الأستاذ الدكتور عاصم حمدان، أستاذ الأدب العربي ـ كلية «الآداب
والعلوم الإنسانية في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، أستاذ متمكن في
موضوعه، متميز في طرحه.. مجموع كتاباته وبحوثه ودراساته انشغلت بخدمة
التاريخ والأدب والثقافة في المملكة العربية السعودية.. وبخاصة تاريخ
أدباء وعلماء المدينة المنورة، ومكة المكرمة.. قدماء ومحدثين..
وكتاباته في هذا المجال تمثل مراجع للدارسين والباحثين..
ولا شك أن اللقاء
بالأستاذ الدكتور عاصم حمدان، أكثر إمتاعاً وفائدة علمية وأدبية.. ولما
كان هذا اللقاء عابراً، اكتفينا فيه بطرح بعض ما وددنا الحوار فيه..
على أمل لقاء موسّع معه..
●
النظريات الأدبية والمنهج
الدراسي للطلبة الجامعيين كيف ترسمون حدود ذلك؟
> إن المنهج يؤخذ من
المادة الأدبية نفسها، فكلما تمعن الإنسان في هذا العمل الأدبي، كلما
فُتحت أمامه أبوابٌ لمنهجٍ يكون ملائماً لما يقوم بتدريسه من شعر وأدب
ورواية وقصة، وأنا ضد فرض نظريات معينة وخصوصاً الغربية منها على الأدب
العربي، خاصة عند ما يصل الأمر إلى درجة التعسف، فتضيع هوية هذا الأدب
ويفقد خصوصيته. وقد جنى بعض الدارسين في العصر الحديث عندما حاولوا سلخ
نظريات غربية المنشأ ومحاولة تطبيقها على الأدب العربي. وكأنهم لم يعوا
أن هذه النظريات لها سياقها الفلسفي والفكري والاجتماعي في البيئة التي
انبثقت عنها. ولكن هناك ثلة من الدارسين المتمكنين مثل عباس العقاد وطه
حسين وعبد القادر القط، وشكري عياد ومحمد يوسف نجم، وإحسان عباس،.
استطاعوا تَمثل هذه
النظريات الغربية واستخلاص بعض المعايير التي يمكن للأدب العربي أن
يفيد منها. وقد ظهر هذا جلياً فيما قدموه من دراسات للأدب العربي

●
ساهمت كثيراً في الكتابة عن أدباء المدينة المنورة القدماء والمعاصرين
هل ترون أن المزيد مستنفد؟
> ساهمت بقدر متواضع
بدراسات عن المدينة المنورة وخصوصاً عن القرون الثاني عشر والثالث عشر
والرابع عشر الهجري وربطته بازدهار بعض الفنون الأدبية في تلك العصور
وبين بيئة المدينة المنورة الثقافية والفكرية، وهذا الثراء الفكري
والأدبي كان وراءه حلقات العلم في الحرمين الشريفين مكة المكرمة
والمدينة المنورة.. ودور هذه الحلقات في صقل مواهب عدد من الأدباء..
ففي مكة المكرمة نجد أن أدباء من أمثال حسن القرشي، وطاهر زمخشري،
وأحمد جمال، وعبد العزيز الرفاعي هم ثمرة لتلك الحلقات، وكذلك في
المدينة المنورة، نجد أن جيل عمر بري وضياء الدين رجب، ومحمد حسين
زيدان، ومحمد عمر توفيق، وعبد القدوس الأنصاري وعبيد وأمين مدني، وعلي
وعثمان حافظ ، وإبراهيم العياشي، وأحمد ياسين الخياري، هم خريجو تلك
الحلقات التي جمعت بين العلم والأدب.. فلم تكن هناك جفوة بين العلم
والأدب.. وعندما وهم البعض بأن العلم شيء والأدب والثقافة شيء آخر، وقع
انفصام في العقلية العربية، ونأمل أن نكون قد استفدنا من القديم الذي
كان مزدهراً حتى يكون رافداً من روافد ازدهار الأدب والفكر في العصر
الحالي. والعبد الفقير إلى الله، هو مع استاذه الأستاذ بكري شيخ أمين
بصدد إخراج موسوعة شاملة عن شعراء المدينة المنورة وذلك من خلال تحقيق
كتاب:
(تحفة الدهر ونفحة الزهر
في شعراء المدينة من أهل العصر)، للأديب والمؤرخ عمر بن عبد السلام
الداغستاني المتوفى في نهاية القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر
الميلادي. كما سوف تقوم اثنينية الأستاذ عبد المقصود خوجة بإخراج
الدراسة التي أعددتها لنيل درجة الدكتوراه في جامعة مانشيستر ببريطانيا
الموسومة (دراسة نقدية لأدب المدينة المنورة في القرن الثاني عشر
الهجري) من خلال المصادر الأدبية المعاصرة.
●
هل سعادتك ممن لا يقبلون
بتقسيم تاريخ الأدب إلى عهود وأزمان؟ وبناءاً على ذلك هل ترى أن تاريخ
الأدب العربي قد كتب؟
> للأسف إن هذا المنهج
الذي استحدثه المستشرق الإيطالي نانلينو عندما درس الأدب في جامعة
القاهرة هو منهج اعتمد على ربط الأدب بالسياسة وسار عليه طه حسين
وجورجي زيدان وشوقي ضيف، وشذ عن ذلك الأديب مصطفى صادق الرافعي في
كتابه تاريخ آداب العرب الذي درس فيه الأدب العربي من خلال تطور الفنون
الأدبية.
كان تبرير الذين ربطوا
بين الأدب والسياسة هو تسهيل دراسة هذا الأدب، ولكن الأدب يشذ كثيراً
عن القاعدة السياسية، وعوامل ازدهاره ترتبط بسياقات أخرى فكرية
واجتماعية وثقافية.. ومن المفترض أن تتوجه الدراسات الحديثة لدراسة
الأدب العربي بمعزل عن فرض العامل السياسي عليه، وبالتالي ضياعه في خضم
هذا التيار وعدم ملاحظة كيفية تطور الآداب عند الأمم الأخرى.. ولا مانع
في هذا الباب أن نفيد مما عند الآخرين ونثري به أدبنا لنرى كيف نما
وازدهر وتطور.

●
الأعلام
الآتية أسماؤهم: عبيد مدني ـ أمين مدني ـ عبد القدوس الأنصاري ـ عبد
العزيز الربيع ـ عبد الرحيم أبو بكر.. ما الدلالات الرمزية فيهم؟
> تظل هذه الأسماء وغيرها
من العلامات والصوى المضيئة في تاريخنا الثقافي والفكري والأدبي
المعاصر.
ونستطيع القول بأن جيل
الأكاديميين لم يستطع أن يجاري ما كتبه رواد من أمثال عبد الله عبد
الجبار، وحمد الجاسر، أمين مدني، وعبد القدوس الأنصاري، عبد الكريم
الجهيمان، وأحمد جمال، وعبد الله بن خميس ومحمد أحمد العقيلي ومحمد حسن
كتبي، وعبد الله بالخير وحسين عرب، وعبد الله بن إدريس وعاتق بن غيث
البلادي وسواهم، فلقد اتسمت أعمال هؤلاء الرواد وسواهم بموسوعية شاملة
تبدت فيما كتبوه عن التاريخ والآثار والنقد والأدب كل حسب تخصصه.

وقليل من الأكاديميين من
أمثال ـ منصور الحازمي وحسن باجوده وأحمد الضبيب وعبد الرحمن الشامخ
وعبد الله المبارك ومحمد العيد الخطراوي وعبدالله عسيلان، ومحمد سعد بن
حسين وعبد الرحمن الطيب الأنصاري، وعزت خطاب، وعبدالله أبو داهش،
ومرزوق بن تنباك، وأحمد الزيلعي..
هم الذين خلفوا جيل
الرواد واستطاعت هذه الأسماء أن تؤسِّس لمنهج علمي يفترض أن تأخذ به
الأجيال اللاحقة لتعيد لهذه الأرض رسالتها الخالدة الجامعة بين الأدب
والفكر والعلم في كلٍّ واحد لا يتجزأ.
●
طغت صفحات
الثقافة على صفحات الأدب القديمة في الصحف فهل يعود ذلك إلى ما جنته
الصحافة على الأدب؟
> في رأيي أن الذي جنى
على الأدب الأصل هي صفحات الأدب الشعبي التي أضحت صفحات الصحف والمجلات
والمنابر تعطيها مساحة أكبر مما تعطيه للأدب الرصين، ولا أقول أنه لا
يوجد أدب عامي، لكن ينبغي أن تكون الهيمنة والسيادة للأدب الفصيح، لأن
القرآن نزل ببيان عربي مبين، فهل يستطيع الذي يكتب بالأدب العامي في
شمال أفريقيا أن يفهمه ابن الجزيرة العربية أو العكس؟!
أما ما يكتب بالفصحى فهو
أدب تفهمه جميع شعوب العالم الإسلامي الذي يحفظ القرآن والشعر لارتباطه
بهذه اللغة وينتمي إليها انتماء صادقاً لا لبس ولا غموض ولا زيف فيه.