سامية في الجو مثل الفرقد
قاعدة فيه وإن لم تقعد
تكاد من تحويه إن لم
يَبْعَدِ
يغرفُ من حوض الغمام باليد! (5)
وراقبت
القبة السماوية، ورصدت المجموعة الشمسية، وأنفقت
نهاري، وكددت ذهني فلم أر شيئا غريبا، حتى حلَّ الليل
فلم يكتحل لي جفن بنوم:
أرقتُ وما هذا السهاد المؤرِّق؟
وما بي
من سُقْمٍ وما بي تعشُّق! (6)
ثم استقرت في رأسي فكرة: أن أمضي
الى الراسخين في العلم والأدب علهم يشفون غليلي،
فابتدأت بشاعر ذي صلة بعالم الطيور ومناقيرها، وشعاب
الجنون وأفانينها، وقلت له: يابن المنقار (7) هل أتاك
نبأ أهل سامراء؟
قال: وما ذاك يابن قُرَّة؟
قلت: إن الناس يزعمون أنهم رأوا
أشياء غريبة تمثلت لهم في السماء، فصارت شغلهم الشاغل،
وليلهم اللائل، وجئت أسألك، فأنت شاعرٌ جِرْمُكَ يدبُّ
على الأرض، وخيالك يحلق في الفضاء فما تقول؟
قال: ما أحمقك يابن قرة! وما أحمق
قومك! كيف لا تعرفون تلك الأجسام بل الأنسام؟! إنها
أفئدة الشعراء التي طارت وراء أطياف محبوباتهم، فتجمعت
قطعا قطعا، وتمثلت تحلق في أجوائكم، واقرأ إن شئت قول
أحدهم، وقد تبخر فؤاده وتلاشى:
طار الفؤادُ مع الخودِ التي طرقتْ
في النوم
طيَّبة الأعطاف مِبْدانا! (8)
أو اقرأ
إن شئت قول الآخر، وقد أعد العدة ليطير:
أسربَ القَطا هل مَنْ يُعيرُ جناحه
لعلي الى
من قد هويت أطير! (9)
يابن
قرة، إنها أفئدة الشعراء المحلقة التي نُظمت بسلاسل
البلور، فتراءت للناس لامعة براقة، فلا تمار فيها إلا
مراء ظاهرا، ولا تصدق الإشاعات، وصدِّق من قيدته أصفاد
الحكمة ثلاثين سنة:
واعلم يقينا أننا من أمة
تُقاد
للجنة بالسلاسل! (10)
فإن أبيت فأتِ أم الفضل فاطمة
الكاتبة (11) فعندها غربال يكشف الزيف والدجل!
قال ثابت بن قرة: فأتيت أم الفضل،
وقلت: يا خالة، قد أثنى عليك أهل العقل بجودة الخط
وحسن التدبير فما تقولين في الأطباق التي تطير (12)
وأنت أعلم سيدات الأعمال بأطباق الطبخ، وأدوات النفخ؟
وهل فقدت ذات يوم بعض أواني مطبخك، أو مواعين جيرانك؟!
قالت: يا ولدي، لا تظن تلك
الأطباق ألعابا يتلهى بها أقرانك، بل هي مِجَسَّات
للأمم تطير، ومسابير تمخر الأثير، أما أمتنا الحاضرة
التي تأكل لـَمَّاً، وتوسع بعضها ذماً، فأطباقها مثقلة
بالطعام، وأشداقها مترعة بالكلام، وصحونها تسافر فيها
العيون، وقباب قصورها كأنها النجوم:
صحونٌ تسافر فيها العيون
إذا ما تجلت لأبصارها
وقبة ملك كأن النجوم
تضيء إليها بأسرارها! (12)
فأنـَّى
تطير لهم أطباق في الفضاء، ومختبراتهم خالية من
التجارب كمطابخ البخلاء؟!
بيض المطابخ لا تشكو إماؤهم
طبخ
القدور ولا غسل المناديل!
يا ولدي، إن أردت القول الفصل فأت
أبناء موسى بن شاكر (14) فلا يُفتى في الفلك والفضاء،
وهم في المدينة المدورة (15) الغراء!
قال ثابت بن قرة: فأتيت أبناء
موسى بن شاكر، وقلت: السلام على عائلة العلماء، السلام
على أهل الحساب والفلك والميكانيكا! قالوا: حيا الله
أهل الفطنة والذكاء، وما نراك تركت المآذن والأبراج
إلا لخطب داهم، أو دمع ساجم!
قلت: هو ذاك، فقد شوشت الأطباق
الطائرة فكري، ومزقت خيالي، وصيرتني من ثابت القدم
والعلم الى مشتت الرؤى والفهم، ومن قرة العين للأمة
والأبوين الى حيرة ما أكاد أحملها أولها مزعج وآخرها!
فما قولكم يا أبناء موسى بن شاكر؟ وإني لكم لشاكر!
قال محمد الفلكي: يا عزيزي، ما
أرى هذه الأجسام الغريبة الطائرة إلا ظاهرة طبيعية
كظاهرة السراب يحدثها تأيُّن الهواء، والتماع الكهرباء
جراء توتر قشرة الأرض! واعلم يابن قرة، ان في هذا
الفضاء الكوني الفسيح آلاف الظواهر، وبلايين البلايين
من الكواكب والنجوم الدائرة المتسارعة التي لا يصطدم
أحدها بالآخر، وهي تبعد ملايين السنين الضوئية عن
أرضنا! ولكي تدرك سعة هذا الكون تصور مركبة خيالية
تسير بسرعة (186.000) ميل في الثانية، فسوف تستغرق
الرحلة (1.000.000.000) سنة! وأنت تعلم أن الكون ليس
بمتجمد، وإنما يتسع كل لحظة!
قال أحمد الميكانيكي: على الأرض
السلام! ليس الأمر تأيُّن هواء، والتماع كهرباء، بل هو
سفن فضائية تحمل مخلوقات ذكية تحاول استكشاف عالمنا
الأرضي بعدما كشفنا بعض عوالمهم، فقد اكتشفنا بوساطة
مرصد حديث أن هنالك نجما يبعد عنا نحو (20) مليون سنة
ضوئية، ويعني ذلك بالحساب: 20 مليون x 365 يوما x 24
ساعة x 60 دقيقة x 60 ثانية x سرعة الضوء (186.000)
ميل في الثانية، = 12 x 10 (13) ميل تقريبا!
قال الحسن المهندس: لا أحسب الأمر
تأيّن هواء، ولا التماع كهرباء، ولا سفن فضاء، إنما هو
تقنية متطورة من عمل بيزنطة، وتجريب للأسلحة الدقيقة
المعقدة! وآية ذلك أن تلك المراكب تشع منها الأنوار،
ويكون في مقدمتها هوائي دوار، وأنها تعطل الاتصالات
الهاتفية واللاسلكية والرادار، وتستطيع تغيير المسار،
وتختطف بعض الناس في وضح النهار!
قلت: زاد تشويش فكري، وتشعبت
مذاهبي، فكيف السبيل الى جواب حاسم قاطع؟!
قالوا: الأمر وليد الساعة، وليست
لدينا فكرة ناضجة بعد، والأمر مختلط:
ليس يُدْرى أصنع أنس لجنٍّ
سكنوه أم
صنع جن لإنس! (16)
فأت أبناء الأثير (17) فهم أدرى
بطبقات الفضاء وأثيره.
فمضيت على وجهي حتى ألفيت أبناء
الأثير، وقلت: السلام على الأوكسجين والنيتروجين
والأوزون، السلام عليكم يا أبناء الأثير، فهل أتاكم
النبأ المحير الخطير؟!
قالوا: وعلى الزيج والاسطرلاب
(18) السلام، ما وراءك يابن قرة؟
قلت: بل قولوا ما فوقك؟ فوقي صحون
متناثرة، وأطباق طائرة، ومخلوقات غريبة زائرة، وورائي
شائعات متضاربة، وعقول حائرة، وأمامي ثلاث طبقات من
سبائك الأثير، بل ثلاثة من جهابذة العلم الغزير:
المؤرخ المحقق، والمحدث الحافظ، والأديب النحرير!
قال ابن الأثير المؤرخ: قد عرف
الناس هذه الظاهرة منذ العصور الأولى حين انبعثت الشهب
والنيازك تخترق الأجواء، وتترك وراءها ذيلا منيرا، ثم
لا تلبث أن تحترق في الفضاء، فإذا سقطت على الأرض سميت
النيازك، وهي مرسلة على الشياطين لرجمهم وحرقهم عندما
يحاولون التسمع إلى الملأ الأعلى. وعرف الناس بساط
سليمان عليه السلام الذي كانت الريح تحمله، وكانت تقطع
مسيرة شهر في ساعات معدودات، وتنتقل به من مكان الى
مكان حيث أراد، ورأى الناس في الزمن الغابر التابوت
الذي حملته الملائكة بين السماء والأرض، ثم وضعته بين
يدي طالوت!
وأقول: لعل هذه الأطباق الطائرة
مراكب يصعد فيها الشياطين لينصتوا ويتسمعوا، ثم إذا
فشلت محاولاتهم غشوا الأرض ينشرون بين سكانها الرعب!
قال ثابت: فنظرت الى ابن الأثير
المحدث، وقد آثر الصمت، فلم يتكلم، فقلت في نفسي: نعم
هذا العالم الذي لا يتكلم إلا بسند متصل، ورواية
صحيحة، فلا يخوض في التخرصات كما نخوض، ولا يثبت أي
حديث إلا بالجرح والتعديل، أما نحن فنُجَرِّح ونُصرِّح
رجماً بالغيب!
قال ابن الأثير الأديب: إنما مثل
هذه الأطباق كمثل شقٍّ وسطيح (19) فقد اختلف العرب
فيهما، وأغربوا في وصفهما، فزعموا أن شقا كان نصف رجل،
وأن سطيحاً كان رجلا بلا عظام! ولست أرى هذه الأطباق
إلا مراكب متقدمة يرسلها علينا التتار وأصحاب الدولار،
يرومون بها التجسس والتلصص والتحسس، وقد شُغلنا في
تحليل آثارها، واكتناه أخبارها!
يابني، يابن قرة، هذه الظواهر
التقنية لا تُدركها أمتنا إلا إذا أخذت بالعلم
التجريبي، واعتمدت الكفاءة، وفتحت الحدود والسدود
للحرية! وما مثلنا ومثل الشعوب المتقدمة إلا كمثل
بلبلين: طليق يحكي حالهم حال أهل الاختراع العلمي،
وحبيس يحكي حالنا نحن أهل البط المشوي والنفط المغلي!
قلت: وكيف كان ذلك؟
قال:
تلاقى بروض بلبلان
فواحد
له قفص قد نيط بالفنن الأعلى
له حوله ما يشتهي من
فواكه
وحب وعيش يجمع الري والأكلا
وثان طليق باحث عن
غذائه
إذا لم يجده يغتذي الشمس والظلا
فناده ذو العيش
الرغيد ألا ابتدر
إلى قفص أُشركك في عيشتي المثلى
إلام طواف مزمن وتشرد
ولما تذق أمنا نهارا ولا ليلا
وأرقدُ ملء العين لم
أخش صائدا
ولا أخشى نسرا ولا أتقي نصلا
أقضِّي نهاري بين رقص
الى غنا
كأن الغنا والرقص لي أصبحا شغلا
هلم لحلو العيش قال
رفيقه:
صدقت، ولكن طعم حريتي أحلى! (20)
1- ثابت بن قرة: عالم في الفلك
والرياضيات، ولد بحران، موطن الصابئة (عبدة الكواكب)،
يجيد السريانية واليونانية والعبرية، اتصل بالخليفة
العباسي المعتضد فارتفع شأنه، وكان ثابت صابئا، ولم
يكن مسلما. من أعماله انه اهتدى الى مبادئ الهندسة
التحليلية، ووضع جدولا فلكيا بين فيه ما استنتجه عن
حركة الشمس، ومقدار السنة الشمسية، وقد جاء تقديره
دقيقا عن التقدير المتعارف عليه حاليا بنصف ثانية. من
كتبه: حساب الأهلة، والأعداد، وشكل القطاع. ت 288هـ.
2- سامراء: أو «سُرُّ مَنْ رأى»:
مدينة على دجلة، بناها المعتصم (ت 227هـ)، وبنى مسجدا
جامعا واشتق من دجلة قناتين تدخلان الجامع، وتتخللان
شوارع سامراء، وبها قبر الإمام علي الهادي وابنه
الحسن، وقبور الخلفاء: الواثق والمتوكل وابنه المنتصر
وأخيه المعتز والمهتدي والمعتمد بن المتوكل.
3- هوجاء: الريح الشديدة الهبوب،
والجمع هوج. تعاورت: تناوبت. الجهام: السحاب لا ماء
فيه. الرهام: الأمطار الضعيفة. برق الخُلب: وبرق خُلب،
بالإضافة، وبرقٌ خُلبَّ بالصفة، وهو الذي ليس فيه مطر.
راعتهم: أفزعتهم.
4- مئذنة الملوية: منارة شامخة
واسعة في مدينة سامراء، تعد من عجائب الدنيا.
5- البيشان لابن ولاد المصري
(محمد بن الوليد، نحوي من أهل مصر، ت298هـ/910م).
6- البيت للأعشى. (ميمون بن قيس
صناجة العرب، شاعر جاهلي، ت 7هـ/629م).
7- ابن المنقار: أحمد بن محمد، من
شعراء المجانين، أصله من حلب، صنف في «الاستعارة
وتحقيق الحقيقة والمجاز» قبل أن يبلغ العشرين من عمره.
رحلَ الى الاستانة فاختلط بظرفائها، واستعمل المُكيفات
فأصيب بعقله، فحُمل الى دمشق مطوقا بالحديد، وأقام على
حاله نحو ثلاثين سنة. ت 1032هـ/1623م.
8- البيت للشاعر الأموي جرير بن
عطية (ت 110هـ). الخود: المرأة الشابة. الأعطاف:
الجوانب.
9- البيت للعباس بن الأحنف (شاعر
غزل رقيق ت 192هـ)، وهو من شواهد النحو.
10- البيت لابن المنقار قاله لما
زاره البوريني (المؤرخ الأديب) وكان مقيدا بسلسلة.
11- فاطمة الكاتبة: أم الفضل،
امرأة فاضلة اشتهرت بجودة الخط على طريقة ابن البواب،
ويضرب المثل بكتابتها، وكان أبوها عطارا من أهل بغداد.
ت 480هـ.
12- الأطباق الطائرة: عرفت في
الثلاثينيات من القرن العشرين، وهبط أول صحن طائر في
المانيا، فأثار ذعرا شديدا بين السكان، ثم تتابع
هبوطها في عدة أماكن كالبرازيل واليابان وامريكا
والكويت، ولا يزال العلماء حائرين في أمرها.
13- البيت لعلي بن الجهم (ت
249هـ) في القصر الذي بناه المتوكل في سامراء، وسماه
الجعفري.
14- بنو موسى بن شاكر: ثلاثة اخوة
اشتهروا بالعلم، وكانوا أثرياء، ونافسوا الخلفاء في
اقتناء الكتب. أبوهم موسى: عالم في الفلك والهندسة،
حظي بصحبة الرشيد. والاخوة هم: محمد برع في الفلك
والهندسة (ت 259هـ)، وأحمد برع في علم الحيل
(الميكانيكا)، والحسن انفرد بالهندسة.
15- المدينة المدورة: هي بغداد،
لأن أبا جعفر المنصور (ت 158هـ) جعل بناءها على شكل
دائرة.
16- البيت للبحتري (الوليد بن
عبادة ت 284هـ) من سينيته في وصف إيوان كسرى.
17- ابناء الأثير: ثلاثة اخوة هم:
1 ـ ابن الأثير المؤرخ: أبو
الحسن، علي بن محمد، من العلماء بالنسب والأدب، كان
منزله مجمع الفضلاء والأدباء. من كتبه: الكامل، وأسد
الغابة في معرفة الصحابة. ت 630هـ.
2 ـ ابن الأثير المحدث: أبو
السعادات، المبارك بن محمد، محدث لغوي أصولي، قيل: إن
تصانيفه كلها ألفها في مرضه املاء، ومنها النهاية في
غريب الحديث، وجامع الأصول. ت 606هـ.
3 ـ ابن الأثير الكاتب: أبو
الفتح، نصر الله بن محمد، وزير من العلماء الكتاب
المترسلين، اتصل بخدمة صلاح الدين الأيوبي، وولي
الوزارة للملك الأفضل. كان قوي الحافظة، يحفظ شعر أبي
تمام والبحتري والمتنبي. من كتبه: المثل السائر. ت
637هـ.
18- الزيج: تقويم فلكي عربي،
ويسمى بالفارسية «زيك». الاسطرلاب: آلة حسابية يعرف
بها الوقت، وتستعمل لمعرفة الأجرام السماوية.
19- شق وسطيح: كاهنان من أهل
اليمن قيل: كان شق نصف رجل، وكان سطيح رجلا بلا عظام،
يدرج كما يدرج الثوب، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له
رأس ولا عنق!
20- الأبيات للشاعر أحمد الصافي
النجفي (شاعر عراقي معاصر، ترجم رباعيات عمر الخيام).