المسيحية ديانة موحِّدة :
وفي الفصل الثالث من هذا الكتاب..وتحت هذا
العنوان..ادعى كاتب هذا «المنشور التنصيري» أن «كلمة
الله» التي هي المسيح، تعني «عقل الله» وقدرته على
إعلان ذاته وتنفيذ إرادته»..فالكلمة هي العقل ـ اللوجس
ـ .
 |
وفي الحوار مع هذه الدعوى نقول:
• إذا كان المسيح هو كلمة..الله..وإذا كانت
الكلمة ـ المسيح ـ «تعني العقل الإلهي وقدرته
على إعلان ذاته وتنفيذ إرادته»
• وإذا كان المسيح ـ الكلمة..العقل ـ قد ولد
من مريم..
فهل قبل المسيح كان الله بلا عقل وبلا قدرة
على إعلان ذاته وتنفيذ إرادته؟!
وإذا قيل: إن عقل الله اتحد بالمسيح ـ أي
بالناسوت ـ في رحم مريم.. فهل دخل الله بعقله
في رحم مريم؟!..أم دخل عقله وحده رحم مريم،
وبقى الله بلا عقل؟!..
وإذا كان الله قد اتحد بالمسيح في رحم مريم،
اتحاد اللاهوت والناسوت ـ فهل كان الله يدبر
الكون، ويعلن ذاته وينفذ إرادته من داخل رحم
مريم؟!..
• وإذا كان الثلاثة ـ الأب..والإبن..والروح
القدس ـ هم واحد ـ لا ثلاثة ـ مثل حرارة
الشمس..وضوئها، المتحدان بها ـ كما يحلو لهم
التمثيل بذلك في تفسير «وحدة الثالوث»..
|
فإن الضوء وحده لا يقوم بوظيفة الشمس..وكذلك الحرارة
وحدها لا تقوم بوظيفة الشمس..وإنما لا بد من كل مكونات
الشمس:ـ الضوء..والحرارة..وغيرها للقيام بوظائف
الشمس..
لكن المسيحيين يجعلون المسيح إلها كاملاً يقوم بكل
وظائف الإله، حتى لقد جعلوه بديلاً للأب.. فهو ـ عندهم
ـ خالق كل شيء.. وبه كان كل شيء.. وبدونه لم يكن شيء..
وهو الألف والياء.. وبذلك سقط «تسويق» وحدة الثالوث
بالقياس على مكونات الشمس.
لقد تجاوزوا التثليث وتعدد الآلهة إلى الشرك الذي حل
فيه المسيح محل الله ـ الأب ـ.
ولقد سبق للإمام الفخر الرازي أن سد الطريق على
النصارى في هذا التخريج الذي حاولوا به جمع المتناقضات
ـ التثليث والتوحيد ـ وذلك عندما عرض مذهبهم هذا فقال:
«إنهم يقولون: إن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه
السلام. «فأقنوم الكلمة» إما أن يكون ذاتا أو صفة، فإن
كان ذاتا فذات الله قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى،
فيكون عيسى هو الإله على هذا القول.
وإن قلنا: إن الأقنوم عبارة عن الصفة، فانتقال الصفة
من ذات إلى ذات أخرى غير معقول.
ثم بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى
عيسى يلزم خلو ذات الله عن العلم، ومن لم يكن عالما لم
يكن إلها..»(1)
• أما كون المسيح ـ في القرآن الكريم ـ (كلمة الله)
(إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها
إلى مريم وروح منه) ـ النساء: 172 ـ.. فمعناها: خلق
الله.. فكلمات الله لا نهائية.. أي خلقه ومخلوقاته
(ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من
بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم.
ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير)
ـ لقمان: 27-28-.. (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي
لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله
مددا) ـ الكهف: 109 ـ.. فكلمات الله هي خلقه.. ووحيه..
وقضاؤه..
• وأما كون المسيح ـ في القرآن ـ هو روح من الله (وروح
منه) ـ النساء: 172 ـ.. فإنها لا تعني ألوهيته.. فلقد
نفخ الله ـ سبحانه وتعالى ـ في آدم من روحه.. ولم يقل
أحد إن آدم قد صار إلها بسبب احتوائه على روح من
الله.. (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) ـ السجدة: 9 (فإذا
سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) ـ الحجر: 29
ـ..
• ثم.. إن هذا القرآن الكريم ـ الذي يستشهد به هذا
الكتاب، في هذه المواطن، وبهذه الآيات، ليوهم قراءه
انحياز القرآن لعقائد النصرانية في ألوهية المسيح.. إن
هذا القرآن هو ذاته الذي نفى نفيا قاطعا ألوهية المسيح
وبنوته لله، وحكم على من قال ذلك بالكفر والشرك (لقد
كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال
المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من
يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما
للظالمين من أنصار.. لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث
ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما
يقولون ليمسنَّ الذين كفروا منهم عذاب أليم. ما المسيح
ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمّه صدِّيقة
كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر
أنَّى يؤفكون. قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم
ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم. قل يا أهل
الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء
قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء
السبيل) ـ المائدة: 72ـ77.
هذا هو القرآن، الذي يحاول كاتب هذا «المنشور
التنصيري» أن يستشهد به.. يعلن أن المسيح: كلمة الله..
أي خلقه. نفخ فيه من روحه.. كما نفخ في آدم من روحه..
وأنه ـ المسيح ـ عبد الله ورسوله، كالخالين من الرسل..
وأن الذين ألهوه، وقالوا بالتثليث قد كفروا
بالوحدانية.. وسقطوا في مستنقع الإشراك بالله الواحد
الأحد.
• وأما تفويض القرآن الكريم للمسيح ـ عليه السلام ـ
معجزات الخلق (إنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير
فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله) ـ آل عمران: 49ـ..
فهو معجزة بإذن الله، وليست خلقا ابتدائيا كخلق الله.
وكذلك شفاؤه للمرضى.. وإحياؤه للموتى ـ هو إعجاز بإذن
الله (وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله) ـ
آل عمران: 49ـ.. فهو إعجاز يظهره الله على يديه، وليس
ثمرة لألوهيته.. وإلا كان شريكا لله في الخلق والإحياء
والإماتة.. والشراكة تعني الشرك لا التوحيد.. ثم إنه
هو ـ المسيح ـ مخلوق لله، بإعجاز دون إعجاز خلق آدم ـ
عليهم السلام ـ.
• واستدلال الكتاب بآية سورة الزخرف: (وإنه لعلم
للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم).. 61
ـ.. استدلاله بجعل القرآن المسيح من علامات الساعة..
يتجاهل أن هذه الآية مسبوقة بالآية 59 ـ التي تقول ـ:
(إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني
إسرائيل) ـ فهو عبد الله ورسوله.. جعله آخر أنبياء بني
إسرائيل.. وعلامات الساعة ـ كل علاماتها ـ مخلوقة لله
الواحد الأحد.. وليس من بينها علامة تشارك الله في
الألوهية والخلق.. ولم يقل عاقل إن علامات الساعة..
وهي كثيرة ـ هي آلهة مع الله!..
• وميلاد المسيح بلا أب بشري، لا يعني ألوهيته.. وإلا
لكان آدم ـ عليه السلام ـ أولى بذلك ـ فلقد خلق دون أب
ولا أم.. إنهم خلق الله.. وكلمات الله.. خلقوا بقدرة
الله الواحد الأحد (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم
خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) ـ آل عمران: 59ـ.
فهو معجزة، خلقه الله دون أب.. والإعجاز في خلقه أقل
من الإعجاز في خلق آدم.. ولذلك عبر القرآن الكريم بلفظ
(كمثل آدم) ـ والمشبَّه ـ (خلق المسيح) ـ لم يبلغ ـ في
الإعجاز ـ مبلغ المشبَّه به ـ (خلق آدم) ـ..
• وإذا كان المسيح قد جاء بمعجزات كثيرة، فإنما كان
ذلك لغلاظة القلوب والعقول والرقاب في بني إسرائيل..
وإلا فتكفي للداعي معجزة واحدة تتم بها المفارقة
للواقع والخرق لقوانينه، والتحدي المعجز، المعلن عن
صدق الرسول.
• ثم إن المسيح ـ عليه السلام ـ قد تألم.. وبكى..
وصرخ.. واستغاث ـ وهي من نواقص البشر الممتازين ـ فضلا
عن الأنبياء ـ وإن تكن نواقص خارجية عن نطاق التبليغ
عن الله.
• وقبل كل هذا وبعده.. فإن مصدر عقائد المسيحية في
ألوهية المسيح، وبنوته لله، وصلبه.. مصدرها الأناجيل،
التي ثبت ـ بالعقل والنقل واستقراء واقعها ـ افتقارها
للشروط الضرورية التي تجعلها مصدر صدق لنظرية اجتماعية
أو فلسفية ـ فضلا عن أن تكون مصدر صدق لدين من
الأديان.

إن ألوهية المسيح.. وبنوته لله:
ترفضها أسفار العهد القديم.. وترفضها اليهودية ـ التي
جاء المسيح ـ عليه السلام ـ ملتزما بشريعتها
وعقيدتها.. ومضيفا إليها «التعاليم».
ويرفضها القرآن الكريم.. والإسلام.. ويعدها شركا بالله
وكفرا بوحدانيته.
- وإذا كانت الأناجيل ـ التي ذكرت في دوائر المعارف
والموسوعات والدراسات المسيحية قد وصل عددها إلى مائة
إنجيل.. فإنه لم يقل بألوهية المسيح، من بين تلك
الأناجيل المائة، سوى إنجيل واحد هو إنجيل يوحنا!!.
فهل من الجائز ـ والمعقول ـ أن تهمل كل الأناجيل
الأخرى الإشارة إلى هذه العقيدة المحورية ـ الألوهية
وطبيعة الإله ـ وينفرد بها إنجيل واحد ـ من بين مائة
إنجيل ـ؟!.
بل لقد أنكرت هذه العقيدة ـ ألوهية المسيح ـ كثير من
هذه الأناجيل، التي قالت إن المسيح مخلوق، كان بعد أن
لم يكن، وهو عبد الله ورسوله.
بل لقد ظلت هذه العقيدة ـ القائلة إن المسيح هو عبد
الله ورسوله ـ العقيدة السائدة في النصرانية إبان
القرون الأولى من تاريخ المسيحية.
• وإذا كان عمدة الأدلة المسيحية على ألوهية المسيح هو
أنه «الكلمة» ـ كلمة الله ـ.. فإن كل أسفار التوراة
تأتي فيها «الكلمة» بمعنى: الوحي.. أو الأمر الإلهي..
أو الرسالة النبوية، عند أنبياء العهد القديم.. ولم
تشر هذه الأسفار بمصطلح «الكلمة» إلى المسيح ـ ابن
مريم ـ أو أي مسيح آخر..
وكذلك صنع القرآن الكريم ـ فكلمة الله ـ كما سبق
وأشرنا ـ هي: قوله.. ووحيه.. ووعده.. وقضاؤه.. وحكمه..
وخلقه..
(كلا إنها كلمة هو قائلها) ـ المؤمنون: 100 ـ..
(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) ـ آل عمران:
64ـ..
(وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) ـ
هود: 119 ـ..
(وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) ـ
الأعراف: 137.
(وكلمة الله هي العليا) ـ التوبة: 74..
(ولقد قالوا كلمة الكفر) ـ التوبة: 74..
(وألزمهم كلمة التقوى) ـ الفتح: 26 ..
(ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم) ـ يونس: 19..
(إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله) ـ آل
عمران: 29.
(إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم)
ـ آل عمران: 45..
(إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته) ـ
النساء: 171..
(قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن
تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) ـ الكهف: 109..
• وفي الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى الكنائس
النصرانية لم يرد مصطلح «الكلمة» في متى ومرقس.. وورد
في لوقا بنفس معناه في أسفار العهد القديم Word:
«اسمعوا الكلمة التي تكلم بها الرب عليكم يا بيت
إسرائيل) ـ إرميا1: 1-.. وقال عن يوحنا المعمدان:
«كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية» ـ
إصحاح 2: 3 ـ.. وعن يسوع: «إذ كان الجميع يزدحم عليه
ليسمع كلمة الله» ـ إصحاح 5: 1ـ.
كما أطلق مصطلح «الكلمة» على تعليم تلاميذ المسيح
للناس: «وكثيرون من الذين سمعوا الكلمة آمنوا» ـ أعمال
4:4 ـ.. وعلى تعليم بولس: «هكذا كانت كلمة الرب تنمو
وتقوى بشدة» ـ أعمال 19: 20ـ..
هكذا اتفق التراث اليهودي ـ في أسفار العهد القديم ـ
وأناجيل: متى ولوقا ومرقس وأعمال الرسل ـ على أن معنى
«الكلمة» هو التعليم.. أو الوحي.. أو الأمر الإلهي
الصادر عن قصد واختيار من قبل الله تعالى إلى الناس عن
طريق إنسان معين، هو النبي أو تابع النبي.
ومع العهد القديم وهذه الأناجيل وقف القرآن الكريم في
معنى «الكلمة».
لكن الشذوذ الذي أوقع المسيحيين في تأليه المسيح ـ
عليه السلام ـ قد جاء من الإنجيل الوحيد ـ إنجيل يوحنا
ـ الذي فسر «الكلمة» ـ أى المسيح ـ بأنها العقل Logos
ـ وهو المعنى اليوناني الذي ساد في الفلسفة الوثنية
اليونانية.. ـ فجعل المسيح ـ كلمة الله ـ عقل الله،
ومن ثم فهو متحد به.. أي إله!؟..(2)
ولذلك، كان هذا الإنجيل هو الوحيد ـ من بين الأناجيل ـ
المعتمدة ـ وهي أربعة ـ وغير المعتمدة ـ التي يصل
عددها في بعض الدراسات إلى مائة إنجيل ـ كان هذا
الإنجيل هو الوحيد الذي ادعى كاتبه ألوهية المسيح،
لأنه «الكلمة» ـ بمعنى «العقل» ـ عقل الله ـ ومن ثم
كان هذا الإنجيل وحده هو المصدر لعقيدة الحلول
والاتحاد والتثليث والتأليه للمسيح.
ففي هذا الإنجيل ـ وحده ـ جاء: «في البدء كان الكلمة،
وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله» ـ يوحنا
1:1ـ.
وبعد هذا التصوير للكلمة بأنها هي الله.. ذهب هذا
الإنجيل ـ وحده أيضاً ـ فجعل الكلمة كيانا مستقلا:
«والكلمة صار جسداً، وحل بيننا» ـ يوحنا 1: 14 ـ..
فدخل في الحلول والاتحاد والتعدد..
ثم ذهب هذا الإنجيل ـ وحده ـ فأوغل على درب الوثنية
والشرك إلى حيث جعل الكلمة المسيح ـ بديلا عن الله،
قائما بكل وظائف الإله!.. «هذا كان في البدء عند الله،
كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان» ـ يوحنا 1:
2-3.
وهكذا نجد هذا الإنجيل ـ الذي انفرد بتأليه المسيح..
وانفرد بتبني المعنى اليوناني الوثني للكلمة ـ العقل..
اللوجس ـ والنزعة الغنوصية اليونانية.. الحلولية..
نجده قد جمع كما هائلاً من التناقضات..
فإذا كانت «الكلمة» هي الله، فكيف تصير الكلمة ـ الله
ـ جسدا حلّ بيننا؟!.. هل خلق الله ذاته وجعلها
جسدا؟!.. أم أنه خلق جسدا ـ كما يخلق كل المخلوقات؟..
وإذا كان قد خلق وصيرَّ جسدا حل بيننا.. فكيف يحل هذا
المخلوق محل الخالق، فيكون به كل شيء كان، وبغيره لم
يكن شيء مما كان؟!..
ولا مخرج لهؤلاء الذين اعتمدوا في أم العقائد ـ
الألوهية ـ على عبارات شاذة انفرد بها ـ وشذ ـ إنجيل
واحد ـ على عكس الأناجيل التي اقترب عددها من المائة..
وعلى عكس معنى الكلمة في العهد القديم والتراث
اليهودي.. وعلى عكس القرآن، والتراث الإسلامي.. وعلى
عكس معناها في أناجيل أخرى.. لا مخرج لهم من هذه
التناقضات، التي أدخلت الحلول والاتحاد والتعدد والشرك
والوثنية إلى التوحيد النصراني.. لا مخرج لهم إلا
العودة إلى المعنى الحقيقي للكلمة:
• وحي الله ** ووعد الله ** وقضاء الله ** وحكم الله
** وخلق الله...
بدلا من المعنى الوثني، الذي شاع في الفلسفة الوثنية
اليونانية ـ العقل.. اللوجس ـ الذي تسرب إلى المسيحية
عندما تروَّمت، واتخذت صورتها الرومانية ـ على يد بولس
ـ.. وبهذه العودة إلى أصول النصرانية الموحدة.. ومعاني
الكلمة في التراث الديني التوحيدي، تعود المسيحية إلى
حقيقتها: تعاليم المسيح ـ عليه السلام ـ وبشارته، في
إطار دين الوحدانية والتوحيد لله الواحد الأحد.. الفرد
الصمد.. الذي لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفوا أحد.
• أما تعلق القائلين بألوهية المسيح ـ عليه السلام ـ
بما جاء في بعض الأناجيل من وصفه بأنه «الإبن» أو ابن
الله.. «يدعى ابن الله» ـ لوقا 1: 35 ـ.. فإن البنوة
هنا مجازية.. لا تعني الألوهية..
لقد زعمت اليهود والنصارى أنهم أبناء الله (وقالت
اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم
بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق) ـ المائدة: 18ـ
ولم يزعم واحد منهم أن هذه البنوة تعني ألوهيتهم مع
الله، أو من دون الله.. وفي المأثور الإسلامي: الخلق
عيال الله، وأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله.
ومثل ذلك مصطلح «الرب» ـ الذي يطلق «حقيقة» على الله
الواحد الأحد..
بينما يطلق «مجازا» على رب البيت وسيده.. ولقد قال
يوسف ـ عليه السلام ـ عن سيده ورب البيت الذي يعيش
فيه: (إنّه ربي أحسن مثواي) ـ يوسف: 23ـ .. فاستخدم
مصطلح»الرب» بمعناه المجازي.. لكنه استخدمه بمعناه
الحقيقي عندما قال: (سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور
الرحيم) ـ يوسف: 98-:
وغريب ـ وعجيب ـ أن يقود الخلط بين الحقيقة والمجاز
إلى الشرك بالله العلي العظيم..
ولن يغني هؤلاء نفعا محاولات التلفيق بين «التعدد»
وبين «التوحيد»، عن طريق المثل الذي يكررونه، فيقولون:
إن الثلاثة: الأب.. والإبن.. والروح القدس ـ إله واحد،
مثلما أن ضوء الشمس، وحرارتها، هما ـ مع الشمس ـ
واحد..
ذلك أننا نسألهم:
ـ ولماذا الوقوف عند الثلاثة أقانيم؟
إن الشمس ـ مع الحرارة.. والضوء ـ لها ـ أيضا ـ
استدارة.. ولمعان.. وخصائص كثيرة أخرى.. فلم لا نفتح
الباب للمزيد من العدد في الأقانيم؟!..
ثم.. إ، الأقنوم إذا كان صفة استحال انتقاله من الذات
إلى الآخر.. وإن كان ذاتا لزم التعدد، وانتفى التوحيد
ـ كما سبق وأوردنا كلام الإمام الفخر الرازي ـ ..
.. والحل إنما يكمن في نقاء التوحيد.. والتنزيه للذات
الإلهية، عن مشابهة المحدثات.. فالله ـ سبحانه وتعالى
ـ ليس كمثله شيء.. وكل ما خطر على بالك فالله ليس كذلك
ـ كما هو الحال في عقيدة الوحدانية والأحدية والتنزيه
في عقائد الإسلام.. التي هي العقيدة في دين الله
الواحد، من آدم إلى محمد، عليهم الصلاة والسلام.
• وإذا كانت عقيدة المسيحيين في الخطيئة ـ أي خطيئة
آدم ـ عليه السلام ـ بأكله من الشجرة ـ تقول إن
البشرية كلها قد حملت لعنة هذه الخطيئة ـ بأجيالها
المتعاقبة من آدم إلى المسيح ـ وأن فداء البشرية
وخلاصها من هذه اللعنة قد اقتضى أن يقدم الأب ابنه ـ
المسيح ـ يموت على الصليب فداء وخلاصا للبشرية من هذه
اللعنة وهذه الخطيئة..
فإن هذه العقيدة المسيحية ـ في الخطيئة.. ولعنتها ـ
إنما تصل القمة في الظلم، والذروة في اللاأخلاق!..
بينما لا يتصور عاقل أن يقوم دين على أنقاض العدل
والأخلاق.
فحتى لو افترضنا جدلا أن خطيئة آدم لم تتم توبته منها،
وغفران الله له ذنبه، فإن العدل الإلهي يقتضي أن يكون
الوزر ـ ومن ثم العقاب ـ على آدم، الذي اقترف الوزر،
وارتكب الخطيئة.. وليس من العدل ـ حتى الإنساني.. فضلا
عن الإلهي ـ أن تتحمل البشرية ـ بأجيالها المتعاقبة ـ
اللعنة لوزر لم ترتكبه وخطيئة لم تكتسبها.
• ثم.. أليس الله ـ سبحانه وتعالى ـ وهو التواب الرحيم
ـ بقادر على أن يغفر الذنوب ويتجاوز عن الخطايا، دون
أن يضحي بابنه الوحيد؟!
• إن القرآن الكريم يضع موازين العدل الإلهي عندما
يقول:
(من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها
ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم ترجعون فينبئكم
بما كنتم فيه تختلفون) ـ الأنعام: 164ـ..
(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما
اكتسبت) ـ البقرة: 286.
(اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم) ـ غافر:
17.
• ثم.. ألم يهلك الله ـ في طوفان نوح، عليه السلام ـ
كل العصاة.. وكتب النجاة للأبرار.. فما المبرر لبقاء
لعنة الخطيئة عالقة بالبشرية ـ البريئة ـ حتى تحتاج
إلى صلب وقتل وفداء؟!.
• بل إن في بعض نصوص الكتاب المقدس ـ بعهديه القديم
والجديد ـ ما يشهد للعدل الإلهي، الذي لا يحمل أي نفس
إلا ما كسبت ـ ومن ثم تنفى هذه النصوص الأسس اللا
أخلاقية التي قامت عليها عقيدة الخطيئة والصلب والفداء
وتأليه المسيح وبنوته لله ـ..
ففي سفر التثنية 24: 16 ـ «كل إنسان بخطيئته يُقتل»..
وفي حز قيال 18: 20 ـ «النفس التي تخطئ هي تموت»..
وفي إنجيل متى 12: 36، 37 ـ «لأنك بكلامك تتبرر
وبكلامك تدان»..
فهذه النصوص ـ مع القرآن الكريم ـ مع العدل والمنطق ـ
تنسف الأسس اللا أخلاقية التي أقام عليها المسيحيون»
عقيدة الخطيئة.. التي رتبوا عليها عقائدهم في ألوهية
المسيح وبنوته لله..والصلب والفداء والخلاص.
• ثم... أليس غريبا وعجيبا ـ بل ومريبا ـ أن يُعتمد في
العقيدة الأم ـ الألوهية ـ على إنجيل تحف به الكثير من
الشبهات؟.. فضلا عن شذوذه، في تأليه المسيح، عن غيره
من الأناجيل؟!..
لقد قال الأب روجي ـ في كتابه (مقدمة إلى الإنجيل) ـ
عن هذا الإنجيل ـ إنجيل يوحنا ـ: «إنه عالم آخر»!!..
فهو يختلف عن الأناجيل الأخرى في ترتيب واختيار
المواضيع والروايات والخطب، كما فيه اختلافات في
الأسلوب والجغرافيا والتعاقب الزمني للأحداث، وفي متنه
أكثر من عنوان معارض، وزيادة على ذلك فإن فيه اختلافا
في الآفاق اللاهوتية ـ كما يقول «أ. كولمان» ـ إلى
درجة أن أقوال المسيح تساق بشكل مختلف لدى كل من يوحنا
والمبشرين الآخرين..».
• وكما انفرد هذا الإنجيل ـ إنجيل يوحنا ـ بتأليه
المسيح.. كذلك انفرد بالاختلاف مع الأناجيل الأخرى في
العديد من الوقائع والأحداث..
- فهو الوحيد الذي يذكر حضور أم يسوع لصلبه.
- وهو ينكر أن تكون أم المسيح اسمها مريم!!.. ويقول إن
مريم هي أخت أمه وزوجة كلوبا!!
- وهو وحده الذي يذكر وجود يوحنا ـ الحواري ـ واقفا
عند يسوع وقت صلبه.. ثم يعود فيقول إنه كان مختبئا مع
سائر تلاميذ المسيح!.
- كما ينفرد بجعل مريم المجدلية تقف مع أم يسوع وخالته
ـ مريم ـ وتلميذه يوحنا عند الصليب.
- وينفرد بأن مريم المجدلية هي الوحيدة التي شهدت
بأنها رأت يسوع بعينها وتكلمت معه بعد قيامته من
الموت، وهو بعد عند قبره لم يصعد إلى السماء.
- ويعتقد «أ. كولمان» أن الإصحاح 21 من هذا الإنجيل هو
من عمل أحد التلاميذ الذي أضاف ـ أيضاً ـ بعض اللمسات
إلى متن الإنجيل.
- وهناك اتفاق على أن الفقرات من الإصحاح 7: 57إلى
الإصحاح 8: 11 «هي نص مجهول الأصل» أُلحق فيما بعد
بهذا الإنجيل.
- كما أن هذا الإنجيل ـ وياللدهشة ـ لم يذكر شيئا عن
رواية تأسيس القربان ـ الذي أصبح ركنا من أركان
«الطقوس الكنسية (القداس)..»(3).
• كما امتلأ هذا الإنجيل ـ إنجيل يوحنا ـ بالتناقضات..
- ففي 7: 6 ـ تعليم المسيح ليس من عنده.
- وفي 10: 30 ـ التعليم من عنده.
- وفي 3: 22، 26 ـ: أن المسيح يُعَمَّد.
- وفي 4: 1-3 ـ: المسيح لا يُعمَّد.
• ولأن هذا هو حال هذا الإنجيل.. فلقد قالت عنه (دائرة
المعارف البريطانية) ـ وهي أكثر موسوعات الغرب المسيحي
موضوعية ومصداقية.. التي تصدرها دولة ملكتها هي رئيسة
الكنيسة فيها ـ .. قالت:

«إن إنجيل يوحنا هو الإنجيل الوحيد الذي نص بكل صراحة
على ألوهية المسيح، حيث نقل عنه أنه قال: «أنا والأب
واحد» ـ 10: 30ـ و «الذي رآني فقد رأى الأب» 22 ـ 14:
9 ـ و «أنا في الأب والأب فيّ» ـ 14: 10ـ.
ويتعارض هذا الإنجيل مع الأناجيل الأخرى في أمور هامة
جداً وحاسمة:
- فهو يذكر أن المسيح صلب يوم 14 نيسان ـ (إبريل) ـ
بينما يفهم من بقية الأناجيل أن الصلب كان يوم 15
نيسان.
- ولا يذكر يوحنا في إنجيله تفاصيل رواية القربان
المقدس، أو العشاء الأخير، التي أصبحت فيما بعد شعيرة
من شعائر المسيحية.
- ولا يذكر أن المسيح تعمّد بواسطة يوحنا المعمدان.
- وفي حين يفهم من إنجيل يوحنا أن رسالة المسيح
استغرقت ثلاثة أعوام، فإنه يفهم من الأناجيل الأخرى
أنها استغرقت عاما واحدا.
- ويوحنا هو الوحيد الذي ذكر أن المسيح أخبر تلاميذه
قبل صلبه أنه سيرسل «الفارقليط».
- ولقد أوردت الموسوعة البريطانية قول الأسقف «بابياس»
ـ المتوفى سنة130م ـ أي المعاصر لمرحلة كتابة الأناجيل
ـ عن وجود أكثر من يوحنا ـ يوحنا بن زبدي، الحواري..
ويوحنا آخر هو الكاهن في «أفسس»(4) .. وفي داخل
الإنجيل ـ إنجيل يوحنا ـ يفهم أنه كتب بواسطة حواري
مجهول الاسم.
وبما أن الشواهد الداخلية والخارجية مشكوك فيها، فإن
الفرضية المطروحة لهذا العمل هي:
أن إنجيل يوحنا ورسائله حررت في مكان ما في الشرق،
ربما في أفسس، كإنتاج لمدرسة أو دائرة متأثرة بيوحنا
في نهاية القرن الأول الميلادي»(5)
تلك هي الحقائق حول إنجيل يوحنا.. الحقائق التي تطرح
السؤال المنطقي:
- هل هناك منطق يبرر أخذ العقيدة الأم ـ عند الكنائس
النصرانية ـ عقيدة ألوهية المسيح ـ عن مثل هذا
الإنجيل، الذي لا علاقة له ولا لكاتبه بعصر المسيح..
ولا اتساق بينه وبين غيره من الأناجيل ـ المعتمدة
منها.. فضلا عن غير المعتمدة ـ التي ترفض وتنقض تأليه
المسيح ـ عليه السلام ـ ؟!..
• إن في أناجيل أخرى ـ غير إنجيل يوحنا ـ نصوصا تشهد
على التوحيد.. وتعلن أن المسيح ـ عليه السلام ـ سيتبرأ
ـ يوم الحساب ـ من الذين ألّهوه وعبدوه واستعانوا به،
بدلا من عبادة الله الذي في السموات..
ففي متى 7: 21ـ23ـ : «ليس كل من يقول يا رب يدخل ملكوت
السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات.
كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس
باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات
كثيرة. فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط، اذهبوا عني
يا فاعلي الإثم»
ففي هذا النص يعلن المسيح براءته من الذين توسلوا
باسمه بدلا من اسم الله الواحد الذي في السماء..

ونحن عندما نتأمل هذا النص نتذكر على الفور ما جاء في
القرآن الكريم:
(وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس
اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي
أن أقول ما ليس لي بحق إن كنتُ قلتُهُ فقد علمتَهُ
تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام
الغيوب. ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله
ربي وربكم وكنتُ عليهم شهيدا ما دمتُ فيهم فلما
توفيتني كنتَ أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد.
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز
الحكيم) ـ المائدة: 116ـ118ـ.
تلك هي قصة السقوط المسيحي في تأليه المسيح، والكفر
بالوحدانية والأحدية.. واستبدالهم التثليث بالتوحيد..
وهذا هو المصدر الوحيد ـ إنجيل يوحنا ـ الذي ـ انفرد ـ
صراحة ـ بتأليه المسيح.. وهذا هو حال هذا الإنجيل
ومكانه من المصداقية في هذا الأمر الخطير.
الأمر الذي يطرح هذا السؤال، الذي ندعو عقلاء
المسيحيين إلى التفكر الجدي في الإجابة عليه.. لأن
القضية قضية دين.. وليست عصبية للباطل.. وقضية آخرة
وحساب وجزاء.. وجنة ونار.. وليست مغالبة على حطام
الدنيا الفانية ـ التي لا خير فيها ولا قيمة لها إذا
لم تكن وعاء لطاعة الإله الواحد الحق.. والسبيل إلى
السعادة الأبدية في يوم الدين.. يوم لا ينفع الناس ولا
يغني عنهم شيئا أحد من الأحبار الذين ضلوا وأضلوا..
(يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان
ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله) ـ
التوبة: 34ـ..
[وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن
الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من
قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم
أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلا
ليعبدوا الهاً واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون.
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن
يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. يا
أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان
ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله] ـ
التوبة: 30ـ34ـ.
الهوامش:
(1) [تفسير الرازي] ج11 ص195 ـ طبعة دار الفكر ـ
القاهرة سنة1401هـ 1980م.
(2) حسني يوسف الأطير [عقائد النصارى الموحدين بين
الإسلام والمسيحية] ـ الفصل الرابع ـ قضية المسيح
والكلمة Logos ـ ص144 ـ 152 ـ طبعة مكتبة النافذة ـ
القاهرة سنة2004م.
(3) جعفر حسن عتريس [التوراة والإنجيل والقرآن بين
الشهادات التاريخية والمعطيات العملية] ص163ـ180 طبعة
دار الهادي ـ بيروت سنة1424هـ سنة2003م.
(4) مدينة قديمة في آسيا الصغرى، على بحر إيجة.. من
عواصم المسيحية في القرون الأولى.
(5) [الموسوعة البريطانية] المجلد الثاني. ص955.