|
أ.د. محمد عبد الحكم عبد الباقي
ـ مصر ـ
شهد
تراثنا العربي منذ العصر الجاهلي ومرورا بالعصور
التالية، ألوانا شتى من القصص والحكايات، تمثلت في
أنواع من القصص الأسطوري والشعبي والديني والوجداني
والفلسفي والتاريخي (1)، بعضها أفرزته طبيعة المجتمع
العربي، والبعض الآخر جاء في صورة مترجمة عن الآداب
الأخرى، ولكن سرعان ما صبغه مبدعونا العرب صبغة جديدة،
وزادوا عليها وصاغوه صياغة مختلفة، في حين بقي بعضها
الآخر مجسدا لطبيعة فكر تجاوز أصحابه حدودهم الاقليمية
ليصبح أدبا إنسانيا عاما.
|
 |
والمرأة
خلال هذا النتاج الأدبي العريض، لم يكن لها دور
المشاركة في طبيعة الأحداث المروية، وإذا كان ثمة ظهور
لها على ساحة الإبداع في ألف ليلة وليلة وغيرها، فإن
وجودها لم يكن سوى صورة خيالية، لا تعبر عن الواقع أو
الحقيقة، لأن المرأة العربية وإن أحصى المبدعون لها
شعرا ومواقف ودروسا علمية، فإن هذا كله يعد ـ في رأيي
ـ من قبيل التزيد لأن دورها ظل منحسرا ولم يكن بالدور
الكبير الذي يشاد به، وما نسمع من قصص وجدانية دارت
بين امرئ القيس وصويحباته، وكذا ما نظمه بشار في
قصائده الغزلية كان ذلك كله بمثابة المعادل الموضوعي
لشاعرين أحدهما عانى من ضعفه الحسي والجنسي والآخر
عانى من فقدان بصره منذ الصغر، وعليه بقيت المرأة
العربية قديما في خدرها مفتقدة لدور المشاركة الفاعلة
التي تؤهلها لتكون بشرا عاديا يمارس طقوس الحياة بجانب
الرجل دونما قيود او عقبات تفرضها طبيعة التقاليد
الاجتماعية، ومن ثم غدت في مكانة مقدسة محفوفة بهالة
من السرية والتعتيم تطلع إليها قلوب العباد من الرجال
الذين راحوا يتخيلونها في لوحاتهم الشعرية والنثرية.
وهكذا
بقيت صورة المرأة العربية محجوبة حتى العصر الحديث،
سواء أكانت مبدعة للحدث القصصي أم لكونها شخصية من
شخصيات العمل القصصي، الأمر الذي جعل ميلاد القصة
العربية في اطارها الفني والواقعي مرتبطا بالحركات
الاصلاحية التي شهدتها البيئة العربية بصفة عامة
والمصرية بصفة خاصة والتي كان من ثمارها المؤلفات التي
نادت بالمرأة الجديدة، وتحرير المرأة والدعوة الى
تعليمها وتثقيفها (2).
والواقع
ان هذه الدعوات الثائرة على جمود التقاليد العربية
حينذاك جاءت في اطار صور ابداعية متنوعة أخذ بعضها شكل
المقالة وأخذ بعضها الآخر شكل المقامة والصورة الوصفية
والخاطرة كما أخذ بعضها شكل القصة القصيرة والرواية
والمسرحية، وهي ابداعات كان أغلبها من تأليف العنصر
الذكوري الذي حاور الآخر وتفاعل معه في إطار البعثات
التعليمية والرحلات الترفيهية التي تهيأت له.
ولم تقف
المرأة العربية في ظل هذا التكون الاجتماعي والفكري
مغلولة الأيدي للتعبير عن نفسها ومشاعرها ومشكلاتها،
حيث برزت على ساحة المجتمع العربي لبيبة هاشم
اللبنانية الأصل (3)، التي اهتمت ببعض قصصها القصيرة
في المجلة التي قامت برئاستها وهي مجلة (فتاة الشرق)
وكان قد سبق لها النشر أيضا في مجلة (الضياء)، حيث
نشرت قصتها (حسنات الحب)، وقلب الرجل، وشيرين، وجزاء
الإحسان..الخ.
ثم أخذ
ابداع المرأة العربية للقصة القصيرة يتنامى في مصر وفي
كافة الأقطار العربية، حيث ظهرت أصوات عديدة منها:
وفية خيري، ورضوى عاشور، واعتدال عثمان، وملك عبد
العزيز من مصر، وسامية عطعوط من الأردن، وابتسام
المعلا وسارة الخليل ومريم جمعة وسلمى مطر من
الإمارات، ونورة آل سعد وحصة الجابر وأم أكثم ومريم
الخليفي من قطر، وليلى العثمان من الكويت، ورجاء
العالم من المملكة العربية السعودية، وفوزية رشيد من
البحرين، وديزة الأمير وعفاف عبد الله من العراق،
ولبانة بدر من فلسطين، وخناثة بنوتة من المغرب، ونادرة
العويثي من ليبيا، وزهور ونيس من الجزائر، واعتدال
رافع من سورية، وتافلة ذهب من تونس، وزينب الكردي من
السودان، وغيرهن.
وامتدت
دائرة الابداع القصصي للمرأة العربية لتشمل اصواتا
كثيرة، جسدت قضايا الذات «الأنثى»، وعلاقتها بالواقع
المعيش ومنها قضايا الزواج والطلاق وتعدد الزواج
والعنوسة، وكذا قضايا تتصل بالواقع السياسي والفكري
والإنساني، أما طرق العرض الفني، فقد تنوعت أيضا مثلما
تنوعت المضامين والأفكار، فالتزم بعضها طريقة «الأنا»
المتكلم فتعددت بذلك صور البوح الذاتي والانخراط في
دائرية الذاتية، كما التزم البعض الآخر طريقة «الراوي
الغائب» مع الاهتمام بالتنويع الداخلي للضمائر.
ويستطيع
القارئ لهذه الابداعات القصصية التي نشرتها المرأة
العربية أن يقف على جملة من الملاحظات منها:
أولاً:
توجيه الإبداع في مرحلة البدايات ولفترة زمنية طويلة
الى شكل القصة القصيرة أكثر من توجيهه الى الشكل
الروائي، وهي ملاحظة يستطيع الباحث ان يكتشفها وهو
يتابع هذا المجال الخصب لابداع المرأة العربية،
ويمكننا ان نعزو سبب ذلك الى أن وعي الذات «الأنثى»
بمشكلاتها وصراعها المرير مع الواقع في ظل سطوة
التقاليد التي حرمتها الكثير من حقوقها، استوجب هذا
الشكل الفني المتسم بالتركيز والتكثيف وبمبدأ الوحدة،
أي وحدة الفكر، ووحدة الأثر أو الطابع (4)، وهو ما
يفتقده البناء الروائي، الذي يتطلب تخطيطا ويحتاج الى
بنية زمانية ومكانية ممتدة عبر مجموعة من الأحداث
المتعاقبة التي تشتمل على عدة أفكار وليست فكرة واحدة.
ولا يعني
هذا إن الذات «الأنثى» عزفت عن ابداع الرواية الفنية،
وانما جاء الوعي بالتعامل مع هذا الشكل في مرحلة
متأخرة كانت الأنثى العربية قد حققت جزءا كبيرا من
حقوقها، وفرضت ذاتها وأخذت مكانتها في المجتمع كشريك
للرجل في كل شيء، ومن ثم تسمى هذه المرحلة الجديدة من
الوعي بمرحلة الهدوء النفسي الذي أتاح لها التخطيط
لبناء معماري جديد يشكل تطورا في تجربتها الابداعية.
إن
محاولات شعاع خليفة ودلال خليفة (5)، في مجال الأدب
الروائي الحديث جاءت تالية لنشاط كبير في مجال القصة
القصيرة، لعبت الأنثى المبدعة خلالها دورا مهما في
مجال التأصيل لهذا الفن في قطر، وأعني أم أكثم ونورة
آل سعد وكلثم جبر ومريم الخليفي ووداد عبد اللطيف
الكواري وزهرة المالكي وحصة الجابر وغيرهن، وكذلك
الحال في مصر والكويت والإمارات ولبنان وغيرها.
ثانيا:
دوران النتاج القصصي الذاتي «الأنثى»، خاصة في مرحلة
البدايات حول مشكلات الذات، ولذا غلب على هذه البدايات
القصصية أسلوب البوح الذاتي، وانحصرت في عدة موضوعات
تتصل بصراعاتها الخارجية منها موضوع الزواج والطلاق
والعنوسة والمكاشفة بالحب والأمومة، وبتنا أمام صور
قصصية أغلبها استغاثات فتاة او امرأة من قسوة الواقع
الذكوري الذي فرض نفسه على ساحة المجتمع، وأخذ ينظر
للمرأة على أنها مخلوق من الدرجة الثانية، ومن ثم فلا
حق لها في اختيار من تحب ولا رأي لها في أي مشكلة
اجتماعية أيا كان حجمها ونوعها. فالدارس لقصص الكاتبات
العربيات يلاحظ تركيز النتاج الإبداعي لهن حول
«الأنا»، ولعل قراءة لقصص ملك عبد العزيز، ومريم جمعة
وكلثم جبر وأم كلثم وحصة الجابر وليلى العثمان وغيرهن،
توقفنا على هذه الحقيقة المهمة، بل من يتأمل قصص
الكاتبة صاحبة النتاج القصصي الوفير خناثة بنوتة التي
تعد علامة بارزة في تاريخ القصة القصيرة في المغرب
العربي بتأليفها لعدة مجموعات قصصية منها (ليسقط الصمت
1967، والنار والاختيار 1970، والصورة والصوت 1975)،
يجد نفسه إزاء قصص يغلب عليها هيمنة الذات المؤلفة على
شخوص قصصها فتحيلهم الى هياكل فارغة من كل حب وفكر
وشعور وحياة، وهي في اهتمامها المتزايد بقضاياها
الخاصة امرأة وكاتبة ومثقفة وبرجوازية تغفل كل شيء
خارج ذاتها، حتى وان التقطت الصورة أو الشخصية من
الوجود الخارجي، فإنها لا تقدمها إلا من زاويتها هي
الخاصة جدا جدا، وإن علا نشيجها بالكلمات الثورية
الرنانة، فإن ذلك ليس دلالة على إيمان عميق بالقضية
المطروحة، أو استيعاب واعٍ لجزئياتها جميعا، وإنما هي
فقط اثبات لوجودها واسكات للأصوات الأخرى (6).
ومن
يقرأ مجموعة التساؤلات التي طرحتها «سيمون دي بوفوار:
SIMON DE BAUVOIR في كتابها (الجنس الثاني) The Second
Sex 1949م، يجد تبريرا من وجهة نظرها لطغيان ذاتيتها،
حيث تلاحظ ان المرأة عندما تتكلم تقول أنا امرأة
محاولة تعريف نفسها وليس هناك رجل يفعل ذلك، وتروح
الكاتبة الى مكاشفة المتلقي بأن حقيقة اللاتماثل بين
الذكر والأنثى برزت على دعوات رجال الفكر والدين من
المشرعين والقساوسة والفلاسفة والمبدعين بأن دونية
المرأة مرغوب في السماء ومفيد في الأرض، وتدعم الكاتبة
محاجتها قائلة: إن الرجال المتعاطفين يستقبلون الفكرة
المجردة عن المساواة بين الرجل والمرأة بمعسول الكلام
ولكنهم عادة يقاومون المطالب الفعلية بهذه المساواة،
وليس سوى النساء وحدهن من يستطعن دعم الإمكانات
الوجودية الحقيقية للنزعة النسائية (7).
ومن ثم
أصبح الطابع الرومانسي هو المسيطر على هذا النتاج
الإبداعي لغة وأسلوبا وصورا وافكارا ونهايات، وغدت هذه
الصورة مجسدة بصور الضياع والفقد والحرمان والعذابات
والموت، ودخلت شخوص هذه القصص في صراعات نفسية متأزمة
فرضتها طبيعة الصراع مع الواقع الخارجي وعدم القدرة
على المواجهة الفعلية، فلاذت معظمها الى الهروب
والاغتراب والعودة الى الماضي، حيث الطفولة البريئة،
وعدم الوعي الكامل بالمكان والزمان.
وأخذت
لحظات التحول من الرومانسية الى الواقعية والرمزية ومن
الذاتية الى الموضوعية، تترك آثارها على النتاج
الإبداعي للذات الأنثى التي راحت تصور قضايا تتجاوز
فيها حدود الذات، تحررت خلالها من طريقة الروائي بضمير
المتكلم ومن أسلوب البوح لتقدم لقطات مكثفة مفعمة
بالرموز والدلالات، ويغلفها الغموض وعمق الرؤية وترمي
بها الى تجسيد قضايا السياسة والفكر والاقتصاد.. الخ.
ثالثا:
تقوقع هذه البدايات الإبداعية للأدب القصصي النسائي في
اطار الطريقة الإنشائية المشحونة بالأساليب البلاغية
يحدوها شغف كبير بالمثالية والفردية والرؤية الجزئية
وتأتي أحداثها مصورة من خلال حدقة خاصة تقوم على
الانتقاد وتعكس الوعي المتورم بالذات (8)، فهي بدايات
تعنى بالكيف لا بالنوع، ومن ثم لجأت هذه الإبداعات الى
المعالجة الساذجة التي تهتم بأساليب السرد البسيطة،
وفي ضوء ذلك غاب الحدث القصصي أو كاد يغيب، كما انتاب
الحدث بعض الثبات والسكون نتيجة ثبات الشخصية الساردة،
وعدم لجوء الكاتبات الى اضفاء نوع من الحركة الناتجة
عن تنوع الضمائر والتحول بالصراع الى الخارج، فتلتحم
الشخصيات بعضها البعض، وتأخذ قدرا من الحرية تجعلها
تتحرك دون أن تمتد اليها يد الراوي المؤلف، فتحيلها
الى مجموعة من الدمى الثابتة، ومن هنا اصبح من
المتعارف عليه ان الحادثة إذا لم تتفاعل مع الشخصية
ومع الحوار ومع اللغة في بناء محكم ثابت فإنها لا تحقق
هذا الأثر الواحد ولا تلك الفكرة المعينة (9).
وبناء
على ذلك فقد أجادت الكاتبة العربية في معظم النماذج
القصصية في تصوير الأنثى المهمشة سواء في الواقع
المعيش أو داخل الإطار المثيولوجي، وذلك من خلال
اتخاذها وسيلة لصياغة الخوف من العنف الذكوري والشعور
بالضياع نتيجة للفشل في هذا الصراع، والاحساس بالقلق
نتيجة للغربة والانعزالية، نخلص من ذلك الى أن ابداع
المرأة العربية في مجال القصة القصيرة ابداع ثري يقدم
العديد من الرؤى نظرا لتنوعه الشكلي والمضموني ويتطلب
قراءات نقدية تفض الكثير من مغاليقه.
المصادر والمراجع:
1- راجع
قصص الأمثال في كتاب مجمع الأمثال للميداني + كتاب
الوزراء والكتاب للجهشياري + المحاسن والمساوئ للبيهقي
وقصص العشاق النثرية للدكتور عبد الحميد ابراهيم +
مقامات الحريري والهمزاني والجاحظ + رسالة الغفران
للمعري + رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي +
رسالة حي بن يقظان لابن طفيل + رسالة الطير للغزالي
وحكايات ألف ليلة وليلة والسير الشعبية وكليلة ودمنة
الخ.
2- راجع
قاسم أمين في كتابيه تحرير المرأة والمرأة الجديدة +
رفاعة رافع الطهطاوي المرشد الأمين في تربية البنات
والبنين وقد نشر في 1873م وأعيد نشره ضمن الأعمال
الكاملة + مقالات نشرها الشيخ محمد عبده وباحثة
البادية وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم في صحف متعددة.
3- ولدت
لبيبة هاشم 1880، وتوفيت 1947م، نزحت من لبنان الى
مصر، وأقامت فيها فترة طويلة، ثم سافرت الى سورية
1919، وعملت بالتفتيش في مدارس البنات، ثم هاجرت الى
تشيلي بأمريكا الجنوبية سنة 1921، ومكثت ثلاث سنوات ثم
عادت بعد ذلك الى مصر 1924، لتتابع اصدار مجلة فتاة
الشرق للمزيد، انظر ـ عباس خضر ـ القصة القصيرة في مصر
ص38 + د. عبد المحسن طه بدر، تطور الرواية العربية
الحديثة في مصر ص155 + د. سيد حامد النساج، تطور فن
القصة القصيرة في مصر.
4- يرى
هيدسون أن وحدة الأثر تشكل قانونا أو معيارا نقيس به
فنية القصة القصيرة للمزيد انظر An Introduction to
the Studyof Literature p. 452
5- كتبت
شعاع خليفة أحلام البحر القديمة، والعبور إلى الحقيقة،
وفي انتظار الصافرة.. وكتبت دلال خليفة أسطورة الإنسان
والبحيرة، وأشجار البراري البعيدة وغيرها.
6- راجع
كتابي القصة القصيرة في قطر ـ مكتبة الآداب 1995
الطبعة الثانية.
7- د.
سيد حامد النساج ـ الأدب العربي المعاصر في المغرب
الأقصى ص393.
8-
للمزيد انظر رامان سلدن ـ النظرية الأدبية المعاصرة ـ
ترجمة د. جابر عصفور ص210: 215.
9- د.
سيد حامد النساج ـ الأدب العربي المعاصر في المغرب
الأقصى ص399 بتصرف. |