
سنحاول في هذه المقالة
تحديد الزمن الذي بدئت فيه سوق عكاظ، والزمن الذي وئدت فيه.
وتحديد ظرف انتهائها أيسر
بكثير من تحديد وقت ابتدائها.. لأن ابتداءها كان في عصر الجاهلية
العربية الذي قلما يظفر فيه الباحث بشيء محدد التاريخ، وأما زمن
انقضائها فقد كان في الإسلام الذي يعنى فيه بتواريخ الأحداث الكبار...
من المعروف أن مولد رسول
الله صلى الله عليه وسلم، كان في عام الفيل، وهو يوافق سنة 570 ـ 571م.
وبعثته عليه السلام كانت
على رأس الأربعين من مولده، وهي توافق سنة 610م وقد حدثنا المؤرخون
وكتاب السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد شهد
«المجمع العربي العكاظي» وهو غلام حدث، وراقته، وهو في هذه السن
المبكرة تلك الخطبة الرائعة التي جاءت على خلاف سنن خطباء عكاظ من
فصحاء العرب ومفوَّهيهم، إذ كانوا يخطبون في المفاخرة والمناظرة وما
أشبه من شؤون الدنيا.. ما هذه الخطبة العجيبة الفذة في بابها التي
ألقاها الشيخ السمح «قس بن ساعدة» الأيادي وهو على جمله الأورق»، في
حشد من عرب عكاظ، ونبههم إلى أنهم في ضلال عقدي كبير، فقد بقى أثرها ذا
جذور عميقة في نفوس القوم، وبقيت عالقة في ذهن الرسول صلى الله عليه
وسلم طيلة حياته.. وجاءت مناسبة الإشادة بها يوم أقبل عليه وفد إياد،
في عام الوفود، فسألهم: ما فعل قس بن ساعدة؟ فقالوا له: مات يا رسول
الله.. فحدثهم عن ذكراه له، وقال: كأني أنظر إليه بسوق عكاظ على جمل له
أورق وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني أحفظه.. فلما قال له أحدهم:
انه يحفظه وتلاه بين يديه، قال الرسول: «يرحم الله قساً، إني لأرجو أن
يبعث يوم القيامة أمة وحده».
كما حدثنا المؤرخون ورواة
السيرة النبوية أيضاً حديث شهود الرسول صلى الله عليه وسلم لحروب
الفجار التي اندلعت بين قريش وأحلافهم، وهوازن، وكان ابن أربع عشرة سنة
أو خمس عشرة أو عشرين آنذاك.. وقد سرد لنا صاحب كتاب «أسواق العرب» هذه
الروايات وارتأى أن التوفيق بينها يتم إذا قررنا أنه صلى الله عليه
وسلم، حضر أول حروب الفجار وهو ابن أربعة عشر عاماً، وآخرها بعد ذلك
وهو ابن عشرين (1) فتكون حروب الفجار وقعت قبل البعثة بخمسة وعشرين
عاماً، أي سنة (585م).
ويروي لنا أبو الوليد
الأزرقي في كتابه «أخبار مكة» عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، لبث بمكة يتبع الحاج في منازلهم، في الموسم،
بمجنة وعكاظ ومنازلهم بمنى: «من يؤويني وينصرني حتى أبلِّغ رسالات ربي
وله الجنة؟».
... فلا يجد أحداً يؤويه
ولا ينصره، حتى ان الرجل يرحل صاحبه من مضر أو اليمن فيأتيه قومه أو
ذوو رحمه، فيقولون: «إحذر فتى قريش لا يفتنك..» يمشي بين رجالهم
(رحالهم) يدعوهم إلى الله عز وجل، فيشيرون إليه بأصابعهم حتى بعثنا
الله عز وجل له من يثرب الخ». والكلام لجابر بن عبد الله...
ويقول حديث آخر: أن
الخنساء انحدرت بهودجها إلى عكاظ، تسجل فيها رسميا انها أعظم العربيات
مصيبة، بما قتل في احدى المعارك القبلية من والدها سيد العرب: عمرو بن
الشريد، وأخويها: صخر ومعاوية..
وظلت على غشيانها سوق
عكاظ بهودجها نادبة باكية كل عام، حتى كان عام بدر فنافستها هند بنت
عتبة في هذه «المصيبة» العظمى، بما قتل يوم بدر من أبيها وعمها
وأخيها.. ثلاثة بثلاثة..
فإذا ضممنا هذه الأحاديث
إلى بعض ودرسناها أمكننا أن نخرج منها بنتائج إيجابية، جزئية وهامة
لقضية التحقيق في ماضي سوق عكاظ في بدايتها وفي ذروة نشاطها الذي أعقبه
انهيارها.. وانقضاؤها.

ونستطيع أن نقول ـ
استنتاجاً من الروايات المسرودة آنفاً، أن سوق عكاظ كان نشاطها كبيراً،
وصيتها مشهوراً، واسمها ونفوذها مدويين في أنحاء جزيرة العرب..
وتأثيرها في عقلياتهم
ومجتمعاتهم وأحوالهم طيلة حياة الرسول عليه السلام، أمراً كان مرموقاً
وملموساً. وذلك أن وفود العرب وفدت إليه في العام العاشر للهجرة، ومنهم
وفد اياد قوم قس بن ساعدة الادنين.. ومشهد وقفة جمله الأورق بين جموع
عرب عكاظ، وخطابه ذو الحلاوة بينهم لم يزالا ماثلين في ذهن الرسول، حتى
بعد أربعين عاماً من حدوثهما. وقد ذكَّر قومه الوافدين إليه بعدما
انتشرت اضواء الإسلام في شتى انحاء الجزيرة.. وكانوا للخطاب حافظين مما
يدل على عمق أثره في ألباب القوم على بعد واقعهم من أهدافه إذ ذاك.
وإذا فرضنا أن الرسول شهد
قس وعمره فوق العاشرة مثلاً، فيكون عام الوقوف بعد نحو خمسين عاماً من
حداثته المبكرة، لأنه كان في سنة 10هـ.
كما أن تقديمه النبل في
حروب الفجار بقريش، وهو ابن أربعة عشر عاماً إلى عشرين يدل على ازدهار
عكاظ في تلك الحقبة من الدهر..
ووفود هند بنت عتبة على
عكاظ عقب معركة بدر منافسة الخنساء في «الإعلام» بعظم مصيبتها هو الآخر
يدل على أن عكاظ كانت حتى ذلك الوقت ـ وهو بعد الهجرة ـ مرجع قضايا
العرب الكبرى ومناط آمالهم وآلامهم ومعرضهم الكبير..
هذا وكل ما أوردناه فيما
سبق، هو طرف من البحث أردنا من ورائه تحديد بعض نقط ازدهار سوق عكاظ
مما له مساس وصلة بعهد الإسلام في أول احقابه وكيانه..
ونضيف إلى ذلك ما رواه
المؤرخون من أن إسلام الأنصار لم ينشأ من منى بالموسم كما يظنه
الكثيرون، وإنما نشأ من سوق عكاظ نفسها، حيث ظل النبي عليه السلام يعرض
الإسلام كل عام على كل الوافدين إلى عكاظ من قبل قبائل العرب، قبيلة
قبيلة، حتى هدى الله به بعض بني قيْلة وهم في عكاظ، فآمنوا به ورجعوا
إلى بلدهم (يثرب) وأعلنوا الإسلام ونشروه ثم كانت بيعة العقبة..
وبعد المقدمات السالفة
ندخل في صلب الموضوع.. وهو تحديد افتتاح سوق عكاظ.. ومن أهم من تعرضوا
لهذه المسألة الاستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (أسواق العرب). يقول:
«لسنا نعلم لهذه السوق بداية محددة، إلا أننا نرجح وجودها قبل القرن
السادس الميلادي».
وعلى هامش هذا الرأي سجل
تخبط المراجع القديمة والحديثة في هذا الشأن.. فالألوسي ووجدي
والإسكندري والعناني والدكتور محمد حسين هيكل اتفقوا على أن عكاظ
افتتحت بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة.. وينقض هذا الرأي ما روى من أن
الرسول صلى الله عليه وسلم، كان ينبل على أعمامه في حروب الفجار وعمره
أربع عشرة سنة. أي بعد عام الفيل بأربع عشرة سنة.. إذ معنى هذا، أن
حروب الفجار وتقديم الرسول لقومه النبل فيها، كانا قبل وجود عكاظ
بسنة..
مع أن حروب الفجار كان
منشؤها من عكاظ نفسها كما هو معلوم.. هذا تناقض واضح..
وجاء المؤلف لنا بدلائله
التي تقرر أن افتتاح سوق عكاظ كان قبل حروب الفجار بأمد مديد مثل
المرأة التي باعت السمن بعكاظ وتزوجت بعبد شمس بعد ذلك ومثل عمرو بن
كلثوم الذي أنشد قصيدته بعكاظ وكان عائشاً حول سنة (500م) كما أن ولاية
عشرة قضاة متتابعين للقضاء في عكاظ قبل الإسلام يدل على بعد عهدها
بالنسبة للإسلام.. وبالنسبة لحروب الفجار التي حدثت قبل البعثة بربع
قرن من الزمان..
هذا كل ما توصل إليه صاحب
«أسواق العرب» من النتائج حول مبدأ نشوء سوق عكاظ.. وهي نتائج طيبة..
ونضيف إليها ما هو أكثر
تحديداً وانطباقاً وتعريفاً بمبدأ نشأة هذه السوق التي أحدثت دوياً
كبيراً في جزيرة العرب، وحاولت جمع متفرقهم ونجحت في كثير من توحيد
أوضاعهم الاجتماعية والبيانية والسياسية.. قبيل عهد الإسلام..
وهذا الذي نضيفه هو نتيجة
دراسة فاحصة لحياة النابغة الجعدي (2) وبعض شعره ذي العلاقة الوطيدة
بحياته المديدة وبسوق عكاظ، معاً.. ففي ديوانه وردت خمسة أبيات هي:
قالت امامه كم
عمرت زمانة
وذبحت من عتر على الأوثان
ولقد شهدت عكاظ قبل محلها
فيها وكنت أعدم الفتيان
والمنذر بن محرق في ملكه
وشهدت يوم هجائن النعمان
وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى
وقوارع تتلى من الفرقان
ولبستم الاسلام ثوباً واسعاً.....
من سيِّب لا حرم ولا منان
وقد شرح ناشر الديوان
(محمد زهير الشاويش) هذه الأبيات شرحاً مفيداً مستطاباً دقيقا إذ يقول:
ان حكم النعمان كان في القرن السادس للميلاد، فيغلب على الظن أن
النابغة أدرك أواخر القرن الخامس للميلاد.. ثم قال: «ان النعمان بن
المنذر ولي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة وعشرين عاماً
(586م) وتوفى قبل مبعثه بسنتين».
وإذا نظرنا إلى أن
النابغة الجعدي قد عاش نحو مائة وخمسين عاماً على أرجح الأقوال لدينا
ودليلناعلى ذلك من شعره أنه عاصر ثلاثة أجيال كان أكثر من نصفها في
الجاهلية، وأقلها في الاسلام.. وأنه توفي في أواسط المائة الأولى
للهجرة في أصبهان وإذا قرنا إلى ذلك قوله أنه شهد عكاظ قبل افتتاحها في
محلها.. وهو فتى.. أي أنه كان حدثا في نحو عشر سنين.. أمكننا عندها أن
نقول من باب التقريب. أن سوق عكاظ بدأ افتتاحها في محلها في نحو سنة 60
قبل مولده صلى الله عليه وسلم وهو يوافق سنة (511م)..
وهذا التاريخ لا يفترق عن
التاريخ الذي حدده سعيد الأفغاني بكثير..
أما تاريخ انتهاء سوق
عكاظ.. فيحدثنا التاريخ أنه كان سنة 129هـ حيث خرجت الخوارج الحرورية
مع المختار في مكة في تلك السنة فنهبوا سوق عكاظ فهجرت إلى الآن (3).
الهوامش:
1- كتاب أسواق العرب ص
165/ الطبعة الثانية.
2- ديوان (النابغة
الجعدي) المطبوع حديثاً على نفقة سمو الشيخ علي آل ثاني وقد أهدانا
إياه فضيلة الشيخ محمد نصيف..
3- كتاب أسواق العرب ـ
الطبعة الثانية ـ ص 343...