إن لغة الحوار بين أية حضارة من الحضارات التي تعقد
بينهم من وقت لآخر يشوبها عدة حقائق تغيب عن أذهان
الكثير منا أشير اليها في التالي:
●
إن الغرب استمد من حضارة الإسلام مصطلح لغة حوار
الحضارات، واستخدمها في مطلع التسعينيات من القرن
الماضي، حيث ركز عبر آليات اعلامه المتباينة الى
ذيعها، وبشكل متزايد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي
السابق لكون الأخير كان يمثل أكبر عدو له. ولذلك، أصبح
الاسلام العدو البديل عنه، والخطر القادم اليه على
مطامعه في الشرق. وهذا نتيجة تجاهله بحضارته، وعدالته،
ومساواته بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى.
●
إن الدافع في لجوء الغرب الى استعمال مصطلح لغة الحوار
مع المسلمين يعود الى اخفاقه الذريع في تساقط تداعياته
في جعل حضارته حضارة عالمية، واخفاقه ايضا في تحول
صراعه الداخلي لحضارته بينه وبين سائر الدول الغربية
الأخرى التي انتهجت مسلك النهوض، والوعي، والتماسك
بأصولها التي كانت تعرف بنماذج أصوليات الحضارات.
●
إن
المرتكز الجوهري من استنفار الغرب من الاسلام في لغة
حوار الحضارات يرجع الى ذيوع الأخير بينهم، واعتناق
الكثير منهم له، والى اعترافه بالأديان الإلهية
السابقة، والى كونه ايضا السباق عنه في الدعوة الى
الحوار منذ أكثر من أربعة عشر قرنا تصديقا لقوله عز
وجل (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا
وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ
بعضنا بعضا اربابا من دون الله) سورة آل عمران، آية
14.
●
إن مقاصد الغرب من لغة حوار الحضارات مع المسلمين ليس
الجدال والتفاهم، بل التخلي عن بعض مرتكزات دينهم
كتساوي المرأة مع الرجل في الميراث، والسماح للمسلمة
بالزواج من غير ملتها، وبإجهاضها، وبالغاء الختان،
وبمنع تعدد الزوجات. وهذا بزعم إنصاف المرأة في ضوء
حقوق الإنسان، ومن ثم تكون مقاصده إذن من لغة هذا
الحوار هو القضاء التام على عقيدة وحضارة المسلمين.
●
عدم تطرق الغرب لحقيقة الهوية الثقافية التي سوف تحدد
المنازعات في المستقبل، والتي تفصل بين الحضارات
الواحدة عن الأخرى. ويرجع ذلك الى تمايز الحضارات
الوافدة عن الأخرى في التاريخ، واللغة، والثقافة،
والتقاليد، والدين.
●
عدم تدارك الغرب حقيقة لغة حوار الحضارات ذات الكيانات
الثقافية المتعددة التي تصعد وتنهار حيث حدد ارنولد
توينبي في دراسة للتاريخ احدى وعشرين حضارة وبالتالي،
لا يوجد في العالم المعاصر إلا ست حضارات.
نخلص من كل ما بحث آنفا الى ان
الحقائق الغائبة في لغة حوار الحضارات المتقدمة الذكر
هي حقائق واقعية ينبغي التنبه اليها، وتفهمها جيدا
لكونها جزء لا يتجزأ من لغة حوار الأديان.
لذا، نأمل من الغرب الذي يتبنى
لغة حوار الحضارات مع المسلمين، ومن الأمم المتحدة،
ومن أي منتدى مستقبلي يعقد بينهم، ومن علمائنا الأفاضل
أن يتداركوا الحقائق المشار اليها بحكمة وروية، وان
يعملوا على معالجتها. ومن ثم ينبغي على المسلمين ان
يتداركوا ما سبق فحصه، وأن يتمسكوا بإسلامهم، ويحافظوا
على هويتهم الدينية من ذوبانها، ويوحدوا صفوفهم
ليخنقوا عنصرية هؤلاء الصليبيين لهم.
جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل
للصحافة والنشر المحدودة
تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد
أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو
مكانة الكاتب