أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

الغلاف
نحو اقتصاد المعرفة
جوائز
ذكرى ملك
مكافحة المخدرات
قرأة السيرة
ملتقيات
اصدارات
أحكام
إعجاز القرآن
تحرير المصطلح
عالم الكتب
اللحم الأبيض
شعر
معايير عالمية علمية
في الرد على المنصرين
حوار
فكر بفكر
في ذاكرة ال 28
من أسواق العرب
أعلام خالدة
رجال لهم تاريخ
الحديث ذو شجون
شعر
دراسات انسانية
الغذاء والدواء
شعر
كوارث طبيعية
أحماض أدبية
الأسرة انتماء
اهل جازان
قصة قصيرة
خطرات فكر
مسك الختام

عالم الكتب

د. محمد عثمان الملا ـ
جامعة الملك فهد للبترول والمعاد
ن

 
 

 

صاحب هذا الكتاب هو عبد الله بن المقفع أكبر أدباء القرن الثاني الهجري، وقد ألف كتابه هذا من أقوال المتقدمين، ومهد له بمقدمة في فضل الأقدمين على العلم وشرائط درسه والغاية من تأليف الكتاب.. وقسمه إلى قسمين..

القسم الأول: في السلطان ومصاحبته وما يحسن لكل منهما من الصفات.. ويشتمل هذا القسم على بابين..

الأول في آداب السلطان.. والثاني في صحبة السلطان

أما القسم الثاني: فقد خصه بالحديث عن أدب الأخوة والصحبة.. ويصدِّر بحثه في هذا المجال بدعوة الإنسان إلى أن يبذل لأخيه وصديقه أنفس ما يملكه في حياته وهما الدم والمال.. وهو في ذلك يعلي من شأن الصديق ويعظم حقه على صاحبه.. ولم يكن ابن المقفع في هذا صاحب توجيه أخلاقي نظري وإنما كان في حياته مثلا عاليا للأخوة في أعلى مراتبها، عندما جاد بنفسه لصديقه عبد الحميد الكاتب وحاول أن يفتديه بروحه كما جاد بماله لأحد أصدقائه..

وهو في كتابه هذا وفي هذا القسم بالذات يحاول أن يرسي قواعد أخلاقية تهذيبية في أدب السلوك الأخوي.. وأول هذه القواعد أن يكون أمينا مع صاحبه لا يخونه في أي شيء قلَّ أو كثر حتى في كلامه الذي يسمعه منه.. ويكون مناط إعجابه فليس له الحق في أن ينتحله وينسبه لنفسه في غيبته ليتجمل به أمام الناس.. ولكي ينفر الإنسان من هذا الخلق السيء يصف هذا العمل بأنه مجلبة للعار ومدعاة للسخف.. أما إذا انتحل المرء كلام أخيه في محضره فإن ذنبه يكون أعظم حيث يجمع مع الظلم قلة الحياء.. فعلى الرجل العاقل عندما يسمع كلاما جميلا من صاحبه أن يعمل بمقتضاه ويأخذ ما فيه من صواب وينسبه إلى قائله.. ثم لا يكتفي ابن المقفع بهذا القدر من الأمانة في أدب الحديث بل يحضّ الإنسان على أن يكون إذا استطاع على درجة عالية من المثالية فيقول «ومن تمام حسن الخلق والأدب في هذا الباب أن تسخو نفسك لأخيك بما انتحل من كلامك ورأيك وتنسب إليه رأيه وكلامه وتزينه مع ذلك ما استطعت» ص:(66).. ثم يتابع توجيهه في أدب ا لحديث فيدعو إلى الروية والتفكير قبل الكلام لأن التسرع في الكلام قبل التفكير فيه يوقع في الخطأ والحرج، فقد يتكلم الرجل بكلام لا يدرك عدم لياقته إلا بعد أن ينطق به فيضطر إلى قطعه، وفي ذلك ما فيه من ثقل الوقع على السامع واهتزاز لشخصية المتكلم.. وعلى المرء أن يتذكر عندما يرغب في الكلام أن لكل مقام مقال وأن لكل حادث حديث لكيلا يهرف بما لا يعرف.. فمطابقة الكلام لمقتضى الحال لا تكون إلا مع الأناة والتدبر.. ثم يختم توجيهه في هذه النقطة بقوله «وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول» (ص 68).. ولعل ابن المقفع يعني بهذا التوجيه مجلس العلم فإنه إلى الترصن والتأني أليق من مجلس الأنس والانبساط، لأننا نراه ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن أدب الحديث مع الخلفاء، ومن يستحب رفع الكلفة معهم، حيث تجده يتسامح بعض الشيء مع الشخص الذي يميل إلى جانب اللهو مع صديقه الذي يأنس به.. ولكنه لا يطلق له العنان في المفاخرة اللاهية التي تفضي بصاحبها إلى الهزل والعربدة في الحديث، بل عليه أن يرد نفسه إلى حظيرة الجد ما أمكن.. ثم نراه في هذا المقام يحذر من شيء آخر بأسلوب التوكيد وهو ألا يخلط الجد بالهزل أو الهزل بالجد، ويشير إلى سبب هذا التحذير وهو أن خلط الجد بالهزل يذهب بهيبته كما أن خلط الهزل بالجد يذهب بصفائه ولطافته.. ولكنَّا نجده يستثنى من هذه القاعدة حالة واحدة يرى في خلط الجد بالهزل فيها إصابة للرأي وهي الحالة التي تبتلى فيها بتطاول سفيه عليك فتجيبه إجابة الهازل المداعب من دون أن يظهر عليك ضيق أو تبرم، فإنك بهذا ستكون الغالب والأقوى. ثم نراه يطالعنا برأي طريف ويبينه على أساس منطقي مقنع، وهذا الرأي يدور حول قضية هامة وهي مجالسة صديق الانسان لعدوه، وهذه القضية قد لا يقبلها المرء بادئ الرأي ولكنه إذا استمع إلى وجهة نظر ابن المقفع فيها فر بما يؤيده، ذلك أن صديقك واحد من اثنين إما أن يكون محل ثقتك ومن أخص إخوانك أو لا يكون كذلك.. فإن كان من الصنف الأول فلا مخافة من وجوده مع العدو بل ربما يكون وجوده معه خيراً لك.. «لشر يكفه عنك أو لعورة يسترها منك أو غائبة يطلع عليها لك» (ص 69).. أما إذا كان من الصنف الثاني فليس لك عليه من الحقوق ما يبيح لك منعه من مجالسة من لا تحب. وفي آداب مجالس الإخوان يضيف ابن المقفع إلى ما سبق.. التلطف في محادثة الإخوان، وعدم التطاول عليهم.. وهو لا يكتفي بالاشارات الأخلاقية في التعامل مع الأصحاب بل نراه يراعي الحالات النفسية أيضاً وكأنه عالم نفساني، فهو يطلب ممن يريد الانتفاع بتوجيهاته ألا يلح في إظهار آرائه وإن كانت صائبة، كلما ضمه وأصحابه مجلس خشية أن يظنوا بأن ديدنه إظهار التفوق والغلبة عليهم (ص70).. ونلحظ في بعض توجيهاته ما ينبئ عن دراية بدخائل النفس الانسانية وما يعتمل فيها من أهواء وغرور.. كقوله «إذا أقبل عليك مقبل بوده فسرك ألا يدبر عنك فلا تعظم الاقبال عليه والتفتح له فإن الانسان طبع على ضرائب لؤم فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به ويلصق بمن رحل عنه إلا من حفظ بالأدب نفسه وكابر طبعه» (ص 70).. فهو يضع الدليل النفسي أمام من يعجب بإنسان ويتعلق به ويرغب في مؤاخاته فلكي يصل إلى ما يريد ينبغي له ألا يبالغ في إظهار عواطفه نحوه ويبدي الحرص الشديد على التماس صداقته حتى لا يأخذه التيه والعجب بنفسه فيترفع عنه ويخسر صداقته. وابن المقفع يدين بخلق التواضع ويحض عليه فهو يحذر من كثرة ادعاء المرء للعلم بين اخوانه حتى لا يسقط بين فضيحتين هما على حد تعبيره «إما أن ينازعوك فيما ادعيت فيهجم منك على الجهالة والصلف وإما ألا ينازعوك ويخلوا في يديك ما ادعيت من الأمور فينكشف منك التصنع والمعجزة» (ص 71).. ويطلب منه أن يتذرع بالحياء ويعتصم به عندما يخامره الميل إلى التتايه والمباهاة على أخيه بالعلم والمعرفة.. وألا يخبر صاحبه بأنه عالم وهو جاهل، فإن فعل ذلك فلا ينتظر منه إخلاصا أو صفاء.. ثم ينصح صاحب العلم والفضل أن يتجنب الافتخار والعجب أمام رفاقه وإلا فإنه سيجني من المصايب ما يغطي على فضائله. ونلحظ في مؤدبنا إلحاحاً وتركيزاً على معالجة هذه الفكرة واحتواء جزئياتها، وأعني بها ظاهرة الإعجاب بالنفس وحب إظهار ما يحسن به نحو نفسه من فضل يقول «وإن آنست من نفسك فضلا فتحرج أن تذكره أو تبديه واعلم أن ظهوره منك بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل «واعلم أنك إن صبرت ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس» ثم يقول «ولا يخفين عليك أن حرص الرجل على إظهار ما عنده وقلة وقاره في ذلك باب من أبواب البخل واللؤم، وإن من خير الأعوان على ذلك السخاء والتكرم» (ص 72) فهو يطلب من العالم أن يتعايش مع أصحابه كواحد منهم لا يزيد عليهم بشيء، وليس معنى ذلك أنه لا يستفيد من علمه فإن العلم زينة ومنار بيد أن قلة ادعائه تطرد عنه الحسد.. وكذلك يريد من صاحب البيان أو المنطق ألا يتشدق به ولا يتفيهق بل يكون كأبسط جلسائه من الأصحاب ومنطقه سينفعه ولا شك وقت الحاجة.. وهو يفضل أن يكون الانسان صموتا على أن يكون ثرثارا لأن الصمت يضفي على صاحبه الوقار والهيبة. وما يزال ابن المقفع يرسم لنا الصور المثلى عن آداب الحديث فيقول ( وإذا رأيت رجلا يحدث حديثا قد علمته أو يخبر خبرا قد سمعته فلا تشاركه فيه ولا تتعقبه عليه حرصا على أن يعلم الناس أنك قد علمته فإن في ذلك خفة وشحا وسوء أدب وسخفا» (ص 73) وتلك عادة سيئة حقا.. ومن المؤسف أنها شائعة بين الناس. ويحذر مفكرنا من الكلام الذي لا يقترن بالعمل، ويؤثر الفعال على القوال، ثم يسوق لنا قول الحكيم الذي يقول فيه «لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل وفيما بينك وبين صديقك الرضا» ويعلل ذاك المطلب في قوله «وذلك أن العدو خصم تصرعه بالحجة وتغلبه بالحكام وأن الصديق ليس بينك وبينه قاض فإنما حكمه رضاه» (ص 74).

ويواصل ابن المقفع توجيهاته في أدب الصداقة والصديق فيحذر المرء تحذيرا شديدا من هجر صاحبه حتى وإن حصلت منه بعض الأخطاء والهفوات، ويطلب منه أن يوطن نفسه على مواصلة صديقه وإغلاق كل أبواب القطيعة، لأن حق الصداقة في نظره تعلو على حق المملوك تجاه مالكه بل وتزيد على حق المرء نحو زوجته.. وهو يرى أن الصحبة لا تعوض أبدا ولا يجوز التفريط فيها كما لا يجوز التفريط في العرض والمروءة.. «فإنما مروءة الرجل إخوانه وأخواته» (75).. ثم يبين أثر قطيعتك لأخيك في نفوس الناس وإن كان لك العذر في ذلك، وأن كثيراً منهم سيعتبرونك خائنا ملولا، فعليك أن تواصل أخاك على رضا منك لأنك إن واصلته على كره منك وقعت في العيب والنقيصة «فالاتئاد الاتئاد والتشبث التشبث» ص (75) ثم ينتقل كاتبنا إلى مسألة هامة من مسائل الصداقة وهي اختيار النوعية الصالحة من الإخوان.. فيضع العلامات لكل صنف منها، فإن كان من تحب مؤاخاته من اخوان الدين فليكن فقيها خاليا من المراءاة والحرص.. وإن كان من إخوان الدنيا فليكن حرا، والحر في نظره هو الذي لا يكون جاهلا ولا كذابا ولا شريرا ولا مشنوعا.. ثم يذكر العلة من تحذيره من تلك الأصناف الأربعة وهي: أن الجاهل لا يحتمله أحد حتى أبويه لكثرة ما يجلبه على ذويه وأصحابه من مشاكل ومتاعب.. وأما الكذاب فلا يوثق بصداقته ولا يرتفع إلى مقام الصداقة لأنه إنما سمي الصديق من الصدق «وقد يتهم صدق القلب وإن صدق اللسان فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان» (ص 76) وأما الشرير فإنه يجلب لك الأعداء لحبه للشر ونزوع نفسه إليه «ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة» ص(76) وأما المشنوع وهو المشهور بالقبح فإنه شائن لصاحبه.. ثم يثير ابن المقفع قضية اجتماعية مهمة تتعلق بأسلوب التعايش والتعامل مع الناس وهي: هل يتعامل المرء مع الناس بوجه منبسط ضاحك أم بوجه منقبض عابس أم بأسلوب ثالث وسط؟ ويبين ما في طرفي القضية من خطأ وضرر.. وهو أن الانقباض عن الناس يكسب العداوة، وأن الانسباط إليهم يكسبك صديق السوء وسوء الأصدقاء في رأيه أضر من بعض الأعداء.. لأن معاشرة صديق السوء.. مصدر كثير من المتاعب والجرائر، وإن قطعته شانك اسم القطيعة وألزمك ذلك من يرفع عيبك ولا ينشر عذرك فإن المعايب تنمى والمعاذير لا تنمى ص(76) ولا يترك أديبنا هذه القضية ويتجاوزها إلى غيرها قبل أن يحدد الأسلوب الأمثل في التعامل في نظره فيقول «البس للناس لباسين ليس للعاقل بد منهما ولا عيش ولا مروءة إلا بهما، لباس انقباض واحتجاز من الناس تلبسه للعامه فلا يلقونك إلا متحفظا متشددا متحرزا متسعدا، ولباس انبساط واستئناس تلبسه للخاصة الثقات من أصدقائك فتلقاهم بذات صدرك وتفضي إليهم بمصون حديثك وتضع عنك مؤونة الحذر والتحفظ فيما بينك وبينهم (ص77) فهو يطلب منا أن نتعامل مع عامة الناس بأسلوب جاد متحفظ لا مكان فيه للتبسط والتبذل أما الأصدقاء الخلص فلا بأس من رفع الكلفة معهم والتعايش معهم على السجية والبسط والافضاء إليهم بخلجات النفوس.. وينبه على أن أهل هذه الطبقة من الأصدقاء قليلون جدا وأن الوصول إليه لا يتم إلا بعد التجربة والاختبار.. ونراه في كثير من توجيهاته يجعل من نفسه المثل والقدوة، فعندما كتب إليه ابن زياد يطلب مصادقته أبطأ عليه في الجواب واعتذر إليه بأن مذهبه في اتخاذ الصديق مذهب صعب طويل.. فهو يرى الصداقة رق ويكره أن يوليه رقه قبل أن يعرف حسن مملكته. وفي حقوق الاخوان نراه يكمل ما بدأ كتابه به فيدعو إلى تحمل تبعات الصداقة ومنها المشاركة الكاملة في كل ما يقع على الصديق من مصائب ونوازل، كزوال نعمة أو نزول بلية.. ثم يورد ابن المقفع طائفة من الوصايا والتنوجيهات المتعلقة بآداب الأخوة، ففي باب الاعتذار يرى ألا تعتذر إلا إلى الصاحب الذي يقبل الاعتذار ويتقبله بصدر رحب.. وفي باب الاستعانة يرى ألا تستعين إلا بالصديق الذي يحب المساعدة وينشرح لها.. وفي باب الحديث يرى ألا تحدث إلا من يرتاح لحديثك.. كل ذلك من أجل الحفاظ على الكرامة وحتى لا تتعرض شخصيتك لأية هزة أو هوان.. أما إذا اعتذر اليك صديق فيجب عليك أن تتلقاه بوجه طلق ولسان حلو وتقبل عذره إن كنت تحرص على دوام مودته.. ثم يتحدث عن إخوان الصدق ويحث على مصاحبتهم بعد أن يعدد صفاتهم ومزاياهم، فهم خير مكاسب الدنيا لأنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء ومعونة على خير المعاش والمعاد (ص 81) وينهي ابن المقفع عن الثمن في عمل المعروف أو الاستطالة على المسدى إليه، فإن في ذلك ما فيه من هدم الصنيعة وتكدير المعروف.. ثم يدعو إلى الاحتراس من أشياء منها: سورة الغضب وسورة الحمية وسورة الحقد وسورة الجهل.. ومقابلة ذلك بالحلم والتفكير والروية، وذكر العاقبة وطلب الفضيلة.. ثم يدعو إلى الاجتهاد وعدم الاستسلام في سبيل الوصول إلى الهدف الأسمى.. ويجعل النجاح حليف العمل الجاد.. ثم يتحدث عن الصبر ويدعو إلى توطين النفس عليه.. ويقسمه إلى قسمين: صبر على ما تكره وصبر عما تحب.. ويرى أن الصبر على المكروه أكبرهما.. ثم يتحدث عن العلم ويحث عليه، ويقسمه قسمين: علم للمنافع وعلم لتزكية العقول.. فالأول هو أفشاهما وأحراهما أن ينشط له صاحبه.. والثاني يهتم به أولو الفضيلة والألباب.. ثم يتحدث عن السخاء وأنه نوعان: سخاوة نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عما في أيدي الناس.. ثم يحذر من الحسد ويعدد مساوءه وعيوبه وكيفية التخلص منه.. ثم يتكلم عن العدو وكيف تتعامل معه وتنتصر عليه.. ثم ينبه على الاستعداد للمفاجآت التي قد يبده بها الإنسان، كأن يعيره معير عند السلطان بغتة، وأن عليه أن يتأهب لمثل ذلك ويهيئ الرد القاطع.. ثم يحذر من الغرام من النساء، ويعدد أضرار ذلك.. ثم يدعو إلى التواضع وعدم الثرثرة والمراءاة.. ثم يحث مرة أخرى على الصبر وعدم تأخير أعمال اليوم إلى الغد والاستعانة على إنجازها بالصبر والتحمل.. ثم يحذر من المبالغة في أي شيء وينفر منها، سواء المبالغة في العبادة، أو حمل العلم، أو تكلف رضى الناس، أو غيرها.. ثم يدعو إلى حفظ المليح والرائع من الأحاديث.. ثم يعود إلى الصحبة والأصحاب فيدعو إلى النظر فيمن صاحبت من الناس، هل هو فوقك في المنزلة أو من الأكفاء.. والخلطاء والإخوان ومع الجميع يجب أن توطئ نفسك في صحبته وتقبل منه العفو وتسخو نفسك عما اعتاص عليك مما قبله غير معائب ولا مستبطئ ولا مستزيد لأن المعاتبة تقطع المودة والاستزادة من الجشع.. والرضى بالعفو والمسامحة في الخلق يحقق لك ما تريد مع حفظ الكرامة والمودة والمروءة ( ) ويحض ابن المقفع في تركيز اللافتات المرشدة على طريق الصداقة.. ونجد لافتة تحمل التوجيه التالي: (لا تصاحب أحدا إلا بمروءة).. ويفصل هذا التوجيه فيقول: «لا تصحبن أحدا وإن استأنست به أخا ذا قرابة أو أخا ذا مودة ولا والدا ولا ولدا إلا بمروءة.. فإن كثيرا من أهل المروءة قد يحملهم الاسترسال والتبذل على أن يصبحوا كثيرا من الخلطاء بالأدلال والتهاون والتبذل» ويبين نتائج التبذل مع الأصدقاء فيقول: «ومن فقد من صاحبه صحبة المروءة ووقارها وجلالها أحدث ذلك له في قلبه رقة شأن وسخف منزلة».. ثم يحذر من آفة قد تعصف بالصداقة وتدمرها وهي تلمس غلبة الصاحب والظفر عليه عند كل كلمة ورأي.. والاجتراء على تقريعه بظفرك إذا استبان وحجتك عليه إذا وضحت ( ).. ويزيد توضيح ذلك بقوله: «فإن أقواماً قد يحملهم حب الغلبة وسفه الرأي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعدما تنسى فليلتمسوا فيها الحجة ثم يستطيلوا بها على الأصحاب وذلك ضعف في العقل ولؤم في الأخلاق» ص(110) ثم يعرض المؤلف توجيهات أخلاقية عامة فيحذر من إعجاب المرء بإكرام من يكرمه لمنزلة أو سلطان أو مال لسرعة زوالها أو لنسب لقلة غنائه، ويحصر الاعجاب المقبول في أمرين: من يكرمك لمروءتك أو دينك.. ثم يحذر من الجبن والحرص ويبين أضرارهما بأسلوب يقوم على النظر والاعتبار.. ثم يثير قضية من القضايا المتعلقة بالصداقة وهي: هل يجب على الصديق تجاه صديقه إذا ذكره أحد بسوء أن يثور ويدافع عنه؟ وهل في ذلك المصلحة أم أن هناك مواضع معينة لا يجوز السكوت فيها ومواضع أخرى يستحسن فيها السكوت.. ابن المقفع يعرض رأيه في هذه القضية على النحو التالي: واعلم أنه ليس كل من كان لك فيه هوى فذكره ذاكر بسوء وذكرته أنت بخير ينفعه ذلك بل عسى أن يضره فلا يستخفنك ذكر أحد من صديقك أو عدوك إلا في مواطن دفع أو محاماة، فإن صديقك إذا وثق بك في مواطن المحاماة لم يحفل بما تركت مما سوى ذلك، ولم يكن له عليك سبيل لائمة، وإن من أحزم الرأي لك في أمر عدوك ألا تذكره إلا حيث تضره، وألا تعد يسير الضرر له ضررا (ص 112) ثم يحذر أديبنا الانسان من المبالغة في الإصغاء إلى كلام الناس فيه والتأثر بأقوالهم في تصرفاته تأثراً يحمله على مجاوزة الحد في أعماله وأقواله.. ويدعو إلى الاحتراس من ذلك في قوله: اعلم أن الرجل قد يكون حليما فيحمله الحرص على أن يقول الناس جليد، والمخافة من أن يقال مهين على أن يتكلف الجهل.. وقد يكون الرجل زميتا فيحمله الحرص على أن يقال لسن والمخافة من أن يقال عيي على أن يقول في غير موضعه، فيكون هذرا، فاعرف هذا واشباهه واحترس منه كله (ص 113) ولا تخلو آراء ابن المقفع من بعض الطرافة كما في قوله: إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوب فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى ص(114) فهو يضع قاعدة وينهج حول الأمور المفاجئة التي تواجه الناس وتتطلب الرأي العاجل السريع فيها. وابن المقفع يحرص على معاملة الناس بالأسلوب الجميل والكلمة الطيبة مع المحافظة على الكرامة ونقاء العرض. وفي آداب المجالسة يشير المؤلف إلى ناحية هامة تتعلق بأدب الحديث وذلك أن المجالس العامة قد تضم أصناف من الناس فيهم العالم والجاهل والبليغ والعيي.. فينبغي أن تتحدث مع كل منهم بالأسلوب الذي يفقهه ويفهمه ويناسبه.. ويتوسع ابن المقفع في توضيح هذه الفكرة فيقول: واعلم انه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عايروه ونصبوا له ونقضوه عليك وحرصوا على أن يجعلوه جهلا، حتى إن كثيرا من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على الناس ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويفتن به (ص115) ولا يقتصر اهتمام أديبنا بالتنبيه على حقوق الصاحب نحو صاحبه، أعني الحقوق المباشرة بل يتجاوزها إلى حقوق الصاحب تجاه أصحاب صديقه ووجوب الترحيب بهم والإشفاق عليهم، لأن ذلك يدل على تقديرك لصديقك واهتمامك به.. ثم ينهى عن أمور قبيحة تشين المرء إذا ارتكبها وهي الفرح عند المحزون وأن الخلق والذوق يقضيان مشاركته في مصابه بالاكتئاب وعدم إظهار البشر والمرح.. لأن ذلك يعني قلة اهتمامه بمصابه وعدم الشعور بألمه. ثم يعود إلى آداب المجالسة وأدب الحديث ومنها أنك عندما تكون في مجلس ويذكر أحد جلسائك رأيا أو كلاما لا تؤيده أو لا تراه صحيحا فينبغي ألا تكاشف المحدث به وأن تحتفظ برأيك في نفسك إلا إذا خشيت أن يتضرر أحد الجالسين بهذا الرأي أو القول.. ففي هذه الحالة لا بأس من أن تنبه الشخص الذي تخاف عليه بينك وبينه وفي سرية.. لأن العاقل هو الذي يحرص على حسن علاقته بالناس لسماعه أو الصمت حين يكون الكلام باعثا على البغضاء والشحناء مع الناس.. وعند الكلام يستحب خفض الصوت والتواضع والابتعاد عن العجب والكبر. ولا يغفل ابن المقفع نقطة هامة كثيرا ما تقع بين الإخوان ويترتب بسببها كثير من المشاكل مع عدم الاستغناء عنها في بعض الأحوال، وهي الاستشارة فعندما يمر إنسان بمشكلة أو يقدم على أمر مهم نراه في كثير من الأحيان يهرع إلى أخيه أو صاحبه يتلمس عنده الرأي والمشورة، وهنا يضع ابن المقفع لافتة تحمل العنوان التالي: المستشار ليس بضامن وجه الصواب. فصاحب المشكلة عندما يستشير صديقه فإما أن يأخذ برأيه أو لا، فإذا أخذ برأيه فعليه ألا يحمله نتائج استشارته لأن الإنسان لا يضمن الصواب في كل رأي يقول به، ولذلك يجب على المستشير ألا يلوم صديقه ويلقي عليه بالتبعة بل عليه أن يقول في نفسه لقد اجتهد صديقي ونصح والمجتهد يخطئ ويصيب، أما بالنسبة للمستشار فعليه أن يجتهد في رأيه ويتروى في حكمه ويخلص في نصيحته، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر.. وفي أدب الاستماع نلقى التوجيه التالي من كاتبنا في قوله: تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام.. ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه وقلة التلفت إلى الجواب والاقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول (ص119) ثم يتحدث عن الزهد ويبين الصورة الحقيقية ويحضّ عليها في آخر قوله.. ولكن إذا دعتك نفسك إلى رفض الدنيا وهي مقبلة عليك فأسرع إلى أجابتها (ص120) وفي آخر الكتاب يسوق المؤلف طائفة من التوجيهات الخلقية العامة والآداب الكريمة بعضها مكرر وبعضها طريف كتفريقه بين الحذر والخور، فالحذر اجتناب الأمر قبل مواقعته، والخور تهيبه بعد الخوض فيه.. وكتقديمه هذه الصورة التي تعكس سوء المجالسة، وهي عندما يجتمع انسان بآخر في مجلس يكون الثاني صاحب نعمة وفضل لا يتوافران في الأول فيحاول هذا أن يتشفى من صاحبه بتصغير أمره وتكدير النعمة عليه، بأن يذكر الزوال والفناء والدول، كأنه واعظ وقاص وهو في الحقيقة حاقد حاسد، وفي نهاية الرسالة يرسم ابن المقفع الصورة المثلى للصديق الحق بأسلوب خبري جميل، يقول فيه: كان لا يدخل في دعوى ولا يشترك في مراء وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره.. وكان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء.. وكان لا يستشير صاحبا إلا من يرجو عنده النصيحة.. وكان لا يتبرم ولا يتسخط ولا يتشهى ولا يتشكى... ص (124).

● عبد الله بن المقفع: الأدب الكبير ـ دار الجيل ـ بيروت

 
 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب