أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

متابعات واخبار
بالعربي الفصيح
شعر
دراسات قرآنية
فى الحياة والاخياء
دراسات أدبية
حقائق واكاذيب
تواقيع
اخلاقيات
سلوكيات
اعلام خالدة
شعر
رمضانيات
شعر
الحديث ذو شجون
فى ذكراه ال 27
احماض ادبية
الغذاء والدواء
تعالوا الي كلمة سواء
ماسية المنهل
شقائق الرجال
خطرات فكر
مسك الختام
 

 

شقائق الرجال

د. أحمد عبد القادر المهندس

جامعة الملك سعود - الرياض

ترتبط صورة الاختراع والابتكار دائماً بالرجل، ولا يدور بخلد أو فكر كثير من الناس أن المرأة يمكن أن تكون مبتكرة ومخترعة. ولعل هذه الصورة النمطية التقليدية جعلت كثيراً من الناس وعلى مدى الأجيال الماضية يعتقدون أن الاختراع هو مهمة الرجل دائماً، وليس للمرأة دور في ذلك.

ولكن هل الاختراع مقصور على الرجل فقط؟ وما دور المرأة في الاختراع والابتكار؟

يجيب على هذين السؤالين وغيرهما كتاب صدر للدكتور فرج موسى رئيس الاتحاد الدولي لجمعيات المخترعين بسويسرا وترجمته الدكتورة جواهر محمد الدبوس من جامعة الكويت.

المرأة المخترعة:

لقد صدر هذا الكتاب في عام 1995م بعنوان «نساء مخترعات»، حيث سجل فيه الدكتور فرج موسى 42 امرأة مخترعة. والمؤلف يعيش في مدينة جنيف بسويسرا رئيسا للاتحاد الدولي لجمعيات المخترعين. أما الكتاب المترجم فقد صدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في سلسلة الكتب المترجمة.

ويتحدث المؤلف عن ظروف تأليفه لهذا الكتاب فيقول: ظللت أعمل طويلا في مجال براءات الاختراع، قبل أن يخطر لي ذات يوم، في عام 1983م، السؤال: لماذا لم نسمع أبدا عن مُخْتَرِعات؟ ويجيب المؤلف على هذا السؤال بقوله: «ولدهشتي اكتشفت، بعد كثير من عمليات البحث والمقابلات، أن هناك عشرات المخْتَرِعات، وفي كل مجال، من التكنولوجيا الرفيعة الى الأدوات البسيطة مثل: الكمبيوتر المصمم للأطفال المعوقين، سلالة جديدة من الماشية، مقعد يتحرك بالصوت، مطحنة أرز سهلة الحمل، مفاتيح الأمان، منتجات طبية من الأعشاب، مضادات حيوية، أدوية تجميل...الخ».

ومن بين المخترعات اللاتي قابلهن المؤلف/ السيدة جوليا تيزورو، الايطالية الأصل، التي قدمت أكثر من مائة اختراع في مجال صناعة النسيج. ويتضمن الكتاب انجازات واختراعات 42 مخترعة من الفتيات والشابات من النساء،كما يضم الكتاب بعض الأحاديث واللقاءات والحوارات التي أجراها المؤلف مع العديد من المخترعات اللاتي يمثلن 42 دولة في العالم.

ويسلط كتاب «نساء مخترعات» الضوء على انجازات المرأة في مجال علوم الكمبيوتر، والطب، والبيئة، والاجهزة الدقيقة وغير ذلك.

أما في مجال المرأة التي حصلت على جائزة نوبل، وكانت مخترعة أيضا فهي الأمريكية «روزالين يالو» التي نالتها في الطب عام 1977م، وذكر المؤلف أنه من بين حوالي 370 شخصا حصلوا على جائزة نوبل في العلوم، فإن نسبة النساء الحاصلات على جائزة نوبل تصل الى حوالي 3% فقط.

ويتحدث المؤلف عن بعض الفتيات المراهقات المبدعات، أصغرهن فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الاعوام السبعة، اسمها (سوزان جودت)، وقد اخترعت هذه الفتاة اختراعا طريفا، عبارة عن (ملعقة طعام) جديدة للحيوانات الأليفة، والملعقة من ابتكار وتصميم هذه الفتاة، ويمكن استخدامها للحيوانات الأليفة وخاصة الكلاب والقطط، ويمكن أن تأكل هذه الحيوانات الملعقة بعد اطعامها بها، وتتكون الملعقة من عجين بسكويت، مضافا اليها فحم نباتي للتخلص من الروائح المزعجة التي تصدر من تنفس الحيوانات، بالاضافة الى خميرة البيرة لطرد البراغيث، وثوم لفتح الشهية وطرد المواد الطفيلية.

كما يتحدث المؤلف في كتابه عن أصغر فتاة تبتكر وسيلة تمكن الناس من القراءة والكتابة في الظلام، حيث حصلت على براءة الاختراع، والمخترعة امريكية من مواليد 1961م، وكان عمر هذه الفتاة واسمها (بيكي شرودير) عشر سنوات أثناء انجازها للابتكار. والابتكار عبارة عن ورقة ضوئية يمكن وضعها تحت الأوراق العادية. وقد استطاعت هذه الفتاة الصغيرة أن تسجل خمس براءات اختراع أخرى، وجميعها تعديل لاختراعها الأساسي، أي (ورقة المساندة التي تتوهج في الظلام).

ويضم الكتاب انجازات لمخترعات من 24 دولة، وتتوزع المخترعات على الدول بالشكل التالي: 32 مخترعة من الدول المتقدمة، و10 مخترعات من الدول النامية، وحسب المناطق فهناك 22 مخترعة من دول اوروبا و10 مخترعات من دول آسيا، و7 مخترعات من دول أمريكا الشمالية، ومخترعتان من افريقيا، ومخترعة واحدة من استراليا.

البيئة والاختراع:

ويبرز في الكتاب دور الأسرة والبيئة الاجتماعية في تشجيع الاختراع والابداع، وتحفيز المرأة للأعمال المبدعة، ويذكر المؤلف ان للزوج والوالد والأم أدوار مهمة في تكوين المخترعين والمخترعات، بالاضافة الى المثابرة على الاطلاع والقراءة.

وقد كان للزوج أثر كبير على 13 مخترعة في الكتاب، يليه تأثير الوالد على 7 مخترعات، ثم تأثير الوالدة على 5 مخترعات.

ويبرز المؤلف كيفية تشجيع الإبداع العلمي والاختراع لدى الشباب والشابات بعيدا عن النظام الدراسي المعتاد، ويتم ذلك من خلال الأندية العلمية، التي تفتح أبوابها للشباب في كثير من دول العالم، ويقدم المؤلف تجارب فعلية في اليابان والولايات المتحدة الامريكية وهولندا وفنلندا والسويد ودولة الكويت (النادي العلمي الكويتي).

ويركز المؤلف على دور العلم والتعليم، حيث يقول: «انه ليس المهم أن نعلم، ولكن كيف نعلم، حيث إن التعليم يجب أن يقوم على كيفية اكتشاف المعرفة، والاتجاهات النقدية، أكثر من الامتصاص السلبي للمعرفة، وهذه القاعدة يجب تطبيقها على جميع التخصصات».

وقبل أن اختم هذا المقال ينبغي أن أذكر أن هناك حوالي ثلاثين اسما مسجلا في قائمة المخترعات السعوديات (30 مخترعة) في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، حصلت بعضهن على براءات اختراع.

ومن الأسماء المتميزة في قائمة المخترعات:

الدكتورة انتصار السحيباني من كلية العلوم بجامعة الملك سعود، والدكتورة أحلام العوضي، والدكتورة ايمان الدقس، والاستاذة ريم خوجة، والاستاذة الهنوف العبد القادر، وغيرهن. وهناك الطفلة المخترعة رادا الخليفي، وأسرة المخترع خالد الرشيد من زوجة وأبناء وبنات.

آمل ان يكون لجمعية المخترعين السعوديين (تحت التأسيس) دور في ابراز جهود المرأة المخترعة.

كلمة أخيرة:

ان اعظم ثروة لدى أي أمة من الأمم هي ما تملكه من ثروة بشرية. فالبشر هم أعظم استثمار، وهم أعظم الطاقات الخلاقة، فإذا اهدرت نصف هذه الثروة فلا شك ان المجتمع يمكن أن يفقد الكثير من مصادر تطوره ونموه.

ولا شك أن كتاب «نساء مخترعات» للدكتور فرج موسى الذي ترجمته الدكتورة جواهر الدبوس يثبت بالأرقام والصور والوقائع أن المرأة ليست بأقل من الرجل في القدرة على الاختراع، بل هي قادرة إذا اتيحت لها الفرصة أن تسهم في كافة المجالات العلمية والأدبية والتقنية وبما يتناسب مع طبيعتها ودورها في الحياة وفي المجتمع من اجل عالم أروع، ومستقبل أفضل.. يتجه نحو مجتمع مبدع.

 

أ.د. محمد عبد الحكم عبد الباقي

ـ مصر ـ

شهد تراثنا العربي منذ العصر الجاهلي ومرورا بالعصور التالية، ألوانا شتى من القصص والحكايات، تمثلت في أنواع من القصص الأسطوري والشعبي والديني والوجداني والفلسفي والتاريخي (1)، بعضها أفرزته طبيعة المجتمع العربي، والبعض الآخر جاء في صورة مترجمة عن الآداب الأخرى، ولكن سرعان ما صبغه مبدعونا العرب صبغة جديدة، وزادوا عليها وصاغوه صياغة مختلفة، في حين بقي بعضها الآخر مجسدا لطبيعة فكر تجاوز أصحابه حدودهم الاقليمية ليصبح أدبا إنسانيا عاما.

والمرأة خلال هذا النتاج الأدبي العريض، لم يكن لها دور المشاركة في طبيعة الأحداث المروية، وإذا كان ثمة ظهور لها على ساحة الإبداع في ألف ليلة وليلة وغيرها، فإن وجودها لم يكن سوى صورة خيالية، لا تعبر عن الواقع أو الحقيقة، لأن المرأة العربية وإن أحصى المبدعون لها شعرا ومواقف ودروسا علمية، فإن هذا كله يعد ـ في رأيي ـ من قبيل التزيد لأن دورها ظل منحسرا ولم يكن بالدور الكبير الذي يشاد به، وما نسمع من قصص وجدانية دارت بين امرئ القيس وصويحباته، وكذا ما نظمه بشار في قصائده الغزلية كان ذلك كله بمثابة المعادل الموضوعي لشاعرين أحدهما عانى من ضعفه الحسي والجنسي والآخر عانى من فقدان بصره منذ الصغر، وعليه بقيت المرأة العربية قديما في خدرها مفتقدة لدور المشاركة الفاعلة التي تؤهلها لتكون بشرا عاديا يمارس طقوس الحياة بجانب الرجل دونما قيود او عقبات تفرضها طبيعة التقاليد الاجتماعية، ومن ثم غدت في مكانة مقدسة محفوفة بهالة من السرية والتعتيم تطلع إليها قلوب العباد من الرجال الذين راحوا يتخيلونها في لوحاتهم الشعرية والنثرية.

وهكذا بقيت صورة المرأة العربية محجوبة حتى العصر الحديث، سواء أكانت مبدعة للحدث القصصي أم لكونها شخصية من شخصيات العمل القصصي، الأمر الذي جعل ميلاد القصة العربية في اطارها الفني والواقعي مرتبطا بالحركات الاصلاحية التي شهدتها البيئة العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة والتي كان من ثمارها المؤلفات التي نادت بالمرأة الجديدة، وتحرير المرأة والدعوة الى تعليمها وتثقيفها (2).

والواقع ان هذه الدعوات الثائرة على جمود التقاليد العربية حينذاك جاءت في اطار صور ابداعية متنوعة أخذ بعضها شكل المقالة وأخذ بعضها الآخر شكل المقامة والصورة الوصفية والخاطرة كما أخذ بعضها شكل القصة القصيرة والرواية والمسرحية، وهي ابداعات كان أغلبها من تأليف العنصر الذكوري الذي حاور الآخر وتفاعل معه في إطار البعثات التعليمية والرحلات الترفيهية التي تهيأت له.

ولم تقف المرأة العربية في ظل هذا التكون الاجتماعي والفكري مغلولة الأيدي للتعبير عن نفسها ومشاعرها ومشكلاتها، حيث برزت على ساحة المجتمع العربي لبيبة هاشم اللبنانية الأصل (3)، التي اهتمت ببعض قصصها القصيرة في المجلة التي قامت برئاستها وهي مجلة (فتاة الشرق) وكان قد سبق لها النشر أيضا في مجلة (الضياء)، حيث نشرت قصتها (حسنات الحب)، وقلب الرجل، وشيرين، وجزاء الإحسان..الخ.

ثم أخذ ابداع المرأة العربية للقصة القصيرة يتنامى في مصر وفي كافة الأقطار العربية، حيث ظهرت أصوات عديدة منها: وفية خيري، ورضوى عاشور، واعتدال عثمان، وملك عبد العزيز من مصر، وسامية عطعوط من الأردن، وابتسام المعلا وسارة الخليل ومريم جمعة وسلمى مطر من الإمارات، ونورة آل سعد وحصة الجابر وأم أكثم ومريم الخليفي من قطر، وليلى العثمان من الكويت، ورجاء العالم من المملكة العربية السعودية، وفوزية رشيد من البحرين، وديزة الأمير وعفاف عبد الله من العراق، ولبانة بدر من فلسطين، وخناثة بنوتة من المغرب، ونادرة العويثي من ليبيا، وزهور ونيس من الجزائر، واعتدال رافع من سورية، وتافلة ذهب من تونس، وزينب الكردي من السودان، وغيرهن.

وامتدت دائرة الابداع القصصي للمرأة العربية لتشمل اصواتا كثيرة، جسدت قضايا الذات «الأنثى»، وعلاقتها بالواقع المعيش ومنها قضايا الزواج والطلاق وتعدد الزواج والعنوسة، وكذا قضايا تتصل بالواقع السياسي والفكري والإنساني، أما طرق العرض الفني، فقد تنوعت أيضا مثلما تنوعت المضامين والأفكار، فالتزم بعضها طريقة «الأنا» المتكلم فتعددت بذلك صور البوح الذاتي والانخراط في دائرية الذاتية، كما التزم البعض الآخر طريقة «الراوي الغائب» مع الاهتمام بالتنويع الداخلي للضمائر.

ويستطيع القارئ لهذه الابداعات القصصية التي نشرتها المرأة العربية أن يقف على جملة من الملاحظات منها:

أولاً: توجيه الإبداع في مرحلة البدايات ولفترة زمنية طويلة الى شكل القصة القصيرة أكثر من توجيهه الى الشكل الروائي، وهي ملاحظة يستطيع الباحث ان يكتشفها وهو يتابع هذا المجال الخصب لابداع المرأة العربية، ويمكننا ان نعزو سبب ذلك الى أن وعي الذات «الأنثى» بمشكلاتها وصراعها المرير مع الواقع في ظل سطوة التقاليد التي حرمتها الكثير من حقوقها، استوجب هذا الشكل الفني المتسم بالتركيز والتكثيف وبمبدأ الوحدة، أي وحدة الفكر، ووحدة الأثر أو الطابع (4)، وهو ما يفتقده البناء الروائي، الذي يتطلب تخطيطا ويحتاج الى بنية زمانية ومكانية ممتدة عبر مجموعة من الأحداث المتعاقبة التي تشتمل على عدة أفكار وليست فكرة واحدة.

ولا يعني هذا إن الذات «الأنثى» عزفت عن ابداع الرواية الفنية، وانما جاء الوعي بالتعامل مع هذا الشكل في مرحلة متأخرة كانت الأنثى العربية قد حققت جزءا كبيرا من حقوقها، وفرضت ذاتها وأخذت مكانتها في المجتمع كشريك للرجل في كل شيء، ومن ثم تسمى هذه المرحلة الجديدة من الوعي بمرحلة الهدوء النفسي الذي أتاح لها التخطيط لبناء معماري جديد يشكل تطورا في تجربتها الابداعية.

إن محاولات شعاع خليفة ودلال خليفة (5)، في مجال الأدب الروائي الحديث جاءت تالية لنشاط كبير في مجال القصة القصيرة، لعبت الأنثى المبدعة خلالها دورا مهما في مجال التأصيل لهذا الفن في قطر، وأعني أم أكثم ونورة آل سعد وكلثم جبر ومريم الخليفي ووداد عبد اللطيف الكواري وزهرة المالكي وحصة الجابر وغيرهن، وكذلك الحال في مصر والكويت والإمارات ولبنان وغيرها.

ثانيا: دوران النتاج القصصي الذاتي «الأنثى»، خاصة في مرحلة البدايات حول مشكلات الذات، ولذا غلب على هذه البدايات القصصية أسلوب البوح الذاتي، وانحصرت في عدة موضوعات تتصل بصراعاتها الخارجية منها موضوع الزواج والطلاق والعنوسة والمكاشفة بالحب والأمومة، وبتنا أمام صور قصصية أغلبها استغاثات فتاة او امرأة من قسوة الواقع الذكوري الذي فرض نفسه على ساحة المجتمع، وأخذ ينظر للمرأة على أنها مخلوق من الدرجة الثانية، ومن ثم فلا حق لها في اختيار من تحب ولا رأي لها في أي مشكلة اجتماعية أيا كان حجمها ونوعها. فالدارس لقصص الكاتبات العربيات يلاحظ تركيز النتاج الإبداعي لهن حول «الأنا»، ولعل قراءة لقصص ملك عبد العزيز، ومريم جمعة وكلثم جبر وأم كلثم وحصة الجابر وليلى العثمان وغيرهن، توقفنا على هذه الحقيقة المهمة، بل من يتأمل قصص الكاتبة صاحبة النتاج القصصي الوفير خناثة بنوتة التي تعد علامة بارزة في تاريخ القصة القصيرة في المغرب العربي بتأليفها لعدة مجموعات قصصية منها (ليسقط الصمت 1967، والنار والاختيار 1970، والصورة والصوت 1975)، يجد نفسه إزاء قصص يغلب عليها هيمنة الذات المؤلفة على شخوص قصصها فتحيلهم الى هياكل فارغة من كل حب وفكر وشعور وحياة، وهي في اهتمامها المتزايد بقضاياها الخاصة امرأة وكاتبة ومثقفة وبرجوازية تغفل كل شيء خارج ذاتها، حتى وان التقطت الصورة أو الشخصية من الوجود الخارجي، فإنها لا تقدمها إلا من زاويتها هي الخاصة جدا جدا، وإن علا نشيجها بالكلمات الثورية الرنانة، فإن ذلك ليس دلالة على إيمان عميق بالقضية المطروحة، أو استيعاب واعٍ لجزئياتها جميعا، وإنما هي فقط اثبات لوجودها واسكات للأصوات الأخرى (6).

ومن يقرأ مجموعة التساؤلات التي طرحتها «سيمون دي بوفوار: SIMON DE BAUVOIR في كتابها (الجنس الثاني) The Second Sex 1949م، يجد تبريرا من وجهة نظرها لطغيان ذاتيتها، حيث تلاحظ ان المرأة عندما تتكلم تقول أنا امرأة محاولة تعريف نفسها وليس هناك رجل يفعل ذلك، وتروح الكاتبة الى مكاشفة المتلقي بأن حقيقة اللاتماثل بين الذكر والأنثى برزت على دعوات رجال الفكر والدين من المشرعين والقساوسة والفلاسفة والمبدعين بأن دونية المرأة مرغوب في السماء ومفيد في الأرض، وتدعم الكاتبة محاجتها قائلة: إن الرجال المتعاطفين يستقبلون الفكرة المجردة عن المساواة بين الرجل والمرأة بمعسول الكلام ولكنهم عادة يقاومون المطالب الفعلية بهذه المساواة، وليس سوى النساء وحدهن من يستطعن دعم الإمكانات الوجودية الحقيقية للنزعة النسائية (7).

ومن ثم أصبح الطابع الرومانسي هو المسيطر على هذا النتاج الإبداعي لغة وأسلوبا وصورا وافكارا ونهايات، وغدت هذه الصورة مجسدة بصور الضياع والفقد والحرمان والعذابات والموت، ودخلت شخوص هذه القصص في صراعات نفسية متأزمة فرضتها طبيعة الصراع مع الواقع الخارجي وعدم القدرة على المواجهة الفعلية، فلاذت معظمها الى الهروب والاغتراب والعودة الى الماضي، حيث الطفولة البريئة، وعدم الوعي الكامل بالمكان والزمان.

وأخذت لحظات التحول من الرومانسية الى الواقعية والرمزية ومن الذاتية الى الموضوعية، تترك آثارها على النتاج الإبداعي للذات الأنثى التي راحت تصور قضايا تتجاوز فيها حدود الذات، تحررت خلالها من طريقة الروائي بضمير المتكلم ومن أسلوب البوح لتقدم لقطات مكثفة مفعمة بالرموز والدلالات، ويغلفها الغموض وعمق الرؤية وترمي بها الى تجسيد قضايا السياسة والفكر والاقتصاد.. الخ.

ثالثا: تقوقع هذه البدايات الإبداعية للأدب القصصي النسائي في اطار الطريقة الإنشائية المشحونة بالأساليب البلاغية يحدوها شغف كبير بالمثالية والفردية والرؤية الجزئية وتأتي أحداثها مصورة من خلال حدقة خاصة تقوم على الانتقاد وتعكس الوعي المتورم بالذات (8)، فهي بدايات تعنى بالكيف لا بالنوع، ومن ثم لجأت هذه الإبداعات الى المعالجة الساذجة التي تهتم بأساليب السرد البسيطة، وفي ضوء ذلك غاب الحدث القصصي أو كاد يغيب، كما انتاب الحدث بعض الثبات والسكون نتيجة ثبات الشخصية الساردة، وعدم لجوء الكاتبات الى اضفاء نوع من الحركة الناتجة عن تنوع الضمائر والتحول بالصراع الى الخارج، فتلتحم الشخصيات بعضها البعض، وتأخذ قدرا من الحرية تجعلها تتحرك دون أن تمتد اليها يد الراوي المؤلف، فتحيلها الى مجموعة من الدمى الثابتة، ومن هنا اصبح من المتعارف عليه ان الحادثة إذا لم تتفاعل مع الشخصية ومع الحوار ومع اللغة في بناء محكم ثابت فإنها لا تحقق هذا الأثر الواحد ولا تلك الفكرة المعينة (9).

وبناء على ذلك فقد أجادت الكاتبة العربية في معظم النماذج القصصية في تصوير الأنثى المهمشة سواء في الواقع المعيش أو داخل الإطار المثيولوجي، وذلك من خلال اتخاذها وسيلة لصياغة الخوف من العنف الذكوري والشعور بالضياع نتيجة للفشل في هذا الصراع، والاحساس بالقلق نتيجة للغربة والانعزالية، نخلص من ذلك الى أن ابداع المرأة العربية في مجال القصة القصيرة ابداع ثري يقدم العديد من الرؤى نظرا لتنوعه الشكلي والمضموني ويتطلب قراءات نقدية تفض الكثير من مغاليقه.

المصادر والمراجع:

1- راجع قصص الأمثال في كتاب مجمع الأمثال للميداني + كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري + المحاسن والمساوئ للبيهقي وقصص العشاق النثرية للدكتور عبد الحميد ابراهيم + مقامات الحريري والهمزاني والجاحظ + رسالة الغفران للمعري + رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي + رسالة حي بن يقظان لابن طفيل + رسالة الطير للغزالي وحكايات ألف ليلة وليلة والسير الشعبية وكليلة ودمنة الخ.

2- راجع قاسم أمين في كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة + رفاعة رافع الطهطاوي المرشد الأمين في تربية البنات والبنين وقد نشر في 1873م وأعيد نشره ضمن الأعمال الكاملة + مقالات نشرها الشيخ محمد عبده وباحثة البادية وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم في صحف متعددة.

3- ولدت لبيبة هاشم 1880، وتوفيت 1947م، نزحت من لبنان الى مصر، وأقامت فيها فترة طويلة، ثم سافرت الى سورية 1919، وعملت بالتفتيش في مدارس البنات، ثم هاجرت الى تشيلي بأمريكا الجنوبية سنة 1921، ومكثت ثلاث سنوات ثم عادت بعد ذلك الى مصر 1924، لتتابع اصدار مجلة فتاة الشرق للمزيد، انظر ـ عباس خضر ـ القصة القصيرة في مصر ص38 + د. عبد المحسن طه بدر، تطور الرواية العربية الحديثة في مصر ص155 + د. سيد حامد النساج، تطور فن القصة القصيرة في مصر.

4- يرى هيدسون أن وحدة الأثر تشكل قانونا أو معيارا نقيس به فنية القصة القصيرة للمزيد انظر An Introduction to the Studyof Literature p. 452

5- كتبت شعاع خليفة أحلام البحر القديمة، والعبور إلى الحقيقة، وفي انتظار الصافرة.. وكتبت دلال خليفة أسطورة الإنسان والبحيرة، وأشجار البراري البعيدة وغيرها.

6- راجع كتابي القصة القصيرة في قطر ـ مكتبة الآداب 1995 الطبعة الثانية.

7- د. سيد حامد النساج ـ الأدب العربي المعاصر في المغرب الأقصى ص393.

8- للمزيد انظر رامان سلدن ـ النظرية الأدبية المعاصرة ـ ترجمة د. جابر عصفور ص210: 215.

9- د. سيد حامد النساج ـ الأدب العربي المعاصر في المغرب الأقصى ص399 بتصرف.

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب