
في رأيي ضرب من الشعر، وإن كنت لا أستطيع حتى الآن أن
أجزم بأنه ضرب من الشعر العربي، فما رأيت حتى الآن في
سابق عهد هذا الشعر نموذجا من الشعر المنثور، وإنما
رأيت أن الشعر لدى العرب هو ما التزم القافية والوزن»،
ويبدي مرونة تجاهه حين يقول:«لا أعارض في هذا الذي
اصطلح المحدثون على تسميته بالشعر المنثور..، فجيد هذا
الشيء هو جيد، ورديئه هو رديء» (17، ص343، 344).
وقد كتب الأنصاري قصيدة واحدة من الشعر المنثور بعنوان
«وداعا أيتها المناظر الخالدة» نشرت في المنهل عام
1360هـ، ونشر لأحمد السباعي قصيدة نثرية وقدم لها
قائلا: «ننشر هذه القطعة الفنية من الشعر المنثور بقلم
الأستاذ أحمد السباعي، والشعر المنثور هو شعر العاطفة
السامية والفن الرائع» (12، ص183).
كما نشر قصائد أخرى من هذا النوع لشعراء آخرين، وهذا
يدل على أنه من المتسامحين مع هذا الاتجاه الحديث،
ولكنه في مقدمة ديوانه «الأنصاريات» المطبوع عام
1384هـ، شن هجوما عنيفا على هذا الاتجاه الحديث الخارج
على أصول الشعر العربي» (12، ص183).
وقبل
هذا التاريخ بسبع سنوات نشرت «المنهل» مقابلة قدم لها
المحرر بالكلمات التالية: «الحديث عن الشعر المنثور في
هذه الأيام لا ينتهي، والنقاش حوله لا يهدأ» (17،
ص343).
وباستعراض أقوال الأنصاري التي حددت بوضوح موقفه من
الأشكال الشعرية الجديدة، ونقده الحاد لهذا التيار
الجديد في الشعر في سياق استعراضه للدواوين الجديدة
التي يتجاور فيها الشكلان: العمودي والتفعيلة، أو في
تقديمه للدواوين التي تخلص للشكل العمودي، نراه لا يمل
من الإبانة عن وجهة نظره، منتصرا للشكل التقليدي،
مطلقا عليه في غالب الأحيان «الشعر العربي الأصيل».
ولأنه يقف موقف الرافض لم يستطع أن يصل إلى تعريف واضح
للشعر الحر، ونراه يطلق هذا المصطلح على قصائد
التفعيلة وعلى القصائد النثرية على السواء، منتقدا
وجود قصائد من هذا النوع في دواوين حسن القرشي وعبد
السلام هاشم حافظ (3، ص58)، و (18، ص858).
ووضع الأشكال الشعرية الجديدة في سلة واحدة ليس من
الموضوعية في شيء، لأنه ثمة فارقا كبيرا بين شعر
التفعيلة الذي يلتزم بالوزن ويتخلى عن القافية، وقصيدة
النثر التي ينقصها الوزن والقافية، وتجد رفضا من معظم
الشعراء والنقاد في الوقت الحاضر.
ومن الملاحظ أن عبد القدوس الأنصاري في نقده للشعر
الحر لم يسر على طريقة واحدة، فأحيانا ينشط وينفعل
ويحتد في موقفه، وتارة أخرى يبدو هادئا يبدي وجهة نظره
ولا يفرضها وتأخذ كلماته شكل النصيحة تاركا للزمن
الحكم على هذه التجارب.
ويعود السبب إلى أن الأنصاري يراعي المخاطب، فإذا كان
الحديث عاما ولا يمس أحدا بعينه وفي سياق امتداح تجربة
شاعر عمودي رأينا لهجته تعلو ونقده يشتد.
أما إذا كان الموقف لا يحتمل ذلك، كأن يتصدى بالنقد
والتعريف لديوان زميل له، جاء نقده مغلفا بالهدوء
رقيقا لا يجرح المخاطب ولا يخلو من مجاملة أحيانا.
ففي كتابه «أربعة أيام مع شاعر العرب» أثنى كثيرا على
شاعرية عبد المحسن الكاظمي، ورأى فيها أبلغ رد على
دعاة الشعر الحر متهما إياه بالتكلف حينما أطلق عليه
«المشعور»، ذلك أن الشعر «بأوزانه وقوافيه التقليدية
صالح لكل زمان ومكان بعكس ما ينبزه عجزة الشعر المشعور
في الزمن الحاضر من التقصير والتقييد» (19، ص66).
وفي تقديمه لديوان القلائد لمحمد بن علي السنوسي ربط
بين أفول نجم الشعر وظهور الشعر الحر فقال:«كان بحق
نجمه يأفل بسبب ما ركن إليه شعراء ما يسمونه الشعر
الحر الذي لا يلتزم قافية ولا وزنا عربيا أصيلا ولا
منطقا سليما..، وهم يسيئون إلى هيكل الشعر ويظنون أنهم
يحسنون»، ويحذر من فئتين تسيئان للشعر، وهما: طائفة
النظامين، وطائفة الغرابيين، ويقصد بالأخيرة المتأثرين
بالغرب وبشعر الغرب (20، ص ط).
ولا يمل الأنصاري من حمل سوطه ليلهب به ظهور دعاة
الشعر الحر كلما وجد فرصة سانحة، فها هو في ختام
تقديمه لديوان السنوسي يقول:«من ذا يقيس هذا الدر
اللامع بذلك المخشلب المهزوز من الكلام الرخيص
والأسلوب (الغرابي) الذي حاول أن يقلد الغرب في صوغ
أشعارهم المرسلة الحرة؟؟» (20، ص ي).
ولا يفتأ الأنصاري يدفع بالحجة تلو الحجة مؤكدا اقتدار
الشعر العمودي وصلاحيته لكل زمان، نافيا حجج الخصوم
الذين يرون في الوزن والقافية قيدا على الشاعر، ومن
ذلك أنه كتب دراسة لكتاب «بدائع البدائه» لابن ظافر
الأزدي (ت 613هـ)، مشيدا بالنماذج التي أوردها، ومما
قال:«ومتتبع كتابه هذا يدرك بحق براءة الشعر العمودي
الموزون المقفى من التهمة التي يحاول بعض المستوردين
لمبادئ الغزو الأجنبي أن يلصقوها بهذا الشعر الأصيل من
أنه عاجز عن مجاراة الحياة المتقدمة، ففي هذا الكتاب
يقوض هذه التهمة وينفيها نفيا قاطعا، ويثبت عكسها
اثباتا تاما ملموسا» (21، ص7).
ويعلق
على تنوع الشعر الذي أورده ابن ظافر ـ مما قيل على
البديهة ـ قائلا:«الشعر العربي الموزون المقفى ليس من
الصعوبة بمكان كما يقرر خصومه، فمعلوم أن الإتيان بهذا
الفيض الطامي من شعر البداهة لشعراء متعددين ينقض غزل
هذا القول من أساسه نقضا مبينا!» (21، ص20).
ويعقب على أبيات للبحتري (ت 284هـ) قيلت على البديهة
قائلا: «أبيات البحتري هذه تبرهن للقارئ على مرونة
الشعر العربي العمودي المقفى الموزون وطواعيته للإفصاح
عن أغراض الإنسان ومرامه مهما تكن عميقة أو بسيطة بشكل
منقطع النظير: (21، ص84).
وفي الوقت الذي تطربه الأبيات العمودية، يجد في ذلك
فرصة لمهاجمة الشعر الحر، ومن ذلك قوله:«من بدائع
البدائه التي تفضي بنا الى الاقتناع بمقدرة اللغة
العربية في تكوين جيل بل أجيال من رواد الشعر البدهي
القوي الذي يوصلنا بدوره الى عدم وجود أي عجز أو قصور
في هذا الشعر العمودي أو فراغ يملؤه ما يسمى بالشعر
الحر، وهو ليس شعرا وليس حرا!!» (21، ص87).
هذه آراء الأنصاري بوضوح وصراحة، غير أنه في مواضع
أخرى يُهادن أصحاب هذا الاتجاه ويجاملهم ويكاد يقبل
بتجاربهم، مع إسداء النصح لهم بأن الشعر العمودي هو
الأصل والأصلح، ففي استعراضه لديوان عبد السلام هاشم
حافظ «صواريخ ضد الظلم والاستعمار: قال:«نظمه على
نمطين من الشعر: نمط الشعر الموزون المقفى، ونمط الشعر
الحر الطليق من قيد الوزن أو القافية. وموقف رئيس
تحرير المنهل من النمط الأول هو التقدير لما يكون منه
جيدا مفيدا وطريفا، وموقفه من نمط الشعر الثاني التريث
انتظارا لما سيكون منه ذا حيوية وشاعرية عميقة هادفة
من غير إخلال بموازين البيان العربي، وليس موقف رئيس
التحرير من هذا اللون من الشعر المعارضة المطلقة،
فللشعر أن يتحرر، وله أن يتغير في الأساليب والأوزان
والقوافي، فلم يرد الينا نص مقدس بضرورة التزام الشعر
العربي وأوزانه طيلة الأبد!» (22، ص58).
وفي أثناء عرضه لديوان حسن القرشي «ألحان منتحرة» توقف
عند القسم الخاص بالشعر الحر فقال:«إن هذا اللون اعتقد
أن شعر الأستاذ القرشي الرصين الموزون المقفى أرفع
مستوى منه بكثير، ثم من أين جاء؟ لقد كشف عجز شعراء
العصر الحاضر، إنهم استعملوه حينما وهنوا، فما يسمونه
الشعر المتحرر هو عكاز وهن أدبي استعمله شعراء العصر
الحاضر حينما بعدت عن مستواهم تلك الثمار اليانعة
الشهية من الشعر العربي الأصيل، فعسى أن يبتعد شاعرنا
القدير عن هذا اللون من سمات العجز..» (18، ص858).
وواضح أن هناك تذبذبا في موقف الأنصاري من الشعر الحر
أو الشعر المنثور، ففي مستهل حياته كتبه ورحب به في
مجلته، ثم هاجمه، وبين الهجوم والترحيب نجد له أقوالا
فيها اعتدال وبعد نظر من نحو قوله محددا موقفه من
الشعر الجديد: «التريث انتظارا لما سيكون منه ذا حيوية
وشاعرية عميقة هادفة..»..
وقد أرجع نبيل المحيش هذا التذبذب إلى أنه كان في
مستهل حياته «من المتأثرين بالدعوات إلى الأشكال
الجديدة في الشعر، والدليل أنه كتبه وأثنى على هذا
الاتجاه في مرحلة مبكرة من حياته، ولكنه عدل عن رأيه
هذا بما أثبته من قول في مقدمة ديوانه المطبوع عام
1384هـ» (12، ص184).
ومن الواضح أن رفضه للشعر الحر راجع الى اقتناعه
الأكيد بأن القوافي والأوزان هي أهم خصيصة للشعر
العربي، وهي الفارق بين الشعر وغيره، وأنها لا تقف
عائقا امام الشاعر المقتدر، وأن الشعر الحر ليس شعرا
وليس عربيا، ويتصل بشعر الغرب وأدب الغرب بسبب قوي،
ويدل على العجز وضعف الشاعرية، ولذلك نراه ينظر إليه
بسخرية مرة ويهون من شأنه ويغمزه، ويصفه بالمشعور في
إشارة إلى أنه متكلف، ويقدم له بازدراء حين يصفه
فيقول: «يسمونه الشعر المتحرر»، أو «ما يسمى بالشعر
الحر» (18، ص858) و(21، ص87).
المعارك الأدبية والنقدية:
اتسم عصر عبد القدوس الأنصاري وجيله بظهور المناوشات
والمعارك الأدبية والنقدية، نظرا لأن الحركة النقدية
في الوطن العربي وقتذاك، وبخاصة في مصر كانت تصادمية،
ولذلك «انبهر بها شداة الأدب والنقد في البلاد وأصاخوا
لها واستشرفوا نتائجها...، وحملهم على محاولة افتعال
معارك مماثلة أشعلها العواد وشحاتة والعطار وفلالي
وضياء» (23، 2/65)، وغيرهم.
ويفسر منصور الحازمي حدة المعارك النقدية لدى الرواد
تفسيرا طريفا فيقول: «للحارة القديمة في مدن الحجاز
مكانة عظيمة.. وتدور بين الحارات معارك طاحنة تستخدم
فيها جميع الأسلحة المتاحة.. والنقد الأدبي الذي نشأ
في مدن الحجاز اقتبس من الحارة عنفها وعصبيتها. هكذا
يمكننا أن نفسر المعارك الأدبية التي احتدمت بين
العواد وحمزة شحاتة.. وبين العواد وعبد القدوس
الأنصاري.. إنها معارك لا يهمها النص بقدر ما يهمها
صاحب النص، لا تهمها الحقيقة بقدر ما يهمها القتال
وإحراز النصر: (24، ص99).
وأما
أدوات القتال في نظر الحازمي فتتمثل في السلاح
التقليدي الذي كان منتشرا آنذاك، ويعني به «سلاح
الهجاء المفعم بالسخرية والتهكم» (25، ص209).
ويصفها بعض الباحثين بأنها «بعيدة كل البعد عن روح
النقد المنهجي الصحيح الذي يفتح مغاليق النص أو يسهم
في ذلك» (26، ص30).
ومنهم من نظر الى المعارك بموضوعية أكثر فرأى أن بعضها
كان قريبا من النقد، وبعضها الآخر أشبه بالخصومات
الشخصية، واستنتج من آرائهم حولها أنهم يمثلون فريقين:
فريق يرى أن الرفق وعدم الاندفاع في النقد هو الأسلوب
الملائم، وفريق يميل إلى العنف والشدة وعدم المجاملة
(8، ص161).
ووصف بعضهم نقد الرواد بأنه «يقوم على العاطفة
والاستنتاج السريع ـ في مجمله ـ، مما يثير حفيظة بعض
الكتاب والشعراء ويتحول النقد من تقويم وإعادة نظر في
النص الى شخصية الكاتب، ثم الى المعارك الأدبية، ثم
إلى المعارك الكلامية والاتهامات الشخصية، مما يضطر
أرباب الأدب والأصدقاء إلى التدخل السريع والمباشر لفك
الاشتباك، إما بالإصلاح، وإما بالإيقاف مثلما حصل بين
محمد حسن عواد وعبد القدوس الأنصاري» (4، ص83).
ويهمنا في هذا السياق بيان وجهة نظر الأنصاري في
المعارك الأدبية والنقدية، وبخاصة أنه تحدث عنها نظريا
ومارسها تطبيقا في معارك مختلفة، ولأنه ممن اكتوى
بنارها في وقت مبكر من حياته الأدبية وهو في سن تقل عن
الثلاثين عقب صدور روايته (التوأمان) وقصته (مرهم
التناسي)، لذلك عني بالحديث عنها وحذر من نتائجها
والتمادي فيها، وكان حريصا على أن يستهل مجلته المنهل
«بمقال افتتاحي يتناول فيه القضايا، وكان يؤكد دائما
أن مجلته يجب أن تبتعد عن المعارك الأدبية، لأنها في
رأيه تتحول الى خصومات شخصية ومهاترات» (16، ص54)،
وقاومت المجلة في الوقت نفسه الدعوة الى التشهير، ودعت
الى النقد البناء، «والتزمت جانب النقد الموضوعي» (12،
ص92).
وكان النداء بالنقد النزيه وتداوله بين الكتاب في
نقاشهم الأدبي أمرا طبعيا في ظل المشهد الأدبي آنذاك،
لانتشار «النزعة الذاتية في النقد والميل الى الأهواء،
واطلاق النعوت القاسية على الأديب المنقود» (14،
ص109).
وقد أدرك الأنصاري ما أحاط بهم من فوضى أدبية وتذبذب
نقدي، فآلمه ما آل اليه حال النقد، يتضح ذلك في قوله:
«أما النقد فقد كان الغرض المقصود منه لدى الأدباء هو
الغض من كرامة الكاتب أو الشاعر، والحط من قيمة أثره
النثري أو الشعري توصلا بذلك إلى التشفي منه، أو
حيلولة ما بينه وبين الشهرة الأدبية المعسولة» (26،
ص30، 31)، ويربط بين المعارك الأدبية في المملكة
والأدب المهجري فيقول: «هكذا كانت الأسس التي يقوم
عليها بنيان النقد الأدبي في الحجاز إلى عهد قريب جدا،
وقد نكون صائبين جدا إذا قلنا: إن هذا اللون من النقد
هو نتيجة من نتائج الأسلوب المهجري ولازمة من لوازمه»
(14، ص111).
ولقد شكا من هذا الأمر في أكثر من موضع وفي فترات
متفرقة من حياته، ففي السبعينيات الهجرية من القرن
الماضي تساءل بحرقة:«فما ينبغي أن تدوم هذه الحالة
بيننا، فأين النقد البناء؟ وأين الصحافة الواعية
البناءة التي تعرف كيف تشيد للأدب قصورا شامخة؟؟» (3،
ص65).
وفي سنواته الأخيرة وفي لقاء صحفي سُئل عن خفوت
المعارك الأدبية فأجاب باستفاضة وشرح وجهة نظره بوضوح
فقال: «من هذه المعارك الأدبية ما هو وبال على مسيرة
أدبنا، فهي بمثابة العقاب (جمع عقبة) التي تقف في طريق
انهماره وفيضانه، لتعوقه عن التدفق المنشود بما ترسبه
في كيانه وذويه من حزازات، وبما تبثه من مناوشات فيها
جارح ومجروح وطاعن ومطعون.. لا دخل للأدب ولا النقد
العلمي والأدبي البناء فيه، فخفوت هذه المعارك ليس مما
يدل على وهن الأدب، بل قد يمكن أن يكون من وجهة نظري
برهانا ساطعا على تجاوز فن النقد لدينا مرحلة الطفولة
التي تدعو الى الولوغ في انتهاك كرامة الأدباء، مما
يعرضهم للسخرية والتهكم في نظر كثير من القراء..» (27،
ص12).
ومما يحمد للأنصاري أنه تمثل كل أقواله سلوكا لا يحيد
عنه، ولم يتعارض مع فعله، فما عرف عنه انزلاقه في
مهاترات أو تجريح شخصي، وشهد له معاصروه من مثل أحمد
عبد الغفور عطار (ت 1411هـ)، وعبد الله بن خميس
وغيرهما، ومن جاء بعدهم من الباحثين والدارسين بأنه
يتوخى الموضوعية في نقده، وحكموا له بالانتصار في
المعارك التي خاضها، لأنه التزم الهدوء ولم ينجرف إلى
الأمور الشخصية وحاول ألا يتعدى نقده النص إلى كاتب
النص، ولم يعهد عنه «أنه شاتم أحدا، أو تكلم عنه بسوء،
في وقت كانت تشيع فيه الشتائم والمهاترات. وبلا ريب
فإن تخلي الأنصاري عن سلوك هذا المسلك الشائن جعل له
مكانة كبيرة في نفوس الأدباء، لأنه لم يسيء الى أي
منهم: (28، ص173).
وممن أشاد بذلك عبد الله بن خميس الذي وصفه بأنه يلتزم
الموضوعية وينأى عن الانفعال واستهداف الناقد دون
النقد، ويبتعد «عما يفعله بعض الناقدين والمنقودين من
مهاترات وتجريح وثلب وسب» (29، 1/225).
معركة قصة مرهم التناسي:
في شهر جمادى الآخرة من عام 1352هـ، نشر عبد القدوس
الأنصاري قصة بعنوان «مرهم التناسي» في جريدة صوت
الحجاز «صورت شخصا تستولي عليه الهموم وقلبه يمتلئ
بالأحزان، وشخصا آخر يمتلئ قلبه بالآمال ومباهج الحياة
يعطي صديقه المحزون مرهما لتناسي الهموم» (8، ص161)
(3).
وبعد نشر القصة بأسبوع واحد كتب محمد حسن عواد مقالة
نقدية حادة تحامل فيها على الأنصاري، وأبدى ملحوظات
متعددة، منها:
1 ـ أن العلم يختلف عن الفن، وقصة الأنصاري لا فن فيها
ولا روح ولا ذوق ولا خيال.
2 ـ انعدام الجو الفني فيها، وقصر النظر إلى حالة
النفس الإنسانية، وبعدها عن حقائق علم النفس،
والمفاجأة في الانتقال من خلق الرجل المحزون الى رجل
ممراح، وخلوها من الخيال الممتاز.
وتدخلت أطراف في المعركة منتصرين للأنصاري، منهم:
كويتب (من أدباء المدينة)، وعبد الحميد عنبر (ت
1391هـ)، وغيرهم وبعد مرور أكثر من شهر على نقد العواد
كتب الأنصاري «مفندا التهم التي كالها خصمه ومحللا
إياها، واحدة بعد أخرى، ومتجنبا ذلك الأسلوب المسف
الذي نقد به من قبل العواد، مظهرا قدرا كبيرا من
الأناة والرصانة وسعة الصدر، ومتخذا في رده أسلوب من
يترفع عن التهويش» (1، ص490 ـ 500)، وفيما يلي تلخيص
لرد الأنصاري:
1 ـ إن العواد لم يلخص القصة ويحلل نقاطها تحليلا
فنيا.
2 ـ إن عمل العواد عمل عقيم يترفع عنه الأدب والفن،
لأنه يعود بهما إلى الوراء بدلا من أن يمضي بهما إلى
الأمام.
3 ـ عدم خروجه بأحكام نقدية من مقالته.
4 ـ نصحه بالابتعاد عن ميدان النقد ليريح دماغه ويريح
القراء من عناء محاولته كتابة النقد الأدبي الفني (8،
ص162).
وتعد هذه المعركة من أشهر المعارك التي خاضها الرواد
في مرحلة مبكرة، وتناولتها كل الدراسات التي تصدت
لتاريخ النقد الأدبي في المملكة، وللمقالة النقدية،
وكلها ـ تقريبا ـ كانت تنتقد أسلوب العواد، وتمتدح
رصانة الأنصاري وبعده عن المهاترات واللجاج.
وقد تناول هذه المعركة عدد من الدارسين والباحثين،
منهم: حسن الهويمل، وسلطان القحطاني، ومحمد العوين،
ونبيل المحيش، وغيرهم.
فالهويمل يحكم على هذه المعركة بأنها تمثل «أحط
أخلاقيات النقد من جانب العواد..، وهي لون من الهجاء
الشخصي» (23، 2/91).
والقحطاني يميل إلى أن الرؤية النقدية في نقد العواد
لمرهم التناسي لم تكن واضحة في ذهن الناقد، وكان «معول
الهدم أسرع من لبنة البناء، والغرض النفسي هو المسيطر
على عاطفة الناقد قبل عقله» (4، ص77).
أما
محمد العوين فيفرق بين مفهومي «معركة ومناوشة، ويصنف
النقاش الذي دار حول القصة بأنه معركة، لأن النقاش
حولها احتدم بين أخذ ورد في صور مختلفة من أساليب
العرض والتدليل والإقناع، ويبسط أسباب المعركة
وأطرافها ونتائجها ومكانها وزمانها،
ويقرر تفوق الأنصاري على ناقده محمد حسن عواد في أمور
كثيرة، منها «الأسلوب العميق الهادئ، والعاطفة
المتزنة، ووضوح غايته من عمله الأدبي، واتصافه
بأخلاقيات الفن وسموه في رد التهمة ودفع التقول» (1،
ص502).
وإزاء اندفاع العواد وشتائمه كان الأنصاري «يرد طيش
خصمه في حكمة وأدب بعيدا عن الإسفاف والقدح والتشهير
بما يعيب، ومنكرا على من يذهبون الى العنف والقسوة في
النقد» (1، ص504).
ومن الذين تناولوا المعركة نبيل المحيش الذي أورد نص
القصة ثم استعرض نقد العواد متفقا معه في وجود أوجه
قصور وعيوب في القصة،
إلا أنه اختلف معه في اتخاذ مواقف شخصية من الأنصاري،
ذلك أن المتأمل «لما كتبه العواد يلاحظ هجوما شخصيا
على ذات عبد القدوس وتسفيها لآرائه وفكره، وهذا أمر
مرفوض من كاتب ناقد له مكانته الأدبية عند الآخرين،
وخروج بالأدب من ميدانه الفني إلى ميدان الشتائم
والسباب» (12، ص153).
ويصف ظافر الشهري في دراسته للنقد الانطباعي لدى
النقاد السعوديين، رد الأنصاري على العواد بأنه يشف عن
«وعي مميز بمفهوم النقد وآلياته، يظهر هذا الوعي منذ
الفترة الأولى في رده حيث يقول:»وإني مبدئيا استلفت
نظر الناقد إلى أن الأساس الحكيم الذي تواطأ عليه مهرة
الناقدين بحق هو أن يلخصوا فكرة الكاتب أو الروائي
تلخيصا صائبا ويستشهدوا بنبذ أساسية من الكتابة
المنقودة» (5، ص 73).
ويحكم على المعــــــركة حــــكما عاما محاولا أن
يتلمس المؤثرات حين يقول: «تصور هذه المعركة كما
المعارك الأخرى الوعي الذي تمثله نقاد المرحلة لمفهوم
النقد، والذي يقوم في طرف منه عند كثير منهم على نقد
الذات قبل نقد الأعمال، وعلى التجريح والتهجم، وهذا
أثر واضح من آثار النقد المصري في نقد المرحلة من جهة،
وتعبير دقيق عن ضعف ثقـــــــــافة الحوار والاختلاف
وقوة ثقافة الصواب الواحد» (5، ص75).
الأنصاري والنقد التطبيقي:
بدأ عبد القدوس الأنصاري حياته النقدية دفاعا عن نفسه
وعـــــن أعماله القصـــــصية والروائية، ثم نشر
مقالات متعددة عرض فيها لبعض القصـــــص والـــدواوين
الشعرية، وألف بعض الكتب عن الشعر والشعراء، وهي في
مجموعها تمثل الجانب النقــــدي التطبيقي له، بحيث
يمكننا من خلال الاطلاع عليها تلمس منهــــجــــه
النقدي ومقاييسه التي ينطلق منها.
ومن الملاحظ أن الأنصاري اهتم بالقصة في مستهل حياته
كاتبا وناقدا لها، ثم انصرف عنها إلى نقد الشعر، ربما
لقلة الأعمال القصصية بالمقارنة مع الشعر، وربما
لميوله لقراءة الشعر ونقده.
أولا: نقد القصة:
تناول الأنصاري بالنقد عملين قصصين في عام واحد، وهو
عام 1368هـ، والعملان هما: «فكرة لأحمد السباعي»
و«البعث» لمحمد علي مغربي.
وقد حدد في مستهل نقده لفكرة نوع الكتابة بأنها علمية
أدبية، وليست صحفية لمجرد سد الفراغ، ويتلخص نقده
للقصة في الآتي:
1 ـ ان القصة تعبر عن شعور صاحبها، وأنها قبس من آرائه
في الحياة والمجتمع.
2 ـ يغلب على القصة من خلال شخوصها وأماكنها طابع
بلادنا في دورها الانتقالي الحاضر.
3 ـ ان القصة تشبه (قصة زينب) لمحمد حسين هيكل (ت
1376هـ) في قوة التعبير وإقليمية السمات ومعالجة قضايا
الإصلاح.
4 ـ ان أسلوب (فكرة) جزل فخم يدل على نضج واستيعاب
لحياة من تحدثت عنهم القصة.
5 ـ تجمع القصة بين الفن والعلم والإصلاح.
6 ـ يؤخد على القصة بعض المآخذ الفنية، منها التوطئة
التي قدمت بها القصة وتكرار المناظر الطبيعية بشكل
واضح.
7 ـ يؤخذ على القصة بعض المآخذ اللغوية، منها مثلا:
(لا تكف تدر)، والصواب (لا تكف عن الإدرار)، وفي
(نواديهم)، والصواب (في أنديتهم) (30، ص364 ـ 367)
و(26، ص52).
في عرضه لرواية (البعث) لمحمد علي مغربي يأخذ نقده
مسارا ليس بالبعيد عن نقده لفكرة،
وفيما يلي أبرز الأمور التي أثارها في نقده:
1 ـ هيكل القصة وتحديد أماكن حدوثها، وبيان أن الهدف
العام للقصة هو الإصلاح الاجتماعي والديني.
2 ـ الحبكة الفنية وانسياب الألفاظ ودقة التعبير.
3 ـ التمكن من رسم شخصيات القصة وإدارة الحوار فيما
بينها.
4 ـ تصوير القصة لنفسية الشباب في البيئة المحلية.
5 ـ اتساع أفق القصة بعلاج أهم القضايا العالمية من
الشرق والغرب كقضايا الاستعمار.
أما عيوب القصة فيحددها الأنصاري بالمآخذ التالية:
1 ـ وصف صفرة المريض بالجمال.
2 ـ تكرار بعض الصيغ والألفاظ، كتكرار كلمة (جميل) في
خمس وعشرين جملة.
3 ـ مآخذ لغوية كاستعمال (كوبات) بدلا من (أكواب)،
و(ماسورة) بدلا من (أنبوبة) (31، ص52 ـ 54)، (26،
ص53).
وقد أخذ بعضهم على عبد القدوس الأنصاري الاهتمام
بالجوانب اللغوية دون التعمق في النصوص،
فقال:«الأنصاري عندما ينقد يضع نصب عينيه الجوانب
اللغوية وظاهر النص، ففي نقده لرواية محمد علي مغربي
(البعث) قام الأنصاري بنقدها نقدا أقرب إلى التقريظ
منه إلى النقد الحديث، فالإعجاب والتشجيع من صفات هذه
المدرسة ومن أصول منهجها (4), وعندما أراد أن يحللها
حلَّلها تحليلا انطباعيا وقال: إن هدفها الإصلاح، ثم
نقد ما فيها من عيوب وبعض الاستعمالات اللغوية، ويلاحظ
على الكاتب تكرار الكلمات بأسلوب احصائي.. ويفعل ذلك
في نقده لرواية أحمد السباعي (فكرة) حيث لم يخرج منها
بأكثر من النقد اللغوي» (4، ص110).
على أننا نجد باحثا آخر يشيد بمنهج الأنصاري، وبخاصة
في استعماله للاحصاء وتوظيفه نقديا بوصفه من المقاييس
النقدية المعاصرة التي تسعى الى تفسير ظواهر معينة (8،
ص167، 168).
ثانيا: نقد الشعر:
يستند عبد القدوس الأنصاري إلى مرجعية نقدية تراثية في
المقام الأول، ويظهر تأثره بالخطاب النقدي العربي
القديم واضحا، ويشير في مقالته «أدب النفس وأدب الحس»
إلى اثنين من النقاد القدامى، وهما: ابن قتيبة (ت
276هـ)، وابن رشيق (ت 463هـ) (9، ص1).
وينتمي إلى مذهب المحافظين، وهم الذين اهتموا بجودة
الصياغة والمحافظة على الأسلوب الفصيح من غير إسراف في
المحسنات البديعية أو تكلف في الألفاظ و«المطلع على
مجلة المنهل يجد عنايتها بنشر التيار المحافظ، وهو ما
يميل إليه عبد القدوس فيما يكتبه من شعر، ويعتمد بناء
القصيدة عند الأنصاري على شرف المعنى وصحته وحسن
اختيار الألفاظ المناسبة مع قوة السبك ومراعاة الوحدة
الموضوعية» (12، ص215 ـ 216).
وفي سياق دراسته للصحافة الأدبية في المملكة، وصف غازي
عوض الله مقالات الأنصاري النقدية بأنها تمثل الاتجاه
التقليدي «الذي يهتم بالصياغة اللغوية دون النفاذ إلى
المضمون»، ومثَّل لذلك بمقالته «في القوقعة السحرية مع
الأستاذ قنديل في أبراجه وأصدائه وأغاريده» (16،
ص124).
وهو
حكم إن كان يصدق على بعض مقالاته، فإنه لا يصدق عليها
مجتمعة، وهو ما سيتضح من خلال استعراض مقاييسه النقدية
ومنهجه في تناول الأعمال ونقدها.
وبالنظر إلى أعمال الأنصاري النقدية نجد تفاوتا بينها،
لأنها كتبت في فترات متباعدة، أقدمها ربما يعود إلى
عام 1377هـ، وآخرها إلى عام 1399هـ تقريبا، ولاختلاف
الغرض، فبعضها جاء تقديما لديوان، أو تحليلا له، أو في
سياق التعريف به في مجلته المنهل، لذلك تفاوت المستوى
تبعا لهذه الفوارق.
ومن الطريف أن الأنصاري إذا كان عرض الديوان سريعا ولم
يصل إلى تطلعه لم يضع اسمه الصريح واكتفى بتوقيع
«باحث»، أو «المحرر» أما إذا بذل جهدا في الكتابة وقع
بالاسم الصريح وكتب تحت الاسم «عرض وتحليل» كما فعل في
نقده لديوان «حنانيك» لعبد العزيز خوجه (32، ص579).
ويقوم منهجه في الغالب على مدخل يُثني فيه على صاحب
العمل، ويتلمس مواطن الجودة في العمل شكلا ومضمونا، ثم
يستعرض القصائد ويحاول أن يصنفها إلى مجموعات ويستشهد
على ذلك، ثم يتوقف عند المآخذ إذا كان ثمة مآخذ، يركز
على الجوانب اللغوية، وعلى مهاجمة الشعر غير العمودي،
وقد يشير إلى أنه لم يجد شيئا يؤاخذ به الشاعر، ثم
يختم بأن الملحوظات لا تنقص من العمل ويثني على الشاعر
وقصائده.
أما المعايير النقدية التي يستند إليها فهي لا تختلف
كثيرا عن جيله من الرواد، إذ ان «ذوق الناقد وثقافته
هما الأداة الرئيسة لدى نقاد تلك الفترة في تفاعلهم مع
النص الأدبي، وكان لهما أثر فاعل في إثراء العملية
النقدية» (8، ص166).
ويجمع الأنصاري بين النقد الذاتي التأثري، والنقد
المعياري الموضوعي، ومثال الأخير استناده إلى مقاييس
نقدية قديمة، كالاهتمام بالصحة اللغوية، والنظر إلى
سلامة الوزن وملاءمة القافية، والعناية بالجوانب
البلاغية في النص، وسوى ذلك.
ومن الأمثلة على ذلك: وقوفه على أخطاء لغوية في ديوان
القاسم بن علي بن هتيمل وتصويبها، والإشارة إلى
استخدامها للغة «أكلوني البراغيث». والنفور من
استخدامه لألفاظ مهجورة (23، ص239 ـ 249)، وتنبيه حسن
القرشي إلى بعض الأخطاء اللغوية والأسلوبية في ديوانه
«ألحان منتحرة» (18، ص859).
وتأخذ الجوانب العروضية نصيبا لا بأس به من اهتمام
الأنصاري، ومن ذلك امتداحه لالتزام الشاعر بالوزن
والقافية مع التأكيد على أهمية التجديد في إطارهما،
وخير مثال على ذلك مقالته عن الشاعر أحمد عبد الجبار
إذ نراه يقــــــول:«يلتزم القافية والوزن العربيين في
قصائده لا يبغي عنهما حولا، وإن كان يرتقي بما تنضويان
عليه إلى ذرى التجديد في التصوير والوصف وبث العواطف
والأشجان» (34، ص17).
ويتوقف عند الجانب الموسيقي في القصيدة، ومن ذلك
إعجابه بقصيدة دالية لعبد المحسن الكاظمي حيث قال
عنها: «هي من الشعر المرقص الأخاذ بأجراسه العذاب
ونغماته الموسيقية الحلوة الجذابة، ولقد اختار الكاظمي
لبعض وطنياته اللامعة هذا البحر الخفيف الموجز
التفاعيل، ليكون أسرع إلى الحفظ وإلى الإدراك» (19،
ص121).
ويقوده ذوقه إلى عدم الارتياح إلى قافية معينة، ويحكم
عليها بأنها لتكملة الوزن كما فعل مع طاهر زمخشري (ت
1407هـ) عندما لاحظ أن كلمة «لذات الفنون» في قوله:
والروابي الخضراء ممدودة الأطـ
راف بســــــــامة لــــــذات الفنــــــــــون
جاءت لتكملة البيت لا غير (35، ص139)، ويتوقف عند
قافية الكاظمي ويقترح أخرى (19، ص26).
وللبلاغة وقضاياها ومصطلحاتها نصيب وافر من اهتمام عبد
القدوس الأنصاري، إذ نراه يهتم بالمطلع والمقطع، ويقرب
النص إلى المتلقي بنثر المنظوم، ويتوقف عند الصور أو
التشبيهات الجيدة، ويعيب بعض الاستخدامات الخاطئة في
سياقها ومدلولها البلاغي، ويمتدح المحسنات البديعية
العفوية، ويكلف بالموازنات بين الشعراء، أو بين
الأبيات المتشابهة، ويحلل بعض الظواهر البلاغية، وسوى
ذلك من أمور.
ولعل أهم الأمور التي تستوقف الأنصاري في القصيدة
مطلعها، فإذا وجد المطلع مناسبا للمقام أو لوجود
محسنات بديعية غير متكلفة وصفه بالموفق، ومن ذلك
استحسانه لمطلع قصيدة لأحمد قنديل (ت 1399هـ) حيث
قال:»وهذا الصنيع يمثل براعة استهلال حديثة لا اخال
أحدا من شعرائنا تصدى لها من قبل»، ويقول عن قصيدة
لعبد المحسن الكاظمي: «وفي هذا المطلع براعة استهلال
وإجادة للمدخل وتجميل له» (36، ص31، 50).
وكما يُعنى بالمطلع لا ينسى الأنصاري المقطع، ونراه
يقول مشيدا بالبيت الأخير من إحدى القصائد: «ما أبدع
البيت الأخير وما أرفع مكانه في دنيا الشعر!»، ثم يحلل
البيت ويقف على جمال التعبير فيه (36، ص25، 36).
وكثيرا ما يعمد الأنصاري على نثر المنظوم كما هي عادة
القدماء، ومن ذلك تعليقه على بيتين لفؤاد الخطيب (ت
1376هـ) وهما:
ليثُ الجزيرة إن يهتف بها انتفضت
لديه فاندفعت منها الصناديدُ
لو تستطيع الجبال الشمُ لانخلعت
ركضا إليه وشدت خلفها البيدُ
يقول الأنصاري شارحا:«ها هو ذا يقول: إن أسد الجزيرة
إن يهتف طلبا لنجدتها ورفعتها انتفضت لديه فاندفعت
إليه معها الأبطال»، وفي موضع آخر نراه يقول: «يقول
فؤاد: إن الملك عبد العزيز ذهب إلى رحمة ربه بعدما شاد
صروح الأمن في داخل بلاده» (36، ص70، 77).
وثمة اتجاه دلالي له جذوره التراثية، وهو إقامة
موازنات بين الشعراء، أو بين قصائد لهم أو أبيات، وهذا
الأمر له حضوره الواضح في خطاب الأنصاري النقدي، ويعود
إلى كثرة اطلاعه على الشعر، وبخاصة القديم، ومن هنا
فهو كثيرا ما يستدعي أبياتا قديمة ويربطها بأبيات
معاصرة، أو يوازن بين شاعرين معاصرين لوجود تشابه في
المضمون أو الشكل، وربما حكم لأحدهما بالتفوق على
صاحبه، وفي الغالب يكتفي بالإشارة الى وجود ملامح
مشتركة بين النصين أو الشاعرين.
ومن ذلك دراسته لشعر ابن هتيمل، إذ أورد أبياتا له ثم
وازن بينها وبين أبيات قديمة. يقول الأنصاري معلقا على
ذلك:«أشتم فيها رائحة قصيدة للمتنبي» وفي موضع آخر:
«أرى فيه ملامح من شعر المتنبي»، ويسمي هذه العملية
«مقارنة شعرية» حين يقول:«.. وتقودنا المقارنة الشعرية
الى أن نقارن بين قوله... إلى بيت لشاعر قديم بهذا
المعنى نفسه» (33، ص237)، والأدق وصف هذه العملية
بالموازنة، لأن لغة النصوص واحدة، فإذا اختلفت اللغة
أطلقنا عليها مقارنة (37، ص19).
ويوازن بين عبد المحسن الكاظمي والشعراء السابقين في
ظاهرة السهولة في الشعر ويقدمه عليهم حين يقول:
«وظاهرة الانسجام والسهولة والامتناع واضحة في أبيات
الكاظمي، وهي سهولة محببة يمتاز بها عن سواه من شعراء
عصره.. لقد بلغ الذروة وفاق البهاء زهيرا» (19، ص34).
وأورد بيتين لأحمد فتحي (ت 1380هـ)، ثم تذكر ما
يشابههما من شعر قديم فقال:«وربما ذكَّر هذان البيتان
قارئهما بقول أبي تمام...»، ويشير إلى بيت لامرئ القيس
(ت 80 ق.هـ) تذكره وهو يستعرض قصيدة لفؤاد شاكر (ت
1392هـ) (36، ص23، 80).
ويجري الأنصاري موازنة بين ثلاثة من الشعراء السعوديين
مع إيراد تعليل موجز حين يقول:«ومن رأيي أن كلاً من:
علي بن محمد السنوسي، ومحمد بن عثيمين، وابن بليهد، كل
ثلاثتهم يمتحون من بئر عربية واحدة غزيرة، وقد توصلنا
الى هذه النتيجة بعد دراسة شعر هؤلاء الشعراء الثلاثة»
(36، ص67).
ويطيب للأنصاري أن يربط بين شعر محمد بن علي السنوسي
وإيليا أبي ماضي (ت 1377هـ) دون أن يقدم شواهد على
التشابه، مكتفيا بالقول: «السنوسي في بلادنا يتربع على
أريكة الخمائل التي تربع عليها من قبل في المهجر أبو
ماضي كما يبدو لي» (38، ص196).
ومن الأمور التي يستحسنها الأنصاري في الشعر: المحسنات
البديعية والتشبيهات إذا جاءت عفوية غير متكلفة، ومن
ذلك إشادته باستخدام أحمد الغزاوي (ت 1401هـ) للجناس
في مطلع احدى قصائده دون تكلف. يقول:«يبدو لي أن
الجناس الذي ورد في هذا البيت لا يخلو من انسجام
وعفوية ظاهرة» (36، ص16)، ويمتدح وصفا عفويا
فيقول:«الوصف الذي أعطاه الشاعر لليلة الزفاف لا يبدو
عليه التكلف أو التعسف» (19، ص39).
ويأخذ على ابن ظافر الأزدي السجع المتكلف ويقول عن
كتابه «بدائع البدائه»: «اعتراه بعض ما ينقد به بسببه،
فكثير من نثره سجع متكلف، غني بالمحسنات البديعية التي
زادت عن حدها»، ويحاول أن يقف على السبب، مرجعا ذلك
إلى ذوق العصر الذي عاش فيه. كما يصف تشبيها له بأنه
غير مناسب (21، ص5، 92).
وللأنصاري وقفات مع الصورة وسياقها، فلقد أخذ على حسن
القرشي وصفه اليأس بأنه أحمر، ورأى أن الأنسب وصفه
بالأصفر «كالزرع الأخضر إذا بدا يجف يستحيل لونه إلى
(الصفرة)»، مستدلا بقوله تعالى: (ثم يهيج فتراه مصفرا
ثم يجعله حطاما) (18، 859) (5).
ولم يستسغ تشبيه طاهر زمخشري السمراء بأنها صيغت من
لجين وقال:«سمراء تصاغ من لجين، واللجين إما الذهب أو
الفضة.. إنني لا استسيغ هذا التلوين!»، وعاب عليه قوله
يصف فتاة:«جذابة بأسمى المعاني»، وقال: «ينصب عدم
الإعجاب هنا على جذابة...»، فهذا أشبه بوصف قصيدة
رائعة لا فتاة جميلة» (35، ص139).
كما اهتم الأنصاري باختيار الألفاظ وصحتها وخلوها من
الابتذال، ومن ذلك أنه ابدى تحفظه على بيت للزمخشري
ومنه قوله «وسوف أعطيك مهله.» وقال:«المعنى كله عادي
وليس له أجنحة الشعر المحلّق.. بل يكاد يصبح عامياً»
(35، ص139).
ومن المقاييس التي استند اليها الأنصاري في نقده
المعيار القيمي أو الأخلاقي المتمثل في التماسه القيم
الأخلاقية في النص ومؤاخذة المبدع على بعض التجاوزات
التي يجدها، غير أن هذا الاتجاه لديه لم يفض الى غمط
الشاعر في جانبه الفني بحيث ينشغل بالمضمون عن الصياغة
والجماليات الأسلوبية.
ومما يمكن التمثيل به، كتابه عن الشاعر عبد المحسن
الكاظمي حيث حلل شعره وأشاد به وامتدح عفويته وسهولة
شعره، ثم توقف عند أبيات له ونقدها مستندا الى المعيار
الأخلاقي، لكونها تنتهك مبادئ الإسلام وأرجع السبب الى
الرغبة في التجديد بطريقة خاطئة (19، ص124).
وأخذ على القاسم بن علي بن هتيمل ظاهرة الانحلال في
شعره، مستشهدا ببعض الأمثلة، وتحفظ على مقطوعة بعنوان
«يا وغد!» لطاهر زمخشري، وأشار الى أنه من الأولى ألا
«تنشر في الديوان، لما فيها من نابي الألفاظ» (33،
ص248)، (35، ص139).
وبتأثير من النقد العربي القديم وآلياته نجد الأنصاري
مولعا بإطلاق الأحكام العامة على الشاعر وشعره، أو على
قصيدة بعينها، وهي في مجملها غير معللة، ومن ذلك قوله
عن عبيد مدني (ت 1396هـ):«في شعره طراوة وطلاوة، وهو
رصين العبارات منسجم التفكير في شعره»، وهي كلمات ليس
لها دلالة محددة، ويتوقف عند احدى قصائده فيقول
عنها:«القصيدة رائعة محبوكة الأطراف» (36، ص55).
وفي تقديمه لديوان فيض الأحاسيس نظر الى الشاعر وشعره
نظرة شمولية فقال:«شعر السيد مفرج السيد عربي الديباجة
والوزن والقافية...، ومن النوع السهل الواضح الممتع ذي
الديباجة المجددة» (39، ص9، 10).
وفي سياق تقويم شاعرية عبد المحسن الكاظمي وصفه بأنه
«شاعر بمعنى الكلمة»، وهي عبارة فيها عمومية وليست ذات
دلالة واضحة، واسترجع أبياتا شهيرة صنفت الشعراء فوضعه
مع شعراء الصنف الأول «يجري ولا يجري معه» (19، ص36،
70)، فالملاحظ أنه حكم على شاعريته بمقاييس قديمة.
ويطلق على بعض القصائد أوصافا، كأن يقول: «الأنيقة»،
أو «الرائعة» (39، ص10، 12)، أو «عصماء» (19، ص27).
هذه أبرز ملامح الخطاب النقدي عند عبد القدوس الأنصاري
التي يتضح فيها تأثره بالنقد العربي القديم. أما
استفادته من النقد الحديث فتتمثل في جوانب يسيرة لم
تتضح في نقده بوصفها منهجا أو اتجاها، وإنما هي
استفادة تشكلت بفضل قراءاته واطلاعه، منها الاهتمام
بالجانب النفسي والاستعانة ببعض المصطلحات النفسية
ممتزجة أحيانا ببعض التراكيب التراثية، ومن ذلك أنه
ألمح إلى قدرة أحمد الغزاوي على مراعاة مقتضى الحال،
مشيرا الى أهمية الجانب النفسي في هذا المقام حين
يقول:«يعرف دائما كيف يفتتح قصائده على حسب مقتضى
الحال، وبما يلائم نفسية الممدوح»، وفي تحليله لقصيدة
أحمد فتحي في مديح الملك عبد العزيز أشار الى ان
الشاعر كرر لفظة (الندى) في القصيدة، وتفسير ذلك ـ في
نظر الأنصاري ـ «ان الشاعر قصد هذا التكرار بالذات
استجابة لعقله الباطن، وتصويرا لما تعكسه نفسيته على
شاعريته حيال التعرض لغيث المليك» (36، ص20، 26).
وتنفرد دراسته وتحليله لديوان «حنانيك» لعبد العزيز
خوجة، وهي من أواخر ما كتب من نقد، بأنها لم تكن
امتدادا لنقوده السابقة للدواوين متجهة الى غاية تكاد
تكون محددة، وهي الحكم على العمل والنظر في مواطن
الجودة والرداءة، بل اتخذت اتجاها آخر يسعى الى
التفسير والتأويل، وكأنه يكتب قراءة ابداعية، ولم يكن
همه إبراز المحاسن والتنبيه على الأخطاء، وجاءت
القراءة متعمقة داخل النصوص، وكأنه يضع نصا آخر بإزاء
النص الأصلي، ففي البداية أشاد بالعنوان وحلله وامتدح
أبعاده بوصفه جزءا من بنية النص، مستندا في ذلك الى
ثقافته اللغوية العريضة، على حين لم يقف إلا لماما على
العناوين في أعماله السابقة، وواضح أن العناية
بالعنونة جاءت بتأثير النقد الحديث.
ثم تناول القصائد واحدة واحدة بالأرقام (1، 2، 3..
الخ)، مقدما لكل قصيدة بإضاءة تكشف جمالياتها، فها هو
يقول عن احدى القصائد:«قصيدة السأم هذه تعد حلقة جديدة
من حلقات القريض الحديث في بلادنا، فهي تعبر بحرارة
واتزان عن خلجات الشاعر في حالة اضطراب نفسيته
وغليانها وقلقها المستمر، إنه أصبح في نطاق حالته تلك
يرى كل الأشياء باهتة الألوان يراها فراغا وخواء
وهباء» (32، ص581).
وتوقف عند قصيدته «حنانيك» فقال عنها:«حوت القصيدة
جوانب مشرقة من الاستعطاف الجذاب في أسلوب خلاب...،
وحفلت القصيدة بتنازلات سجلها الشاعر على نفسه في
لمحات الرضا والاطمئنان الخاطفة برغم ما كان يعانيه
قبيلها من تقلبات أجواء المحبوب من صد وإعراض» (32،
ص583).
وثمة
مؤاخذات يمكن الإشارة إليها سريعا في ختام هذا البحث،
فمما يؤخذ على الأنصاري التوسع في التشجيع الذي هو من
لوازم مدرسته النقدية كما تقدم بحيث يتحول الى مجاملة،
ومن الأمثلة على ذلك إقراره تسمية الشاعر مفرج السيد
لقصيدة في خمسة وخمسين بيتا بأنها «ملحمة» حيث قال:
«هي ملحمة صغيرة في حجمها..»، ولكنها في استيعابها
لأهدافها التاريخية تعد ملحمة كبرى!» (39، ص13).
وفعل الشيء نفسه تقريبا مع طاهر زمخشري عندما قال عن
احدى قصائده:«حلَّق في هذه الملحمة.. وما يضيره أن لا
يقول غيرها، فإنها ملحمة صارخة بالقوة والوطنية.. وقد
عددت أبياتها فإذا هي مائة بيت: (35، ص138).
وواضح هنا التساهل في إطلاق المصطلح على قصيدتين لا
تستحقان اسم ملحمة، لأن الملحمة ـ كما هو معروف ـ
قصيدة قصصية طويلة موضوعها البطولة: (40، ص210)، ولو
قال: فيها نفس ملحمي لكان أقرب إلى الدقة في التعبير.
كما أننا نجد إشارة عند الأنصاري نفسه تؤكد وعيه بفن
الملحمة وتسليمه بصعوبتها وقلتها في الشعر العربي حيث
يقول:«شعر الملاحم لا يزال قليلا بالنسبة لشعر غير
الملاحم في الشعر العربي، وذلك لأن شعر الملاحم يقتضي
إحاطة شاملة بالتاريخ وقدرة عالية في الشعر العمودي»
(36، ص113)، لذلك لا أجد تفسيرا لقبوله بإطلاق (ملحمة)
على قصيدتي الشاعرين إلا المجاملة..).
وقد يكشف الأنصاري ـ يرحمه الله ـ بعض العيوب اللغوية
في سياق مهذب، وكأنه يقدم حجة للشاعر يدافع بها عن
الخطأ، وإن كانت بالطبع حجة مرجوحة واهية، ومثال ذلك
تعقيبه على البيت التالي لمفرج السيد:
خدك النادي وضافي
شعرك الداجي وفاك
ق
ال
معقبا على البيت: «ولا علينا من صيغة (وفاك)، فنحن
نعلم أن هناك من يُلزمون الأسماء الستة الألف في حالات
الرفع والنصب والجر!» (39، ص20).
وأخيرا أُجمل أهم النقاط التي توصل إليها البحث، وهي
نزوع عبد القدوس الأنصاري الى خطاب نقدي يبتعد عن
المهاترة ويحاول الالتزام بالموضوعية والنقد البناء،
واتخاذه مرجعية نقدية تراثية في المقام الأول متأثرة
بالنقد العربي القديم ومصطلحاته مع تأثر يسير ببعض
الاتجاهات النقدية السائدة في عصره، ووقوفه ضد الأشكال
الشعرية الجديدة المتمثلة في الشعر الحر مع تذبذب في
موقفه منه.
ويخلص البحث الى أن عبد القدوس الأنصاري يجمع في نقده
بين النقد الذاتي التأثري والنقد المعياري الموضوعي.
وبعد، فهذه ملامح من آراء الأنصاري في قضايا الأدب
وسمات منهجه النقدي في شقيه: النظري والتطبيقي اعتمدت
فيها على بعض مقالاته وبعض كتبه في المقام الأول،
واستعنت بمراجع متخصصة أرخت للحركة الأدبية والنقدية
في المملكة، وأرجو أن أكون وفقت في معالجة هذه
الظواهر.
الهوامش:
1-أنظر تفاصيل هذه المعركة لدى: (1، ص490)
2- وقد كشف عن اسمه المستعار أكثر من باحث. انظر (6،
ص124).
3- اقرأ نص القصة في جريدة صوت الحجاز، العدد 72،
(8/6/1352هـ)، أو في (12، ص149).
4- يقصد مدرسة المدينة النقدية التي يتزعمها الأنصاري.
5- سورة الزمر: الآية: 21.
المراجــــــــــع
1- العوين، محمد بن عبد الله. المقالة في الأدب
السعودي الحديث من سنة 1343هـ إلى سنة 1400هـ، ط2،
الرياض: دار الصميعي للنشر والتوزيع، 1426هـ/2005م.
2- المحرر (عبد القدوس الأنصاري) «بين النقد الصحيح
والتشجيع الزائف»، مجلة المنهل، س5، مج5 (المحرم
1360هـ)، ص21.
3- باحث (عبد القدوس الأنصاري) «الأمس الضائع» مجلة
المنهل، س22، مج 18 (المحرم 1377هـ)، ص63.
4- القحطاني، سلطان بن سعد. النقد الأدبي في المملكة
العربية السعودية: نشأته واتجاهاته. ط1، الطائف:
النادي الأدبي، 1424هـ/2003م.
5- الشهري، ظافر بن مشبب. النقد الانطباعي لدى النقاد
السعوديين. الرياض: جامعة الملك سعود ـ كلية الآداب ـ
قسم اللغة العربية وآدابها، 1426هـ (رسالة ماجستير).
6- القشعمي، محمد بن عبد الرزاق. الأسماء المستعارة
للكتَّاب السعوديين. ط2، الرياض: المؤلف:
1426هـ/2005م.
7- الأنصاري، عبد القدوس «الأدب الحجازي» مجلة المنهل،
س1، مج1 (صفر 1356هـ)، ص5.
8- الخضيري، صالح بن عبد الله «بواكير النقد الأدبي في
المملكة العربية السعودية» مجلة الدارة، س22، ع1،
(المحرم 1417هـ)، 143 ـ 166.
9- الأنصاري، عبد القدوس «أدب النفس وأدب الحس» مجلة
المنهل، س1 (ربيع الآخر 1356هـ)، ص1.
10- الحيدري، عبد الله. آثار حسين سرحان النثرية: جمعا
وتصنيفا ودراسة. ط1، الرياض: النادي الأدبي،
1426هـ/2005م.
11- تقي الدين، السيد. مجلة المنهل وأثرها في النهضة
السعودية من 1355 ـ 1383هـ. القاهرة: عيسى البابي
الحلبي وشركاه، 1984م.
12- المحيش، نبيل بن عبد الرحمن. عبد القدوس الأنصاري:
حياته وأدبه. ط1، الدمام: نادي المنطقة الشرقية
الأدبي، 1419هـ/1999م.
13- الأنصاري، عبد القدوس «النقد جرس»، مجلة المنهل،
س12 (جمادى الأولى 1371هـ)، ص217.
14- الشريف، فهد بن محمد. الحركة النقدية في الصحافة
السعودية من 1343 إلى 1383هـ. مكة المكرمة: جامعة أم
القرى ـ كلية اللغة العربية، 1423هـ/2002م، (رسالة
ماجستير).
15- الأنصاري، عبد القدوس «رحلة في ديوان إشراق
الغروب»، مجلة المنهل، س45، مج40 (رجب 1399هـ)، ص527.
16- عوض الله، غازي زين. الصحافة الأدبية في المملكة
العربية السعودية. ط1، جدة: مكتبة مصباح،
1409هـ/1989م.
17- الأنصاري، عبد القدوس «أدبنا في معترك الآراء»
(حوار)، مجلة المنهل، س22، مج18 (جمادى الأولى
1377هـ)، ص343.
18- المحرر (عبد القدوس الأنصاري) «ألحان منتحرة»،
مجلة المنهل، س29، مج24 (ذو الحجة 1383هـ)، ص858.
19- الأنصاري، عبد القدوس. أربعة أيام مع شاعر العرب
عبد المحسن الكاظمي. جدة: المؤلف، 1388هـ.
20- السنوسي، محمد بن علي. القلائد. القاهرة: مطابع
دار الكتاب العربي، 1380هـ.
21- الأنصاري، عبد القدوس. رحلة في كتاب من التراث.
ط1، الرياض: المكتبة الصغيرة، 1398هـ/1978م.
22- المحرر (عبد القدوس الأنصاري) «صواريخ ضد الظلم
والاستعمار»، مجلة المنهل، س22، مج18 (المحرم 1377هـ)،
ص58.
23- جامعة أم القرى بحوث المؤتمر الثاني للأدباء
السعوديين. ط1، مكة المكرمة: جامعة أم القرى،
1420هـ/2000م. انظر بحث حسن بن فهد الهويمل «مدخل إلى
دراسة الحركة النقدية في المملكة»، 2/65.
24- الحازمي، منصور إبراهيم. الوهم ومحاور الرؤيا:
دراسات في أدبنا الحديث. ط1، الرياض: دار المفردات
للنشر والتوزيع، 1421هـ/2000م.
25- الحازمي، منصور إبراهيم. سالف الأوان. الرياض:
مؤسسة اليمامة الصحفية (كتاب الرياض 71)،
1420هـ/1999م.
26- الثبيتي، قليل محمد. نقد القصة القصيرة لدى النقاد
السعوديين الرياض: جامعة الملك سعود ـ كلية الآداب ـ
قسم اللغة العربية وآدابها، 1424هـ/2003م، (رسالة
ماجستير).
27- الأنصاري، عبد القدوس «لقاء» (حوار: علي الدميني)،
مجلة قافلة الزيت (ذو الحجة 1401هـ)، ص12.
28- الخريف، عبد العزيز بن ناصر. أحمد عبد الغفور عطار
ناقدا. الرياض: كلية اللغة العربية بالرياض، 1415هـ
(بحث).
29- ابن خميس، عبد الله بن محمد. من جهاد قلم في
النقد. ط1، الرياض: مطابع الفرزدق، 1402هـ.
30- باحث (عبد القدوس الأنصاري) «البعث»، مجلة المنهل،
س13، مج9 (شعبان 1368هـ)، ص 364 ـ 367.
31- باحث (عبد القدوس الأنصاري) «فكرة»، مجلة المنهل،
س13، مج9 (المحرم 1368هـ)، ص52 ـ 54.
32- الأنصاري، عبد القدوس «رحلة في ديوان حنانيك»،
مجلة المنهل، س44، مج 39 (جمادى الآخرة ورجب 1398هـ)،
ص581.
33- الأنصاري، عبد القدوس «دراسة وتحليل لديوان القاسم
بن علي بن هتيمل»، مجلة المنهل، س27، مج25 (ربيع الآخر
1381هـ)، ص 239 ـ 249.
34- الأنصاري، عبد القدوس «تحليل شاعرية شاعر مجدِّد
(أحمد عبد الجبار)، مجلة المنهل، س22، مج18 (ذو القعدة
1377هـ)، ص17.
35- باحث (عبد القدوس الأنصاري) «أصداء الرابية» مجلة
المنهل، س22، مج18 (صفر 1377هـ)، ص139.
36- الأنصاري، عبد القدوس. الملك عبد العزيز في مرآة
الشعر. الرياض: دارة الملك عبد العزيز، 1403هـ/1983م.
37- هلال، محمد غنيمي. الأدب المقارن. ط3، القاهرة:
دار نهضة مصر للطبع والنشر، 1977م.
38- الأنصاري، عبد القدوس «أزاهير»، مجلة المنهل، س39،
مج 34 (ربيع الأول 1393هـ)، ص196.
39- السيد، مفرج. فيض الأحاسيس. ط2، الرياض: دار ثقيف
للنشر والتأليف، 1414هـ/1994م. (تقديم عبد القدوس
الأنصاري).
40- وهبة، مجدي، والمهندس، كامل. معجم المصطلحات
العربية في اللغة والأدب. بيروت: مكتبة لبنان، 1979م.