أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

ميزانية التحدي
جوائز
سلطان الخير
جوائز
مؤتمر الآدباء
البلد الأمين
عروس المدائن
شعر
وثائق تاريخية
الشعوب الناقدة
أحماض أدبية
حقائق وأكاذيب
أسماء وأماكن
المتعة القاتلة
الغذاء والدواء
انشر تؤجر
الحديث ذو شجون
شعر
تقنية التعليم
الصورة تتكلم
مجالس الأدباء
أحكام واستنباطات
شعر
ماسية المنهل
دراسات انسانية
خطرات فكر
مسك الختام

مجالس الأدباء

 

عبد اللطيف صالح الوحيمد - الاحساء

 

 
 

مجالس الأحساء العامة

من العادات الجميلة في الأحساء التي لا تزال بين أفراد المجتمع قيام عددٍ من الأسر بافتتاح مجالسها لاستقبال المحبين من الأقارب والأصدقاء والجيران والمعارف. وهذه المجالس التي يعرفها أبناء الأحساء ويقصدونها حسب مواعيد افتتاحها لا يقتصر فتحها على ليلةٍ أو نهارٍ من اليوم فحسب بل تفتح في مناسبات الأعياد لاستقبال المهنئين بالعيد طوال أيام العيد أما سائر أيام السنة، فيكون لكل مجلسٍ ليلة معينة يعرفها الجميع أو نهاراً معيناً، إضافةً إلى مجالس الجمعة التي تفتح بعد صلاة الجمعة مباشرةً وتستقبل الناس حتى الساعة الثانية ظهرا.. وتتركز هذه المجالس في مدينتي الهفوف والمبرز ويرتادها عدد كبير من الرجال.

 

sOv73157.tif

ورغم ما طرأ على الحياة الاجتماعية من متغيراتٍِ ما زال مجتمع الأحساء متمسكاً بهذه العادة الأصيلة التي تفتقدها الكثير من المجتمعات في عصرنا الحاضر.. وقد أملتها حميمية العلاقات الاجتماعية في هذه المنطقة العريقة.. ومن أبرزها مجلس الموسى والبراك والصويغ والعفالق والمبارك والنعيم والملحم والجعفري والجغيمان والملا والعمير والمغلوث والبوسعد والعويفير والسلطان والحسيني والعواص والبنيان والزبدة والقحطاني والحسين والأفندي والبريه والوحيمد والغوينم والسهيل والحمام والألمعي وبودي والسماعيل.. وغيرها مما لا تسعفني الذاكرة بتذكرها.. وقد قامت بعض الأسر الميسورة بإنشاء مجالس خاصة بها في الأحياء الحديثة تأصيلاً لتلك العادة الحميدة وحفاظاً عليها من الاندثار.. وتقام فيها مناسبات الأفراح والأتراح وهي كثيرة بشكلٍ ليس له نظير في أية منطقةٍ أخرى وآخذة في الازدياد.. وتستغل في الاجتماعات الأسرية والمناقشات المهمة والبناءة وتناول الموضوعات المتعلقة بالأسرة وعقد الندوات الثقافية وغيرها من الأغراض التي تعود بالنفع والفائدة على الجميع.

Untitled-1.tif

أما المجالس الثقافية فقد تكاثرت في الأحساء خلال السنوات الأخيرة حتى شكَّلت ظاهرةً ليس لها مثيل على مستوى الوطن العربي.. وكان ذلك بسبب عدم وجود نادٍ أدبيٍ في الأحساء أسوةً بغيرها من المناطق مما حدا بمثقفيها وهم بعددٍ يضيق عنه الحصر للبحث عن التعويض لهذه الحاجة الملحة في منطقةٍ عميقة الثقافة والتراث وسحيقة التاريخ والحضارة.. فالتمسوا تأسيس هذه المجالس في منازلهم الخاصة أو مجالس الأسر، بدءاً بأحدية الأديب الشيخ/أحمد بن علي آل مبارك سفير وزارة الخارجية السابق ومروراً بمنتدى بوخمسين وإثنينية المربي/محمد بن صالح النعيم وثلاثائية الشيخ/عدنان بن عبدالله العفالق وملتقى الكاتب/صالح بوحنيه مدير جمعية الثقافة والفنون بالمنطقة الشرقية سابقاً وأربعائية الشيخ/مهنا بن عبدالعزيز الحبيل وسبتية العميد /عبدالعزيز بن عبدالوهاب الموسى يرحمه الله وأحسائية الدكتور/عبدالله بن أحمد المغلوث وندوة الشيخ/عادل العبدالقادر الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وندوة المربي/صالح السنيد ومنتدى الدكتور/نبيل بن عبدالرحمن المحيش أستاذ الأدب العربي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ومنتدى الطالعية للمربي/ عبدالله اليوسف! ولكن بعد تأسيس نادٍ أدبي في الأحساء عام 1428هـ تقلصت هذه المجالس ولم يبقَ منها سوى أحدية المبارك ومنتدى بوخمسين الثقافي الذي يعقد ليلة الأحد من كل أسبوع.

Untitled-2.tifولا غرو أن تحتضن الأحساء كل تلك المجالس الثقافية.. فكما هو معروف عنها منذ غابر الزمن أنها ليست فقط أرضاً خصبةً صالحةً لاستزراع مختلف النباتات التي تنتج أجود الثمار وأشهاها وواحةً تضم بين ذراعيها مئات الآلاف من النخيل فضلاً عن الأدواح والرياض الغناء وتجثم على بحرٍ من المياه المخزونة التي تفيض منها عشرات العيون بمياهٍ عذبةٍ رقراقة، بل هي إلى جانب هذا كله واحة علمٍ وأدبٍ منذ قديم الزمن، حيث اخضوضر الأدب على ثراها وتهلل الشعر تحت ظلال نخيلها، وفاض العلم من بين أرجائها، حتى غدت قبلةً يحج إليها أقطاب النهضة العلمية والأدبية بالجزيرة العربية وخارجها! فقد احتضنت عبر تاريخها العريق الذي ينيف على الخمسة آلاف عام ـ كما ورد في كتاب تحفة المستفيد ـ من أعلام الأدب والشعر وأساطين العلم والمعرفة ما قل أن عرفته منطقة أخرى في العالم العربي! وقد أشار مؤلفه إلى أن قس بن ساعده الأيادي كان من أبناء هجر! وكان مما ذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل قائلاً : أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي فقال الجارور : كلنا نعرفه يا رسول الله وأنا من بينهم كان قس سبطاً من أسباط العرب عُمِّر 600 سنة وتعفَّر خمسة أعمار في البراري والقفار يضج بالتسبيح على مثال المسيح لا يقره قرار ولا تكنه دار ولا يستمتع به جار! فعقَّب الرسول عليه قائلاً : مهما نسيت فلن أنساه بسوق عكاظ واقفاً على جملٍ أحمر يخطب الناس فيقول : اسمعوا وعوا وإذا وعيتم فانتفعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آتٍ آت، ليل داج وسماء ذات أبراج وبحار ذات لجاج، إن في الأرض لعبرا وفي السماء لخبرا، أقسم قس لا حانثاً ولا آثماً أن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، وهذا زمانه وأوانه، ثم قال: مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا ؟ ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(رحم الله قساً إنه سيبعث يوم القيامة وحده) ويستنتج الشيخ / محمد آل عبد القادر من ذلك أن معرفة الوفد الوثيقة بقس بن ساعده دليل على أنه كان من أبناء الأحساء.. كما ترعرع في أحضانها نفر من عمالقة شعراء العربية وأفذاذها منهم (المثقب العبدي) وهو عائد بن محصن بن ثعلبة من بني عبد القيس المتوفى في السنة السابعة للهجرة ومن أشهر شعراء الأحساء (الصلتان العبدي) ذكــر عنه البغدادي في (خزانة الأدب) أن اسمه قثم بن خَبيَّة ومن شعره المشهور .

نروح ونغدو لحاجاتنا

وحاجة من عاش لا تنقضي

تموت مع المرء حاجاته

وتبقــى لـــه حاجـــة مــــــــا بقــــي

ومن أشهر شعراء الأحساء الجاهليين (طرفة بن العبد) المتوفى قبل هجرة الرسول عليه السلام بثلاثين عاماً كان من شعراء المعلقات وقد كتبت معلقته بماء الذهب وعلقت على جدار الكعبة! وكان منهم (الممزق العبدي) و (عمرو بن قميئة) و (زياد الأعجم)! ومن أشهر شعراء الأحساء في القرن السادس الهجري (علي بن المقرب العيوني) واسمه/جمال الدين أبو عبد الله العيوني، كان أبوه قائداً من قادة الدولة العيونية وكان ابن المقرب من شعراء القمة في جزيرة العرب، يومها تناول مفاخر قومه وأشاد بتاريخهم المشرق! ومن أعلام الأحساء وعلمائها الشيخ/إبراهيم بن حسن الأحسائي الحنفي المتوفى سنة 1048هـ ! ومنهم الأمير/أبو بكر بن علي الباشا الذي ولد في الأحساء وتعلم فيها ثم آثر الإقامة في المدينة المنورة بغية العبادة توفي سنة 1076 هـ وله شعر كثير.. ومنهم (خليل الأحسائي) الذي ذاع صيته واشتهر بعلمه وأدبه ومن شعره قوله :

وشادن كالبدر شاهدته

عيونه الدعج تميت الأنام

بدأت بالتســليــم حبــاً لــه

فقـال بـالغنــج عليـك السـلام

ومنهم السيد/علوي الهجري الذي قال المحب في وصفه : شاعر هجر ومنطيقها! ومن أعلامها وعلمائها الشيخ/أحمد بن عبد الله آل عبد القادر الذي يرجع نسبه إلى أبي أيوب الأنصاري وكذلك الشيخ/أبو بكر عمر الملا المولود سنة 1198هـ ! حفظ القرآن الكريم وعمره عشر سنوات وتلقى العلم من شيوخ الأحساء وعلمائها توفي سنة 1270 هـ ومنهم الشيخ/أحمد بن علي بن حسن بن مشرف.. وعدد كبير من الشعراء والأدباء والعلماء تهللت لهم هجر وازدانت بهم الأحساء عبر العصور .

ولا تزال بفضل الله حتى عصرنا الحاضر معيناً للأدب وروضة للثقافة الأصيلة وشلالاً للعطاء العلمي والأدبي المتدفق فلم تعقم قط عن إنجاب خيرة الرجال الذين من بينهم العلماء والأدباء والمثقفين وطلاب العلم لذا كان من الطبيعي أن يتمخض عن ذلك ظهور مجالس العلم والأدب وحلقات الدروس الدينية التي تنعقد في المساجد والمدارس ودور العلم بربوعها، فكانت تلك المجالس ودور العلم تـــؤدي دور المؤسسات التعليمية الحكومية في تعزيز وازدهار الحركة العلمية في المنطقة قديماً، إلا أنه خلال فترةٍ وجيزةٍ انجرف الناس مع تيار الحياة والتهوا في مشاغلها عن الاهتمام بمثل تلك العادات الحميدة فأخذت تلك المجالس والدور العلمية تتناقص حتى كادت أن تنعدم.. ولكن أصالة أبناء هذه المنطقة أبت إلا أن تبعثها من جديدٍ فظهرت الحلقات الدينية مجدداً في المساجد والمنازل بين الشبيبة المتدينة وواكبها ظهور المجالس الأدبية والثقافية التي تعقد المحاضرات المتنوعة والأمسيات الأدبية شعراً ونثراً، بالإضافة إلى العديد من المجالس العامة التي تحتضن النخبة من المثقفين الذين يجتمعون للمناقشة العامة حول مختلف القضايا.. فتحية لهذه المنطقة الأصيلة التي لم تستطع الحضارة المادية أن تزحزحها عن مبادئها وقيمها وعاداتها الحميدة وكل مكونات موروثها الأصيل المستمد من ديننا الإسلامي العظيم.

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب