أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

الغلاف
نحو اقتصاد المعرفة
جوائز
ذكرى ملك
مكافحة المخدرات
قرأة السيرة
ملتقيات
اصدارات
أحكام
إعجاز القرآن
تحرير المصطلح
عالم الكتب
اللحم الأبيض
شعر
معايير عالمية علمية
في الرد على المنصرين
حوار
فكر بفكر
في ذاكرة ال 28
من أسواق العرب
أعلام خالدة
رجال لهم تاريخ
الحديث ذو شجون
شعر
دراسات انسانية
الغذاء والدواء
شعر
كوارث طبيعية
أحماض أدبية
الأسرة انتماء
اهل جازان
قصة قصيرة
خطرات فكر
مسك الختام

تحرير المصطلح

محمد منذر لطفي - سوريا -

 

يجري نهر الحياة صخََّاباً لا يلتفتُ يَمنَةً أو يَسرة إلا عندما يجذبه ـ ولثوانٍ معدودة ـ حَدَثٌ خارق أو منظرٌ جَلَل.. ثم يعاود سيرته الأولى، مُتابعاً رحلة التصخاب والجري من النبع إلى المصب، مُؤدياً دورَه ورسالته، مُنفِّذاً واجباته ومسؤلياته على الوجه الأكمل دون أي تردد أو تذمر.

 
 

وكذلك يحصل في الأدب، فأنهارُهُ السبعةُ (1) تجري هي الأخرى عبر رحلاتها المعهودة الشاقة من النبع إلى المصب، واضعةً نصب أعينها تأدية الرسالات الإنسانية المطلوبة منها، مُتفتحة عن أشياء متطورة جديدة..وأشياء..!

فنهرُ الشعر ـ على سبيل المثال ـ واحدٌ من أغزر الأنهار الأدبية دفقاً وعطاءً، وبخاصة على الساحة العربية، ولكنه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تجدُّدَ الحياة وتَنوُّعَها، هذان العنصران الهامان (عنصر التجدد..وعنصر التنوع) اللذان يشكلان سببين رئيسيين بالنسبة لاستمرار الحياة الشعرية ذاتها، ويُدخلان الشاعر ساحة الحداثة والمعاصرة من أوسع أبوابها، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نرى أن قاموس الشعر العربي المعاصر قد امتلأ في الوقت الحاضر بالتعابير والمصطلحات والتسميات الأدبية الجديدة المتنوعة.. أمثال (المعادل الموضوعي ـ العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون ـ القصيدة الدائرية والمسطحة.. والبسيطة والمركبة ـ عالم ما وراء الرمز ـ تشابك الخلفيات والإسقاطات وتضاربها بين السلب والإيجاب) .. وغيرها .. وغيرها، وهذا ما يجعل الشاعر مُطالباً أكثر من أي وقت مضى بتعميق ثقافته ضمن مسارين رئيسين اثنين..الأول يأخذ اتجاه الأصالة والتراث «تمكناً وفناً وبلاغة» ليتمكن من الوقوف على أرضية ثقافية فنية صلبة..والثاني يأخذ اتجاه الحداثة والمعاصرة «موضوعاتٍ وأفكارَ ولغةً» ليتمكن من الوقوف على أرضية فكرية معاصرة صلبة أيضاً، وبخاصة موضوع اللغة ومفرداتها .. تلك اللغة .. وهاتيك المفردات التي تشكل ـ بمعايشتها للواقع .. واستخدامها أردية لفظية حديثة للمعاني والموضوعات المعاصرة ـ كائنات حية ومتطورة، تأخذ فيها ومن خلاله الكلماتُ والعبارات بُعدها الواقعي الجديد، ومدلولها الإيجابي المعبر، حتى يتمكن الشاعر من مواكبة الحياة المعيشة، ويستطيع بالتالي أن يتعامل معها بلغة متطورة .. حديثة ومعاصرة على حد سواء..!

إن ما تقدم يُمثِّلُ جانباً من جوانب «الفنِّية الشعرية المعاصرة» يجب ألا يغيب بشكل أو بآخر عن بال أحدٍ من شعراء الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، ثَمَّةَ جانبٌ آخر لا يقل أهمية عن ذلك الجانب..ويجب أن يكون له حضوره على ساحة تلك «الفنية» هو الآخر أيضاً، وأعني به ضرورةَ امتزاج الشاعر بالمستقبل واستقرائه، فالشاعر الحق يجب أن يقف على الحاضر .. ليستشرف الآتي .. ويمنح الرؤى، كما قال الشاعر الفرنسي «بول إيلور» ذات يوم، وهذا يعني أن يكون الشاعرُ (عَرَّافةَ عصره وزمانه) .. وليس شاهدهُ فقط، ولكي يكون ذلك عليه أن يبتعد كل البعد عن المفاهيم الحياتية الزائفة، والشعاراتِ الأدبية الضالة حتى لا يقع في شَرَكها فالخطرُ على الإبداع .. كلُّ الخطر .. يكمن في استخدام الشاعر أو الفنان لتلك المفاهيم والشعارات بديلاً عن الفكر الواعي والمنظور الموضوعي، وبالتالي إحلالِها محل الرؤية المتطورة الموضوعية المعاصرة التي تأخذ على عاتقها ربط الماضي بالمستقبل من خلال الحاضر الحياتي المعيش.

ومن المسلَّم به أن لكل فن قواعده وقيمه وأصوله التي تضبط مساره وتتحكم بمركبته، ولما كانت القصيدة الكلاسيكية ـ شِئنا أم أبينا ـ هي أصل الشعر العربي, وهذه بدهية لا يختلف فيها اثنان، لذلك فإن أي تجديد في الشكل أو المضمون يُخالف الأصول .. يكون بمثابة خروج على ثوابت وقيم وقواعد وأصول ذلك الفن، إلا أن الحداثة والمعاصرة مطلوبتان أيضاً، لأنهما ضرورتان مُلحتان بالنسبة للفنون والآداب بعامة .. والشعر بخاصة، لكي يعيش الشاعر عصره ويكون الصدى الواعي لآلام وآمال الآخرين، وهما أصيلتان ما دامتا لا تشكلان خروجاً على الثوابت والأصول، ولا تعنيان الحكم بالإعدام على التراث والجذور، وبمعنى أدق .. ما دامتا تعتبران أنَّ «التفعيلة» هي آخر حدود التجديد بالنسبة للشكل الشعري، وأنَّ الكتابةَ بمفردات حديثة والرسمَ بألوانٍ وصورٍ معاصرة، واستخدام الرمز ضمن حدود الحاجة .. هي آخر حدود التجديد بالنسبة للمضمون.

إلا أن هذه الحداثة .. وتلك المعاصرة ـ سواءٌ على صعيد الشكل أو المضمون ـ أخذَتا في الآونة الأخيرة منحنىً خطيراً ومنحرفاً تاماً عن الأصل، وشكًّلَتا عند «البعض».. أو لنقل عند «التَّجاوزيين» جناحاً متطرفاً في مدرسة الشعر الحديث .. جناحاً يدعو إلى التحلل الكامل من كل ضابطٍ إيقاعي نَغَمي على صعيد الوزن والموسيقى «تفعيلة وقافية منوعة» .. وإلى الإغراق في الرمز واستخدامه أكثر بكثير من الحاجة المطلوبة .. وكأنه الغايه المقصودة أو الهدف المُراد على صعيد البناء والصياغة، وهذا ما أدَّى بأنصار هذا الجناح المتطرف ـ بالإضافة إلى ضياع الموسيقى والوقوف على النهايات ـ للوصول إلى نوعٍ من المعميات والطلاسم جعلتْ معها «الحقيقة الشعرية» تضيع ضياعاً تاماً أو شبه تام، وأدَّى بالتالي إلى ظهور ما يسمى «بقصيدة النثر» التي طرحتْ مبدأ اعتماد الموسيقى الداخلية للنص أو المقطع أو العبارات بديلاً عن موسيقى التفعيلة والوقوف على النهاياتْ .. التي انقسمت بدورها إلى قسمين .. الأول دار في فلك بحر العَتمة والظُّلمات وشرب من كأسه حتى الثمالة بحيث لم يعد القارئ ـ رغم ثقافته ـ يعرف من خلال كتابات هذا القسم ما يريد الشاعر وما لا يريد، أما القسم الثاني فقد أخذتْ كتاباتُه أبعاد النثر الفني الجميل الذي يحمل في طياته في بعض الأحيان نَفَساً وأسلوباً شعريين.

تلك هي نظرة تحليلية عامة وسريعة لميلاد ما يُسمى (بقصيدة النثر) التي هي ليست غلطة تاريخية فحسب .. وإنما خطأٌ مقصود أُريد منه تفتيتُ أصلٍ من الأصول .. وأعني به الشعر، وفي رأيي أنَّ سبب دوران بعض الشعراء في فلكها، والشبابُ منهم بخاصة، يعود إلى أسباب ثلاثة لا رابع لها:

1- إما عدم التَّمكُّن من المدرسة الشعرية الكلاسيكية الأصلية نتيجة المرور بها مرور الكرام .. أو نتيجة عدم المرور بها على الإطلاق، مع أنه (أي المرور) يُشكِّلُ الأرضية الأساسية والأبجدية الأولى للشعر وأدواته الرئيسة .. التي لا غنى لكل شاعر مُجيد عنها وذلك قبل انتقاله إلى عالم الشعر الحديث الحقيقي، نظراً لأن قصيدة النثر ـ إذا صح التعبير ـ تُتيح للكاتب التَّحلُّل من القيم الشكلية (الفنية منها والجمالية) التي يرى أنها بمثابة أحكام وقوانين تحد من تجربته وموهبته على حد زعمه.

2- وإما التقليد الأعمى لكل ما هو مُستوردٌ من الخارج ـ بما في ذلك الأدب ـ نتيجة عقدة «الدونية» .. حتى ولو كان هذا التقليد المُستوردُ بعيداً عن الذوق والتراث العربيين، ويُؤدِّي إلى تهديم وتقويض جنسٍ أدبي بكامله .. وأعني به الشعر.

ومن البَدَهي أنني لا أقصد هنا عدم فتح نوافذ منزلي لأنسام الآخرين بغية التفاعل مع أنسامي وإغنائها ورفدها بكل ما هو إيجابي وبناء .. وتطعيمها بتلك الأنسام من أجل توليد كل ما هو رائع وجديد، ولكن يجب ألا يغرب عن البال في هذا المجال أن هناك بوناً شاسعاً بين التفاعل الإيجابي البنَّاء مع أنسام ورياح الآخرين .. وبين السماح لها باقتلاعي من الجذور .. وطمس معالم هويتي الأدبية وشاعريتي العربية بالكامل .. هذه الهوية وتلك الشاعرية اللَّتان لن أسمح لأية رياح غريبة وإلى الأبد أن تمحوها بحال من الأحوال بحجة الحداثة والمعاصرة الزائفتين.

3- وإما أن يكون هناك وراء الأكمة ما وراءها، وأعني بذلك نسفَ جنسٍ أدبي بكامله عن سابق عمد وإصرار .. ألا وهو الشعر بحجة الحداثة والتجديد والمعاصرة .. جنس يعتبره ُ العرب أصلاً من أصولهم الثابتة، لأنه يحتل عندهم المقام الثالث بعد القرآن الكريم والسُّنة الشريفة، وإلا لماذا هذا الإلحاحُ المُتزايد على تسمية كل عمل أدبي شعراً .. ؟ .. وبما تُفَسِّرهُ .. ؟ .. مع أنَّ جميع المنصفين من أتباع المدرستين الشعريتين (الكلاسيكية الأصلية .. والحديثة المعتدلة) يعرفون ويشهدون ويؤمنون أن (التفعيلة والوقوف على النهايات المتنوعة) هما آخرُ حجابٍ حاجزٍ شفاف يُحقِّقُ ويُجسِّدُ المبدأَ أو المعيار الذي نستطيع بواسطته أنْ نُميِّز الشعر عن النثر .. ونفصل بينهما .. بل ويُمثِّلُ إحدى خصوصيات الشعر وخصائصِه .. لماذا .. ؟.

4- إنَّ للشعر ـ كما لكل جنس أدبي ـ مقوماتِه ومواصفاتِه وخصائصَهُ الفنية التي لا غنى له عنها، وإلا فقد هوية الانتماء والانتساب لذلك الجنس، وأنا واحدٌ ممن لا يستطيعون تَصَوُّرَ قصيدةٍ حديثة بدون أي ضابط إيقاعي نَغَمي (تفعيلة وقافية منوعة) ، وقد تكون قطعةُ نثر فنية خيراً من ديوان شعري بكامله، ولكن يبقى الشعرُ شعراً .. والنثرُ نثراً .. ولن يلتقيا، وها هو ذا عملاق الحداثة والمعاصرة في النصف الأول من القرن العشرين الشاعر الانكليزي (ت . س . إليوت) يقول في إحدى كتاباته النثرية حول هذا الموضوع :

(أنا خيرُ من يعرف جيداً أن كثيراً من الشعر الرديء قد كُتب تحت اسم الشعر الحر، إنَّ الشاعر الرديء هو وحده الذي يرحب بالشعر الحر للخلاص نهائياً من الشكل).

وخلاصة القول .. فأنا أرى أننا يجب أن نكون مع الجناح المعتدل من الشعر الحديث .. مع الجناح الذي يعتمد وحدة التفعيلة شكلاً للقصيدة ولا يتخلى عنها .. ويقف على النهايات وإنْ تعددتْ في القصيدة الواحدة، ويستخدم الرمز الشعري ضمن حدود الحاجة «وسيلة لا غاية» .. فَيُسقطه إسقاطاً حضارياً واعياً على واقع حياتي معيش .. لينفَذَ من خلاله إلى رؤية واضحة للقضايا المطروحة والأشياء .. رؤية تصل إلى غايتها المنشودة، وتُصيب أهدافها بكل إحكام.

يجب أن نكون مع (السَّياب والقباني .. ونازك والبياتي .. وعبد الصبور وحجازي .. ودرويش والحاوي) كما نحن مع (امرئ القيس وطرفة .. والنابغة والمنخِّل .. وجرير والفرزدق .. والمتنبي والبحتري .. وأبي تمام والمعري .. وشوقي وحافظ .. وبدوي الجبل وأبي ريشة .. والأخطل الصغير والجواهري .. وحامد حسن ونديم محمد) ، وألا نكون مع ما يسمى «بقصيدة النثر» التي تتحلل من أي ضابط إيقاعي ..

أياً كان مصدر هذه القصيدة .. ومهما حملتْ معها من أفكار وفنِّية وجمال، إنها ـ والحالة هذه ـ قطعةُ نثر فني ليس إلا .. ولا يمكن تصنيفُها في قاموس الشعر .. أو إطلاق لقب «القصيدة» عليها بحال من الأحوال، وفي رأيي أنها من أخطر الأمراض الأدبية السارية هذه الأيام على الإطلاق، ومن أجل ذلك أرى أنَّ من الحكمة بمكان أن يأخذ كل شاعر أصيل لقاحاً.. أو يحمل تعويذة تقيه شرَّ تلك الجائحة المُسمَّاه «بقصيدة النثر» .. لِتُوَلِّدَ عنده المناعة الكافية ضدها .. حتى لا يُصاب بعدواها أو أعراضها ذاتَ يوم ..!

الهامش:

(1) – إشارة إلى الأجناس الأدبية السبعة وهي:

( الشعر ـ القصة والرواية ـ المسرحية ـ أدب الأطفال ـ النقد الأدبي ـ الدراسات والبحوث الأدبية ـ الخواطر والمقالات)..

 
 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب