ولمّا كنتُ بالحج هذا العام،
وقفتُ على رقصٍ، وطبلٍ تقومُ به إحدى طرق الصوفيّة(1)،
وهي تزعم انّ هذا الرقص والطبل من الذكر، ولما
استهجنته، سألتُ أحدهم: هل هذا هو ذكر الله؟ فأجاب ـ
على الفور ـ: هذا هو الذكر في كلّ العالم الإسلاميّ!
فسألته أخرى ـ على الفور ـ أيضاً ـ : لماذا لم يذكر
الله بهذه الصّورة في هذه البلاد، التي هي مهبط الوحي؟
فقال صاحبي الصّوفيّ: لم يجدوا مَنْ يُعلّمهم الذكر
بهذه الصّورة الصّحيحة!
والعجبُ ليس من هذا المريد، بل
العجب من شيخ جلس وسط هؤلاء، وهو يقرر ما قرره من قبل
أئمة التَّصوّف، وعلى رأسهم أبو حامد الغزاليّ، الذي
نظّر للتصّوف الفلسفيّ تنظيراً لا نظير له، حتى عمّ
البحر وطم! بل حتى الغزاليّ نفسه، دخل في بطن الفلسفة،
فأراد أن يخرج منها فعجز، كما حكى ذلك أبو الوليد
الباجي، أحد تلاميذ أبي حامد الغزاليّ!
أما تنظير أبي حامد، فهاك صورة
منه، قال في: (الإحياء) كما نقله ابن الجوزيّ في:
(تلبيس إبليس): (إنّ التشبيب بوصف الخدود، والأصداغ،
وحسن القد، والقامة، وسائر أوصاف النساء، الصّحيح: أنه
لا يحرم!).(2)
أقول: لمّا رأيتُ من حال القوم ما
يؤيّد ما قاله الغزاليّّ، رجعتُ إلى: (تلبيس إبليس)
أستفتيه في هذه القضيّة، فإذا بأبي الفرج يحكي من ذلك
هذه المثاقفة، التي أضعها بين يدي القارئ في هذه
السُّطور.
لكن...، قبل ذلك يحسن إيراد قول
لأبي الفرج قدّمه بين يدي تعقبه لأبي حامد، وهاك رسمه:
(...، وما زال العلماء يبيّن كلّ
واحد منهم غلط صاحبه، قصداً لبيان الحقّ، لا لإظهار
عيب الغالط.
ولا اعتبار بقول جاهل، يقول: كيف
يُردُّ على فلانٍ الزاهد، المتبرّك به، لأنّ الانقياد
إنما يكون إلى ما جاءت به الشريعة، لا إلى الأشخاص.
وقد يكون الرجل من الأولياء، وأهل الجنة، وله غلطات،
فلا تمنع منزلته بيان زلَلِهِ!) (3)
ويقول ـ أيضاً ـ: (...، ولو لا
الجرح والتعديل، من أين كان يُعرف الصّحيح من
الباطل؟!)(4).
قال أبو الفرج: (وجاء أبو حامد
الغزاليّ، فصنّف لهم كتاب: (الإحياء) على طريقة القوم،
وملأه بالأحاديث الباطلة، وهو لا يعلم بطلانها، وتكلّم
في علم المكاشفة، وخرج عن قانون الفقه. وقال: إنّ
المراد بالكوكب والشمس والقمر، اللواتي رآهنّ إبراهيم
ـ صلوات الله عليه ـ أنوار، هي حجب الله ـ عزّ وجلّ ـ
ولم يُرد هذه المعروفات!(5)
وهذا من جنس كلام الباطنية!).(6)
ثمّ قال أبو الفرج تحت: (ذكر
تلبيس إبليس على الصُّوفيّة، في ترك الجمعة والجماعة
بالوحدة والعزلة) ما رسمه: (وقد قال أبو حامد الغزاليّ
في كتاب:(الإحياء) : (مقصود الرياضة تفريغ القلب، وليس
ذلك إلاّ بخلوةٍ في مكانٍ مظلمٍ. وقال: فإن لم يكن
مكان مظلم، فيلف رأسه في جُبّته، أو يتدثر بكساء، أو
إزار، ففي مثل هذه الحالة يسمعُ نداء الحقِّ، ويشاهد
جلال حضرة الربوبيّة)!
قال أبو الفرج: (انظر إلى هذه
الترتيبات، والعجب كيف تصدر من فقيهٍ عالمٍ، ومن أين
له أنّ الذي يسمعه نداء الحقّ، وأنّ الذي يشاهده جلال
الربوبيّة؟! وما يُؤمِّنهُ أن يكون ما يجده من
الوساوس، والخيالات الفاسدة، وهذا الظاهر ممّن يستعمل
التقلّل في المطعم، فإنه يغلب عليه الماليخوليا!)(7).
ويتابع أبو الفرج مثاقفته لأبي
حامد، فينقل عنه ما رسمه: (قال أبو حامد: ينبغي أن لا
يشغل المريد نفسه بالتزويج، فإنه يشغله عن السُّلوك،
ويأنس بالزوجة، ومن أنس بغير الله، شُغِلَ عن الله ـ
تعالى ـ !) (8).
ثمّ يعقّب ابن الجوزيّ على كلام
أبي حامد هذا، قائلاً: (وإني لأعجب من كلامه، أتراه ما
علم أنّ مَنْ قصد عفاف نفسه، ووجود ولد، أو عفاف
زوجته، فإنه لم يخرج عن جادة السُّلوك (9)، أويرى
الأُنس الطبيعيّ بالزوجة، يُنافي أُنس القلوب بطاعة
الله ـ تعالى ـ ؟!).
ثمّ يتابع قائلاً: (أترى رسول
الله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ لمّا كان ينبسط إلى
نسائه، ويُسابق عائشة ـ رضي الله عنها ـ أكان خارجاً
عن الأُنس بالله؟! هذه كلّها جهالات بالعلم)(10).
ثمّ يتابع أبو الفرج آخر مثاقفته
لأبي حامد، فينقل عنه قوله: (وقد حكى أبو حامد
الغزاليّ أنّ الشبلي (وهو أحد أئمة القوم) أخذ خمسين
ديناراً فرماها في دجلة، وقال: ما أعزّك أحدٌ إلاّ
ذلّه الله !).
قال أبو الفرج معلّقاً: (وأنا
أتعجب من أبي حامد أكثر من تعجبي من الشبلي، لأنه ذكر
ذلك على وجه المدح، لا على وجه الإنكار، فأين أثر
الفقه؟!).(11)
قلتُ مُعقباً على كلام أبي الفرج:
حُبُّك الشيء يُعمي ويصم! وبعدُ...، فهذه صورة من صور
المثاقفة العلميّة دون المساس بحقّ المخالف، وإن كان
بيان حاله ـ كما قرره ابن الجوزيّ ـ ممّا بنبغي أن
يُحذّر منه. ومع ذلك بقيت مكانة كلّ من أبي الفرج وأبي
حامد دون إخلال، بل بقيت بكلّ إجلال، والحقّ يُقال إنّ
كلا الرجلين وَاقَعَ ما يُؤخذ عليه، فأبو الفرج، كان
متأوّلاً للأسماء والصفات على سنن الأشاعرة، وأبو حامد
فيه بعض ما ذكرته في هذه المثاقفة، لكن ممّا هو مقرر
لدى أهل العلم انّ أبا الفرج أحسن حالاً من أبي حامد،
وما تركه من المصنّفات يشهدُ بذلك، والله أعلم.
بقي أن أقول: إنّ هذا النَفَس
العلميّ في النّقد، منهج بنّاء، ويقدّم، ويرشد لبيان
الصّحيح من الخطأ، ويحفظ علينا أخوّتنا الإسلاميّة،
طالما وأنّ كلا الرجلين داخل دائرة الإسلام، ولله
الحمدُ والمنّة.
لذا، بقي أثرهم، مع وضوح الحقّ
وغيره فيه، وها نحن نتعلّم منهم هذا، لنرشد أُمّتنا
إلى طريق الصّواب، وشعارها (تنقض عُرى الإسلام، إذا
نشأ في الإسلام مَنْ لم يعرف الجاهلية) كما قال
الفاروق، الملهم، المحدّث، أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فيما صحّ عنه!
كما يبقى ـ أخيراً ـ أن نقول: أنّ
توجيه النقد. بهذه الصُّورة ممّا يُبقي على الأخوّة،
بل ممّا يُبقي على بقاء النفوس قابلة للإرشاد
والتوجيه، والله الهادي والموفق إلى سواء السّبيل،
وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين.
(1) هي ـ كما قيل لي ـ: الطريقة
الكشفية، الأحمديّة، الشاذلية، الصُّوفيّة!
(2) تلبيس إبليس، ص280.
(3) المصدر نفسه، ص209. ومن تتمة
كلامه لهذا الكلام قوله (ص409) من: (تلبيس إبليس) :
(ثمّ كون القوم في الجنّة، لا يمنع أن نذكرهم بما
فيهم، وتسمية ذلك: (غيبة) حديث سوء!)!
وقول أبي الفرج: (ثمّ كون القوم
في الجنّة) فيه ما فيه!
(4) المصدر نفسه، ص409.
(5) ومقصود أبي الفرج: أنّ
الغزاليّ يزعم أنّ: الكوكب، والشمس، والقمر، التي رآهن
إبراهيم ـ عليه الصلاة والسّلام ـ والتي ذكرها الله في
سورة: (الأنعام) ليست هي الكواكب المعروفة لنا،
والمشاهدة بحواسّنا، وإنما هي: (حجب الله) وهذا من صرف
اللفظ عن ظاهره، بل من التحريف، بل هو ـ كما قال أبو
الفرج ـ : من جنس كلام الباطنية، والله المستعان.
(6) المصدر نفسه، ص205.
(7) المصدر نفسه، ص352.
(8) حتى قال قائل منهم: (مَنْ
تزوّج، فقد ركب البحر، فإن ولد له، فقد انكسر به!).
(9) بل هو طريق الأنبياء،
والمرسلين، والصّالحين، فضلاً عن كونه عمارة للكون،
فانظر لمخالفة ما فطر الله الناس عليه!
(10) المصدر نفسه، ص360.
(11) المصدر نفسه، ص436.