أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

الغلاف
نحو اقتصاد المعرفة
جوائز
ذكرى ملك
مكافحة المخدرات
قرأة السيرة
ملتقيات
اصدارات
أحكام
إعجاز القرآن
تحرير المصطلح
عالم الكتب
اللحم الأبيض
شعر
معايير عالمية علمية
في الرد على المنصرين
حوار
فكر بفكر
في ذاكرة ال 28
من أسواق العرب
أعلام خالدة
رجال لهم تاريخ
الحديث ذو شجون
شعر
دراسات انسانية
الغذاء والدواء
شعر
كوارث طبيعية
أحماض أدبية
الأسرة انتماء
اهل جازان
قصة قصيرة
خطرات فكر
مسك الختام

إعجاز القرآن

عبد السلام التركي ـ تونس ـ

عضو الجمعية العلمية السعودية للغة العربية

 

من إعجاز القرآن الكريم إخباره بما جاء بالكتب السماوية السابقة من البشائر بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبيان أوصاف أصحابه رضوان الله عليهم

 

إن الله اقتضت حكمته تعهد عباده على فترات من الزمن بإرسال الرسل إليهم لصرفهم عن عبادة الأوثان والأصنام ودعوتهم إلى الإقبال على عبادة الله وحده وللهداية إلى الصرّاط المستقيم الذي يضمن لهم الفوز في الدنيا والآخرة. وقد أوضح الله أحكام الشريعة لكل واحد من رسله بما يتناسب مع ما تقتضيه الحكمة ويتلاءم مع ظروف حياة العباد وإمكانياتهم. وعزّز جوانبهم بالكتب المقدّسة.

وكان الكتاب المنزّل على الرسول موسى عليه السلام التوراة. وجاء في شأنه قوله تعالى:

«ولقد آتينا موسى الكتاب وقفّينا من بعده بالرسل». سورة البقرة. الآية 87.

وكان الكتاب المنزّل على الرّسول عيسى عليه السلام الانجيل الذي جاء في شأنه قوله تعالى:

«وقفينا (1) على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل». سورة المائدة الآية 46.

وكان الكتاب المنزل على الرسول داود عليه السلام الزّبور الذي أشار إليه قوله تعالى بالقرآن الحكيم.

«وآتينا داود زبورا» سورة النساء الآية 163.

وكان الكتاب المنزّل على الرّسول محمد خاتم الأنبياء والرسل عليهم السلام القرآن الكريم الذي جاءت في شأنه عدّة آيات قرآنية ومن ضمنها قوله تعالى:

1) (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) سورة البقرة الآية 2

2) (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عمّا جاءك من الحق. لكلٍ جعلنا شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) سورة المائدة 48.

3) وقد تضمنت بعض السور القرآنية زيادة عن ذكر الرّسل عليهم السلام بعض الإيضاحات عمّا جاء بالكتب السماوية السابقة المنزّلة على البعض منهم. ومن ذلك ما له كبير الصلة بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم. ومنها قوله تعالى:

1) (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفّار رُحماء بينهم. تراهم رُكعا سُجّدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. سيماهم (2) في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل كزرع أخرج شطئه (3) فآزره (4) فاستغلظ (5) فاستوى على سوقه (6) يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار.) سورة الفتح. الآية 29.

2) (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم) سورة الأعراف. الآية 157.

3) (قد أفلح من تزكّى. وذكر اسم ربه فصلى. بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى. إنّ هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) سورة الأعلى. الآيات: 14-15-16-17-18-19.

وقد أثبت المفسر للقرآن الكريم عبد الله النسفي بكتابه مدارك التنزيل وحقائق التأويل عند تفسيره للآية المذكورة أولا وهي قوله تعالى: «محمد رسول الله» أن علامة أصحاب رسول الله ما يلاحظ في وجوههم من أثر السجود.

ولاحظ أن بعض المفسرين يفسر قوله تعالى: «سيماهم في وجوههم من أثر السجود، بما يلاحظ من الاستنارة على وجوه أصحاب رسول الله من طول صلواتهم بالليل لقوله صلى الله عليه وسلم «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار».

وفسر الإمام النسفي قوله تعالى: «ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه» أنه يقال إنه مكتوب بالانجيل أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وأضاف لذلك أنه يروى عن عكرمة وهو من مفسري القرآن العظيم أنه يُعنى بقوله تعالى «أخرج شطئه» الصحابي أبو بكر. وبقوله تعالى: «فآزره» الصحابي عمر. وبقوله تعالى: «فاستغلظ» الصحابي عثمان. وبقوله تعالى: «فاستوى على سوقه» الصحابي علي. رضوان الله عليهم. وأنّ جميع ذلك يمثل مثلا ضربه الله تعالى لحال بدء الاسلام ثم أخذه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم لأن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم قام بالدعوة وحده ثم قوّاه الله بمن آمن معه كما تقوى الطاقة الأولى من الزرع. بما يحف بها ومما يتولد عنها فتعجب الزرَّاع.

وحقق الأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بكتابه تفسير التحرير والتنوير عند تفسيره لتلك الآية أنّ التوراة جاءت فيها بشارة ببعثة الرسول النبي محمد صلى الله عليه وسلم ووصف أصحابه. وأن الذي وقف عليه فيها مما يصلح لتطبيق تلك الآية هو البشارة الرمزية التي في الاصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية «جاء الربُ من سينا وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران. وأتى من ربوات القدس. وعن يمينه نار شريعة لهم. فأحبّ الشّعب جميع قديسيه. وهم جالسون عند قدمك يتقبلون من أقوالك».

وأضاف الشيخ ابن عاشور لذلك بكتابه المذكور أن جبل فاران هو حيال الحجاز. وأن قوله «فأحب الشعب جميع قديسيه» يشير إليه قوله تعالى بالقرآن الكريم (رُحماء بينهم) وأنه يعنى بكلمة قديسيه ما جاء بالآية القرآنية المذكورة وهو قوله تعالى «تراهم رُكَّعا سُجدا» وقوله تعالى «سيماهم في وجوههم من أثر السجود» وأنه يعنى بما جاء بالتوراة «جالسون عند قدمك» ما جاء بقوله تعالى في القرآن الكريم «يبتغون فضلاً من الله ورضوانا».

وأوضح الشيخ ابن عاشور بكتابه المذكور عند تفسير قوله تعالى: ومثلهم في الانجيل كزرع» أن ما تضمنته الآية يشير إلى قوله في انجيل متى الأصحاح 13 فقرة 3 «هو ذا الزارع قد خرج ليزرع».

وأضاف لذلك أن ما تضمنته تلك الآية يشير إلى نماء الإيمان في قلوب الصحابة وانهم يدعون الناس إلى الدين حتى يكثر عدد المؤمنين كما تنبت من الحبة السنابل ومن النواة الشجرة العظيمة.

وفسر الشيخ محمد علي الصابوني بكتابه صفوة التفاسير قوله تعالى «سيماهم في وجوههم من أثر السجود» بأن علامة وسمة أصحاب الرسول كائنة في جباههم من كثرة السجود والصلاة. ونقل المفسر القرطبي قوله في تفسير تلك الآية أنه تلوح في وجوه أصحاب رسول الله علامات التهجد بالليل وأمارات العبادة.

ولاحظ عند تفسيره لقوله تعالى: «ذلك مثلهم في التوراة» أن وصف أصحاب رسول الله في التوراة كان بالشدة على الكفار وبالرحمة على المؤمنين وبكثرة الصلاة والسجود. وفسر قوله تعالى: «ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطئه» أن مثل حال أصحاب رسول الله في النماء كحال الزرع النامي بفروعه وفراخه المتفرعة عند جذوره.

وأضاف لذلك أن ما جاء بهذه الآية كان على غاية من البيان. ذلك أن الزرع هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وأن أصحابه رضوان الله عليهم هم الشطء كانوا قليلا فكثروا وضعفاء فقووا. وقد كان الرسول عند بدء الدعوة ضعيفا فأجابه الواحد تلو الآخر حتى قوي أمره وكثرت أنصاره كالزرع يكون حاله بعد البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ نباته وأفراعه. فكان هذا أوضح مثال وأقوى بيان للرّسول محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وجاء بكتاب روح القرآن لصاحبه عفيف عبد الفتاح طبارة عند تفسيره لتلك الآية أنها تمثل أصدق صورة لأصحاب رسول الله رضوان الله عليهم وستبقى نبراسا مضيئا للأجيال يقتبسون منها الهداية والنور. كما تمثل تكريما من الله رب العالمين لأصحاب رسول الله ووعدهم بالمغفرة والأجر العظيم.

وجاء بكتاب مدارك التنزيل وحقائق التأويل لصاحبه عبد الله النسفي عند تفسيره للآية المذكورة ثانيا وهي قوله تعالى: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل» أن الذين يتبعون ويؤمنون من بني إسرائيل بالرّسول محمد صلى الله عليه وسلم يتعرفون على نعته بالتوراة والانجيل.

وجاء بتفسير الجلالين للعالمين جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلّى عند تفسير تلك الآية أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم ذكر في التوراة والإنجيل باسمه وصفته.

وبمثل ذلك فسر الشيخ محمد علي الصابوني بكتابه صفوة التفاسير تلك الآية.

ونقل عن ابن كثير أن ما جاء بتلك الآية يمثل صفة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهي الموجودة في كتب الرسل من قبله ليبشروا ببعثته ويأمروا باتباعه ولا تزال بكتبهم يعرفها علماء بني اسرائيل وأحبارهم.

وفسر العالم الصابوني بكتابه المذكور قوله تعالى: «إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى» أن ما جاء بهذه الآية من تنزيل المواعظ كان مثبتا في الصحف القديمة المنزلة على الرسولين إبراهيم وموسى عليهما السلام فهي لذلك مما توافقت عليها الشرائع وسطر بالكتب السماوية السابقة للقرآن.

يمكن القول بعد إيراد ما ذكر أن ما تضمنته بعض الآيات القرآنية. ومن ذلك الآيات الواقع التعرض لتفسيرها يعتبر إعجازاً في جانب القرآن. ذلك أن تضمين القرآن لما جاء بالكتب السماوية وبالخصوص المنزلة منذ آلاف السنين التي لا يعلم ما بها إلا الله ليعتبر أحسن حجة وأصدق برهان على أن القرآن وحي من الله الذي أقسم به على أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم من المرسلين وأن الشريعة السمحة التي جاء بها هي الصراط المستقيم حسبما جاء ذلك في سورة يس في قوله تعالى: «يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرّحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون» صدق الله العظيم.

الهوامش:

1) قفّينا: أتبعنا

2) سيماهم: علامتهم

3) الشطء: ما يخرج من الزرع ويتفرّع في جوانبه

4) فآزره: فأعانه

5) فاستغلظ: صار غليظا

6) فاستوى على سوقه: فاعتدل على عوده وجذعه

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب